Thursday, July 29, 2010

يوميات المخالفة والكارتة

ما لا يتحدث عنه سائقو الميكروباص
كتب – عبدالرحمن مصطفى
في منتصف المسافة بين ميدان روكسي ومحطة المظلات بشبرا يطل من جانب الطريق أحد جامعي الكارتة حيث يتلقى في يده جنيها معدنيا، بعدها يحيي السائق الشاب تحية عنيفة معاتبا إياه على تجاهله في "الدورة السابقة"، يتنصل السائق سريعا من الموقف، ويبدأ في تبرير صبره بسرد قصص عن نفوذ جامع الكارتة داخل قسم الشرطة ولدى رجال المرور. "لأ.. الحاجات دي مش بتحصل عندنا" يعلق محمد أحد سائقي موقف المظلات بأنه ليس في سلطة جامع الكارتة على الطريق أن يمارس العنف تجاه السائق بأي حال، يتحدث محمد مع ابتسامة واثقة مخفيا الكثير من المشاكل التي يواجهها يوميا، يوضح : "من المفترض عدم وجود كارتة على الطريق، لأننا ندفع كل ثلاثة أشهر كارتة مجمعة ضمن مشروع السرفيس إلى جانب المصاريف الأخرى وتختلف حسب طول الخط بين 450 أو 600 جنيه أو أكثر !".واقع الأمر أن السائق على هذا الخط في فترة النهار قد لا يمر فقط بشخص واحد يطلب منه جنيها كلما مر، بل أحيانا ما يواجه شخصا آخر قرب نهاية الخط، وعلى عكس الرجل الأول ذو الملامح القاسية، يبدو الثاني أكثر بؤسا وهو يطلب جنيها من سائق الميكروباص، يقول محمد السائق الذي جاوز الأربعين: "في النهاية ندفع عن طيب خاطر، بعض هؤلاء سائق قديم أصيب في حادث أو شخص له ظروف خاصة".. يكشف عن ساقه ويقول أنه هو أيضا يسير بساق بها شريحة معدنية لكنه اختار العمل اليومي بدلا من جمع أموال السائقين بهذه الطريقة.. الصورة التي يرسمها محمد ليست بهذه البساطة، رغم استخدامه لغة حذرة في حديثه عن "جامعي الكارتة" لكنه يعترف أيضا بدورهم وأنهم أحيانا ما يساندون السائقين لدى رجال المرور. يبدو متصالحا مع الحال في هذا الخط، إلا أن مشكلته الحقيقة تكمن مع رجال المرور، يشير إلى طابور السيارات أمامه، "من المفترض أن يكون الموقف أسفل كوبري المظلات، لكننا نأتي هنا لتحميل الركاب لأن هذا الموقع أيسر إلى الناس"، يعلم كل سائق أن هناك من سينافسه دائما بدء من زملائه حتى وسائل النقل الأخرى، لذا فالإجماع على المخالفة يكون أهون، لكن مثل تلك التصرفات تعرض السائقين لمخالفات، خاصة ناحية ميدان روكسي في بداية الخط حيث يكون المشهد أكثر توترا، فالسائقين لا يمرون أبدا بالموقف المخصص لهم، يقفون في الإشارة للتحميل وأحيانا ما يتلقون عبارات قاسية من رجال المرور يكون بديلها هو سحب الرخصة والمخالفة، أما المفاجأة فأن من التزموا الموقف الرسمي يدفعون هم أيضا كارتة غير مبررة لعمال آخرين تحت دعوى "المحبة والترضية"، يضيف محمد : "في مرة فكرنا في الإضراب بعد أن وصل الحال بأحد زملائنا أن حرر له الضابط مخالفات بألف وخمسمائة جنيه إلى جانب سحب الرخصة، هذه هي المشكلة الحقيقية وهي أهون مشكلة جامعي الكارتة". يشير محمد إلى الجانب الآخر من المظلات حيث أميال توصل إلى شبرا الخيمة، هناك عمال الكارتة أكثر ضراوة، السيارة الغريبة قد تدفع خمسة جنيهات، الحياة المزدحمة في الموقف لا تحتمل ضيف جديد، وعمال الكارتة ليسوا في بساطة العاملين على الخطوط الأخرى فهم يجمعون أموالا لحساب المحافظة، الموقف العشوائي في محطة عرابي بشبرا الخيمة أقرب إلى سيرك، علامات مشروع السرفيس غائبة من على زجاج السيارات، الشجار لايتوقف بين السائقين على التحميل، ومفاوضات مع رجال المرور الجالسين جوار الموقف، اختار أحد السائقين أن يكون الحديث في سيارته خشية الصدام مع أحد، يقول : " في أي وقت يمكن لأمين الشرطة أن يأخذ مفتاح السيارة وينطلق بها إلى القسم أمامي و أن يحرر الضابط مخالفة قد تصل إلى خمسمائة جنيه"، في هذه المنطقة أزمة يعيشها السائقون، أعرب عنها هذا السائق في استعداده أن يدفع خمسين جنيها - لمخالفة خط السير ضمن مشروع السرفيس - على أن يقع في قبضة رجال المرور كل فترة، هؤلاء السائقين بين القاهرة والقليوبية أقاموا إضرابا قبل أكثر من عام نتيجة تعرضهم المتكرر للمخالفة، أما هذا السائق و زملائه تحديدا فيعملون بين المسافة في محطة عرابي في شبرا الخيمة إلى شارع شبرا في القاهرة، وهو خط ابتكروه بأنفسهم، ولم يتحول إلى خط رسمي ضمن مشروع السرفيس. في هذه الأجواء تظهر سلطة جامعي الكارتة، إما بمثابة وسطاء، أو عمال لدى المحافظة في جمع الأموال رغم عدم مشروعية عملهم.
هذا المشهد يكون أوضح بعد الساعة الثانية عشر صباحا ناحية ميدان رمسيس، حين يظهر "عم أحمد" بشكله التقليدي، وملامحه التي تجمع الغضب والجدية، مرتديا بدلته القديمة، مزهوا بجسمه النحيل المتعارض مع ما له من سطوة على سائقي الميكروباص المتجهين ناحية عين شمس.. يظهر رجل المرور مطالبا السائقين بالرحيل، حسب الملصق المكتوب على زجاج سياراتهم عليهم أن يبدؤوا رحلة تحميل الزبائن من موقف أحمد حلمي، لكن هذا لا يحدث، يظهر "عم أحمد" يدفع له السائق جنيهان معدنيان، ويعود "عم أحمد" للتفاوض مع عساكر المرور كي يسمحوا للسائقين بالوقوف دقائق معدودات، يعلق سيد السائق الميكروباص الذي دفع لعم أحمد جنيهان في إجراء يومي قائلا : "محدش عارف الصح من الغلط.. احنا بنعك"، يعترف انه يجب أن يبدأ من موقف أحمد حلمي لكنه على أرض الواقع يعلم أن المكان الأنسب لتحميل الركاب هو من شارع رمسيس، وإذا لم يأتي إليه سيأتي غيره، وفي هذه الأزمة اليومية ظهر "عم أحمد" الذي يعمل فقط حتى الثالثة إلى الرابعة صباحا، يقول سيد : "الكارتة المجمعة الرسمية تصل عند التجديد إلى أكثر من 900 جنيه، ما أدفعه لعم أحمد لا أعلم جدواه، يقول لنا أنه يدفع لرجال المرور، لكننا كل يوم نتعرض للتضييق أو المخالفة، أو نختبئ في شوارع مجاورة، أحيانا ما ينجح في أن نظهر لدقائق سريعة في ميدان رمسيس وأحيانا يخفق مثلما حدث اليوم". يعلم سيد انه في موقف عبثي، لكنه سيستمر على هذه الخطة كل يوم، دون ملل أو تعب.

Wednesday, July 28, 2010

صفحة من دفتر مهاجر سابق

كتب – عبدالرحمن مصطفى
رغم مرور عدة سنوات ما زال عمرو محمد السيد (26 سنة) محتفظا في ذاكرته بهذين التاريخين جيدا: 17 يوليو، 30 سبتمبر 2005، الأول هو يوم بدء رحلته الأولى في محاولة الهجرة إلى إيطاليا، والثاني هو يوم الإخفاق في إتمام نفس الرحلة. منذ ذلك الوقت حتى الآن ترفض أسرته فكرة تكرار التجربة مرة أخرى، أو حسب تعبيرهم : "لو بيرلسكوني جه بطيارة عشان ياخدك بنفسه على إيطاليا.. مش هتروح"، واكتفى بمتابعة أحوال المهاجرين والرضا بالواقع. يعيش عمرو السيد في قرية قلمشاه التي يقدر عدد سكانها بثلاثين ألف نسمة وتتبع مركز إطسا بمحافظة الفيوم إحدى أشهر المحافظات التي يتجه شبابها إلى الهجرة سرا إلى إيطاليا، لماذا إيطاليا ؟ يجيب عمرو: "كان في راسي وقتها نفسي السيناريو الذي نفذه آخرون، فإما أن تدخلني مافيا التهجير إلى إيطاليا وأعيش هناك، أو أن يتسلمني الصليب الأحمر كلاجئ هارب من إحدى مناطق الحروب ويتم الإنفاق عليّ أثناء إقامتي.. حتى أن ربان المركب التي قادتنا إلى إيطاليا في البحر ذكر لي أنني من الممكن أن أدخل المدرسة هناك وأتعلم لأن ملامحي كانت أصغر من سني".
في تلك الفترة كان عمرو في سن العشرين يدرس في كلية التربية بقسم اللغة الفرنسية، ووصل وقتها إلى قناعة بعدم جدوى التعليم الجامعي، وأن الهجرة هي المستقبل الحقيقي في ظل انعدام فرص العمل. يقول: "كان أمامي أيضا تجربة عمي الذي سبقني في الهجرة إلى إيطاليا بعام واحد فقط، ونجح في البقاء هناك لمدة ست سنوات من العمل". المفارقة التي يعيشها عمرو الآن هي أنه يقطن كعريس جديد في الطابق العلوي من شقة عمه الذي عاد إلى مصر مؤخرا محققا نموذج النجاح في إيطاليا. تذكر دراسة نشرت عام 2006 تحت عنوان "اتجاهات الشباب المصري حول الهجرة لأوروبا" وأجريت على عينة من شباب عدة محافظات مصرية أن حوالي 94% من عينة الدراسة حددوا دولة المهجر بناء على أحاديث الأصدقاء والأقارب، وكانت نسبة 61% من الشباب في ذلك الوقت قد اختارت إيطاليا كدولة هجرة مؤقتة، وهكذا كان عمرو أيضا.
لم يكن التيار وحده هو الذي دفع عمرو وأصدقاؤه إلى رحلة البحث عن إيطاليا بل واقع آخر.. فعلى مسافة عدة كيلومترات تقع قرية "تطون" الشهيرة كإحدى القرى الطاردة إلى إيطاليا، وطوال سنوات مضت راقب سكان القرى المجاورة ذلك التطور الذي أصاب تطون في غلاء أسعار الأراضي والعقارات إلى عشرة أضعاف، وارتفاع مستوى المعيشة وتغير طباع القرية الهادئة، وكانت إيطاليا هي كلمة السر، كما ان حالة الزهو التي تصيب بعض العائدين من هناك ما زالت تحرك غيرة الآخرين. الرحلة التي قطعها عمرو في 2005 لم تختلف عن التي قطعها عمه في العام السابق عليه، ولا عن الرحلات التي خاضها بعض أصدقاءه ومعارفه فيما بعد، ربما اختلفت الأسعار قليلا عن مبلغ 12000 جنيه الذي دفع عمرو نصفه على أمل أن يدفع النصف الآخر بعد إتمام العملية، بينما وصل المبلغ الآن إلى ما يقارب أربعة أضعاف هذا المبلغ. في 17 يوليو 2005 انطلق عمرو بجواز سفر سليم مباشرة إلى ليبيا بواسطة ميكروباص من الفيوم، يقول عمرو : "كنا أربعة، اثنان من الفيوم واثنان من طنطا، أقمنا في إحدى القرى الليبية ثم تركناها بعد يومين سريعا خشية الأمن، وانتقلنا إلى مكان آخر أقرب إلى مزرعة خاصة، حيث كنا نقيم في مكان محدد يلقب بالحوش، وتم تخزيننا هناك ". المكان الذي لا يزيد على ثلاث غرف وصالة توافد عليه من يأتي به مندوب التهريب، وبدأ عمرو مع مرور الوقت يشارك في استلام القادمين من مصر، وحين يسأله أحد في الشارع يقول : "أنا سائح من مصر !"، لكن مع مرور الأيام ثم الأسابيع بدأت الأجواء داخل "الحوش" تتوتر مع تزايد الأعداد وطول فترة "التخزين"، بدأ عمرو وقتها في تعلم أمور خاصة بالملاحة ومتابعة نشرات أخبار الطقس على أمل ظهور الوقت المناسب للإبحار، وبعد مرور أكثر من شهرين دون تسفير أحد، بدأ البعض يهدد المهربين بالعودة إلى مصر، يعلق عمرو : "في هذه المرة كنا على وشك الاشتباك مع المندوبين، خاصة أن الاتفاق كان مع أبناء الفيوم على أن ينفق الشاب على إقامته من جيبه على عكس أبناء بحري الذين دفعوا 25 ألف جنيه شاملة كل شيء". بعد ثورة المهاجرين كان يوم 29 سبتمبر هو الموعد الذي نقل فيه المهاجرون سرا عبر الساحل حيث تسلمهم أعضاء مافيا التهريب الليبية وانتقلوا إلى مركب صيد لا تتجاوز 12 مترا يقودها مصري من بلطيم وسط أكثر من 100 مهاجر سري، وكان الخوف الرئيسي من السقوط في قبضة البوليس الإيطالي في جزيرة لامبيدوزا نظرا لسمعتها في اتساع مراكز الإيواء بها للاجئين ثم ترحيلهم. حين يستدعي عمرو هذه التجربة الآن يحمد الله على نجاته وعودته سالما، ورغم أن له زملاء من فترة الجامعة اتجهوا إلى نفس التجربة في إيطاليا وجنوب أفريقيا كمهاجرين غير شرعيين ونجحوا، إلا تجربته كانت أكثر بؤسا. يقول عمرو : "مع ثورة البحر أصيب البعض بالوجوم وآخرون انهاروا تماما، وكان المشهد مروعا في المساء حين تتحول الأمواج إلى جبال تتحكم في الدفة، وزاد من بؤس الرحلة أن تعطلت بوصلة المركب واتجه الربان بالخطأ إلى جزيرة مالطة في اتجاه المعاكس حيث انتهت الرحلة هناك، وأغرق خفر السواحل المركب أمامنا". بعد معركة مع أمواج البحر يصفها عمرو ومعركة أخرى مع الربان الذي أراد عدم تسليم نفسه لخفر السواحل المالطيين، استقر الجميع في المعسكرات، يقول عمرو : "بعد أن وصلنا نفذت السيناريو الذي كانت سأتمه في إيطاليا، فقد كنا قد تخلينا عن جوازات سفرنا على الشاطي الليبي، فقلت في مالطا أنني فلسطيني على أمل أن أحصل على حق لجوء، لكن أخفقت بعد أن علمت أن مصيري هو السجن في تلك الحالة". عادت المجموعة إلى مصر عن طريق السفارة بعد أن شاهدت أهوالا أخرى داخل معسكر اللاجئين ومعارك مع اللاجئين الأفارقة هناك وتضاعف الإحساس بالهزيمة. قد تبدو القصة مسلية حين يرويها عمرو في منزله وفي خلفيته منازل القرية ومزارعها الخضراء، لكنه منذ ذلك الوقت ما زال مرتبكا بين واقع البقاء وفكرة الرحيل يقول : "بعض زملائي من الجامعة يعملون الآن عمالا وباعة في المحلات بأجر زهيد". يقول الجملة وهو محاط بتجارب العائدين من إيطاليا وتأثير اليورو في بلدة مثل "تطون" المجاورة، لديه قناعة أن الحياة في إيطاليا أفضل حيث شعار "الدين لله والوطن للجميع" حسب تعبيره، في إشارة منه إلى إحساس من خاضوا التجربة بالاحترام هناك رغم أنهم مهاجرين. عدا ذلك يحمد الله بعض من لم يهاجروا أنهم لم تطرأ عليهم تحولات مدينة تطون التي ابتعدت عن الطابع الريفي الهادئ وازداد صخبها نتيجة حركة الأموال الايطالية هناك .

Sunday, July 18, 2010

أسوان.. مدينة تتحدى الصيف

في الوقت الذي تتجه فيه الأعين ناحية المدن الساحلية المطلة على البحرين الأحمر و المتوسط، تظل مدينة أسوان في أقصى جنوب مصر صبورة على الصيف وما يصاحبه من انخفاض في معدلات السياحة.. رغم ذلك تواجه المدينة قسوة الصيف بتحد. و داخل البيوت النوبية على أطراف المدينة و في حكايات تجار السوق تدور أحاديث ذات طابع خاص.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
يمر محمد عبداللطيف جوار كورنيش مدينة أسوان محتميا بسيارته من حرارة الجو الحارقة، يشير إلى البواخر النيلية الطافية جوار الطريق متحدثا بضيق عن تأثير الصيف على نشاط المدينة وحركة السياحة، قد لا يعلم محمد أن مدينة أسوان قد سجلت في العام الماضي 2009 حسب تقديرات هيئة الأرصاد الجوية أعلى درجة حرارة في مصر وتحديدا في يوم السادس من إبريل حين بلغت درجة الحرارة العظمي 47 درجة مئوية، حين تذكر مثل هذه المعلومة هنا أمام أحد أهالي أسوان قد يشكك في الرقم مرجحا أنها تتجاوز ذلك بكثير، أما محمد فيقول : "لا يدرك حقيقة التحول الذي يطرأ على أسوان في الصيف سوى من زارها في الشتاء، أو من شهد عصور ازدهار السياحة قبل سنوات". حسب بيانات محافظة أسوان فإن الأرقام في السنوات الماضية تشير إلى هوة في أعداد السائحين عند المقارنة بين شهرين مثل فبراير ويوليو على سبيل المثال، وتكشف المقارنة عن أن الأعداد في الصيف تنخفض إلى الثلث تقريبا حسب أرقام العام 2008، يكمل محمد حديثه معلقا عن أنه انتقل قبل عدة أشهر إلى شركة الكهرباء هروبا من تقلبات العمل في السياحة حيث يعمل في نقل السائحين بمركبه الصغير في النيل بين البواخر العملاقة والمواقع السياحية على الشاطئ، يقول : "وجدت أن الاعتماد الكامل على السياحة ليس في صالحي"، يتلقى مكالمة من أحد زملائه يعرض عليه عملا لنقل فوج سياحي بمركبه، لكنه يبدي عدم الاهتمام، ثم ينطلق بسيارته إلى قريته النوبية "نجع المحطة" حيث ينتمي، هناك يختفي اسم محمد ويناديه الجميع بـاسم "حمادة"، يسير بين دروب القرية حيث تبرز مفارقات في الطريق إلى منزله، البعض اختار الجلوس على مصاطب المنازل، والبعض الآخر هرب من الحر تاركا دروب القرية خالية من السكان، أما المفارقة الأوضح فتظهر ظهور ذلك العدد القليل من المنازل ذات العمارة النوبية التقليدية ومنازل أخرى ذات طابع لا يختلف كثيرا عن بيوت مدينة أسوان. يشير "حمادة" إلى أحد المنازل القديمة التي صممت على الطراز النوبي القديم قائلا: "مثل هذه المنازل المبنية بالطوب الني كانت تساعد القباب فيها على موجهة حرارة الجو صيفا". المعلومة التي يذكرها "حمادة" استرعت انتباه الكثير من المعماريين وعلى رأسهم المعماري الشهير حسن فتحي الذي لفت نظره هذا النموذج الملائم للبيئة في البيت النوبي، حيث تعكس أسقف المنازل المصممة على شكل قباب أشعة الشمس، وتعمل فتحات تهوية في أسقفها على خفض درجة الحرارة و تجديد الهواء داخل المنزل، كذلك فاتجاهات بناء المنزل تراعي حركة الرياح في الشتاء والصيف، في منزل حمادة الذي بناه بيده "طوبة طوبة" كلما تجمع معه بعض المال، يظهر نمط معماري لا يكترث كثيرا بحر الصيف، ففي داخل المنزل تكييف صحراوي يعمل بالمياه وموفرا الكهرباء، ولم يعد تصميم المنزل هو الفيصل في مواجهة تقلبات الجو. إلا أنه لم يتخل عن بعض اللمسات النوبية في الديكور وطلاء المنزل. بعد صلاة الظهر في مسجد القرية يجتمع بعض الشباب والشيوخ على غير موعد أمام مبنى جمعية "نجع المحطة"، هناك جلس عم "حسّون" دون اهتمام بأشعة الشمس الساقطة على رؤوس الجميع، يتأمل مشهد المجموعة التي تكونت أسفل إحدى الأشجار للعب الورق وتبادل الأحاديث، يعلق عم "حسون" الذي جاوز عامه السبعين قائلا:"قبل ستين عاما لم تكن هناك مثل تلك الجلسات المختلطة التي تجمع الشيوخ مع الشباب". اليوم أصبح الشيخ المسن يلتمس العذر لأي شاب ينفخ الدخان جواره من ضيقه بالحياة، قد يبدو سؤالا ساذجا في مثل تلك الأوقات: "كيف تقضون فصل الصيف؟!"، بعيدا عن قلقه وغضبه المكتوم من خمول حركة السياحة يعلق حمادة: "آخذ الأطفال واتجه إلى النادي – مركز الشباب- وأحيانا ما يكون الاستحمام في النيل هو الحل للهروب من هذه الأجواء". يتدخل عم "حسون" في الحديث معلقا : "علاقة النوبي بالنيل لم تختلف في أي جيل، ربما في الماضي كانت منازلنا أكثر بساطة ونواجه تغير الصيف والشتاء بتصميم بسيط، أما اليوم فمنازل القرية أصبح الدش والتكييف جزء منها". يعلل عم حسون انحسار وجود التصميم النوبي في البناء الملائم لطقس القرية أن ذلك ارتبط بحوادث السيول التي دفعت الناس إلى البيوت الإسمنتية التقليدية، ولأن الاسمنت يزيد من حرارة المنزل فأصبح التكييف ضروريا. يعلق حمادة على تلك العبارة قائلا : "في قرية غرب سهيل ستجد التصميمات النوبية أكثر عددا، حتى من يبني على طرز حديثة مختلفة يفعل ذلك خارج البيوت النوبية القديمة، خاصة أن تلك البيوت أصبحت مزارا للسائحين". في محافظة أسوان يمثل النوبيون نسبة 20% من السكان، ويجمع قريتي نجع المحطة وغرب سهيل أن سكانهما ينتميان إلى النوبيين من فرع "الكنوز"، كما أن كلا من القريتين انتقل إليها المهاجرون بعد مشروعات إنشاء خزان أسوان، ثم من توالت الهجرات إليهما بعد تعليته في عامي 1912 و 1933، لكن أجواء الصيف تختلف إلى حد كبير بين القريتين، خاصة في غرب سهيل .
إلى غرب سهيل
كان حمادة على موعد في اليوم التالي مع قرية غرب سهيل حيث زملاء العمل في السياحة وأبناء العمومة، يصاحبه في الزيارة صديقه الشاب محمد الحلفاوي عضو المجلس المحلي عن قرية "نجع المحطة" الذي تحدث في أثناء الرحلة عن مشاكل تعيشها القرية قائلا : "هناك أشياء بسيطة نبذلها مثل طلب أعمدة إنارة للقرية، لكن هناك مشاكل أكبر مثل عدم تملك سكان القرية لأراضيهم التي عاشوا عليها منذ تهجيرهم نتيجة إنشاء خزان أسوان وتعليته، كذلك عدم تعويض بعض من تعرضوا لهدم بيوتهم أثناء القيام بأعمال توسعة الطريق التي جرت قبل سنوات.. رغم وعود المسئولين". يحاول كلا من حمادة ومحمد الحلفاوي نسيان مشاكل قريتهم "نجع المحطة" أثناء توجههما إلى قرية غرب سهيل.. وعلى مشارف القرية يبدو الاختلاف واضحا مع ظهور الأفواج السياحية والجمال والبازارات السياحية، إلى جانب حركة "الفلوكات" الصغيرة على الشاطئ.. في المواسم التقليدية تستقبل القرية يوميا بين الألف والثلاثة ألاف زائر، ورغم قلة الأعداد الآن إلا أن الصيف الأسواني لم يتسبب في ركود الحال تماما، الأفواج السياحية جاءت مباشرة إلى غرب سهيل للاستمتاع بالسياحة البيئية حيث المنازل التي حافظت على تصميمها النوبي التقليدي، يوضح حمادة قائلا : "حتى من يبني منزلا على نمط حديث يبتعد بعيدا عن قلب القرية، هذا أحد مميزات المكان هنا". أمام أحد المنازل النوبية المطلة على النهر يخرج عم "ناصر" مستقبلا زواره، وداخل منزله الفسيح كان المشهد مختلفا، حيث المنزل النوبي التقليدي ذو الأسقف ذات القباب و الساحة الفسيحة والمصاطب. إلا أن كل هذا لم يمنع وجود التكييف داخل المكان، يعلق عم ناصر قائلا: "لم يكن الحال هكذا في البداية كان كل شيء مختلف.. في التسعينات جاءني أحد المرشدين مستأذنا في زيارة منزلي مع مجموعة من السائحين، وبعد أيام تكرر الأمر، وبدأ يتطور إلى اتفاق، ثم بدأ في تسديد النصائح إلى حول كيفية تطوير المنزل كي يكون صالحا لاستقبال السائحين الراغبين في التعرف على النوبيين، بدء من إعداد أكواب الشاي، حتى إضافة مصاطب للجلوس وتسقيف الحوش بسعف النخل، وتطورت الفكرة بالقرية وبدأت الجمال تظهر للسائحين، وتبرز البازارات على الطريق" . رغم هدوء صيف أسوان إلا أن هناك فئة من السائحين يعتمد عليها البعض في هذه الفترة وهم الأسبان والإيطاليين الذين يؤجرون منازلهم صيفا ويأتون إلى مصر في هذا التوقيت بأسعار الصيف الرخيصة. يأتي الكركديه البارد فيصب عم "ناصر" لضيوفه تاركا مساحة من الحديث لمحمد عبدالباسط الذي انضم إلى الجلسة وهو أحد مشاهير القرية، حيث يغني ويحفظ تاريخ النوبة كما أن له تأويلات كثيرة لبعض الكلمات والعبارات في العامية المصرية يعيدها إلى جذورها النوبية.. يعود السؤال إلى الظهور مرة أخرى في الجلسة: "كيف اختلف التعامل مع صيف أسوان على مدار هذه السنوات؟"، يجيب محمد عبدالباسط الذي جاوز الخامسة والستين قائلا : "هناك أشياء جربناها ولم تعد متواجدة اليوم مثل الاستمتاع بفيضان النيل، والصيد، والغطس أمام المنزل مباشرة"، يتدخل عم ناصر صاحب الضيافة مشيرا إلى باب منزله قائلا : "كانت المياه في وقت الفيضان تصل إلى الباب، كان بإمكاني اصطياد السمك من أمام المنزل، كان الخير يفيض حتى أننا كنا نعطي فائض الصيد لجيراننا". بعد إنشاء السد العالي اختلفت الطبيعة تماما، واختفى الفيضان الطائش واستبدل بصيف راكد، يضيف محمد عبدالباسط : "في الصيف هناك بعض الأكلات التي تتحدى حرارة الجو ولن تجدها إلا هنا في أسوان وتحديدا لدى النوبيين.. أشهر أنواع الطعام هو الـ (أب-ريه) قبل أن نعده كنا نبدل المياه بين كل زير وآخر للحفاظ على برودة المياه، هذه الأكلة بالذات كانت حلا رائعا في وقت الحر، عبارة عن خبز شبيه بالرقاق يغطس في مياه باردة مع ليمون وبلح وسكر، مع مشروب مثل قمر الدين.. ويكون كافيا عن الغداء". يعلق عم ناصر : "قل عمله الآن، لكنه ضيف عزيز في موائد رمضان". كان الحديث عن العادات النوبية قديما وكيف تغير بعضها سببا في الحديث عن النوبيين بصفة عامة، ربما شهد هذا الصيف عودة هذا الحديث من خلال مؤتمرات وتصريحات عن "القضية النوبية" مرة أخرى، لكن الجلسة لم تكن تحتمل مزيدا من السخونة.. فجأة يشير محمد عبدالباسط قائلا : "على فكرة.. نحن لم نتحدث بعد عن الفرح النوبي!؟".. كثرة الأفراح في الصيف إحدى اللحظات التي تنسى فيها أسوان وقرى النوبة ضجر الصيف، أما الفرح النوبي تحديدا فله طقوس خاصة قد تستمر لأسبوع حيث تعتمد في البداية على المرور بين دروب القرية ومنازلها لدعوة الجيران والأهل، وانتقال ليالي الاحتفال بين منزلي أهل العريس والعروس، مرورا بليلتي الحنة والزفاف حيث يستمر الغناء حتى الصباح. كل تلك الأجواء تغير من مزاج الصيف العكر.. يودع حمادة ورفاقه قرية غرب سهيل عائدا إلى نجع المحطة، لم يخلو طريق العودة من مفارقة أذاعها كاسيت سيارته لأغنية تحت عنوان "غرب سهيل"، أما المغني لم يكن سوى محمد عبدالباسط الذي كان يتحدث في منزل عم ناصر قبل قليل، دندن الشباب في السيارة مع الكاسيت معاندين الصيف وضجره.
الحرارة فوق الأربعين !
ليست مدينة أسوان هي المدينة الوحيدة التي انفردت بتسجيل أعلى درجات الحرارة في الصيف الماضي، بل نافستها حسب أرقام الهيئة العامة المصرية للأرصاد الجوية مدن أخرى خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس وسبتمبر، حيث تصدرت القوائم مدينة الأقصر ولم تنتزع منها أسوان المركز الأول سوى في شهر أغسطس، أما أعلى درجة حرارة على الإطلاق سجلت في العام الماضي فقد كانت في شهر إبريل أثناء فصل الربيع، وحققتها أسوان حين وصلت إلى 47 درجة مئوية، ويفسر ذلك الدكتور علي قطب المتحدث الإعلامي باسم هيئة الأرصاد الجوية قائلا : "من المعلوم أن صيف الكرة الشمالي يسجل دائما أعلى درجات الحرارة خاصة في المنطقة العربية نظرا لطبيعتها الصحراوية، بل وأحيانا ما تسجل درجات حرارة مرتفعة في النصف الثاني من فصل الربيع نتيجة الموجات الخماسينية والحرارية القادمة من جبال أطلس القادمة من الغرب مرورا بمصر" . ويوضح الدكتور علي قطب أن درجة الحرارة ليست العنصر الوحيد المؤثر على الشعور بالحرارة، فهناك عوامل أخرى مثل ارتفاع الرطوبة وسرعة الرياح. على جانب آخر يشرح الدكتور جمال سعودي مدير مركز التحاليل الجوية الرئيسي كيف تتم عملية تسجيل معدل درجة الحرارة التي تتم في ظروف خاصة، ويقول : "في مصر حوالي 114 محطة، تتم عملية التسجيل في كشك خشبي يسمح بمرور الهواء من فتحات شيش، وتغطي أرضيته العشب حتى لا تنعكس حرارة الأرض مباشرة على الترمومتر، وتلك الظروف هي المتفق عليها عالميا وهي الأقرب للحياد". يوضح الدكتور جمال أن عدم اقتناع البعض بدرجة الحرارة المذكورة في نشرة الأخبار سببه أن الشعور يختلف من مكان لآخر، يوضح قائلا : "من يقيم في وادي أو شارع ضيق، يختلف عن آخر يجلس أمام النيل، كما أن تأثير الضغط الجوي ونسبة الرطوبة والرياح أمور تزيد من الشعور بالحرارة أو العكس، لذا يتم قياس درجة الحرارة في محطاتنا داخل ظروف محايدة .
PDF

Thursday, July 15, 2010

الحياة على شريط الترام

رحلة الصبر وطول البال
في المقهى المقابل لجراج الترام ومكتب الاشتراكات بحي محرم بك يجلس وائل قناوي إلى جوار سعيد سليمان في انتظار لحظة الانطلاق إلى رحلة الصبر في شوارع الاسكندرية، قد يختلفان في العمر وفارق الخبرة، لكن الزمالة وظروف العمل الواحدة جمعتهما فأذابت تلك الفوارق. تمر من أمامهما عربات ترام "البلد" بلونها الأصفر حيث تتفرع الخطوط في اتجاهات مختلفة على عكس ترام "الرمل" بلونه الأزرق الأكثر استقرارا فوق قضبانه، يقول وائل : "أعترف بأنه أصبح من الصعب الآن أن ينسجم البعض مع فكرة سير الترام في عكس طريق السيارات بتلك السرعة البطيئة، لكن لا سبيل الآن للتغيير". يحاول وائل الشاب الثلاثيني الذي بدأ عمله قبل 12 سنة سائقا في هذا الخط أن يوضح بهذه العبارة جزء من حياته اليومية التي يعيشها هناك، لم يعد يزعجه صوت العربات الترام التي تهز جدران المقهى من حوله. قبل عدة أشهر شهد هذا المكان احتجاجات بعض العاملين في ترام النزهة على انخفاض حوافزهم التي تتأثر تلقائيا بحجم إيرادات الترام، في تلك الفترة كان جزء من طريقهم معطلا بسبب الاصلاحات وهو ما انعكس على حوافزهم في النهاية، لكن سرعان ما هدأت النفوس بعد معالجة الإدارة لهذا الأمر، هذه القصة استوقفت زميله سعيد سليمان الذي يعمل محصلا للتذاكر منذ 43 سنة، يعلق قائلا : "الدخل الحقيقي لنا هو الحوافز التي تتحرك صعودا وهبوطا حسب إيراد الترام وبيع التذاكر"، تلك النقطة هي كلمة السر في حياة العاملين هنا، إلى جانب بعض التفاصيل الأخرى التي يشرحها سعيد قائلا: " يجب أن يتجاوز عدد أيام العمل 25 يوما في الشهر، إن قلت عن هذا الرقم تتدهور الحالة المالية بشكل حاد، على سبيل المثال فإن مقابل الوجبة اليومي يصبح جنيهان ونصف بدلا من خمسة جنيهات ونصف، وكذلك تقل قيمة النسبة التي يحصل عليها المحصل أو السائق من الإيراد"، يبتسم ثم يكمل حديثه قائلا: "ومن الواجب أن أعمل يومين جمعة على الأقل في الشهر.. كل تلك الظروف منهكة لرجل في السابعة والخمسين". يرى وائل الأمر بصورة أخرى تمثل وجهة نظر سائق يقضي نصف يومه في شوارع المدينة، ركز في حديثه على حالة العربات العتيقة وتكالب الناس على السائق في حالة وقوع حادث. يقول : "لا أحد يرحم السائق حين يقع حادث" ينهيان حديثهما مودعين المقهى ويتوجهان إلى الضفة الأخرى من الشارع أمام مكتب الاشتراكات، يشير وائل مبتسما إلى مكتب الاشتراكات قائلا : "أحد أسباب قلة الإيراد اليومي ازدياد الاقبال على الاشتراكات". أما سعيد فيقلقه أمر آخر لا يخفيه، قائلا : "أحد أصدقائي من العاملين في هيئة السكك الحديدية نال 100 ألف جنيه كمكافأة نهاية الخدمة، أما نحن فلا نصل إلى ربع هذا المبلغ". ينهى عبارته ويحين وقت توديع زميله الشاب، حيث لن يعملا سويا في هذا اليوم، هناك محصل آخر سيشارك وائل في رحلته.

الطريق إلى النزهة
داخل الترام المتجه إلى النزهة يبدو وائل أكثر صمتا مع زميله المحصل أحمد إبراهيم، والأسباب واضحة فأمامه طريق مزدحم بالسيارات والعربات الكارو والدراجات، والركاب يزداد عددهم في الداخل، مع الوقت تنتقل أجواء التحمل والجلد إلى الركاب، في تلك الأجواء يبدو سؤالا من نوعية "لماذا تركب الترام رغم بطء سرعته؟" من الأسئلة السخيفة التي تثير ضجر البعض، وهو ما دعا أحد الركاب إلى رفض التعليق مكتفيا باستكمال رحلة التأمل في المجهول.. في ترام "الرمل" المجاور لطريق الكورنيش بعيدا عن ترام البلد ذكر أحد الركاب أنه يجد في الرحلة من محطة الرمل إلى باكوس حيث يقطن متعة خاصة دأب عليها منذ عشرات السنوات قضاها طالبا ثم معلما ثم مفتشا في التربية والتعليم، تلك الرؤية المختلفة لقضاء الوقت داخل عربة الترام لم تجذب الركاب في ترام البلد ذي اللون الأصفر، علق أحد الركاب ساخرا : "هل هناك متعة في الوقوف هكذا!؟ .. أنا لا أستخدم الترام أثناء توجهي إلى العمل صباحا، وحين أنهي عملي أحيانا ما أستخدمه إلى نقطة محددة حيث لا توجد وسيلة مواصلات أخرى، أنزل في محطة قريبة ثم أكمل مشواري بسيارات المشروع ". قبل أن يفترق وائل قناوي و سعيد سليمان كان حديثهما منصبا على أن الترام لم يعد هو وسيلة المواصلات الأساسية، سيارات المشروع – الميكروباص باللهجة السكندرية – زحفت حول خط الترام واجتذبت الزبائن، ولم يتبق من المحافظين على ركوب الترام سوى البسطاء وأصحاب المزاج الخاص أو من اضطرتهم الظروف إلى تحمله لمسافة قصيرة. راكب مسن يضع وصفا من عنده قائلا : "الترام هو عكاز العجوز" مستبعدا فكرة "التنطيط" في عربات الميكروباص، في تلك الأثناء كان وائل يضغط دواسة الجرس محاولا إفساح الطريق المزدحم بالسيارات، بينما كان زميله المحصل أحمد إبراهيم يحاول إقناع أحد الركاب بأن وائل لا يتباطأ في طريقه، لكن الراكب يغادر دون اقتناع.
يشير وائل إلى محطة"الوكالة" التي تمثل كارثة كبرى في طريقه، العاملون في مجال التجارة لن يلتفتوا إلى عربات الترام، يفرغ العمال حمولتهم دون اكتراث، في تلك المواقف قد يتلقى السائق والمحصل عبارة عنيفة من أحد الركاب، إحدى تلك العبارات دفعت المحصل أحمد إبراهيم إلى استرجاع قصة التحاقه بالعمل محصلا للتذاكر قائلا: "قبل أن أعمل في هذه المهنة جربت حظي في مجال السياحة، وكان عملا مربحا، لكني كنت أبحث عن العمل الحكومي الأكثر استقرارا، حيث المعاش والتأمين الصحي، وهو ما يجعلني مستمرا في هذه المهنة، كذلك فأنا لم يكن أمامي فرص كثير للعمل في تخصصي الأصلي كفني تكييفات". يحصل أحمد على مرتب أساسي لا يتجاوز 180 جنيها بعد العمل ستة عشر سنة في الهيئة العامة لنقل الركاب، قد يصل دخله إلى 800 جنيه في أفضل الأحوال، لكن هناك نقاط أخرى يوضحها : "مرتباتنا تعتمد على إيراد الترام لذا تنخفض بصورة ملحوظة في مواسم الشتاء على سبيل المثال، فقد لا يصل محصل في سنوات خبرتي إلى مبلغ 600 جنيه، هذا إلى جانب ما يخصم من المرتب بسبب السلفيات والقروض". قد تكون مثل تلك المشاكل جوهرية في حياة أحمد إبراهيم وزملائه لكن هناك تفاصيل أخرى اعتاد عليها، مثل تكرار الوجوه التي تستقل الترام بشكل دائم، بعضها يكون مثيرا للضجر على عكس آخرين يلقون عليه التحية لأنه هو الآخر قد تحول إلى جزء من حياتهم، هناك تفاصيل أخرى لا ترضيه، يوضح ذلك : "أفتقد وعي بعض الركاب الذين لا يقدرون قيمة التذكرة التي في أيديهم، فبعيدا عن أن احتفاظهم بها هو أمر هام بالنسبة لي وقت التفتيش لكنها في ذات الوقت حقهم الذي عليهم الا يفرطوا فيه". ما يتحدث عنه أحمد إبراهيم من مشاهدات يومية لا تختلف كثيرا عن ملاحظات بعض العاملين في ترام الرمل الذي كان مستقلا بذاته حتى انضم إلى الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الاسكندرية، وحتى الآن يقع ترام الرمل تحت نفوذ إدارة مستقلة في الهيئة، وبينما تمتلك الهيئة في خط ترام الرمل الأفضل حالا من حيث نوعية المركبات وحالة الطريق 42 مركبة على خطين فقط، تدير الهيئة في ترام المدينة 119 مركبة تنتقل بين 15 خطا. أحد العاملين في ترام البلد ذي اللون الأصفر المميز ذكر أن هناك روح طبقية تظهر أحيانا حين يمر الترام الأصفر ناحية محطة الرمل لا يخفيها العاملون هناك تجاه أقرانهم. قد يجد سائق الترام الأصفر مضطرا إلى انتظار الترام الأزرق حتى ينطلق قبله.. الترام الأصفر أحيانا ما يعامل كضيف ثقيل في خط الرمل. في الطريق الذي قد يستغرق قرابة الساعة يتبادل وائل وزميله المحصل الحديث، يرفع يده لتحيه زميل قادم في الاتجاه المقابل، قد تطول الأوقات في بعض الأيام مثلما يشرح وائل : "شارع محرم بك على سبيل المثال يزدحم في أيام الخميس والجمعة والأحد في أوقات معينة بسبب وجود ستوديوهات التصوير ومحلات الكوافير التي تستقبل زبائنها من العرائس، وليس في يدي تجاوز الزفة ". في الشهر الماضي أعلن وزير النقل عن قرب إصدار قرار بإنشاء مترو أنفاق الاسكندرية، الفكرة التي تبدلت الأماكن المقترحة لتنفيذها لم تستقر بعد، لكنها في الغالب ستكون بعيدة عن شريط الترام الذي يسير عليه وائل و رفاقه، لا يشغل العاملون في الترام بالهم بهذا التصريح، كل قضيتهم هي العبور اليومي إلى نهاية الخط.. يشير وائل بيده إلى إحدى النقاط الضيقة أمام محطة مصر طريق ضيق يكاد يسمح بعبور الترام بسبب ازدحام الرصيف بمحلات الملابس وصخب الزبائن، يحافظ وائل على هدوء أعصابه محاولا السيطرة على ما هو خارج العربات تاركا مهمة السيطرة على ما هو داخل العربة لزميله المحصل مثلما اعتاد كليهما في كل يوم.


ما لم يقله الترام لركابه !


بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل سائقا ومحصلا داخل عربات ترام الرمل، اختار محمد محمد عبد الحميد (58 سنة) العمل على هامش شريط ترام الرمل الشهير، المهنة : مفتاحجي، تمتد يده كل بضعة دقائق لسحب ذراع طويلة مثبتة في الأرض بقوة ليحدد مسار العربة القادمة حسب رقمها، يقول : "اخترت الشغلانة دي عشان أبعد عن وجع الدماغ"، تلك العبارة الحاسمة لخص بها معاناة عشرات السنوات التي شاركته فيها أسرته في تحملهم الضغط العصبي الذي كان يصيبه يوميا، يبدأ عمله في الساعة الثانية والنصف عصرا حتى الثانية صباحا، لكنه يعتبر ذلك "أرحم" من العمل داخل عربات الترام. كل شيء تغير من حوله وزاد من تعكر مزاجه الذي لم يخفيه أثناء حديثه، في بعض الأيام يؤنسه زميله السبعيني الذي ترك الخدمة ويأتي للجلوس إلى جواره متابعا مشهد الترام، يقول محمد عبد الحميد : " نوعية الراكب تغيرت وأصبحت أكثر شراسة، كثيرا ما كنت أواجه بمن يرفع صوته محتدا قائلا: انت متعرفش انت بتكلم مين؟، رغم أننا في وسيلة مواصلات لا تتجاوز قيمة أجرتها الخمسة وعشرون قرشا، اليوم تعاملاتي في أضيق الحدود". لم يشهد محمد عصور ازدهار الترام حين كانت تديره شركة خاصة يعمل فيها الخواجات، يتدخل زميله السبعيني معلقا : "أنا أيضا لم أشهد تلك الفترة، لكن شهدت في صباي فترة قبل التأميم وبعدها.. كانت الأجواء أكثر هدوءا". لم يتوافر لأي منهما فرصة الاستمتاع بقراءة تحولات المباني المحيطة بالمحطة الرئيسية (محطة الرمل) أو المباني الخلفية في حي المنشية، المقاهي التي كانت تستقبل في نهاية القرن قبل الماضي رواد البورصة تحولت اليوم إلى جزء من معالم المدينة، وتخلي أغلبها مع هجرة الأجانب في الخمسينيات عن (البار) الذي كان يعمل بكامل كفاءته في خدمة الأجانب من سكان المدينة.

في أي وقت يترك محمد عبد الحميد من يحدثه متجها إلى ذراع النقل ليحول الطريق أمام الترام القادم، في محطة بولكلي (إيزيس) اختار أن يختم حياته المهنية في إحدى المحطات التي تتفرع فيها خطوط الترام، مثلها مثل محطات أخرى كسبورتنج "الكبرى"، ومصطفى كامل، وسان ستيفانو، لكن أهم ما يميز هذه المحطة تحديدا هو أنها كانت نهاية أول خط ترام في مصر وإفريقيا حين تأسس في العام 1860، اليوم يتذكر محمد عبد الحميد تواريخ أقرب كانت تمثل أحداث هامة في حياته المهنية، يصف ذلك قائلا : "لن أنسي أحد أعياد عام 1980 بعد عام واحد من التحاقي بالعمل في ترام الرمل، وقع حادث لطفل مد جسده خارج شباك العربة فاصطدم بأحد الأعمدة الجانبية، ووجدت نفسي مسئولا عن الحادث أثناء عملي سائقا، هل مسؤوليتي حراسة الركاب؟!" لم يكن ذلك أخطر ما واجهه، أقسى ما واجهه وما زال يراه بحكم عمله اليوم خارج عربات الترام هو ركوب بعض الشباب على جانبي العربات، ووقوع عدد من الحوادث لم ينساها بسبب تهور بعض الشباب، يعلق على ذلك بشجاعة: "نحن بحاجة إلى شرطة خاصة بهذا المرفق تضبط مخالفات الركاب وصفاقة بعض الشباب". تلك الحالة التي تصيب بعض الركاب بالرعونة وحب الاستعراض كانت سببا في وصم الترام منذ نشأته الأولى بأنه أداة انفلات اجتماعي، فحسبما تروى سوزان عابد في مقال تحت عنوان "الترمواي.. عفريت يجوب شوارع المحروسة" (مجلة ذاكرة مصر المعاصرة-العدد الثاني .مارس 2010) صاحب نشأة الترام ظهور قلق اجتماعي من تشجيع النساء على الخروج من المنزل واستغلال الشباب له كمكان لتحديد لقاءاتهم الغرامية، وهي الفئة التي لقبها البعض آنذاك "الشباب الترامي"، في محطة بولكلي حيث يعمل محمد عبد الحميد كانت نهاية خط أول ترام بدأ رحلته من محطة الرمل بعربات تجرها الخيول على قضبان، وفي عام 1863 كانت البداية الحقيقية لتشغيل خط الترام للجمهور خاصة مع استخدام القاطرة البخارية. الفترة الطويلة التي قضاها محمد عبد الحميد في حياته العملية هي قصيرة جدا في عمر الترام، لكن طرأت في السنوات الأخيرة مشاهد لم يكن ليراها احد من قبل حسبما يروي، أهمها ظهور فئة "أبناء الشوارع" بقوة في حياة العاملين في الترام، بعضهم يقيم في محطات بعينها، لكن الأمر قد يتجاوز ذلك بكثير، يقول : "يكفي أن أصف ما ارتكبه بعضهم قبل أيام في شجار استخدموا فيه النيران التي أصابت إحدى العربات وأفزعت الركاب، هذا إلى جانب محاولاتهم الدائمة لركوب الترام ومضايقة النساء ". تلك المواقف التي كان يتعرض لها يوميا ما زال على صلة بها بسبب تواصله الدائم بزملائه المارين بعرباتهم من أمامه حاملين له حكايات "أعداء الترام" ضدهم. على هامش هذا الخط حياة أخرى، أجانب الماضي قد استبدلوا بزوار الصيف و من جاءوا إلى المدينة المليونية لغرض ما، فاندمجت ذكرى ما قبل الثورة بما بعدها، يمكن تتبع ذلك بإشارات ما زالت موجودة حتى اليوم، فالمستشفى اليوناني التي أنشاها اليوناني ثيوخارى كوستيكا عام 1938 مـ كدليل على وجود يوناني راسخ في المدينة تحولت في الستينات إلى مستشفى جمال عبد الناصر، أما الترام الذي كان يحمل الخواجات والسكندريين إلى المستشفى اليوناني قد تبدل زبائنه، تتضح الصورة أكثر أمام مستشفى الشاطبي الجامعي على مسافة غير بعيدة من رصيف محطة الشبان المسلمين حيث تجلس مجموعات قادمة من محافظات مجاورة افترشوا الرصيف في انتظار دورهم للدخول، حيث لا يسمح إلا بزائر واحد حسبما يصف أحدهم. المدينة التي جذبت ألأجانب في بدايات القرن الماضي وكانوا سببا تطويرها أصبحت اليوم تستقبل حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام 2008 حوالي 280 ألف مهاجر من المحافظات الأخرى جاء أغلبهم للعمل. الفارق بين هؤلاء وإسكندرية الأربعينات أن الأجانب كانوا ضمن المهاجرين إلى المدينة حسبما يذكر الدكتور محمد صبحي عبد الحكيم في كتابه (مدينة الإسكندرية - الهيئة المصرية للكتاب، 2007) فقد وصلت نسبة الأجانب عام 1947 إلى 7% من مجموع السكان بعد أن كانت تمثل ربع سكان المدينة في تعداد 1907، والحقيقة التي يؤكدها صبحي عبد الحكيم في دراسته هي انخفاض النسبة كان أحد أسبابه تجنس الأجانب بالجنسية المصرية، حتى أن اعتبرهم البعض مجرد "خواجات"، لكنهم عملوا في جميع المهن وضمنها العمل داخل عربات الترام.

عفاريت الترام
الترام الذي اعتبره المصريون في بدايته عفريتا يجوب شوارع المحروسة يقابل اليوم بعفاريت بشرية، يشير محمد عبد الحميد إلى صبية اختاروا التعلق في العربة الأخيرة من الترام قائلا: "هؤلاء من أقصدهم.. كيف أتعامل معهم وليس لدي سلطة عليهم؟!". أثناء عمله محصلا قابل محمد عفاريت أخرى يقتحمون الترام في شلل ويضايقون المحصل. نفس الترام الذي تعاطف مع احتجاجات الوطنيين على إثر اندلاع ثورة 1919 وأعلن عماله الإضراب، يمر اليوم بعبارات احتجاجية من نوع آخر.. في الطريق إلى بولكلي حيث يقف محمد عبد الحميد، إحدى تلك العبارات كتبت على جدران مجاورة لشريط الترام بإمضاء "جمال الدولي" مشجع نادي الاتحاد السكندري الشهير الذي ملأ شوارع الإسكندرية في فترة من الفترات بعباراته الساخطة ضد السلطات، في هذه النقطة تحديدا كتب عبارة ضد إسرائيل، مثل تلك العبارات استقبلتها قد يجد الزائر عبارات شبيهة بها على جدران شواطئ الإسكندرية حيث يدعو بعضها إلى العفة وأخرى من نوعية:" لا تحلموا بعالم سعيد .. خلف كل قيصر يموت"، وقبل أسابيع قليلة شهدت ساحة القائد إبراهيم مظاهرات بسبب قتيل الإسكندرية الشاب خالد سعيد على مسافة قليلة من محطة الرمل الرئيسية، مثل تلك الأحداث "الطارئة" لا تشغل بال كثير من العاملين داخل عربات الترام بقدر ما تشغلهم الأحداث اليومية، يشير محمد عبد الحميد من موقعه الراسخ ناحية محطة الشبان المسلمين قائلا : "هناك محطات أصبحت تثير قلق العاملين، مثل الشبان المسلمين حيث مدرسة محمد علي التي يتكرر شغب طلابها وشجارهم هناك". في محطة الرمل الرئيسية عمل محمد في إحدى المهام الإدارية التي اعتزلها ابتعادا عن تعقيدات العمل اليومية.. هناك في محطة الرمل أجواء أفضل حيث العمارات الفخمة العتيقة بعيدا عن مشاكل الركاب والطلبة في موسم الدراسة، حديث محمد عبدالحميد عن تجاوزات الشباب في الترام تثير مفارقة في أن بداية هذا الخط في محطة الرمل تقع جدارية ضخمة عليها صورة فنان الشعب السكندري سيد درويش، إلى جانب رائدة التعليم نبوية موسى، أحد العاملين في الجوار لم يعرف من صاحبة الصورة. تبدو الصورة وكأن المرأة التي تعرضت للتضييق من رجعية المجتمع وسلطات الاحتلال البريطاني نتيجة سعيها للعمل في مجال التربية وإنشاء مدارس البنات ستظل في موقعها هذا شاهدة هي الأخرى على تطور حال المدينة وشبابها

Thursday, July 1, 2010

المحاماة بيـن مجـد غابـر وواقع بائس

رغم أن كليهما قد اضطر إلى الالتحاق بكلية الحقوق حسب قواعد مكتب التنسيق، فأن ذلك لم يمنع سرّاء أسامة (19 سنة) من التعلق بأمجاد مهنة المحاماة القديمة، فى الوقت الذى اختار فيه عماد أحمد (27 سنة) طريقا آخر يصفه قائلا: «بعض طلبة الحقوق يشعرون بأنهم موصومون بالفشل نتيجة تذيل كليتهم قائمة التنسيق وازدحام الطلبة فيها، لكن تجربتى كانت أسوأ بسبب انتقالى من كلية العلوم بعد رحلة إخفاق وانضمامى إلى طلبة السنة الأولى ضمن المحولين من كليات أخرى، وقتها قررت ألا يكون لدى هدف سوى الحصول على شهادة التخرج وإنهاء الخدمة العسكرية لأعمل بعدها بشكل حر». يعمل عماد اليوم بعد تخرجه مصمم جرافيك، حيث يجلس بالساعات أمام شاشات الكمبيوتر، ورغم تخرجه قبل عامين فإن أعوام الدراسة لم تمثل له أى فائدة فى مشواره العملى، حسب قوله فهو «لم يدخل محكمة فى حياته»، بل كان ضيفا خفيفا على الجامعة قضى أغلب وقته أثناء الدراسة فى التدرب على الكمبيوتر حتى لحظة التخرج.أما على الجانب الآخر فتختلف الصورة تماما لدى «سرّاء» طالبة الفرقة الثالثة التى اختارت الانتظام فى تدريب عملى داخل مكتب للمحاماة، تمهيدا للحصول على خبرة تفيدها فى ممارسة المهنة بعد التخرج، تعلق على ذلك: «تجربة التدرب على المحاماة كانت مبهرة لى فى البداية، الجميع ينادوننى بلقب أستاذة وأحصل على تقدير سواء فى المكتب أو فى المحكمة.. غير أن الواقع أحيانا ما يتغير حين أتعامل مع الأفراد العاديين الذين يصابون بالريبة من مهنة المحامى». فى تلك المواقف تستعيد «سرّاء» ما قيل على لسان بعض أساتذتها داخل قاعات المحاضرة عن فضل مهنة المحاماة وقدسيتها، وتحاول نسيان ما تواجهه من تحديات يومية.
صورة من يمارس المحاماة كانت قد تبدلت منذ نشأة المهنة فى مصر حتى اليوم، حين كانت الصورة فى البداية لشخص «غلباوى» كثير الكلام يعتمد على لسانه أكثر من اعتماده على قوة حجته، خاصة أنها لم تعتمد فى البداية على فئة مؤهلة تعليميا، هذه الملامح سجلها المفكر المصرى أحمد لطفى السيد ــ خريج مدرسة الحقوق ــ فى كتابه قصة حياتى (هيئة الكتاب 2008) فى موقف محدد واصفا حال والد الزعيم الوطنى محمد فريد الذى بكى حزنا على ابنه الذى اختار العمل بالمحاماة قائلا: «هل يصح أن يهزأنى محمد فريد فى آخر الزمن ويفتح دكان أفوكاتو؟». لم تدم هذه الصورة كثيرا بفضل إجراءات التحديث التى اتخذتها الدولة آنذاك لاستبعاد غير المؤهلين، وتبدلت الصورة إلى حال أفضل مع ازدياد أعداد دراسى الحقوق الذين استقطبتهم أجهزة الدولة حتى تكونت فيما بعد نخبة حقيقية من العاملين فى مجال المحاماة لأسباب أخرى توردها د. أمانى الطويل فى كتابها «المحامون بين المهنة والسياسة» (الشروق، 2007) الذى رسمت فيه ملامح تطور صورة المحامى بعد ظهور شخصيات من أمثال سعد زغلول وقاسم أمين الذين عمل بعضهم على تطوير المهنة.وفى فترة التحرر الوطنى امتزجت المواقف الوطنية بالسياسية فلمعت صورة المحامى المدافع عن الحقوق، خاصة حين تحولت نقابة المحامين إلى ساحة يبرز فيها الانتماء السياسى والمواقف الوطنية. تلك الفترة التى احتفى بها المجتمع بمهنة المحاماة قد يتذكرها بعض شيوخ المهنة أو الأكاديميين الذين التحقوا بكلية الحقوق ــ قبل ظهور مكتب التنسيق ــ وكلهم أمل فى اللحاق بركب النخبة السياسية والحكومية.فى ذلك الوقت اتخذت حفاوة المجتمع بالمحاماة أشكالا أخرى مثل التعلق ببعض تفاصيل المهنة التى تتجلى فى «أدب المرافعة» الذى تظهر فيه عناصر البلاغة والفصاحة لدى المحامى. وكانت المرافعة تستمد أهميتها من أهمية الحدث وأحيانا من شهرة المحامى، فتفرد مساحات فى الصحف لهذا الغرض، وهو ما حول بعض هذه المرافعات إلى ميراث مطبوع فى كتب حتى يومنا هذا كما انتقل بعضها أخيرا إلى الانترنت. «كلية الوزراء»، حسبما يردد بعض أساتذة كلية الحقوق حتى اليوم لم تعد اختيار أغلب من دخلوها، وهذه الصورة التى كانت تظهر المحامى فى سينما الأبيض والأسود بملابس مهيبة وصوت رصين استبدلت منذ عقود بصورة مختلفة تناولتها أفلام مثل «الأفوكاتو» للفنان عادل إمام الذى أثار عددا من المحامين ضده فيما اعتبروه إساءة لهم، بينما أعقب ذلك أفلاما أخرى تناولت مافيا محامى التعويضات مثل فيلم «ضد الحكومة».وتحولت صورة المحامى إلى شكل جديد متعارض مع الصورة التى كانت عليها من قبل. بعيدا عن التطور الذى أصاب صورة المحامى يجلس عماد فى عمله راضيا عن وجوده أمام شاشة الكمبيوتر التى أدمن الجلوس أمامها منذ سنوات، لم يعد يربطه بالكلية سوى شهادة تخرج حصل عليها قبل عامين، أما سراء أسامة فتقول: «لا أشغل بالى بالمستقبل بعد التخرج، أعلم أن ممارسة المحاماة ليست سهلة، فأنا أحصل من تدريبى على 150 جنيها، ما يثير سخرية أصدقائى رغم أنه مبلغ كبير مقارنة بغيرى.. الجميع يفكر فى العمل فى مؤسسات كبرى وهو ما يحتاج إلى إجادة عدة لغات، أما أنا فأسعى وراء صورة أحببتها ومهنة تعلقت بها».

Wednesday, June 23, 2010

الانترنت.. رقيب جديد على السلطة


كانت غاية من يضبط مخالفة أن يتوجه بها إلى صحفي "شريف" يفجر بها قضية رأي عام، اليوم حلت الانترنت بديلا سريعا لطرح كافة المخالفات أمام المجتمع، وعلى رأسها مخالفات التعذيب والاعتداءات البدنية على المواطنين، بعض المدونين تحولوا إلى منفذ عبور لهذه الكليبات، لكن ما زالت هذه القناة مليئة بالعوائق وما زال الإبحار فيها يمثل نوعا من المغامرة

كتب – عبدالرحمن مصطفى
داخل صفحة أنا اسمي خالد محمد سعيد في شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطات فيديو متنوعة من مظاهرات وبرامج إخبارية تناولت قصة الشاب السكندري الذي ما زالت التحقيقات تبحث عن ملابسات مصرعه والاتهامات الموجهة إلى مخبرين ينتميان إلى جهاز الشرطة بأنهما كانا وراء الحادث، إلا أن إسهامات أكثر من 200 ألف مشترك في الصفحة لم تسفر عن ظهور "الكليب البطل" الذي يقطع الشك باليقين، كان أقصى ما توصل إليه البعض هو نشر لقطة تحت عنوان "الفيديو الذي قتل بسببه خالد"، حيث ذكر ناقلوه أنه تم تصويره داخل أحد أقسام الشرطة لضابط يوزع كمية من الحشيش على بعض معاونيه، لكن اللقطة التي يشوبها كثير من الغموض لم تكن مقنعة للبعض، أحدهم علّق قائلا: " ازاى يكون الفيديو ده هو اللى قتل خالد الله يرحمه وازاى الناس دى عارفة إنها بتتصور وعادى يعنى ومبسوطين"، ناشر الكليب دافع عن وجهة نظره قائلا أن "لكل جواد كبوة"، في تلك الأثناء كان وائل عباس أحد أهم ناشري كليبات التعذيب في السنوات الماضية يطرح القضية بمنظور آخر في موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة قائلا: " فيه ناس صوروا حادثة ضرب خالد ومش عايزين يدوني الفيديو بيقولوا لما يشوفوا التحقيقات ها تعمل ايه! "، الجملة أكدتها أسرة خالد التي ذكرت أن بعض شهود الواقعة قد صوروها لكنهم لم ينشروا تسجيلاتها بعد، وهو ما يعيد إلى الأذهان بقوة صورة كليبات مخالفات الشرطة والتعذيب التي أتاحت لها الانترنت الظهور على الساحة في السنوات الأخيرة. يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان: "بعض المعلومات الأولية التي انتشرت بعد حادثة خالد سعيد وجدت فيها بعض التشابه مع قصة نشر كليب عماد الكبير، إلا أن ظروف نشر الكليب وقتها بواسطة المدون محمد خالد كانت أفضل بكثير". قضية عماد الكبير التي يشير إليها جمال عيد الذي دافع عن بعض المدونين الذين تعرضوا لمضايقات أمنية دارت أحداثها في بداية العام 2006 حين تعرض أحد سائقي الميكروباص للتعذيب في قسم شرطة بولاق وأسفرت القضية عن حبس رجلي شرطة أحدهما برتبة نقيب، يتابع جمال عيد : "لم يكن المدون محمد خالد الذي نشر الكليب أول مرة على درجة كبيرة من الشهرة، لذا استعان بزملائه المدونين وخاصة المدون وائل عباس لينشروا بالتزامن ويفجروا القضية التي تابعتها الصحافة فيما بعد وأسفرت عن نتائج طيبة". منذ تلك الفترة حتى اليوم يتوالى نشر كليبات التعذيب والتجاوزات المختلفة، ولم تسجل خلال هذه الفترة حوادث اعتقال أو اعتداء مباشر بسبب نشر كليب بعينه على عكس ما شاع مؤخرا على الانترنت مع حادث خالد سعيد الذي يتناقل رواد الفيس بوك أن مصرعه كان بسبب اللقطة التي نشرها من داخل قسم الشرطة، يختلف وائل عباس صاحب مدونة الوعي المصري مع هذه الصورة التي تروج أن نشر كليبات التعذيب يتم في أمان، قائلا : "من قال أن نشر مثل هذه الكليبات لا يعرض صاحبه للمضايقات؟ أنا عن نفسي أتعرض للتضييق في كل مرة أعبر منها بوابات المطار". تحوي مدونة وائل عباس أرشيفا كاملا من كليبات التعذيب وتسجيل المخالفات المتنوعة التي حصل عليها من زوار مدونته أو بالبحث المباشر عنها. يتابع قائلا : "كنت شاهدا على ضغوط تعرض لها البعض، وكتبت في مدونتي عن أحد المدونين الذي أضطر إلى ترك مصر والهرب بزوجته إلى ليبيا من جراء التهديدات والملاحقات التي طالته، الأجواء العامة في مصر ليست بهذه السلاسة، حتى في قضية خالد سعيد كل شيء بدأ بالتعتيم، وربما تكشف الأيام القادمة عن كليبات جديدة توضح حقيقة الموقف أو إذا ما كان تعرض للقتل بالفعل بسبب حيازته على كليبات تدين رجال شرطة".
تلك الأجواء الشائكة التي تحيط بمن قرر التعامل مع الكليبات التي تظهر مخالفات السلطات هي التي دفعت محمد خالد ناشر كليب "عماد الكبير" في 2006 إلى اللجوء إلى زملائه حسبما يروي : "اتفقنا على نشر الكليب بشكل متزامن لينتشر بعدها على الانترنت، وبعدها أصبح الأمر يتكرر بشكل تلقائي دون اتفاق كنوع من التضامن بين رواد الانترنت.. الحقيقة أنني اليوم أقدر المشكلة التي يتعرض لها من يملك لقطة لمخالفة ما ولا يعرف كيفية نشرها، وأؤكد أنني شاهدت لقطات كثيرة على موقع يوتيوب - لتحميل لقطات الفيديو- لمواطنين نقلوا ما يحدث في الشارع من مخالفات إلى الانترنت، لكنها لم تحقق أي نجاح، بل إن بعضهم حذفها فيما بعد".
ما يذكره محمد خالد قد تؤكده جولة مخلصة بين ربوع موقع يوتيوب الذي يكشف عن وجود مستخدمين مغمورين يحملون أسماء مستعارة سجلوا لقطات لما اعتبروه تجاوزات في الشارع المصري، لكن لقطاتهم ظلت خبيئة في الانترنت، أحدهم نشر لقطة تحت عنوان "الي من يهمه الامر في قسم الحدائق في مصر" هذا العنوان قد يظهر أثناء البحث على الانترنت لكن بمجرد الدخول إلى اللقطة يكتشف الزائر أنه قد تم حذفها دون سبب واضح، شاب آخر يحمل حسابا تحت اسم dode706 نشر كليبات وقعت في حي عين شمس القاهري تحت عنوان "بلطجة الحكومة المصرية في عين شمس"، تاركا تعليقا يشرح فيه الفيديوهات التي تصور اشتباكات بين رجال الشرطة والأهالي بسبب تنفيذ قرار إزالة أحد المنازل موجها شكواه إلى السيد حبيب العادلي وزير الداخلية. التواصل مع صاحب هذا الكليب لم يسفر عن استجابة، كما لم يحقق نشر الكليب أي تأثير تذكر.
يرى المحامي الحقوقي جمال عيد أن نشر الكليبات التي تكشف عن عنف بدني أو وقائع تعذيب من الأفضل أن تتم عبر مؤسسات متخصصة، كذلك فهناك حل أفضل يشرحه : "هناك مجموعة من المدونين نجحوا في تحقيق اسم ومصداقية عبر نشر لقطات التعذيب وغيرها، بإمكان من لديه مثل هذه المواد أن يتضامن مع هؤلاء المدونين، سواء اختار أن يعلن هويته أو أن يكتفي بإرسالها فقط تاركا المهمة لآخرين في المجال الحقوقي". هذا الثقل الذي اكتسبه بعض المدونين في السنوات الماضية يعتقد البعض أنه يمثل نوعا من الحماية لهم، لكن محمد خالد "صاحب مدونة دماغ ماك" يقول : "لا أحد يضمن حمايته من أحد، حتى إن كنت عاملا في المجال الحقوقي، كل ما هناك هو أن سمعة بعض المدونات في كشف بعض التجاوزات الجسيمة وتسليطها الأضواء على قضايا جديدة من نوعها، قد رسخ مصداقيتها سواء في مصر أو في الخارج حين نتحدث عن تجربة المدونات المصرية". لا يخفي محمد خالد أن هناك من حاولوا ركوب هذه الموجة بحثا عن مكاسب، حسب تعبيره :"كان ممكن تلاقي واحد جاي بيقول أنا عايز أبقى مدون مشهور..!"، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بعض المنابر الإعلامية وبيانات وزارة الداخلية بالتشكيك في مصداقية المدونات، بل تجاوز الأمر هذا الحد إلى أن تقوم بعض المدونات بهذا الدور الذي يشير إلى الاستفادة المادية التي قد يحصل عليها الشخص من سمعته كمدون، يعلق وائل عباس على هذه النقطة : "أنا مثال واضح على كذب مثل هذه الادعاءات، فالرد الوحيد هو أنني كان بإمكاني أن أحصل على دعم من أي مؤسسة حقوقية عالمية وافتتح مركزا أديره بنفسي، وهو ما فعله آخرون لم يحققوا ربع مصداقيتي أو يبذلوا الذي بذلته في السنوات الماضية، هذا إلى جانب ما أتعرض له من تضييقات أمنية أثناء أسفاري المتكررة". يختلف أداء مدون مثل وائل عباس في تعامله مع قضية نشر الكليبات التعذيب أو غيرها من المخالفات عن مدونات أخرى أكثر تخصصا في قضية التعذيب مثل مدونة "التعذيب في مصر"، فبينما يعلن هو وبعض زملائه عن هويتهم، اتجهت محررة المدونة إلى الاكتفاء باسم المدونة محاولة الابتعاد عن إعلان هويتها موضحة ذلك قائلة : " السبب في ذلك ببساطة هو إكساب المدونة مظهرا احترافيا، فالزائر لن يهتم بالناشر بقدر اهتمامه بالمادة المنشورة. في مدونة التعذيب في مصر كل ما تقرأه هو حصريا عن هذه القضية". تعتمد مدونة التعذيب في مصر على عدة مصادر مختلفة مثل : المنظمات الحقوقية، والإعلام، والمواقع والمدونات الموثوق فيها على الإنترنت، إلى جانب ما يرسله الضحايا أنفسهم، وتضيف محررة المدونة قائلة: "في البداية طبعا كان الأمر أصعب بكثير، لأن المؤسسات الحقوقية لم يكن لها تواجد كبير على شبكة الانترنت، ولم تولي الصحافة اهتماما كبير لقضية التعذيب قبل ظهور كليبات التعذيب، خاصة كليب عماد الكبير وتصعيد قضيته، لكن مؤخرا أصبح الأمر مجهدا فهناك كثير من المواد، وهو أمر يحتاج إلى تدقيق". على نفس درب "مدونة التعذيب في مصر" تأسس قبل أقل من أسبوعين موقع "التعذيب عندهم .. واحنا ضدهم" وهو يعتمد في عمله على نشاط مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، حيث يبرز في أحد أركانه أرقام الخط الساخن لمركز النديم، إلى جانب إشارة من الموقع تحت عنوان " لو كنت مدون، تقدر تساعدنا أكثر" الذي يعتمد فها على التشبيك مع المدونين دعوتهم إلى رفع شعار الموقع الجديد في مدوناتهم، يوضح مصطفى حسين مدير الموقع : "هناك لدى الكثير من المدونين مهارات جيدة في صنع الأفلام إلى جانب رصد بعضهم لحالات تعذيب بعينها، وبصفة عامة يعمل الموقع تحت مظلة ما يسمى قوة العمل المناهضة للتعذيب وهي مجموعة من المنظمات الحقوقية و الأطباء والمحامين والصحفيين والمدونين يعملون ضد التعذيب ". حسبما يذكر مصطفى حسين فإن إنشاء الموقع كان مخطط له منذ فترة ولم يكن بسبب إثارة القضية مؤخرا بعد حادث الشاب السكندري خالد سعيد. بين أكثر من 14 مليون مستخدم للانترنت في مصر قد يتصادف أن يسجل أحدهم لقطة ترصد مخالفة من داخل خبايا المجتمع المصري، لكن هل سيجد مثل هذا المستخدم تأييدا أو أدنى اهتمام؟ يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان : "دور الصحافة المستقلة أن ترصد مثل هذه اللقطات التي تكشف لنا عن مشاكل في المجتمع، وسأضرب مثالا بما حدث في دولة المغرب حين توالى نشر كليبات على موقع يوتيوب بواسطة شخص مجهول رصد فيها فساد بعض رجال الشرطة هناك، وأثار جدلا بعدها في الصحافة، أما في مصر فقد كانت قضية عماد الكبير هي النموذج الأهم في هذا المجال، الذي تسبب في عودة العدالة للمظلوم عن طريق نشر كليب فيديو في البداية".
PDF

Thursday, June 17, 2010

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

قد يجمعهما الأصل التركي الواحد والإحساس بالوفاء تجاه الجارة تركيا، إلا أن فارق السن والتجربة قد صنع رؤيتين مختلفتين تماما تجاه البلد نفسه.

كتب – عبد الرحمن مصطفى
لا يخفي أحمد لطفي – الصحفي بجريدة الأهرام الفرنسي – أنه ورث عن عائلته ذات الأصل التركي صورة دفعته إلى الاهتمام بالتجربة التركية في سن مبكرة. الجد الذي وفد إلى مصر في العام 1914 حاملا معه انكسارات الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وجد في القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك الذي أسقط نظام الخلافة عام 1923 نموذجا جديدا للتغيير، وتعمد تسمية نجله "مصطفى كمال" تيمنا بذكرى القائد على غرار بعض المصريين في تلك الفترة. يقول أحمد لطفي الذي يجاوز اليوم السادسة والستين من عمره : "ورثت عن أسرتي هذا الإعجاب بتجربة تركيا نحو التحديث الأوروبي، وتطور الأمر معي شخصيا بعد قيام الثورة المصرية عام 1952 حين كنت أرى مصر تتجه نحو إنشاء دولة حديثة تسعي نحو نهضة حديثة". هذه الرؤية تختلف معها نهلة البدري- المعيدة بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة- التي ترى تركيا بعيون أبناء جيلها، لا يشغلها الحديث عن جدها ذو الأصل التركي لتتحدث كشابة في الثانية والثلاثين عن إعجابها بالتطور الأخير للتجربة التركية، و تقول : "أنا من جيل تأثر بكلام الداعية عمرو خالد عن المشروع الحضاري والتنمية، وأعتقد أن الأتراك قادمون بقوة فهم أمة ناهضة من مصلحتنا أن نساعدهم".
يختلف مفهوم النهضة الذي استخدمه كل منهما بين نهضة أتاتورك والنهضة الإسلامية التي يراهن عليها الجيل الجديد، و لا يخفى البعد السياسي وراء صورة التركي في كل رؤية. يرى الدكتور عاصم الدسوقي - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب في جامعة حلوان – أن السياسة كانت أحد العوامل الهامة في رسم صورة الشخصية التركية في مصر بدء من صورة الحاكم المتغطرس انتهاء بصورة الصديق الجار المسلم، و يوضح ذلك : "تطورت الصورة بعد أن اندمجت كثير من الأسر التركية في مصر بعد إعلان الحماية البريطانية عام 1914 والقطيعة مع الدولة العثمانية ثم سقوطها، فاختفت صورة الحاكم الأعجمي البعيد عن الحياة اليومية المصرية، خاصة مع وجود زعامات وطنية ذات أصول تركية مثل الزعيم محمد فريد، لكن على جانب آخر فلنتخيل صورة تركيا حين كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يخطب ضد تركيا احتجاجا على تعاونها مع القوى الاستعمارية آنذاك. تلك الصور اختلفت مؤخرا مع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا ومواقفه المؤيدة لفلسطين وإظهار حسه الإسلامي". هذا التطور الأخير الذي يشير إليه الدكتور عاصم الدسوقي اجتذب شريحة من الشباب أعلنت دعمها لتركيا الجديدة، يتجلى هذا في عشرات العناوين من مجموعات الفيس بوك، إحداها تحت عنوان "Arabs and Turks meeting place" ( مكان تلاقي العرب و الأتراك) التي تشارك في إدارتها نهلة البدري مع أصدقاء مصريين وأتراك، وتم تدشينها بواسطة مجموعة متحمسة درست اللغة التركية في المركز الثقافي التركي وشباب تركي مهتم بالعالم العربي. لم تتولد هذه المحاولات من فراغ بل نتيجة حماس شبابي بدأ يزداد وتبرز مظاهره نتيجة مواقف تركية رسمية.
في بداية العام الماضي تناقل الشباب عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطة الفيديو التي انسحب فيها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى جلسات مؤتمر دافوس بعد توجيه اللوم للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وقتها تكونت مجموعات داعمة لأردوغان، أما لقطة الفيديو نفسها فزارها مئات الآلاف مثلما يشير عدد زوار إحدى نسخها الموجودة على موقع Youtube.com لتحميل لقطات الفيديو. الموقف نفسه تكرر مؤخرا حين تبدلت الصور الشخصية لحسابات بعض الشباب وحلت محلها صورة رجب أردوغان مرة أخرى مع الاعتداء على أسطول الحرية المتجه لدعم الفلسطينيين عبر البحر، وعاد الحماس لتركيا ورموز حزب العدالة والتنمية الحاكم هناك. قد يبدو أحمد لطفي بعيدا عن هذه الأجواء تماما في حديثه لكنه يعلم جيدا كيف تتحكم السياسة في صورة البلدان وهو ما عاشه بعد ثورة 1952، إذ يوضح : "كان التوجه العام في مصر معادي للأرستقراطية وأحيانا ما كان هذا يضايق العائلات ذات الأصول التركية رغم أننا في النهاية مصريون". ما يذكره أحمد لطفي عن التهكم على صورة التركي المرتبطة بعائلات الثروة والسلطة لم يكن مرتبطا فقط بالثورة المصرية، بل كان له بدايات سجلتها السينما المصرية قبلها بأعوام قليلة بين تقديم صورة الباشا المتكبر، وبعضها ظهر في شكل كوميدي مثل ما قدمه إسماعيل ياسين بشكل مباشر في فيلم "المليونير – إنتاج 1950". و أثناء تلك الحقبة التاريخية كان الصاخبون أحيانا ما يستعينون في هتافاتهم المعادية للملك فاروق بتعبيرات تربط بين تركيا وتدهور الحكم الملكي في مصر مثل نداء "إلى أنقرة يا ابن الـمرة"، رغم انفصال تركيا تماما وقتها عن المملكة المصرية، وهو ما كان استدعاء للصورة القديمة للحاكم التركي الأعجمي من الموروث الشعبي. يعلق الدكتور عاصم الدسوقي قائلا: "الوعي الشعبي لا يكذب، بل يستند إلى أصل حقيقي لا يمكن إنكاره، لكن هذه الصورة تظهر وتختفي حسب تطور العلاقات السياسية حتى بدأنا نلاحظ مؤخرا مع انتشار المد الديني ظهور اتجاهات في الكتابة التاريخية تحاول تجميل صورة الدولة العثمانية و تلقى قبولا لدى البعض من منطلق ديني دون التحقق من أخطاء العثمانيين وسقطاتهم". الاختلاف بين وجهتي نظر جيلين و رؤيتين مثل رؤية احمد لطفي المعجب بالتجربة التركية العلمانية ورؤية نهلة البدري الشابة التي تدعم الملمح الإسلامي الجديد لم يقتصر على من هم يراقبون من بعيد في مصر، بل هو صراع كبير تعيشه تركيا نفسها التي تتأرجح بين الاستيعاب والاستبعاد في علاقتها مع أوروبا. وفي دراسة نشرت على موقع قناة الجزيرة الإلكتروني يؤكد الدكتور إبراهيم البيومي غانم- خبير الشؤون التركية- أن هناك فريق من الأتراك يرفض الاندماج الحضاري في الغرب ويرى أن مستقبل تركيا يكمن في توجهها ناحية الشرق بدلا من الغرب، بينما هناك رغبة علمانية/أتاتوركية أقدم وأقوى تسعى إلى الذوبان في أوروبا والاندماج في حضارتها. هذه الحسابات لا يهتم بها الكثيرون في مصر، خاصة مع الاقتراب من تفاصيل الحياة التركية عبر وسائط أخرى مثل الدراما التركية وتأسيس قناة تركية ناطقة باللغة العربية. هذه الطرق الحديثة للاتصال مع تركيا لفتت انتباه أحمد لطفي إلى شيء مختلف كان يفتقده : " لقد قدمت هذه المسلسلات صورة النظام الاجتماعي للأسرة التركية التي كنا نراها في بيوتنا في الماضي، وقدمت صورة جديدة لحنين قديم"، أما بالنسبة لنهلة البدري فتذكر : "كنت مهووسة بالثقافة الأمريكية التي يقدمها لنا التليفزيون المصري.. أنا حاليا لا أستطيع أن أشاهد مثلا حلقة كوميدية من Friendsبدون أن أسمع تلميح خارج أو إباحي... هويتنا كمسلمين مهددة، على الأقل الثقافة التركية – رغم تأثرها بالغزو الأمريكي – هي ثقافة قريبة من ثقافتنا، وعلينا أن نركز فيها على ما ينفعنا". تختم جملتها وتقرر أن ترفع صورة جدها ذو الأصل التركي على حسابها في الفيس بوك، وهو ما لن يفعله أحمد لطفي الذي احتفظ بذكرى جده في قناعات خاصة به، إلا أن كلاهما يكاد يكون متفقا على أن هناك اهتمام متصاعد بالنموذج التركي سببه السياسة والدين.

**
لغتي الثانية.. تركي

قبل عام واحد فقط لم تكن هناك أي صلة تجمع كل من سارة أحمد وأنس باسم وحقي إسماعيل، اليوم تجمعهم زمالة دراسة الدبلومة الأمريكية في مدرسة صلاح الدين الدولية. في العام الماضي اجتذبهم خبر تأسيس أول مدرسة تركية في مصر واتخذ البعض تغيير مساره الدراسي تماما، سارة التي كانت طالبة في الصف الثاني الإعدادي العام الماضي بمدرسة سانت فاتيما للغات جذبتها التجربة الجديدة، وتعلق على ذلك قائلة : "انتقلت من دراسة الشهادة البريطانية ( IGCSE ) إلى دراسة الدبلومة الأمريكية هنا بعد مناقشة مع أسرتي، وكان دافعنا الأساسي هو ما تقدمه المدرسة من رعاية إسلامية إلى جانب الطابع الحديث للمدرسة".
في طرقات المدرسة لافتات لأسماء الله الحسنى، وعبارات إسلامية أعدها الطلبة تعبر عن الطابع المتدين الذي يحيط بالمكان رغم أن المظهر العام قد لا يختلف في مظهره كثيرا عن بعض المدارس الدولية الأخرى. الاختلافات الجوهرية تكمن في إمكانية اختيار اللغة التركية كلغة ثانية بديلة عن الفرنسية أو الألمانية، إلى جانب ما يتلقاه الطلبة من دروس في الدين والقيم. تعرفت سارة على زميلها الجديد حقي (الألباني الأصل) في فترة الصيف حين أقيم موسم " Summer school المدرسة الصيفية" الذي تعرف فيه الطلبة على أساتذتهم والمواد الدراسية الجديدة، أما أنس الذي تعرف على زميليه الجديدين من خلال دراستهما للغة التركية كلغة ثانية فكانت له وجهة نظر أخرى: "أحيانا ما يزور والدي تركيا بحكم عمله، أطمح أن أجيد التركية حتى أساعده في عمله بعد سنوات.. من يعلم؟"
تعمل أخته ياسمين معلمة بالمدرسة نفسها، وهي تنقل وجهة نظر الأسرة في تعلم ابنها التركية في هذه المرحلة المبكرة قائلة : "هناك مجالات قادمة للتعاون مع تركيا، وقد بدأ السوق المصري في استقبال شركات تركية بالفعل منذ سنوات، وأعتقد أنه في ظل التقدم التركي واهتمامنا بهذه التجربة ستكون اللغة التركية ميزة لمن يجيدها".
حسب إدارة المدرسة فإن الطلبة الأتراك لا يمثلون سوى نسبة 15% من أعداد الطلبة الملتحقين بها في عامها الأول والبقية من المصريين، وتشجع الإدارة أولياء الأمور على التعرف على اللغة التركية للمهتمين في فصول خاصة لهم. أما الأصدقاء الثلاثة فما زالوا في سن صغيرة وتجربة مبكرة حتى يقرروا إذا ما كان أحدهم سيتخصص في اللغة التركية. سارة أحمد ترى في تعلمها التركية كلغة ثانية ميزة جديدة إلى جانب اللغة الفرنسية التي تعلمتها في مدرستها القديمة، أما حقي إسماعيل فقد نقل دفة الحديث إلى تجربته في المسابقة التي أقيمت بين المدارس الدولية التركية في تركيا حين حصل على الميدالية الفضية في مسابقات تعتمد على إجادة مبادئ اللغة.
يرى الدكتور عبد المنصف مجدي بكر- أستاذ اللغة التركية بقسم اللغات الشرقية في كلية السن بجامعة عين شمس- أن النشاط الإعلامي التركي المزدهر في السنوات الأخيرة عبر المسلسلات والفضائيات وإنشاء فضائية تركية باللغة العربية كلها أمور بدأت تؤتي ثمارها في الاهتمام بدراسة اللغة، خاصة في أماكن مثل المركز الثقافي التركي، وهو ما قد يتيح فرص عمل بواسطة رجال أعمال أتراك أو في فرص عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل مثل خدمة العملاء في شركات الاتصالات، يقول : "في العام الماضي تقدم إلى شعبة اللغة التركية عشرة طلاب فقط، ثم ارتفع العدد إلى ستين في هذا العام وهو ما يعطي مؤشرا على الاهتمام باللغة وما قد تتيحه من فرص". يأتي هذا التحول بعد أن بدأت شعبة اللغة التركية بعد تأسيسها في العام الجامعي (1990/1989م) بانضمام طالبة واحدة تعمل الآن ضمن طاقم التدريس الجامعي بالقسم، وعلى مدار العامين الأخيرين فقط شهد الدكتور عبد المنصف مجدي بكر تطور هذه "النزعة التركية" التي زادت من الإقبال على دراسة التركية بشكل عام في مصر.

تركيا قادمة عبر الفضائيات

"كنا منذ أعوام طويلة نتلقى رسائل كثيرة من مستمعينا الأفاضل يعبرون فيها عن رغبتهم في فتح قناة ناطقة باللغة العربية . فها قد تحقق حلمهم مع إطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية ". هذه العبارة الإعلانية سجلها موقع محطة "تي ار تي" التركية قبل ثلاثة أشهر ليعلن الخبر الذي انتظره الكثيرين "محطة تركية باللغة العربية". يرى مدير القسم العربي من القناة الذي يتابع تفاصيل العمل من اسطنبول أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على مدى نجاح التجربة، لكن "المؤشرات طيبة" حسب تعبيره. سفر توران الذي يجيد اللغة العربية بطلاقة قال للشروق إن الرهان كان قائما على أمرين : الأول هو الأجواء السياسية التي قربت تركيا أكثر من العالم العربي نتيجة مواقف بعينها، وهو ما زاد الرغبة لدى العرب في التعرف على تركيا وإحياء الشوق للعلاقات المشتركة القديمة بين الطرفين، الأمر الثاني الذي يذكره توران هو أن التواجد التركي داخل الإعلام العربي عبر الدراما التقليدية قد زاد من تكثيف هذه المشاعر المتبادلة، خاصة أن تلك المسلسلات نقلت تفاصيل الحياة في البيت التركي، وأعادت الثقافة التركية إلى الأضواء.
لا يستطيع السيد سفر توران تقييم تجربة المحطة الناطقة بالعربية اعتمادا على مدة عمل تقارب الثلاثة أشهر فقط، و يعلق باقتضاب : "بعض البرامج حققت التقارب المطلوب والبعض لم ينجح وجاري تطوير مزيد من الأفكار". ما يطمئن مسؤولو القناة هو كم الإيميلات التي يتلقونها من الشباب عبر الموقع التي تحمل مشاعر طيبة لتركيا والمحطة، أما الصورة التي تراهن المحطة على تقديمها فهي صورة تركيا المنتمية إلى العالم العربي والاسلامي من خلال قناة ذات طابع عائلي تجمع بين الترفيه والثقافة والأخبار.. بعض البرامج اتخذت بالفعل طابعا مباشرا مثل "تعلم اللغة التركية"، و "وجهتنا تركيا" الذي يقوم بالتعريف بالأقاليم والمدن التركية المختلفة، إلى جانب فقرات تجمع بين المطربين العرب والأتراك في جلسات طرب، يقول سفر توران : "اعترف أننا تأخرنا في اتخاذ خطوة تدشين قناة ناطقة بالعربية طوال السنوات الماضية، خاصة حين نرى دولا لا يجمعها بالعرب أشياء مشتركة مثل الدين والتاريخ والثقافة وقد أسست أقساما عربية في فضائياتها، لكن في النهاية نحن لدينا هذه الميزة".

سلطنة عثمانلي

ما زالت صورة المطرب الجالس وسط أفراد "التخت الشرقي" مرتديا طربوشه الأنيق هي آخر ما تبقى من زمن "الطرب العثمانلي" القديم. يرى أحمد مصطفى- الأستاذ بمعهد الموسيقى العربية- أن هناك إسهامات أخرى للأتراك قد لا يشعر بها سوى المتخصص، وهو ما يوضحه قائلا : "هناك قوالب موسيقية تدرس في معاهد و كليات الموسيقى نادرا ما يعرفها المستمع العادي مثل : البشرف واللونجا وغيرها ألفها موسيقيون أتراك وما زال الطلبة يدرسونها حتى يومنا هذا!" . الصورة القديمة لمطرب التخت الشرقي صاحب الطربوش من أمثال عبده الحمولي وكامل الخلعي كانت تمثل اتجاها تركيا قديما يعتمد على التطريب بشكل كبير. ويوضح أحمد مصطفى رأيه بغناء كلمات وطنية على الطريقة التطريبية القديمة كي يعبر كيف قد لا يعبر الأداء عن المعنى، ثم يضيف موضحا: "النقلة الحقيقية التي كسرت الصلة مع الموسيقى التركية القديمة كانت على يد سيد درويش الذي اهتم بالتعبير عن المعنى من خلال الإيقاع والسرعة واللحن، وهكذا اتخذت الموسيقى المصرية المعاصرة طابعا جديدا تأثر بالموسيقى الغربية والموسيقى المصرية الخالصة". حسبما يؤكد أيضا فإن الصلات لم تنقطع تماما مع الموسيقى التركية، بدءا من الاقتباسات المتبادلة بين الفنانين في الجهتين انتهاء بملحوظة رصدها بحكم عمله كمعلم وعازف لآلة العود، حيث يذكر موضحا بمثال : "أصبحت هناك مدرسة تركية حديثة في العزف على العود تأثرت بالموسيقى الأوروبية، وتبناها عازفون شباب هناك، وقد لاحظت أن هناك عازفون مصريون بدؤوا في التأثر بهذه المدرسة ليعود النغم التركي مرة أخرى إلى الساحة وان كان لم يبلغ مدى اتساعه مثلما كان في زمن السلطنة التركية القديمة".

• أكلات مشتركة ومذاق مختلف

يظن البعض أن وجود بعض الأكلات المتشابهة بين المطبخين المصري والتركي مثل : الكشك، و المسقعة، و الشاورما، والشركسية، قد يعني بالضرورة تطابق المذاق، إلا أن مدحت المغربي مدير المطعم التركي بالقاهرة يختلف تماما مع هذه الفكرة قائلا : "أحيانا ما يأتيني زبون جديد ويطلب شركسية على أساس أنها الاسم الأقرب إلى أذهان المصريين عن الأكل التركي، فأسأله : هل أكلتها من قبل؟ فإن لم يكن قد أكلها في بيته – تبعا لأصوله التركية على سبيل المثال – فأرشح له طلبا آخر، أما إذا كان قد ذاقها فأقدمها له موضحا أنه سيتذوق طعاما تركيا مختلفا عما ذاقه من قبل هنا في مصر". في قائمة المأكولات أسماء قد يتعرف عليها الزبون المصري بسهولة مثل : الكبيبة، بابا غنوج، ورق عنب بالكوارع، شاورما باللحمة، لكن هناك أسماء اخرى قد تبدو مختلفة مثل : رول فيليه عثمانلي، دونر كباب، اسكندر شاورمة لحم. حيث يعتمد المطبخ التركي على "تتبيلته" الخاصة للتميز على بقية المطابخ.
في عام 1997 أسس مدحت المغربي المطعم التركي محددا رؤيته منذ البداية التي يوضحا قائلا : "كان الأسهل أن أؤسس كافيه أو مطعما تقليديا حيث أقدم الشيشة أو حتى المشروبات الروحية، لكن كان في رأسي صورة المطعم التركي المثالي الذي لا يفد إليه الزائر سوى للاستمتاع، مثلما كنت أرى ذلك أثناء فترة عملي في مطاعم تركية بالخليج أو أثناء زياراتي لتركيا". حول المطعم في حي المهندسين شبكة من مطاعم الوجبات السريعة التي تكاد تحاصره، وهي نفس المطاعم التي يعتبرها مدحت المغربي قد قتلت حس الاستمتاع بتناول الطعام لدى المصريين. يشغله هذا الأمر ليس فقط خوفا من المنافسة بل أيضا بحكم عمله كمحاضر في أحد المعاهد الفندقية. يعلق على ذلك بقوله : "أعترف أن هناك اتجاه أكبر للتعامل مع المطعم عبر خدمة توصيل الطلبات، لكن في النهاية ما أحققه في الحد الأدنى هو حرصي على تقديم المذاق التركي الأصلي". يذكر مدحت المغربي أن هناك "تتبيلة" خاصة هي التي تميز الأكل التركي تعلمها فريق العمل المصري في المطعم على يد طباخين أتراك عملوا في بداية تأسيس المطعم.. ثم بدأ الاعتماد على المصريين الحاليين لغلاء أجور الأتراك. لا يخفي مدحت المغربي أن اسم المطعم "أتاتورك" الذي يعني "أبو الأتراك" أحيانا ما جلب له تعليقات تتهمه بالعلمانية لسمعة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، بينما كان أساس اختياره هو معنى الاسم، تلك التعليقات لم تزعجه لرضائه عن وفاء زبائنه المحبين للمزاج التركي في الأكل وفي أجواء المطعم المصممة بزخارف وطريقة تركية تقليدية. يقول مدحت المغربي : "الاهتمام الأخير بالمسلسلات التركية أثر بشكل ما على اهتمام الزبائن، لكن ما يلفت نظري أنا في هذه المسلسلات وأدعو الناس إلى ملاحظته هو ذلك الاهتمام الواضح بجلسات الطعام داخل المجتمع التركي، وهي قيمة فقدناها إلى حد ما في مصر، وأرجو أن تعود مرة أخرى، وهذا ما أتمسك بتقديمه".

Wednesday, June 9, 2010

قلق المياه لم يغير الجميع

كتب – عبدالرحمن مصطفى
بحكم عمله كحارس عقار في عمارة مزدحمة بالسكان يداوم "ربيع" على أداء مجموعة من المهام اليومية على أمل أن يزيد دخله الشهري الذي لا يتجاوز المئتين جنيه، يبدأ بغسيل السيارات في الساعة السابعة صباحا ، لا يستخدم خرطوم المياه سوى حين يطلب صاحب السيارة لمزيد من النظافة والتلميع، أما الأداء العادي فيعتمد على جردل المياه والفوطة المهترئة. لا يعتبر نفسه مسرفا بأي حال في استخدامه للمياه يكتفي بذكر ملاحظة واثقة متسائلا: "من المسرف؟ انا ام الذي يرش المياه أمام المحل أو المقهى؟". القضية الكبرى التي انشغل بها الجميع مؤخرا عن مستقبل حصة مصر في مياه النيل لم تشغله، فمصاريف استهلاك المياه يدفعها اتحاد ملاك البرج السكني الذي يحرسه، حتى إن جاوزت الألف وخمسمائة جنيه شهريا، لا يواجه أي امتعاض من السكان سوى أثناء عملية تنظيف السجاد التي قد تمكنه من الحصول على مبلغ يتراوح بين الخمسين والمئة في المرة الواحدة، يعلق على ذلك : "نادرا ما يعترض السكان.. وفي حالة الاعتراض يكون السبب مشاكلهم الشخصية وليس قلقهم على حجم استهلاك المياه". من وجهة نظر الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي أستاذ تنظيم المجتمع بكلية الخدمة الاجتماعية في جامعة حلوان فإن القلق العام الذي ظهر مؤخرا بقوة في الإعلام والتصريحات السياسية حول مستقبل حصة مصر في مياه النيل خلق حالة لم تنعكس على سلوكيات الأفراد في المجتمع، معلقا على ذلك قائلا: "اللغة التي استخدمت في الفترة الماضية كانت مؤثرة في اتجاه مختلف، حيث دار الحديث عن حرب المياه وحقوق مصر التاريخية وهو ما شحن الناس في هذا الاتجاه الحماسي، لكنه للأسف لم يتم استغلال هذه الفرصة لتعديل سلوكيات الناس في تعاملهم مع المياه".
الحارس النشط "ربيع" يستهلك المياه بصورة يومية في أغراض التنظيف ويتحدث بضمير مرتاح عن أنه ليس مسرفا في استخدامه، يشير إلى الحديقة المجاورة التي يعمل على تنسيقها أحد عمال البلدية مقابل خمسين جنيها في الشهر، يقول : "إن كنا سنتحدث عن استهلاك كبير للمياه، فالحدائق المجاورة للأبراج السكنية تستهلك كما أكبر، ورغم شراء السكان لرشاشات ري تقليدية، إلا انني أعتمد في الري على غمرها بخرطوم المياه حسبما أصر عامل الحديقة والسكان". يرفض ربيع أي اتهام بالإسراف وفي ذهنه صورة الحقل الزراعي في قريته الذي يعتمد على مياه تقدر بأضعاف التي يستهلكها اليوم في عمله، حسب الأرقام المتداولة على ألسنة المسئولين في وزارتي الري والزراعة فإن حوالي 80% من المياه المستهلكة في مصر تذهب إلى الزراعة.. هذه الصورة يدركها الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي بحكم عمله أيضا كوكيل لشئون خدمه المجتمع وتنميه البيئة في كلية الحدمة الاجتماعية، معلقا على ذلك : "إذا ما أردنا أن نقدم أقتراحات عملية في هذا المجال فعلينا ألا نفوت فرصة القلق الذي حدث مؤخرا حول مستقبل المياه في مصر وأن نحوله إلى إجراءات تواجه الاستخدام غير الرشيد للمياه، أهمها نقل رسالة إعلامية مباشرة تواجه سلوكيات الإسراف، وتنشيط دور المجتمع المدنى في إدارة حملات لتغيير سلوك المواطن، كما يجب اتخاذ بعض الاجراءات القانونية مثل استصدار قرارات تجرم هدر المياه". يسجل الدكتور مصطفى ملاحظة هامة في هذا الشأن وهي أن المشكلة أكثر تفاقما في المناطق الريفية الزراعية نتيجة استمرار استخدام أساليب تقليدية في الري، وتحديدا أسلوب الري بالغمر. هذه الطريقة هي التي تسللت إلى سلوكيات ربيع وعمال الحدائق الخاصة تدفعهم إلى عدم الانشغال بكم المياه المستهلك في ري الحدائق فهي الطريقة الشعبية المعتمدة في مصر حتى الآن. رغم تلك الثقافة فهناك بعض من تمرد على هذا الوضع نتيجة تغير صورة المزارع في العقود الأخيرة، الدكتور أحمد عيسى الذي بدأ مبكرا في الثمانينات في استصلاح قطعة أرض ناحية وادي النطرون لم يكن اقتناعه بفكرة الري بالتنقيط لمجرد أنها أنسب وسيلة لتوفير المياه في مصر، بل لأن قواعد وزارة الزراعة كانت تفرض استخدام ميكنة حديثة في الزراعة والري، يصف هذا التطور بنفسه : "اليوم اعمل على ترويج الفكرة في مسقط رأسي في قلين بمحافظة كفر الشيخ، ونجحت في إقناع أبناء عائلتي في استخدام فكرة الري بالتنقيط لنفس الهدف". لم يكتفي أحمد عيسى بهذا بل بدأ في نشر مقالات على الانترنت عن فوائد استخدام الري بالتنقيط، والهدف الأسمى هو توفير مياه النيل، لكنه يذكر أسبابا أخرى : "أؤكد أن الري بالتنقيط بعد هذه الخبرة الطويلة هو الأفضل للمنتجات الزراعية في انتشار الكيماويات بشكل سليم". مشاكل استنزاف مياه النيل في الزراعة حسبما يراها أحمد عيسى الذي عاش في بيئتين زراعيتين مختلفتين، حيث الريف التقليدي ثم اراضي الاستصلاح الزراعي تتفاقم لأن الحياة في الريف تم تنظيمها وتخطيطها على الري بالغمر واستنزاف مواردنا من المياه منذ ألاف السنين. كما ان الصلة تكاد تكون مقطوعة بين من لا يشغلون بالهم بقضية إهدار المياه في تنظيف أو زراعة أو رش المياه وقت الظهيرة، وبين متخصصين لا يجدون المساحة الكافية لنشر دعوتهم في مواجهة هذه الظاهرة.

Monday, June 7, 2010

المذاكرة الجماعية

لا سبيل سوى التضامن في وجه الامتحانات
كتب – عبدالرحمن مصطفى
أمام كمبيوتر شخصي تجلس مجموعة من الشباب محدقين في الشاشة حيث تظهر صورة تمثال من العصر القديم، يبدأ الجميع في إطلاق تعبيرات من نوعية "انسيابية الشكل"، و"البؤرة البصرية" وذلك أثناء تعليقهم على صورة العمل الفني، جميعهم من طلبة السنة الأولى في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، في فترة الامتحانات يديرون يوميا مجموعة للمذاكرة استعدادا لكل امتحان. في داخل المشهد الذي يضم الجميع في كافيتيريا معهد الفنون الشعبية المجاور يطرح أحمد طارق الجالس إلى جوار الكمبيوتر سؤالا.. "شايفه إيه يا مصرية؟؟" موجها سؤاله إلى زميلته مصرية بكر، ثم يدور السؤال بين أفراد الدائرة بهدف التحريض الذهني على النقد وإبداء الآراء، وهكذا الحال مع كل مادة. توضح مصرية بكر طريقة مذاكرتهم بقولها: "كلنا خضنا تجربة الدراسة في كليات من قبل، أنا على سبيل المثال كنت أكتفي بالملازم وحضور محاضرات في مراكز خاصة قبل امتحاناتي في كلية التجارة، لكن الواقع هنا مختلف.. نحن ندرس 18 مادة تعتمد على النقد وعرض وجهة نظرك، وعلى حضور ذهنك". تكونت هذه الجلسة قبل امتحانات الترم الأول وآتت ثمارها ما دفعهم إلى استكمالها في الترم الثاني خاصة مع توطد علاقات الصداقة طوال الأشهر الماضية، تلوح مصرية بذراعيها في أداء استعراضي انتزع ابتسامات زملائها "أنا على سبيل المثال محبة للباليه والرقص، هذا هو دوري في التحدث عن هذا الفرع قبل امتحان المادة، بينما يقوم أحمد اليوم بتناول أعمال تشكيلية بحكم اهتمامه الصارخ بهذا المجال".
الاختلاف الذي يميز هذه المجموعة في أكاديمية الفنون عن أي مجموعة دراسية أخرى في مراحل التعليم المختلفة أن أغلبهم حاصلين على شهادات جامعية بالفعل من جامعات مختلفة، بل وخاص بعضهم تجربة المذاكرة الجامعية من قبل. "ريّان" حسبما يناديه أصدقاؤه هنا كان طالبا أزهريا لسنوات وانتقل من جامعة الأزهر إلى المعهد مؤخرا وحسب تعبيره : "لم أعرف وسيلة للمذاكرة طوال حياتي قبل الامتحانات سوى المذاكرة الجماعية، كنا نقسم المنهج علينا ويشرح كل واحد جزء، لكن الآن الوضع مختلف، نحن نتبادل الآراء، ولا نحاضر لبعضنا البعض". زميله حسن سعيد الذي خاض تجربة أكثر تميزا في الحصول على شهادته الجامعية من خارج مصر ألقى بتعليق متهكم قائلا :"أنا عن نفسي دي أول سنة أذاكر فيها أصلا"، لا يخفي حسن لغته الساخرة أثناء المذاكرة تخفيفا من حدة توتر الامتحانات المتلاحقة، حيث يمتحن الطلبة يوميا عدا يوم الجمعة . أثناء الجلوس بين أفراد المجموعة وأثناء طرح تحليلاتهم النقدية وتبادل الآراء والمعلومات يمكن ملاحظة تقسيم الأدوار التي تبناها كل فرد في هذه "الشلة" بدء من شراء "الكشري" وقت الغداء، مرورا بالدعم النفسي لمن يمر بالضيق، انتهاء بكتابة المادة العلمية على الكمبيوتر، هذا التآلف يخفي تفاصيل أخرى حول تجربة المذاكرة في مجموعة كهذه، فبين صخب المجموعة تجلس هداية في ركن مبدية بعض التحفظ قليلا والمشاركة الجادة في فترات أخرى، قبل انضمامها إل المعهد حصلت على ليسانس الآداب في اللغة الانجليزية بعد أربع سنوات دراسية لم تعرف فيها فكرة الدراسة في مجموعات، وتعلق هداية على ذلك بقولها : "بصراحة.. كنت أفكر في عدم إكمال الدراسة مع المجموعة، لأني لم أكن معتادة على الفكرة، كما أن كل شخص منا في النهاية سيكتب رأيه هو، لا أجد ميزة سوى تبادل المعلومات، والتدريب الذهني الذي نمارسه هنا، وهو أهم جزء في دراستنا".
المذاكرة في مجموعة حسبما ترى الدكتورة سهير الجيار- أستاذ أصول التربية بكلية البنات جامعة عين شمس – فكرة لا تصلح إلا في فترات التحصيل النهائي للمراجعة وتبادل وجهات النظر والمعلومات، وتضع الدكتورة سهير الجيار بعض القواعد التي قد تسهم في إنجاح المذاكرة الجماعية، تقول : "يجب ألا يزيد عدد أفراد المجموعة عن أربع أفراد منعا للتشتت، كذلك فهي ممارسة قد لا تصلح في كافة التخصصات حيث لا بد أن يكون التخصص الدراسي معتمدا على فكرة النقاش وعرض وجهات نظر مختلفة". أما النقطة التي رأت أنها قد تعيق عمل المجموعة بشكل مباشر فهي اختلاف سمات الشخصية لدى المشاركين حيث توضح : "قد تضم المجموعة الكسول، والانطوائي والأناني، كل هذا قد يعرقل عمل المجموعة، خاصة أننا لسنا هنا تحت إدارة شخص تربوي متخصص يقيس هذه الأمور ويحاول علاجها". هذه الملحوظة الأخيرة أكدها أعضاء مجموعة معهد النقد الفني فإلى جانب وجود عوامل تجمعهم، فهناك من لم تعجبه الفكرة وهناك من كان يطمح في تحضير ملخصات جاهزة، وهو ما حاول "ريّان" شرحه: "لاحظت شيء مؤسف بين الطلبة الآن، وهي .. النفسنة، بصراحة هناك من يحاول إحباطك والتقليل من محاولاتك في الاجتهاد، بل وتدمير نفسيتك قبل الامتحانات، ولا أعرف ما سبب هذا؟" بعض الطلبة يمرون حول المجموعة ليستمعوا دون أن يشاركوا، والمشاكل الأخرى تذكرها هداية التي تكتشف أن البعض يحاول تبديل أماكن الكتب في المكتبة كي يضلل زملاؤه، هنا تتحول هذه المجموعة إلى ما يشبه مجموعة الدعم وليست فقط مجموعة مذاكرة تجتمع في الامتحانات، توضح مصرية ذلك : "احنا في النهاية أصحاب، بنروح سينما مع بعض، وناكل، ونخرج، ونذاكر مع بعض". أحيانا ما تنتقل جلسات المذاكرة إلى منزل حسن سعيد حيث يستضيف "ريّان"، وأحمد طارق، بينما يتواصلون مع مصرية وهداية على الانترنت، حيث يسمح الماسنجر بصنع اجتماع افتراضي على الانترنت، وهنا تظهر مهارة حسن في عرض ملفات موسيقية على الجميع عبر الانترنت، ويبدأ في تحليلها معهم، لأنه الأكثر اتصالا بعالم الموسيقى.
هذه المجموعة التي جمعتها الامتحانات أصبحت حاضنة لمجموعة من محبي المسرح والأدب والموسيقى والفن التشكيلي، تركوا شهادتهم التقليدية وأصروا على البحث عما يحبونه في معهد النقد الفني.

عادات وتقاليد المذاكرة
منبهات وقهوة
"ممكن أشرب خمس كوبايات قهوة في يوم واحد" الجملة لفاروق عادل طالب الفرقة الأولى بقسم الإعلام في جامعة حلوان، لا يخفي أن أسرته تقف ضد فكرة تعمد السهر بشرب القهوة والمنبهات لكنه يقول : "لم يعد لدى بدائل". قبل عام واحد فقط كان فاروق عادل طالبا في الثانوية العامة ودشن مدونة تحمل تفاصيل حياة طالب ثانوي، يقول اليوم : "ورثت عن هذه الفترة فكرة الانقطاع عن النوم لعدة أيام وأتذكر أنني خسرت الكثير من الدرجات في امتحان الرياضيات بسبب عدم التركيز وقلة النوم"، اليوم الوضع مختلف عن المرحلة الثانوية، حيث لا يعرف كثيرا عن المنهج و"الأجزاء المحذوفة" و"الأجزاء المهمة" سوى قبل الامتحانات بأسبوعين وهو ما يراه أصعب قليلا عن وضوح المرحلة الثانوية، لا يخفي فاروق أن هذه الأجواء القلقة قد تدفعه إلى القهوة والمنبهات رغم تجربته المؤلمة في الثانوي.

الملخصات هي الحل
إبراهيم محمد طالب الفرقة الثالثة بحقوق عين شمس تختلف عاداته بحكم اختلاف نمط حياته حيث يعمل في متجر أسرته طوال السنة، لا يظهر حول الجامعة سوى قبل الامتحانات بأسابيع قليلة، يقول : "أحصل على المذاكرات، وأعرف المنهج، وأجلس مع أصدقائي للمذاكرة سويا"، في أوقات الامتحانات يكون حسب تعبيره "أكثر هدوءا عن بقية الطلبة حيث أن متحقق بالفعل في عمله" حتى مع قلة النوم، بل يكون أكثر ثباتا و"شياكة".. لأنه لا يجد داعي للقلق

المذاكرة في السرير
من الصعب الوصول إلى تفاصيل عادات المذاكرة إلى الدرجة التي حققتها شبكة فيسبوك الاجتماعية حيث كانت متنفسا لهؤلاء الذين أرادوا أن يشاركوا الآخرين هذه الجزئية من حياتهم، في إحدى صفحات الإعجاب في الفيسبوك انضم أكثر من 2700 شخص تحت هذا العنوان: المذاكرة في السرير ♥ I Love Studying In Bed ♥، الصفحة التي دشنت قبل ثلاثة أشهر فقط اعتمدت على توجيه رسائل ساخرة في فضل المذاكرة في السرير، وصور على نفس النمط اجتذبت تعليقات المجهدين من المذاكرة، أحدهم يقول ساخرا : "فعلا المذاكرة كأن فيها تنويم مغناطيسي"، ومع قرب الامتحانات أصبح مدير الصفحة المجهول أكثر جدية حيث كتب في واجهة الصفحة دعاء تقربا إلى الله.. وفيما يبدو أن تجربة المذاكرة في السرير لم تكن مجدية معه ولم يعد يجوز عليه الآن سوى الدعاء

حلاقة الشعر
قبل أسابيع قليلة فقط كان أيمن طالب الصف الثالث الثانوي - في إحدى المدارس الخاصة - محافظا على قصة شعره التقليدية "سبايكي"، لكن على مدار الأسابيع الماضية تحولت القصة التي أهمل العناية بها إلى كرة شعر كبيرة يحملها على رأسه في حاجة إلى حلاقتها، يقول بوضوح : "مش هحلق إلا بعد الامتحانات"، المفارقة أن بعض أصدقائه لم يختلف مظهرهم، ومنهم من احتفظ بطريقة حلاقة شعره نمرة 1 دون أي تأثر بالامتحانات.

الأكل الكتير
في صفحة "لكل اللى بياكلو كتير أيام المذاكرة" كانت رسالة مؤسس الصفحة واضحة في الآتي : " احنا لاحظنا إن أيام المذاكرة بناكل كتير.. فقولنا نعمل البيدج دى نشوف كام واحد زينا... انت بتاكل كتير ايام المذاكرة؟". الحصيلة النهائية لهذه الصفحة هي حوالي 230 مشترك، بعضهم سجل تعليقاته على الفكرة وعلى عادة "الأكل المفرط" أثناء المذاكرة، تعلق إحداهن "أنا بفش خلقي في الشيبس والشوكولا"، ولا تخفي صورتها ملامح البدانة، بينما يدخل بعض المرور لتسجيل حالته الآن وماذا يأكل

Thursday, May 27, 2010

الإعلام الجديد والتحديات الناجمة عن المناخ الثقافي والاجتماعي

يعتبر الإعلام الجديد New media من أهم مظاهر تناقل المعلومات والتعبير على الانترنت، وذلك عبر العديد من الوسائط التي تحقق هذا الهدف، و سأحاول من خلال هذه الورقة التعرض لأهم التحديات التي تواجه مستخدمي الإعلام الجديد نتيجة المناخ الاجتماعي والثقافي المحيط بهم، مع فرضية ترى أن صورة الإعلام الجديد ومستخدميه في المجتمع قد تتسبب في إعاقة تقدم هذا المجال.
تتنوع وسائط الإعلام الجديد حسب تصنيفاتها ومن اهمها المواقع الحاضنة للمدونات، و الشبكات الاجتماعية، ومواقع التدوين القصير، وقد اخترت التركيز على المواقع الأشهر في هذه التصنيفات تحديدا، بعد ما أثارته من جدل في السنوات الماضية وهي : بلوجر، فيسبوك، تويتر. يشير موقع .Alexa.com الذي يصنف المواقع حسب عدد زوارها إلى أن شبكة فيسبوك الاجتماعية تأتي في المرتبة الثانية ضمن أكثر المواقع جذبا للزوار في العالم وهي نفس المرتبة التي حققها فيسبوك لدى مستخدمي الانترنت المصريين، أما موقع بلوجر للتدوين فيأتي في المرتبة الثامنة على مستوى العالم بينما يأتي في المرتبة التاسعة لدى المصريين، و يأتي موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة في المرتبة الحادي عشرة عالميا، بينما يتراجع إلى المرتبة الخمسين في مصر، وهكذا يمثل كل من فيسبوك وبلوجر وتويتر المواقع الأولى لدى المصريين وفي العالم في الاعلام الجديد. و من خلال تعامل المصريين مع هذه المواقع سأعمل على رصد ملامح التحديات التي تواجه مستخدمي الإعلام الجديد في مصر من الناحية الاجتماعية والثقافية.

من يمثل الإعلام الجديد في مصر ؟

إن الإجابة على سؤال "كيف تشكلت صورة الإعلام الجديد ومستخدميه في مصر؟" قد تقودنا إلى التعرف على هذه التحديات، وذلك من خلال فرضية مفادها أن كافة التحديات التي يواجهها الإعلام الجديد قد تتضح من فهم ردود الأفعال الموجهة ناحية مستخدمي هذه المواقع. وقد كانت بدايات تشكل صورة هذه الشريحة مع ظهور التدوين Blogging مصاحبا للحراك السياسي الذي شهدته مصر بعد العام 2004 وتوهج نشاط العديد من الحركات المعارضة والداعية للتغيير ـ خاصة أثناء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ـ وهو ما مهد لاستغلال النشطاء تلك المساحات على الانترنت لدعم النشاط السياسي في الشارع، و قد كان بروز عدد من مدونات هؤلاء النشطاء عاملا في رسم تلك الصورة عن التدوين، من أبرز هذه الأمثلة ما قدمه المدونان منال وعلاء في موقعهما حين خصصا ركنا لرصد هذه الأنشطة ومتابعتها، إلى جانب احتضانهما للمدونات المصرية في مجمع المدونات الذي تحول فيما بعد إلى موقع مستقل "موقع عمرانية". تلك العوامل إلى جانب ما يدعمه التدوين من إعلاء الحس الفردي الحر ـ على عكس المنتديات الخاضعة للرقابة – رسمت صورة عن التدوين على أنه نشاط مرتبط بالسياسة والأنشطة الحقوقية. هذه الصورة التي اجتذبت شريحة من الشباب آنذاك لاقت قبولا أيضا لدى الإعلاميين الذين وجدوا وجها آخر لمتابعاتهم الصحافية، حيث الجانب الإنساني والتفاصيل والمواد التي تنشّط عملهم بشكل عام. ومن الصعب أن ينكر من تابع هذه المرحلة ملاحظة السلطة التي مارستها طبقة "النشطاء المدونين" عن غير عمد من خلال مجمع لتجميع التدوينات في موقع منال وعلاء أو غيره من المدونات مثل احتضان مدون مثل وائل عباس في مدونته "الوعي المصري" للفيديوهات التي تكشف عالم النشطاء وما يتعرضون له وكذلك مخالفات الشرطة في حق المواطنين العاديين، وراج في تلك الفترة نشر "البانرات" التضامنية مع المعتقلين والمدونين وترويج الأحداث السياسية المعارضة، ما أسهم في تكوين صورة لدى المجتمع آنذاك. وفي حالة إذا ما أردنا الحديث عن التحديات المترتبة على هذه الصورة في تلك الفترة ـ خاصة بالنسبة للتدوين ـ فقد أثرت هذه الصورة في جانبين :

- اجتذاب الشباب نحو التعبير السياسي عبر المدونات كأحد أدوات الإعلام الجديد.
- تنميط الإعلام لاستخدام التدوين في مجال التدوين السياسي والحقوقي مهملا كثير من المدونات ذات الأنشطة الأخرى في تلك الفترة.

 في تلك الأثناء كانت أداة أخرى من أدوات الإعلام الجديد وهي "الشبكات الاجتماعية" تعلو بقوة، وتحديدا في موقع فيسبوك الذي بدأ في العام 2005 يتخذ صورته الحالية بعد تأسيسه في العام 2004 كموقع محدود التأثير بين طلاب الجامعات الأميركية. وفي حين استمرت نجاحات المدونين في لفت الأنظار بنقل صور حية نافست الوكالات الإخبارية كانت الصحافة العالمية تطرح آنذاك أزمة انحسار التدوين لحساب أدوات جديدة من الإعلام الجديد، فقد صدرت دراسة في نهاية العام 2006 عن شركة جارتنر للبحث العلمي حول ظاهرة انحسار المدونات وتنبأت بأن يكون عام 2007 بداية خمود التدوين[1] وما زال الأمر مطروحا حتى أن مجلة وايرد (wired) المتخصصة في التكنولوجيا قالت صراحة في عنوان لها عام 2008 "تويتر، فليكر، الفيسبوك، جعلوا المدونات قريبة من العام 2004"[2] ..  تجلى هذا الأمر في العام 2008 مع الدعوة إلى إضراب 6إبريل من نفس العام الذي كشف عن أداة جديدة استغلها النشطاء السياسيون في الدعوة لهذا الإضراب الذي اجتذب الإعلام بقوة، وبدأ الكشف عن قوة الشبكات الاجتماعية بما لها من قدرة على تنظيم الأحداث وإنشاء مجموعات والترويج لأنشطتها بين المستخدمين.
وحين نعود مرة أخرى إلى أهم تحد واجه مستخدمي الإعلام الجديد في تلك الفترة فقد كان الأداء الإعلامي آنذاك الذي فيما يبدو قد تحول من مراقبة ظاهرة الاستخدام السياسي والحقوقي للإعلام الجديد والاستفادة منها إلى الوقوف ضدها، اتضح ذلك في موقف الإعلام من ظهور وجوه جديدة أنتجتها دعوة 6 إبريل، مثل إسراء عبدالفتاح وأحمد ماهر اللذين كانا وراء دعم هذه الدعوة داخل الفيسبوك، خاصة مع تعرضهما للملاحقة الأمنية. وإلى جانب الموقف الصارخ للصحافة الحكومية ضد هذا الاستخدام السياسي للإعلام الجديد و تبنت بعض الكتابات في الصحف المستقلة وجهة النظر نفسها، على سبيل المثال في تاريخ 23 إبريل 2008 نشرت صحيفة المصري اليوم المستقلة تقريرا استند إلى معلومات راجت على الانترنت منذ العام 2003 كانت موجهة بالأساس إلى المنتديات الالكترونية وأعاد كاتب التقرير توجيهها إلى الفيسبوك حيث أشار إلى استغلال إسرائيل لنشاط المستخدمين على الفيسبوك لتجميع معلومات عن مصر، في حين أن نفس المعلومة غير الموثقة كانت توجه ضد المنتديات الالكترونية قبل تأسيس موقع الفيسبوك تحت زعم أن صحيفة «لوماجازين ديسراييل» اليهودية الفرنسية هي التي نشرت هذه المعلومات [3] . في الجانب الآخر قدمت صحيفة الأهرام اليومية تحقيقا بتاريخ 2 مايو من نفس العام تحت عنوان "عندما يتحول الفيس بوك إلي تشويه للوطن" وجاء في التحقيق على لسان الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع عبارات مسيئة إلى مستخدمي الفيسبوك وتحديدا دعاة الإضراب، بينما رفع التقرير من شأن المدونة عبير سليمان التي وصفها "نجمة نجوم الفيسبوك" لتقديم وجه آخر بعيدا عن النشاط السياسي لمستخدمي الإعلام الجديد، حين كانت عبير سليمان تقدم مقالات وقصص عن الفتاة المصرية العزباء من خلال مجموعة الكترونية على شبكة فيسبوك الاجتماعية [4] ، وفي نفس تلك الفترة بدأ ظهور موقع تويتر لتدوين القصير الذي كان يسمح بإرسال رسائل عبر الموقع إلى عدد كبير من المشتركين، واتجه النشطاء مرة أخرى لاستغلال هذه الخاصية في متابعة المظاهرات والأنشطة المختلفة. لكن سرعان ما توقفت الخدمة فيما بعد.
في تلك المرحلة ظهرت تحديات هامة أججها التعامل الإعلامي عن "الاستخدام الخطر" للإعلام الجديد المرتبط بالنشاط السياسي والحقوقي، وكانت أهم تحديات تلك المرحلة هي :  
-  تهميش الكتابات الهادئة الرصينة التي تتناول الشأن المجتمعي لحساب الأنشطة السياسية بسبب جاذبيتها وتسليط الأضواء الإعلامية عليها .
- إشاعة أجواء القلق المصاحبة لاستخدام الإعلام الجديد، نتيجة القلق المجتمعي من انخراط الشباب والمراهقين في أنشطة قد تواجه أمنيا [5]
- قدم الإعلام صورة أخرى كي يقدمها بديلا عن صورة مستخدم الإعلام الجديد الناشط سياسيا وحقوقيا، وعلى رأسها الاستخدام الأدبي للإعلام الجديد، و هو ما انتقل إلى مرحلة أخرى من تحديات الإعلام الجديد.
- التحدي الأهم في هذه المرحلة أنه لم يتم عرض كافة استخدامات أدوات الإعلام الجديد على اختلاف أنشطة المستخدمين أو كتابتهم.

 أدب الانترنت.. استخدام جديد أم صورة جديدة للإعلام الجديد ؟

 في بداية العام 2009 داخل إحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب كان العنوان الكبير الذي حفلت به القاعة "أدب المدونين .. صرخات شباب أم ورق كلينكس"، و أقيمت الندوة تحت تأثير إصدار عدد من الكتب ضمت كتابات الشباب التي كانوا قد أفرغوها على مدار سنوات سابقة في الانترنت، هذه الموجة التي كانت على حد كبير مهمشة أثناء اختزال استخدام "وسائط الإعلام الجديد" في العمل السياسي والحقوقي، بدأت تعلو مع نجاح بيع هذه الكتب، وكان ذلك بمثابة اكتشاف استخدام كان متواريا في الفترة السابقة، وبعيدا عن إشارات مثل حفاوة جريدة الأهرام أثناء إضراب 6 إبريل بمدونة عبير سليمان ومجموعتها على الانترنت، وتحول عدد من أصحاب المدونات إلى تأسيس دور نشر أهمها "دار ملامح للنشر"، و استهداف بعض دور النشر الناشئة لكتابات الانترنت مثل "دار اكتب"، وما أعقب ذلك من ظهور دار نشر في نفس العام مثل "دار دوِّن" التي تستهدف كتابات المدونين وإعادة طبعها ورقيا. برزت صورة أخرى بدأت تتضح معالمها عن كاتب الانترنت. حتى أن بعض دور النشر التقليدية لجأت لاستغلال كتابات المستخدمين في تجارب اعتمد بعضها على تجميع كتابات الفيسبوك إلى جانب كتابات المدونات، بل لجأت دور النشر نفسها إلى استغلال أدوات الشبكات الاجتماعية في الترويج لأعمالها التقليدية. وبدأ الإعلام يتلقف نماذج "الفتاة العانس"، أو "الشاب الساخر"، ضمن موجة الكتابات الشابة التي راجت قبلها بفترة.
هذا التغيير في تعامل الإعلام مع صورة مستخدم وسائط الإعلام الجديد من الاستخدام السياسي الحقوقي حيث "الاستخدام الخطر" حسب الرؤية المحافظة تحول نحو تبني صورة جديدة للشاب غير الصدامي الذي يعبر عن جيله ببراءة، وهو ما أغفل ألاف المدونات ومجموعات الفيسبوك الأكثر عمقا وجدية بعضها كان بمثابة مسودة لكتب من الوزن الثقيل[6] .
هذا التغيير لم ينكر أيضا وجود مستخدمين حاولوا إيجاد صورة مختلفة عبر فكرة الصدام مع "الوسط التقليدي"، تعددت أنواع هذا الاشتباك بين المواجهة الحادة او الساخرة، في مدونة صحافي شاب مثل "نائل الطوخي" كنا نجد بعض هذه الكتابات المتهكمة عن صورة المثقف التقليدي وخطاب الصحافة الاستهلاكي، كما أظهر آخرون تمردهم مثل المدون "رامز شرقاوي" ضد الأوساط التقليدية سواء كانت ثقافية أو حتى سياسية عبر انتقاد أفكار الحراك السياسي و الوقوف ضد انتقال كتابات الانترنت إلى مطبوعات تقليدية حفاظا على بقاء منتجات الإعلام الجديد داخل نفس الدائرة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد تعطل خدمة إرسال الرسائل القصيرة عبر موقع تويتر، انتقل المستخدمون إلى موقع Jaiku البديل وكانت إحدى أشهر الرسائل التي كتبت بالعربية في الموقع - نالت أكثر من 400 تعليق -بثتها الصحفية والمدونة عزة مغازي من مدينة مطروح حيث كانت تدار أعمال مؤتمر أدباء الأقاليم الذي ناقش قواعد السرد الجديد. وهاجمت تعليقات المستخدمين حالة النخبوية بكافة الأسلحة الالكترونية، لكنهم لم ينجحوا في التشويش على جدول أعماله الذي لم يرضوا عنه، أو حتى في لفت نظر الإعلام إليهم لأنهم كانوا خارج الصور النمطية، فقط نجحوا في التعبير عن وجهة نظر مهمشة للمستخدم العادي الذي لا يشغله القضايا الكبرى في مجالات الأدب أو السياسة، كذلك فإن الكتابات التي تتحدي صورة المدون الناشط أو الكاتب المثقف على الانترنت ظلت مهمشة إلى حد كبير.
وهنا اقتصرت رحلة الإعلام الجديد على صورتين نجحتا في التواجد بقوة : الأولى عن المستخدم الناشط السياسي أو الحقوقي، والثانية هي صورة المستخدم الكاتب الذي يعبر عن نفسه بتلقائية، وبينما اندمجت بعض نماذج النمط الأول في مؤسسات ذات صلة بنشاطه السياسي أو الحقوقي يطمح الثاني في نيل اهتمام الإعلام أو تحويل كتاباته إلى عمل تقليدي مطبوع.

المناخ الثقافي والاجتماعي والصورة النهائية

الإجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية عن من يرسم صورة مستخدمي الإعلام الجديد تدفعنا إلى استنتاج أهم التحديات الاجتماعية والثقافية التي اختزلت استخدامه في صور نمطية، مثل : "المستخدم المسيّس"، و"المستخدم اللافت لأنظار الإعلام"،  و "المستخدم الكاتب"، وكل تلك الصور نتجت بالأساس عبر المدونات الالكترونية وشبكة فيسبوك الاجتماعية، وأحيانا ما ينشط ذلك موقع تويتر.
هذه الصور لا تمثل كافة المستخدمين المحلقين في فضاء الانترنت، ويحركها الإعلام أحيانا الذي يخضع لأجندة سياسية وتحريرية، ويظل صوت المستخدم العادي مغيبا سواء كان متمردا دون صخب أو كاتبا هادئا لا يهدف إلى جذب الانتباه أو مستخدما عاديا أراد استغلال الاعلام الجديد في التعبير عن نفسه، وهو ما لفت انتباه أحد المدونين مؤخرا وهو الصحافي أحمد ناجي الذي كتب في مطبوعة "وصلة" التي تهتم بإعادة نشر منتجات الإعلام الجديد عن أزمة واجهت فريق العمل أثناء "البحث بين المدونات والانترنت عن أي تدوينة تشرح أو توضح أهمية الوقفة الاحتجاجية من أجل الحد الأدنى للأجور يوم 2 مايو 2010 أو أسبابها، لتقديم رؤية معمقة وإجابة لبعض الأسئلة من نوع لماذا مثلا 1200 وليس ألف جنيه؟" وهو ما يكشف عن تحد جديد وهو هل تلاشت الكتابات العميقة أمام الكتابات الخفيفة التي تضمن الرواج، وهل أصبح التضامن السياسي مجرد ملصقا الكترونيا؟ ، الأمر لا يتوقف على هذه الملاحظة فقط، فهناك في دهاليز وسائط الإعلام الجديد شباب مغمورون استغلوا تلك الأدوات لنقل أحداث مجتمعهم وظلوا بعيدا عن الصورة، ويتضح هذا في وسيط مثل موقع مثل Youtube.com لتحميل لقطات الفيديو الذي يحفل بكثير من الفيديوهات التي تكشف عن مخالفات، بل وتسجيل جرائم جنائية وإتاحتها أمام الإعلام التقليدي وبقية مستخدمي الإعلام الجديد، إلى جانب نقل الحياة اليومية في الشارع المصري، بل شجع هذا الموقع بعض الشباب على اعداد أفلام قصيرة مرتجلة تهدف للسخرية من الخطاب الإعلامي التقليدي، واتضح ذلك في مثال واضح عن مجموعة الشباب الذين صنعوا محاكاة ساخرة للسلسلة إعلانات الضرائب الشهيرة.
ويمكننا من هذا العرض أن نحاول تلخيص أهم التحديات في النقاط التالية :
-   تأثير الإعلام التقليدي على مستخدمي الإعلام الجديد، وسيطرة الصور التي يرسمها لهم على أذهان الجماهير.
-  اندماج بعض المستخدمين الموهوبين في خدمة العمل الحقوقي والسياسي بدأ يتجه بعيدا عن الكتابات العميقة التي يتم تهميشها، لأن الهدف أحيانا ما يقتصر على التنشيط لمناسبة أو الخضوع لصورة تقليدية وليس التعبير عن الرأي الشخصي.
-   صنع رواج كتابات الانترنت في المدونات والفيسبوك حالة من الاستقطاب من الوسط التقليدي "دور النشر والإعلام" بحيث اجتذبت هذه الشريحة من المستخدمين بعيدا عن مدوناتهم والاستغلال المخلص لوسائط الإعلام الجديد.
-   الخروج عن الأنماط التقليدية التي رسمها الإعلام والمناخ العام قد يشجع وجوها جديدة على استغلال آليات الإعلام الجديد بصورة تحدث تنوعا، لكن انتشارها يظل رهينة لاختيارات الاعلام التقليدي.

وفي النهاية أجد إن أهم ما قد يحتاجه الإعلام الجديد في هذه المرحلة هو الوعي من جانب الإعلام التقليدي برصد ظواهر جديدة ومتنوعة لدى المستخدمين، وهو ما قد يوجد حالة من الطمأنة لدى المجتمع، ويوفر لنا منتجا جديدا ومتنوعا من خلال تقديم نماذج مختلفة من مستخدمي الإعلام الجديد، وهو ما يعيد إلى الأذهان عددا من الظواهر المغايرة للصور النمطية الرائجة التي قد تعيق نشاطهم الحر الذي يعد من أهم سمات الإعلام الجديد.
مايو 2010
القاهرة
ورقة في الملتقى الديمقراطي الخامس "الإعلام الجديد ودوره في التحول الديمقراطي​"

[1] http://news.bbc.co.uk/2/hi/technology/6178611.stm
[2] http://www.wired.com/entertainment/theweb/magazine/16-11/st_essay
[3] http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=102381
[4] http://www.ahram.org.eg/Archive/2008/5/2/INVE1.HTM
[5] في إحدى حلقات البرنامج الشهير 90 دقيقة على فضائية المحور، تعرضت الناشطة إسراء عبدالفتاح – إحدى عضوات فريق عمل 6 إبريل - لضغط على الهواء كي تقر بأن ما نشاطها على الفيسبوك كان خطأ، وذلك بعد دقائق من إطلاق سراحها في خلفية تروج أن الإفراج جاء تلبية للنداءات الانسانية الموجهة إلى وزير الداخلية
[6] أشهر مثال لذلك مدونة "قبل الطوفان" للكاتب الدكتور ياسر ثابت الذي ينشر بعض فصول كتبه المتنوعة في الأدب والتاريخ. وتأتي المفارقة في أنه في بداية فترة تسليط الأضواء على المدونات سجل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل اعترافا بأنه يتابع بعض المدونات باهتمام وتحديدا "مدونة بهية" التي تصدر باللغة الانجليزية، ورغم ذلك لم تكن المدونات ذات المحتوى التحليلي الرصين هي نجمة الحدث دائما.