Wednesday, June 23, 2010

الانترنت.. رقيب جديد على السلطة


كانت غاية من يضبط مخالفة أن يتوجه بها إلى صحفي "شريف" يفجر بها قضية رأي عام، اليوم حلت الانترنت بديلا سريعا لطرح كافة المخالفات أمام المجتمع، وعلى رأسها مخالفات التعذيب والاعتداءات البدنية على المواطنين، بعض المدونين تحولوا إلى منفذ عبور لهذه الكليبات، لكن ما زالت هذه القناة مليئة بالعوائق وما زال الإبحار فيها يمثل نوعا من المغامرة

كتب – عبدالرحمن مصطفى
داخل صفحة أنا اسمي خالد محمد سعيد في شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطات فيديو متنوعة من مظاهرات وبرامج إخبارية تناولت قصة الشاب السكندري الذي ما زالت التحقيقات تبحث عن ملابسات مصرعه والاتهامات الموجهة إلى مخبرين ينتميان إلى جهاز الشرطة بأنهما كانا وراء الحادث، إلا أن إسهامات أكثر من 200 ألف مشترك في الصفحة لم تسفر عن ظهور "الكليب البطل" الذي يقطع الشك باليقين، كان أقصى ما توصل إليه البعض هو نشر لقطة تحت عنوان "الفيديو الذي قتل بسببه خالد"، حيث ذكر ناقلوه أنه تم تصويره داخل أحد أقسام الشرطة لضابط يوزع كمية من الحشيش على بعض معاونيه، لكن اللقطة التي يشوبها كثير من الغموض لم تكن مقنعة للبعض، أحدهم علّق قائلا: " ازاى يكون الفيديو ده هو اللى قتل خالد الله يرحمه وازاى الناس دى عارفة إنها بتتصور وعادى يعنى ومبسوطين"، ناشر الكليب دافع عن وجهة نظره قائلا أن "لكل جواد كبوة"، في تلك الأثناء كان وائل عباس أحد أهم ناشري كليبات التعذيب في السنوات الماضية يطرح القضية بمنظور آخر في موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة قائلا: " فيه ناس صوروا حادثة ضرب خالد ومش عايزين يدوني الفيديو بيقولوا لما يشوفوا التحقيقات ها تعمل ايه! "، الجملة أكدتها أسرة خالد التي ذكرت أن بعض شهود الواقعة قد صوروها لكنهم لم ينشروا تسجيلاتها بعد، وهو ما يعيد إلى الأذهان بقوة صورة كليبات مخالفات الشرطة والتعذيب التي أتاحت لها الانترنت الظهور على الساحة في السنوات الأخيرة. يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان: "بعض المعلومات الأولية التي انتشرت بعد حادثة خالد سعيد وجدت فيها بعض التشابه مع قصة نشر كليب عماد الكبير، إلا أن ظروف نشر الكليب وقتها بواسطة المدون محمد خالد كانت أفضل بكثير". قضية عماد الكبير التي يشير إليها جمال عيد الذي دافع عن بعض المدونين الذين تعرضوا لمضايقات أمنية دارت أحداثها في بداية العام 2006 حين تعرض أحد سائقي الميكروباص للتعذيب في قسم شرطة بولاق وأسفرت القضية عن حبس رجلي شرطة أحدهما برتبة نقيب، يتابع جمال عيد : "لم يكن المدون محمد خالد الذي نشر الكليب أول مرة على درجة كبيرة من الشهرة، لذا استعان بزملائه المدونين وخاصة المدون وائل عباس لينشروا بالتزامن ويفجروا القضية التي تابعتها الصحافة فيما بعد وأسفرت عن نتائج طيبة". منذ تلك الفترة حتى اليوم يتوالى نشر كليبات التعذيب والتجاوزات المختلفة، ولم تسجل خلال هذه الفترة حوادث اعتقال أو اعتداء مباشر بسبب نشر كليب بعينه على عكس ما شاع مؤخرا على الانترنت مع حادث خالد سعيد الذي يتناقل رواد الفيس بوك أن مصرعه كان بسبب اللقطة التي نشرها من داخل قسم الشرطة، يختلف وائل عباس صاحب مدونة الوعي المصري مع هذه الصورة التي تروج أن نشر كليبات التعذيب يتم في أمان، قائلا : "من قال أن نشر مثل هذه الكليبات لا يعرض صاحبه للمضايقات؟ أنا عن نفسي أتعرض للتضييق في كل مرة أعبر منها بوابات المطار". تحوي مدونة وائل عباس أرشيفا كاملا من كليبات التعذيب وتسجيل المخالفات المتنوعة التي حصل عليها من زوار مدونته أو بالبحث المباشر عنها. يتابع قائلا : "كنت شاهدا على ضغوط تعرض لها البعض، وكتبت في مدونتي عن أحد المدونين الذي أضطر إلى ترك مصر والهرب بزوجته إلى ليبيا من جراء التهديدات والملاحقات التي طالته، الأجواء العامة في مصر ليست بهذه السلاسة، حتى في قضية خالد سعيد كل شيء بدأ بالتعتيم، وربما تكشف الأيام القادمة عن كليبات جديدة توضح حقيقة الموقف أو إذا ما كان تعرض للقتل بالفعل بسبب حيازته على كليبات تدين رجال شرطة".
تلك الأجواء الشائكة التي تحيط بمن قرر التعامل مع الكليبات التي تظهر مخالفات السلطات هي التي دفعت محمد خالد ناشر كليب "عماد الكبير" في 2006 إلى اللجوء إلى زملائه حسبما يروي : "اتفقنا على نشر الكليب بشكل متزامن لينتشر بعدها على الانترنت، وبعدها أصبح الأمر يتكرر بشكل تلقائي دون اتفاق كنوع من التضامن بين رواد الانترنت.. الحقيقة أنني اليوم أقدر المشكلة التي يتعرض لها من يملك لقطة لمخالفة ما ولا يعرف كيفية نشرها، وأؤكد أنني شاهدت لقطات كثيرة على موقع يوتيوب - لتحميل لقطات الفيديو- لمواطنين نقلوا ما يحدث في الشارع من مخالفات إلى الانترنت، لكنها لم تحقق أي نجاح، بل إن بعضهم حذفها فيما بعد".
ما يذكره محمد خالد قد تؤكده جولة مخلصة بين ربوع موقع يوتيوب الذي يكشف عن وجود مستخدمين مغمورين يحملون أسماء مستعارة سجلوا لقطات لما اعتبروه تجاوزات في الشارع المصري، لكن لقطاتهم ظلت خبيئة في الانترنت، أحدهم نشر لقطة تحت عنوان "الي من يهمه الامر في قسم الحدائق في مصر" هذا العنوان قد يظهر أثناء البحث على الانترنت لكن بمجرد الدخول إلى اللقطة يكتشف الزائر أنه قد تم حذفها دون سبب واضح، شاب آخر يحمل حسابا تحت اسم dode706 نشر كليبات وقعت في حي عين شمس القاهري تحت عنوان "بلطجة الحكومة المصرية في عين شمس"، تاركا تعليقا يشرح فيه الفيديوهات التي تصور اشتباكات بين رجال الشرطة والأهالي بسبب تنفيذ قرار إزالة أحد المنازل موجها شكواه إلى السيد حبيب العادلي وزير الداخلية. التواصل مع صاحب هذا الكليب لم يسفر عن استجابة، كما لم يحقق نشر الكليب أي تأثير تذكر.
يرى المحامي الحقوقي جمال عيد أن نشر الكليبات التي تكشف عن عنف بدني أو وقائع تعذيب من الأفضل أن تتم عبر مؤسسات متخصصة، كذلك فهناك حل أفضل يشرحه : "هناك مجموعة من المدونين نجحوا في تحقيق اسم ومصداقية عبر نشر لقطات التعذيب وغيرها، بإمكان من لديه مثل هذه المواد أن يتضامن مع هؤلاء المدونين، سواء اختار أن يعلن هويته أو أن يكتفي بإرسالها فقط تاركا المهمة لآخرين في المجال الحقوقي". هذا الثقل الذي اكتسبه بعض المدونين في السنوات الماضية يعتقد البعض أنه يمثل نوعا من الحماية لهم، لكن محمد خالد "صاحب مدونة دماغ ماك" يقول : "لا أحد يضمن حمايته من أحد، حتى إن كنت عاملا في المجال الحقوقي، كل ما هناك هو أن سمعة بعض المدونات في كشف بعض التجاوزات الجسيمة وتسليطها الأضواء على قضايا جديدة من نوعها، قد رسخ مصداقيتها سواء في مصر أو في الخارج حين نتحدث عن تجربة المدونات المصرية". لا يخفي محمد خالد أن هناك من حاولوا ركوب هذه الموجة بحثا عن مكاسب، حسب تعبيره :"كان ممكن تلاقي واحد جاي بيقول أنا عايز أبقى مدون مشهور..!"، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بعض المنابر الإعلامية وبيانات وزارة الداخلية بالتشكيك في مصداقية المدونات، بل تجاوز الأمر هذا الحد إلى أن تقوم بعض المدونات بهذا الدور الذي يشير إلى الاستفادة المادية التي قد يحصل عليها الشخص من سمعته كمدون، يعلق وائل عباس على هذه النقطة : "أنا مثال واضح على كذب مثل هذه الادعاءات، فالرد الوحيد هو أنني كان بإمكاني أن أحصل على دعم من أي مؤسسة حقوقية عالمية وافتتح مركزا أديره بنفسي، وهو ما فعله آخرون لم يحققوا ربع مصداقيتي أو يبذلوا الذي بذلته في السنوات الماضية، هذا إلى جانب ما أتعرض له من تضييقات أمنية أثناء أسفاري المتكررة". يختلف أداء مدون مثل وائل عباس في تعامله مع قضية نشر الكليبات التعذيب أو غيرها من المخالفات عن مدونات أخرى أكثر تخصصا في قضية التعذيب مثل مدونة "التعذيب في مصر"، فبينما يعلن هو وبعض زملائه عن هويتهم، اتجهت محررة المدونة إلى الاكتفاء باسم المدونة محاولة الابتعاد عن إعلان هويتها موضحة ذلك قائلة : " السبب في ذلك ببساطة هو إكساب المدونة مظهرا احترافيا، فالزائر لن يهتم بالناشر بقدر اهتمامه بالمادة المنشورة. في مدونة التعذيب في مصر كل ما تقرأه هو حصريا عن هذه القضية". تعتمد مدونة التعذيب في مصر على عدة مصادر مختلفة مثل : المنظمات الحقوقية، والإعلام، والمواقع والمدونات الموثوق فيها على الإنترنت، إلى جانب ما يرسله الضحايا أنفسهم، وتضيف محررة المدونة قائلة: "في البداية طبعا كان الأمر أصعب بكثير، لأن المؤسسات الحقوقية لم يكن لها تواجد كبير على شبكة الانترنت، ولم تولي الصحافة اهتماما كبير لقضية التعذيب قبل ظهور كليبات التعذيب، خاصة كليب عماد الكبير وتصعيد قضيته، لكن مؤخرا أصبح الأمر مجهدا فهناك كثير من المواد، وهو أمر يحتاج إلى تدقيق". على نفس درب "مدونة التعذيب في مصر" تأسس قبل أقل من أسبوعين موقع "التعذيب عندهم .. واحنا ضدهم" وهو يعتمد في عمله على نشاط مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، حيث يبرز في أحد أركانه أرقام الخط الساخن لمركز النديم، إلى جانب إشارة من الموقع تحت عنوان " لو كنت مدون، تقدر تساعدنا أكثر" الذي يعتمد فها على التشبيك مع المدونين دعوتهم إلى رفع شعار الموقع الجديد في مدوناتهم، يوضح مصطفى حسين مدير الموقع : "هناك لدى الكثير من المدونين مهارات جيدة في صنع الأفلام إلى جانب رصد بعضهم لحالات تعذيب بعينها، وبصفة عامة يعمل الموقع تحت مظلة ما يسمى قوة العمل المناهضة للتعذيب وهي مجموعة من المنظمات الحقوقية و الأطباء والمحامين والصحفيين والمدونين يعملون ضد التعذيب ". حسبما يذكر مصطفى حسين فإن إنشاء الموقع كان مخطط له منذ فترة ولم يكن بسبب إثارة القضية مؤخرا بعد حادث الشاب السكندري خالد سعيد. بين أكثر من 14 مليون مستخدم للانترنت في مصر قد يتصادف أن يسجل أحدهم لقطة ترصد مخالفة من داخل خبايا المجتمع المصري، لكن هل سيجد مثل هذا المستخدم تأييدا أو أدنى اهتمام؟ يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان : "دور الصحافة المستقلة أن ترصد مثل هذه اللقطات التي تكشف لنا عن مشاكل في المجتمع، وسأضرب مثالا بما حدث في دولة المغرب حين توالى نشر كليبات على موقع يوتيوب بواسطة شخص مجهول رصد فيها فساد بعض رجال الشرطة هناك، وأثار جدلا بعدها في الصحافة، أما في مصر فقد كانت قضية عماد الكبير هي النموذج الأهم في هذا المجال، الذي تسبب في عودة العدالة للمظلوم عن طريق نشر كليب فيديو في البداية".
PDF

Thursday, June 17, 2010

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

قد يجمعهما الأصل التركي الواحد والإحساس بالوفاء تجاه الجارة تركيا، إلا أن فارق السن والتجربة قد صنع رؤيتين مختلفتين تماما تجاه البلد نفسه.

كتب – عبد الرحمن مصطفى
لا يخفي أحمد لطفي – الصحفي بجريدة الأهرام الفرنسي – أنه ورث عن عائلته ذات الأصل التركي صورة دفعته إلى الاهتمام بالتجربة التركية في سن مبكرة. الجد الذي وفد إلى مصر في العام 1914 حاملا معه انكسارات الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وجد في القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك الذي أسقط نظام الخلافة عام 1923 نموذجا جديدا للتغيير، وتعمد تسمية نجله "مصطفى كمال" تيمنا بذكرى القائد على غرار بعض المصريين في تلك الفترة. يقول أحمد لطفي الذي يجاوز اليوم السادسة والستين من عمره : "ورثت عن أسرتي هذا الإعجاب بتجربة تركيا نحو التحديث الأوروبي، وتطور الأمر معي شخصيا بعد قيام الثورة المصرية عام 1952 حين كنت أرى مصر تتجه نحو إنشاء دولة حديثة تسعي نحو نهضة حديثة". هذه الرؤية تختلف معها نهلة البدري- المعيدة بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة- التي ترى تركيا بعيون أبناء جيلها، لا يشغلها الحديث عن جدها ذو الأصل التركي لتتحدث كشابة في الثانية والثلاثين عن إعجابها بالتطور الأخير للتجربة التركية، و تقول : "أنا من جيل تأثر بكلام الداعية عمرو خالد عن المشروع الحضاري والتنمية، وأعتقد أن الأتراك قادمون بقوة فهم أمة ناهضة من مصلحتنا أن نساعدهم".
يختلف مفهوم النهضة الذي استخدمه كل منهما بين نهضة أتاتورك والنهضة الإسلامية التي يراهن عليها الجيل الجديد، و لا يخفى البعد السياسي وراء صورة التركي في كل رؤية. يرى الدكتور عاصم الدسوقي - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب في جامعة حلوان – أن السياسة كانت أحد العوامل الهامة في رسم صورة الشخصية التركية في مصر بدء من صورة الحاكم المتغطرس انتهاء بصورة الصديق الجار المسلم، و يوضح ذلك : "تطورت الصورة بعد أن اندمجت كثير من الأسر التركية في مصر بعد إعلان الحماية البريطانية عام 1914 والقطيعة مع الدولة العثمانية ثم سقوطها، فاختفت صورة الحاكم الأعجمي البعيد عن الحياة اليومية المصرية، خاصة مع وجود زعامات وطنية ذات أصول تركية مثل الزعيم محمد فريد، لكن على جانب آخر فلنتخيل صورة تركيا حين كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يخطب ضد تركيا احتجاجا على تعاونها مع القوى الاستعمارية آنذاك. تلك الصور اختلفت مؤخرا مع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا ومواقفه المؤيدة لفلسطين وإظهار حسه الإسلامي". هذا التطور الأخير الذي يشير إليه الدكتور عاصم الدسوقي اجتذب شريحة من الشباب أعلنت دعمها لتركيا الجديدة، يتجلى هذا في عشرات العناوين من مجموعات الفيس بوك، إحداها تحت عنوان "Arabs and Turks meeting place" ( مكان تلاقي العرب و الأتراك) التي تشارك في إدارتها نهلة البدري مع أصدقاء مصريين وأتراك، وتم تدشينها بواسطة مجموعة متحمسة درست اللغة التركية في المركز الثقافي التركي وشباب تركي مهتم بالعالم العربي. لم تتولد هذه المحاولات من فراغ بل نتيجة حماس شبابي بدأ يزداد وتبرز مظاهره نتيجة مواقف تركية رسمية.
في بداية العام الماضي تناقل الشباب عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطة الفيديو التي انسحب فيها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى جلسات مؤتمر دافوس بعد توجيه اللوم للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وقتها تكونت مجموعات داعمة لأردوغان، أما لقطة الفيديو نفسها فزارها مئات الآلاف مثلما يشير عدد زوار إحدى نسخها الموجودة على موقع Youtube.com لتحميل لقطات الفيديو. الموقف نفسه تكرر مؤخرا حين تبدلت الصور الشخصية لحسابات بعض الشباب وحلت محلها صورة رجب أردوغان مرة أخرى مع الاعتداء على أسطول الحرية المتجه لدعم الفلسطينيين عبر البحر، وعاد الحماس لتركيا ورموز حزب العدالة والتنمية الحاكم هناك. قد يبدو أحمد لطفي بعيدا عن هذه الأجواء تماما في حديثه لكنه يعلم جيدا كيف تتحكم السياسة في صورة البلدان وهو ما عاشه بعد ثورة 1952، إذ يوضح : "كان التوجه العام في مصر معادي للأرستقراطية وأحيانا ما كان هذا يضايق العائلات ذات الأصول التركية رغم أننا في النهاية مصريون". ما يذكره أحمد لطفي عن التهكم على صورة التركي المرتبطة بعائلات الثروة والسلطة لم يكن مرتبطا فقط بالثورة المصرية، بل كان له بدايات سجلتها السينما المصرية قبلها بأعوام قليلة بين تقديم صورة الباشا المتكبر، وبعضها ظهر في شكل كوميدي مثل ما قدمه إسماعيل ياسين بشكل مباشر في فيلم "المليونير – إنتاج 1950". و أثناء تلك الحقبة التاريخية كان الصاخبون أحيانا ما يستعينون في هتافاتهم المعادية للملك فاروق بتعبيرات تربط بين تركيا وتدهور الحكم الملكي في مصر مثل نداء "إلى أنقرة يا ابن الـمرة"، رغم انفصال تركيا تماما وقتها عن المملكة المصرية، وهو ما كان استدعاء للصورة القديمة للحاكم التركي الأعجمي من الموروث الشعبي. يعلق الدكتور عاصم الدسوقي قائلا: "الوعي الشعبي لا يكذب، بل يستند إلى أصل حقيقي لا يمكن إنكاره، لكن هذه الصورة تظهر وتختفي حسب تطور العلاقات السياسية حتى بدأنا نلاحظ مؤخرا مع انتشار المد الديني ظهور اتجاهات في الكتابة التاريخية تحاول تجميل صورة الدولة العثمانية و تلقى قبولا لدى البعض من منطلق ديني دون التحقق من أخطاء العثمانيين وسقطاتهم". الاختلاف بين وجهتي نظر جيلين و رؤيتين مثل رؤية احمد لطفي المعجب بالتجربة التركية العلمانية ورؤية نهلة البدري الشابة التي تدعم الملمح الإسلامي الجديد لم يقتصر على من هم يراقبون من بعيد في مصر، بل هو صراع كبير تعيشه تركيا نفسها التي تتأرجح بين الاستيعاب والاستبعاد في علاقتها مع أوروبا. وفي دراسة نشرت على موقع قناة الجزيرة الإلكتروني يؤكد الدكتور إبراهيم البيومي غانم- خبير الشؤون التركية- أن هناك فريق من الأتراك يرفض الاندماج الحضاري في الغرب ويرى أن مستقبل تركيا يكمن في توجهها ناحية الشرق بدلا من الغرب، بينما هناك رغبة علمانية/أتاتوركية أقدم وأقوى تسعى إلى الذوبان في أوروبا والاندماج في حضارتها. هذه الحسابات لا يهتم بها الكثيرون في مصر، خاصة مع الاقتراب من تفاصيل الحياة التركية عبر وسائط أخرى مثل الدراما التركية وتأسيس قناة تركية ناطقة باللغة العربية. هذه الطرق الحديثة للاتصال مع تركيا لفتت انتباه أحمد لطفي إلى شيء مختلف كان يفتقده : " لقد قدمت هذه المسلسلات صورة النظام الاجتماعي للأسرة التركية التي كنا نراها في بيوتنا في الماضي، وقدمت صورة جديدة لحنين قديم"، أما بالنسبة لنهلة البدري فتذكر : "كنت مهووسة بالثقافة الأمريكية التي يقدمها لنا التليفزيون المصري.. أنا حاليا لا أستطيع أن أشاهد مثلا حلقة كوميدية من Friendsبدون أن أسمع تلميح خارج أو إباحي... هويتنا كمسلمين مهددة، على الأقل الثقافة التركية – رغم تأثرها بالغزو الأمريكي – هي ثقافة قريبة من ثقافتنا، وعلينا أن نركز فيها على ما ينفعنا". تختم جملتها وتقرر أن ترفع صورة جدها ذو الأصل التركي على حسابها في الفيس بوك، وهو ما لن يفعله أحمد لطفي الذي احتفظ بذكرى جده في قناعات خاصة به، إلا أن كلاهما يكاد يكون متفقا على أن هناك اهتمام متصاعد بالنموذج التركي سببه السياسة والدين.

**
لغتي الثانية.. تركي

قبل عام واحد فقط لم تكن هناك أي صلة تجمع كل من سارة أحمد وأنس باسم وحقي إسماعيل، اليوم تجمعهم زمالة دراسة الدبلومة الأمريكية في مدرسة صلاح الدين الدولية. في العام الماضي اجتذبهم خبر تأسيس أول مدرسة تركية في مصر واتخذ البعض تغيير مساره الدراسي تماما، سارة التي كانت طالبة في الصف الثاني الإعدادي العام الماضي بمدرسة سانت فاتيما للغات جذبتها التجربة الجديدة، وتعلق على ذلك قائلة : "انتقلت من دراسة الشهادة البريطانية ( IGCSE ) إلى دراسة الدبلومة الأمريكية هنا بعد مناقشة مع أسرتي، وكان دافعنا الأساسي هو ما تقدمه المدرسة من رعاية إسلامية إلى جانب الطابع الحديث للمدرسة".
في طرقات المدرسة لافتات لأسماء الله الحسنى، وعبارات إسلامية أعدها الطلبة تعبر عن الطابع المتدين الذي يحيط بالمكان رغم أن المظهر العام قد لا يختلف في مظهره كثيرا عن بعض المدارس الدولية الأخرى. الاختلافات الجوهرية تكمن في إمكانية اختيار اللغة التركية كلغة ثانية بديلة عن الفرنسية أو الألمانية، إلى جانب ما يتلقاه الطلبة من دروس في الدين والقيم. تعرفت سارة على زميلها الجديد حقي (الألباني الأصل) في فترة الصيف حين أقيم موسم " Summer school المدرسة الصيفية" الذي تعرف فيه الطلبة على أساتذتهم والمواد الدراسية الجديدة، أما أنس الذي تعرف على زميليه الجديدين من خلال دراستهما للغة التركية كلغة ثانية فكانت له وجهة نظر أخرى: "أحيانا ما يزور والدي تركيا بحكم عمله، أطمح أن أجيد التركية حتى أساعده في عمله بعد سنوات.. من يعلم؟"
تعمل أخته ياسمين معلمة بالمدرسة نفسها، وهي تنقل وجهة نظر الأسرة في تعلم ابنها التركية في هذه المرحلة المبكرة قائلة : "هناك مجالات قادمة للتعاون مع تركيا، وقد بدأ السوق المصري في استقبال شركات تركية بالفعل منذ سنوات، وأعتقد أنه في ظل التقدم التركي واهتمامنا بهذه التجربة ستكون اللغة التركية ميزة لمن يجيدها".
حسب إدارة المدرسة فإن الطلبة الأتراك لا يمثلون سوى نسبة 15% من أعداد الطلبة الملتحقين بها في عامها الأول والبقية من المصريين، وتشجع الإدارة أولياء الأمور على التعرف على اللغة التركية للمهتمين في فصول خاصة لهم. أما الأصدقاء الثلاثة فما زالوا في سن صغيرة وتجربة مبكرة حتى يقرروا إذا ما كان أحدهم سيتخصص في اللغة التركية. سارة أحمد ترى في تعلمها التركية كلغة ثانية ميزة جديدة إلى جانب اللغة الفرنسية التي تعلمتها في مدرستها القديمة، أما حقي إسماعيل فقد نقل دفة الحديث إلى تجربته في المسابقة التي أقيمت بين المدارس الدولية التركية في تركيا حين حصل على الميدالية الفضية في مسابقات تعتمد على إجادة مبادئ اللغة.
يرى الدكتور عبد المنصف مجدي بكر- أستاذ اللغة التركية بقسم اللغات الشرقية في كلية السن بجامعة عين شمس- أن النشاط الإعلامي التركي المزدهر في السنوات الأخيرة عبر المسلسلات والفضائيات وإنشاء فضائية تركية باللغة العربية كلها أمور بدأت تؤتي ثمارها في الاهتمام بدراسة اللغة، خاصة في أماكن مثل المركز الثقافي التركي، وهو ما قد يتيح فرص عمل بواسطة رجال أعمال أتراك أو في فرص عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل مثل خدمة العملاء في شركات الاتصالات، يقول : "في العام الماضي تقدم إلى شعبة اللغة التركية عشرة طلاب فقط، ثم ارتفع العدد إلى ستين في هذا العام وهو ما يعطي مؤشرا على الاهتمام باللغة وما قد تتيحه من فرص". يأتي هذا التحول بعد أن بدأت شعبة اللغة التركية بعد تأسيسها في العام الجامعي (1990/1989م) بانضمام طالبة واحدة تعمل الآن ضمن طاقم التدريس الجامعي بالقسم، وعلى مدار العامين الأخيرين فقط شهد الدكتور عبد المنصف مجدي بكر تطور هذه "النزعة التركية" التي زادت من الإقبال على دراسة التركية بشكل عام في مصر.

تركيا قادمة عبر الفضائيات

"كنا منذ أعوام طويلة نتلقى رسائل كثيرة من مستمعينا الأفاضل يعبرون فيها عن رغبتهم في فتح قناة ناطقة باللغة العربية . فها قد تحقق حلمهم مع إطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية ". هذه العبارة الإعلانية سجلها موقع محطة "تي ار تي" التركية قبل ثلاثة أشهر ليعلن الخبر الذي انتظره الكثيرين "محطة تركية باللغة العربية". يرى مدير القسم العربي من القناة الذي يتابع تفاصيل العمل من اسطنبول أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على مدى نجاح التجربة، لكن "المؤشرات طيبة" حسب تعبيره. سفر توران الذي يجيد اللغة العربية بطلاقة قال للشروق إن الرهان كان قائما على أمرين : الأول هو الأجواء السياسية التي قربت تركيا أكثر من العالم العربي نتيجة مواقف بعينها، وهو ما زاد الرغبة لدى العرب في التعرف على تركيا وإحياء الشوق للعلاقات المشتركة القديمة بين الطرفين، الأمر الثاني الذي يذكره توران هو أن التواجد التركي داخل الإعلام العربي عبر الدراما التقليدية قد زاد من تكثيف هذه المشاعر المتبادلة، خاصة أن تلك المسلسلات نقلت تفاصيل الحياة في البيت التركي، وأعادت الثقافة التركية إلى الأضواء.
لا يستطيع السيد سفر توران تقييم تجربة المحطة الناطقة بالعربية اعتمادا على مدة عمل تقارب الثلاثة أشهر فقط، و يعلق باقتضاب : "بعض البرامج حققت التقارب المطلوب والبعض لم ينجح وجاري تطوير مزيد من الأفكار". ما يطمئن مسؤولو القناة هو كم الإيميلات التي يتلقونها من الشباب عبر الموقع التي تحمل مشاعر طيبة لتركيا والمحطة، أما الصورة التي تراهن المحطة على تقديمها فهي صورة تركيا المنتمية إلى العالم العربي والاسلامي من خلال قناة ذات طابع عائلي تجمع بين الترفيه والثقافة والأخبار.. بعض البرامج اتخذت بالفعل طابعا مباشرا مثل "تعلم اللغة التركية"، و "وجهتنا تركيا" الذي يقوم بالتعريف بالأقاليم والمدن التركية المختلفة، إلى جانب فقرات تجمع بين المطربين العرب والأتراك في جلسات طرب، يقول سفر توران : "اعترف أننا تأخرنا في اتخاذ خطوة تدشين قناة ناطقة بالعربية طوال السنوات الماضية، خاصة حين نرى دولا لا يجمعها بالعرب أشياء مشتركة مثل الدين والتاريخ والثقافة وقد أسست أقساما عربية في فضائياتها، لكن في النهاية نحن لدينا هذه الميزة".

سلطنة عثمانلي

ما زالت صورة المطرب الجالس وسط أفراد "التخت الشرقي" مرتديا طربوشه الأنيق هي آخر ما تبقى من زمن "الطرب العثمانلي" القديم. يرى أحمد مصطفى- الأستاذ بمعهد الموسيقى العربية- أن هناك إسهامات أخرى للأتراك قد لا يشعر بها سوى المتخصص، وهو ما يوضحه قائلا : "هناك قوالب موسيقية تدرس في معاهد و كليات الموسيقى نادرا ما يعرفها المستمع العادي مثل : البشرف واللونجا وغيرها ألفها موسيقيون أتراك وما زال الطلبة يدرسونها حتى يومنا هذا!" . الصورة القديمة لمطرب التخت الشرقي صاحب الطربوش من أمثال عبده الحمولي وكامل الخلعي كانت تمثل اتجاها تركيا قديما يعتمد على التطريب بشكل كبير. ويوضح أحمد مصطفى رأيه بغناء كلمات وطنية على الطريقة التطريبية القديمة كي يعبر كيف قد لا يعبر الأداء عن المعنى، ثم يضيف موضحا: "النقلة الحقيقية التي كسرت الصلة مع الموسيقى التركية القديمة كانت على يد سيد درويش الذي اهتم بالتعبير عن المعنى من خلال الإيقاع والسرعة واللحن، وهكذا اتخذت الموسيقى المصرية المعاصرة طابعا جديدا تأثر بالموسيقى الغربية والموسيقى المصرية الخالصة". حسبما يؤكد أيضا فإن الصلات لم تنقطع تماما مع الموسيقى التركية، بدءا من الاقتباسات المتبادلة بين الفنانين في الجهتين انتهاء بملحوظة رصدها بحكم عمله كمعلم وعازف لآلة العود، حيث يذكر موضحا بمثال : "أصبحت هناك مدرسة تركية حديثة في العزف على العود تأثرت بالموسيقى الأوروبية، وتبناها عازفون شباب هناك، وقد لاحظت أن هناك عازفون مصريون بدؤوا في التأثر بهذه المدرسة ليعود النغم التركي مرة أخرى إلى الساحة وان كان لم يبلغ مدى اتساعه مثلما كان في زمن السلطنة التركية القديمة".

• أكلات مشتركة ومذاق مختلف

يظن البعض أن وجود بعض الأكلات المتشابهة بين المطبخين المصري والتركي مثل : الكشك، و المسقعة، و الشاورما، والشركسية، قد يعني بالضرورة تطابق المذاق، إلا أن مدحت المغربي مدير المطعم التركي بالقاهرة يختلف تماما مع هذه الفكرة قائلا : "أحيانا ما يأتيني زبون جديد ويطلب شركسية على أساس أنها الاسم الأقرب إلى أذهان المصريين عن الأكل التركي، فأسأله : هل أكلتها من قبل؟ فإن لم يكن قد أكلها في بيته – تبعا لأصوله التركية على سبيل المثال – فأرشح له طلبا آخر، أما إذا كان قد ذاقها فأقدمها له موضحا أنه سيتذوق طعاما تركيا مختلفا عما ذاقه من قبل هنا في مصر". في قائمة المأكولات أسماء قد يتعرف عليها الزبون المصري بسهولة مثل : الكبيبة، بابا غنوج، ورق عنب بالكوارع، شاورما باللحمة، لكن هناك أسماء اخرى قد تبدو مختلفة مثل : رول فيليه عثمانلي، دونر كباب، اسكندر شاورمة لحم. حيث يعتمد المطبخ التركي على "تتبيلته" الخاصة للتميز على بقية المطابخ.
في عام 1997 أسس مدحت المغربي المطعم التركي محددا رؤيته منذ البداية التي يوضحا قائلا : "كان الأسهل أن أؤسس كافيه أو مطعما تقليديا حيث أقدم الشيشة أو حتى المشروبات الروحية، لكن كان في رأسي صورة المطعم التركي المثالي الذي لا يفد إليه الزائر سوى للاستمتاع، مثلما كنت أرى ذلك أثناء فترة عملي في مطاعم تركية بالخليج أو أثناء زياراتي لتركيا". حول المطعم في حي المهندسين شبكة من مطاعم الوجبات السريعة التي تكاد تحاصره، وهي نفس المطاعم التي يعتبرها مدحت المغربي قد قتلت حس الاستمتاع بتناول الطعام لدى المصريين. يشغله هذا الأمر ليس فقط خوفا من المنافسة بل أيضا بحكم عمله كمحاضر في أحد المعاهد الفندقية. يعلق على ذلك بقوله : "أعترف أن هناك اتجاه أكبر للتعامل مع المطعم عبر خدمة توصيل الطلبات، لكن في النهاية ما أحققه في الحد الأدنى هو حرصي على تقديم المذاق التركي الأصلي". يذكر مدحت المغربي أن هناك "تتبيلة" خاصة هي التي تميز الأكل التركي تعلمها فريق العمل المصري في المطعم على يد طباخين أتراك عملوا في بداية تأسيس المطعم.. ثم بدأ الاعتماد على المصريين الحاليين لغلاء أجور الأتراك. لا يخفي مدحت المغربي أن اسم المطعم "أتاتورك" الذي يعني "أبو الأتراك" أحيانا ما جلب له تعليقات تتهمه بالعلمانية لسمعة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، بينما كان أساس اختياره هو معنى الاسم، تلك التعليقات لم تزعجه لرضائه عن وفاء زبائنه المحبين للمزاج التركي في الأكل وفي أجواء المطعم المصممة بزخارف وطريقة تركية تقليدية. يقول مدحت المغربي : "الاهتمام الأخير بالمسلسلات التركية أثر بشكل ما على اهتمام الزبائن، لكن ما يلفت نظري أنا في هذه المسلسلات وأدعو الناس إلى ملاحظته هو ذلك الاهتمام الواضح بجلسات الطعام داخل المجتمع التركي، وهي قيمة فقدناها إلى حد ما في مصر، وأرجو أن تعود مرة أخرى، وهذا ما أتمسك بتقديمه".

Wednesday, June 9, 2010

قلق المياه لم يغير الجميع

كتب – عبدالرحمن مصطفى
بحكم عمله كحارس عقار في عمارة مزدحمة بالسكان يداوم "ربيع" على أداء مجموعة من المهام اليومية على أمل أن يزيد دخله الشهري الذي لا يتجاوز المئتين جنيه، يبدأ بغسيل السيارات في الساعة السابعة صباحا ، لا يستخدم خرطوم المياه سوى حين يطلب صاحب السيارة لمزيد من النظافة والتلميع، أما الأداء العادي فيعتمد على جردل المياه والفوطة المهترئة. لا يعتبر نفسه مسرفا بأي حال في استخدامه للمياه يكتفي بذكر ملاحظة واثقة متسائلا: "من المسرف؟ انا ام الذي يرش المياه أمام المحل أو المقهى؟". القضية الكبرى التي انشغل بها الجميع مؤخرا عن مستقبل حصة مصر في مياه النيل لم تشغله، فمصاريف استهلاك المياه يدفعها اتحاد ملاك البرج السكني الذي يحرسه، حتى إن جاوزت الألف وخمسمائة جنيه شهريا، لا يواجه أي امتعاض من السكان سوى أثناء عملية تنظيف السجاد التي قد تمكنه من الحصول على مبلغ يتراوح بين الخمسين والمئة في المرة الواحدة، يعلق على ذلك : "نادرا ما يعترض السكان.. وفي حالة الاعتراض يكون السبب مشاكلهم الشخصية وليس قلقهم على حجم استهلاك المياه". من وجهة نظر الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي أستاذ تنظيم المجتمع بكلية الخدمة الاجتماعية في جامعة حلوان فإن القلق العام الذي ظهر مؤخرا بقوة في الإعلام والتصريحات السياسية حول مستقبل حصة مصر في مياه النيل خلق حالة لم تنعكس على سلوكيات الأفراد في المجتمع، معلقا على ذلك قائلا: "اللغة التي استخدمت في الفترة الماضية كانت مؤثرة في اتجاه مختلف، حيث دار الحديث عن حرب المياه وحقوق مصر التاريخية وهو ما شحن الناس في هذا الاتجاه الحماسي، لكنه للأسف لم يتم استغلال هذه الفرصة لتعديل سلوكيات الناس في تعاملهم مع المياه".
الحارس النشط "ربيع" يستهلك المياه بصورة يومية في أغراض التنظيف ويتحدث بضمير مرتاح عن أنه ليس مسرفا في استخدامه، يشير إلى الحديقة المجاورة التي يعمل على تنسيقها أحد عمال البلدية مقابل خمسين جنيها في الشهر، يقول : "إن كنا سنتحدث عن استهلاك كبير للمياه، فالحدائق المجاورة للأبراج السكنية تستهلك كما أكبر، ورغم شراء السكان لرشاشات ري تقليدية، إلا انني أعتمد في الري على غمرها بخرطوم المياه حسبما أصر عامل الحديقة والسكان". يرفض ربيع أي اتهام بالإسراف وفي ذهنه صورة الحقل الزراعي في قريته الذي يعتمد على مياه تقدر بأضعاف التي يستهلكها اليوم في عمله، حسب الأرقام المتداولة على ألسنة المسئولين في وزارتي الري والزراعة فإن حوالي 80% من المياه المستهلكة في مصر تذهب إلى الزراعة.. هذه الصورة يدركها الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي بحكم عمله أيضا كوكيل لشئون خدمه المجتمع وتنميه البيئة في كلية الحدمة الاجتماعية، معلقا على ذلك : "إذا ما أردنا أن نقدم أقتراحات عملية في هذا المجال فعلينا ألا نفوت فرصة القلق الذي حدث مؤخرا حول مستقبل المياه في مصر وأن نحوله إلى إجراءات تواجه الاستخدام غير الرشيد للمياه، أهمها نقل رسالة إعلامية مباشرة تواجه سلوكيات الإسراف، وتنشيط دور المجتمع المدنى في إدارة حملات لتغيير سلوك المواطن، كما يجب اتخاذ بعض الاجراءات القانونية مثل استصدار قرارات تجرم هدر المياه". يسجل الدكتور مصطفى ملاحظة هامة في هذا الشأن وهي أن المشكلة أكثر تفاقما في المناطق الريفية الزراعية نتيجة استمرار استخدام أساليب تقليدية في الري، وتحديدا أسلوب الري بالغمر. هذه الطريقة هي التي تسللت إلى سلوكيات ربيع وعمال الحدائق الخاصة تدفعهم إلى عدم الانشغال بكم المياه المستهلك في ري الحدائق فهي الطريقة الشعبية المعتمدة في مصر حتى الآن. رغم تلك الثقافة فهناك بعض من تمرد على هذا الوضع نتيجة تغير صورة المزارع في العقود الأخيرة، الدكتور أحمد عيسى الذي بدأ مبكرا في الثمانينات في استصلاح قطعة أرض ناحية وادي النطرون لم يكن اقتناعه بفكرة الري بالتنقيط لمجرد أنها أنسب وسيلة لتوفير المياه في مصر، بل لأن قواعد وزارة الزراعة كانت تفرض استخدام ميكنة حديثة في الزراعة والري، يصف هذا التطور بنفسه : "اليوم اعمل على ترويج الفكرة في مسقط رأسي في قلين بمحافظة كفر الشيخ، ونجحت في إقناع أبناء عائلتي في استخدام فكرة الري بالتنقيط لنفس الهدف". لم يكتفي أحمد عيسى بهذا بل بدأ في نشر مقالات على الانترنت عن فوائد استخدام الري بالتنقيط، والهدف الأسمى هو توفير مياه النيل، لكنه يذكر أسبابا أخرى : "أؤكد أن الري بالتنقيط بعد هذه الخبرة الطويلة هو الأفضل للمنتجات الزراعية في انتشار الكيماويات بشكل سليم". مشاكل استنزاف مياه النيل في الزراعة حسبما يراها أحمد عيسى الذي عاش في بيئتين زراعيتين مختلفتين، حيث الريف التقليدي ثم اراضي الاستصلاح الزراعي تتفاقم لأن الحياة في الريف تم تنظيمها وتخطيطها على الري بالغمر واستنزاف مواردنا من المياه منذ ألاف السنين. كما ان الصلة تكاد تكون مقطوعة بين من لا يشغلون بالهم بقضية إهدار المياه في تنظيف أو زراعة أو رش المياه وقت الظهيرة، وبين متخصصين لا يجدون المساحة الكافية لنشر دعوتهم في مواجهة هذه الظاهرة.

Monday, June 7, 2010

المذاكرة الجماعية

لا سبيل سوى التضامن في وجه الامتحانات
كتب – عبدالرحمن مصطفى
أمام كمبيوتر شخصي تجلس مجموعة من الشباب محدقين في الشاشة حيث تظهر صورة تمثال من العصر القديم، يبدأ الجميع في إطلاق تعبيرات من نوعية "انسيابية الشكل"، و"البؤرة البصرية" وذلك أثناء تعليقهم على صورة العمل الفني، جميعهم من طلبة السنة الأولى في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، في فترة الامتحانات يديرون يوميا مجموعة للمذاكرة استعدادا لكل امتحان. في داخل المشهد الذي يضم الجميع في كافيتيريا معهد الفنون الشعبية المجاور يطرح أحمد طارق الجالس إلى جوار الكمبيوتر سؤالا.. "شايفه إيه يا مصرية؟؟" موجها سؤاله إلى زميلته مصرية بكر، ثم يدور السؤال بين أفراد الدائرة بهدف التحريض الذهني على النقد وإبداء الآراء، وهكذا الحال مع كل مادة. توضح مصرية بكر طريقة مذاكرتهم بقولها: "كلنا خضنا تجربة الدراسة في كليات من قبل، أنا على سبيل المثال كنت أكتفي بالملازم وحضور محاضرات في مراكز خاصة قبل امتحاناتي في كلية التجارة، لكن الواقع هنا مختلف.. نحن ندرس 18 مادة تعتمد على النقد وعرض وجهة نظرك، وعلى حضور ذهنك". تكونت هذه الجلسة قبل امتحانات الترم الأول وآتت ثمارها ما دفعهم إلى استكمالها في الترم الثاني خاصة مع توطد علاقات الصداقة طوال الأشهر الماضية، تلوح مصرية بذراعيها في أداء استعراضي انتزع ابتسامات زملائها "أنا على سبيل المثال محبة للباليه والرقص، هذا هو دوري في التحدث عن هذا الفرع قبل امتحان المادة، بينما يقوم أحمد اليوم بتناول أعمال تشكيلية بحكم اهتمامه الصارخ بهذا المجال".
الاختلاف الذي يميز هذه المجموعة في أكاديمية الفنون عن أي مجموعة دراسية أخرى في مراحل التعليم المختلفة أن أغلبهم حاصلين على شهادات جامعية بالفعل من جامعات مختلفة، بل وخاص بعضهم تجربة المذاكرة الجامعية من قبل. "ريّان" حسبما يناديه أصدقاؤه هنا كان طالبا أزهريا لسنوات وانتقل من جامعة الأزهر إلى المعهد مؤخرا وحسب تعبيره : "لم أعرف وسيلة للمذاكرة طوال حياتي قبل الامتحانات سوى المذاكرة الجماعية، كنا نقسم المنهج علينا ويشرح كل واحد جزء، لكن الآن الوضع مختلف، نحن نتبادل الآراء، ولا نحاضر لبعضنا البعض". زميله حسن سعيد الذي خاض تجربة أكثر تميزا في الحصول على شهادته الجامعية من خارج مصر ألقى بتعليق متهكم قائلا :"أنا عن نفسي دي أول سنة أذاكر فيها أصلا"، لا يخفي حسن لغته الساخرة أثناء المذاكرة تخفيفا من حدة توتر الامتحانات المتلاحقة، حيث يمتحن الطلبة يوميا عدا يوم الجمعة . أثناء الجلوس بين أفراد المجموعة وأثناء طرح تحليلاتهم النقدية وتبادل الآراء والمعلومات يمكن ملاحظة تقسيم الأدوار التي تبناها كل فرد في هذه "الشلة" بدء من شراء "الكشري" وقت الغداء، مرورا بالدعم النفسي لمن يمر بالضيق، انتهاء بكتابة المادة العلمية على الكمبيوتر، هذا التآلف يخفي تفاصيل أخرى حول تجربة المذاكرة في مجموعة كهذه، فبين صخب المجموعة تجلس هداية في ركن مبدية بعض التحفظ قليلا والمشاركة الجادة في فترات أخرى، قبل انضمامها إل المعهد حصلت على ليسانس الآداب في اللغة الانجليزية بعد أربع سنوات دراسية لم تعرف فيها فكرة الدراسة في مجموعات، وتعلق هداية على ذلك بقولها : "بصراحة.. كنت أفكر في عدم إكمال الدراسة مع المجموعة، لأني لم أكن معتادة على الفكرة، كما أن كل شخص منا في النهاية سيكتب رأيه هو، لا أجد ميزة سوى تبادل المعلومات، والتدريب الذهني الذي نمارسه هنا، وهو أهم جزء في دراستنا".
المذاكرة في مجموعة حسبما ترى الدكتورة سهير الجيار- أستاذ أصول التربية بكلية البنات جامعة عين شمس – فكرة لا تصلح إلا في فترات التحصيل النهائي للمراجعة وتبادل وجهات النظر والمعلومات، وتضع الدكتورة سهير الجيار بعض القواعد التي قد تسهم في إنجاح المذاكرة الجماعية، تقول : "يجب ألا يزيد عدد أفراد المجموعة عن أربع أفراد منعا للتشتت، كذلك فهي ممارسة قد لا تصلح في كافة التخصصات حيث لا بد أن يكون التخصص الدراسي معتمدا على فكرة النقاش وعرض وجهات نظر مختلفة". أما النقطة التي رأت أنها قد تعيق عمل المجموعة بشكل مباشر فهي اختلاف سمات الشخصية لدى المشاركين حيث توضح : "قد تضم المجموعة الكسول، والانطوائي والأناني، كل هذا قد يعرقل عمل المجموعة، خاصة أننا لسنا هنا تحت إدارة شخص تربوي متخصص يقيس هذه الأمور ويحاول علاجها". هذه الملحوظة الأخيرة أكدها أعضاء مجموعة معهد النقد الفني فإلى جانب وجود عوامل تجمعهم، فهناك من لم تعجبه الفكرة وهناك من كان يطمح في تحضير ملخصات جاهزة، وهو ما حاول "ريّان" شرحه: "لاحظت شيء مؤسف بين الطلبة الآن، وهي .. النفسنة، بصراحة هناك من يحاول إحباطك والتقليل من محاولاتك في الاجتهاد، بل وتدمير نفسيتك قبل الامتحانات، ولا أعرف ما سبب هذا؟" بعض الطلبة يمرون حول المجموعة ليستمعوا دون أن يشاركوا، والمشاكل الأخرى تذكرها هداية التي تكتشف أن البعض يحاول تبديل أماكن الكتب في المكتبة كي يضلل زملاؤه، هنا تتحول هذه المجموعة إلى ما يشبه مجموعة الدعم وليست فقط مجموعة مذاكرة تجتمع في الامتحانات، توضح مصرية ذلك : "احنا في النهاية أصحاب، بنروح سينما مع بعض، وناكل، ونخرج، ونذاكر مع بعض". أحيانا ما تنتقل جلسات المذاكرة إلى منزل حسن سعيد حيث يستضيف "ريّان"، وأحمد طارق، بينما يتواصلون مع مصرية وهداية على الانترنت، حيث يسمح الماسنجر بصنع اجتماع افتراضي على الانترنت، وهنا تظهر مهارة حسن في عرض ملفات موسيقية على الجميع عبر الانترنت، ويبدأ في تحليلها معهم، لأنه الأكثر اتصالا بعالم الموسيقى.
هذه المجموعة التي جمعتها الامتحانات أصبحت حاضنة لمجموعة من محبي المسرح والأدب والموسيقى والفن التشكيلي، تركوا شهادتهم التقليدية وأصروا على البحث عما يحبونه في معهد النقد الفني.

عادات وتقاليد المذاكرة
منبهات وقهوة
"ممكن أشرب خمس كوبايات قهوة في يوم واحد" الجملة لفاروق عادل طالب الفرقة الأولى بقسم الإعلام في جامعة حلوان، لا يخفي أن أسرته تقف ضد فكرة تعمد السهر بشرب القهوة والمنبهات لكنه يقول : "لم يعد لدى بدائل". قبل عام واحد فقط كان فاروق عادل طالبا في الثانوية العامة ودشن مدونة تحمل تفاصيل حياة طالب ثانوي، يقول اليوم : "ورثت عن هذه الفترة فكرة الانقطاع عن النوم لعدة أيام وأتذكر أنني خسرت الكثير من الدرجات في امتحان الرياضيات بسبب عدم التركيز وقلة النوم"، اليوم الوضع مختلف عن المرحلة الثانوية، حيث لا يعرف كثيرا عن المنهج و"الأجزاء المحذوفة" و"الأجزاء المهمة" سوى قبل الامتحانات بأسبوعين وهو ما يراه أصعب قليلا عن وضوح المرحلة الثانوية، لا يخفي فاروق أن هذه الأجواء القلقة قد تدفعه إلى القهوة والمنبهات رغم تجربته المؤلمة في الثانوي.

الملخصات هي الحل
إبراهيم محمد طالب الفرقة الثالثة بحقوق عين شمس تختلف عاداته بحكم اختلاف نمط حياته حيث يعمل في متجر أسرته طوال السنة، لا يظهر حول الجامعة سوى قبل الامتحانات بأسابيع قليلة، يقول : "أحصل على المذاكرات، وأعرف المنهج، وأجلس مع أصدقائي للمذاكرة سويا"، في أوقات الامتحانات يكون حسب تعبيره "أكثر هدوءا عن بقية الطلبة حيث أن متحقق بالفعل في عمله" حتى مع قلة النوم، بل يكون أكثر ثباتا و"شياكة".. لأنه لا يجد داعي للقلق

المذاكرة في السرير
من الصعب الوصول إلى تفاصيل عادات المذاكرة إلى الدرجة التي حققتها شبكة فيسبوك الاجتماعية حيث كانت متنفسا لهؤلاء الذين أرادوا أن يشاركوا الآخرين هذه الجزئية من حياتهم، في إحدى صفحات الإعجاب في الفيسبوك انضم أكثر من 2700 شخص تحت هذا العنوان: المذاكرة في السرير ♥ I Love Studying In Bed ♥، الصفحة التي دشنت قبل ثلاثة أشهر فقط اعتمدت على توجيه رسائل ساخرة في فضل المذاكرة في السرير، وصور على نفس النمط اجتذبت تعليقات المجهدين من المذاكرة، أحدهم يقول ساخرا : "فعلا المذاكرة كأن فيها تنويم مغناطيسي"، ومع قرب الامتحانات أصبح مدير الصفحة المجهول أكثر جدية حيث كتب في واجهة الصفحة دعاء تقربا إلى الله.. وفيما يبدو أن تجربة المذاكرة في السرير لم تكن مجدية معه ولم يعد يجوز عليه الآن سوى الدعاء

حلاقة الشعر
قبل أسابيع قليلة فقط كان أيمن طالب الصف الثالث الثانوي - في إحدى المدارس الخاصة - محافظا على قصة شعره التقليدية "سبايكي"، لكن على مدار الأسابيع الماضية تحولت القصة التي أهمل العناية بها إلى كرة شعر كبيرة يحملها على رأسه في حاجة إلى حلاقتها، يقول بوضوح : "مش هحلق إلا بعد الامتحانات"، المفارقة أن بعض أصدقائه لم يختلف مظهرهم، ومنهم من احتفظ بطريقة حلاقة شعره نمرة 1 دون أي تأثر بالامتحانات.

الأكل الكتير
في صفحة "لكل اللى بياكلو كتير أيام المذاكرة" كانت رسالة مؤسس الصفحة واضحة في الآتي : " احنا لاحظنا إن أيام المذاكرة بناكل كتير.. فقولنا نعمل البيدج دى نشوف كام واحد زينا... انت بتاكل كتير ايام المذاكرة؟". الحصيلة النهائية لهذه الصفحة هي حوالي 230 مشترك، بعضهم سجل تعليقاته على الفكرة وعلى عادة "الأكل المفرط" أثناء المذاكرة، تعلق إحداهن "أنا بفش خلقي في الشيبس والشوكولا"، ولا تخفي صورتها ملامح البدانة، بينما يدخل بعض المرور لتسجيل حالته الآن وماذا يأكل

Thursday, May 27, 2010

الإعلام الجديد والتحديات الناجمة عن المناخ الثقافي والاجتماعي

يعتبر الإعلام الجديد New media من أهم مظاهر تناقل المعلومات والتعبير على الانترنت، وذلك عبر العديد من الوسائط التي تحقق هذا الهدف، و سأحاول من خلال هذه الورقة التعرض لأهم التحديات التي تواجه مستخدمي الإعلام الجديد نتيجة المناخ الاجتماعي والثقافي المحيط بهم، مع فرضية ترى أن صورة الإعلام الجديد ومستخدميه في المجتمع قد تتسبب في إعاقة تقدم هذا المجال.
تتنوع وسائط الإعلام الجديد حسب تصنيفاتها ومن اهمها المواقع الحاضنة للمدونات، و الشبكات الاجتماعية، ومواقع التدوين القصير، وقد اخترت التركيز على المواقع الأشهر في هذه التصنيفات تحديدا، بعد ما أثارته من جدل في السنوات الماضية وهي : بلوجر، فيسبوك، تويتر. يشير موقع .Alexa.com الذي يصنف المواقع حسب عدد زوارها إلى أن شبكة فيسبوك الاجتماعية تأتي في المرتبة الثانية ضمن أكثر المواقع جذبا للزوار في العالم وهي نفس المرتبة التي حققها فيسبوك لدى مستخدمي الانترنت المصريين، أما موقع بلوجر للتدوين فيأتي في المرتبة الثامنة على مستوى العالم بينما يأتي في المرتبة التاسعة لدى المصريين، و يأتي موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة في المرتبة الحادي عشرة عالميا، بينما يتراجع إلى المرتبة الخمسين في مصر، وهكذا يمثل كل من فيسبوك وبلوجر وتويتر المواقع الأولى لدى المصريين وفي العالم في الاعلام الجديد. و من خلال تعامل المصريين مع هذه المواقع سأعمل على رصد ملامح التحديات التي تواجه مستخدمي الإعلام الجديد في مصر من الناحية الاجتماعية والثقافية.

من يمثل الإعلام الجديد في مصر ؟

إن الإجابة على سؤال "كيف تشكلت صورة الإعلام الجديد ومستخدميه في مصر؟" قد تقودنا إلى التعرف على هذه التحديات، وذلك من خلال فرضية مفادها أن كافة التحديات التي يواجهها الإعلام الجديد قد تتضح من فهم ردود الأفعال الموجهة ناحية مستخدمي هذه المواقع. وقد كانت بدايات تشكل صورة هذه الشريحة مع ظهور التدوين Blogging مصاحبا للحراك السياسي الذي شهدته مصر بعد العام 2004 وتوهج نشاط العديد من الحركات المعارضة والداعية للتغيير ـ خاصة أثناء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ـ وهو ما مهد لاستغلال النشطاء تلك المساحات على الانترنت لدعم النشاط السياسي في الشارع، و قد كان بروز عدد من مدونات هؤلاء النشطاء عاملا في رسم تلك الصورة عن التدوين، من أبرز هذه الأمثلة ما قدمه المدونان منال وعلاء في موقعهما حين خصصا ركنا لرصد هذه الأنشطة ومتابعتها، إلى جانب احتضانهما للمدونات المصرية في مجمع المدونات الذي تحول فيما بعد إلى موقع مستقل "موقع عمرانية". تلك العوامل إلى جانب ما يدعمه التدوين من إعلاء الحس الفردي الحر ـ على عكس المنتديات الخاضعة للرقابة – رسمت صورة عن التدوين على أنه نشاط مرتبط بالسياسة والأنشطة الحقوقية. هذه الصورة التي اجتذبت شريحة من الشباب آنذاك لاقت قبولا أيضا لدى الإعلاميين الذين وجدوا وجها آخر لمتابعاتهم الصحافية، حيث الجانب الإنساني والتفاصيل والمواد التي تنشّط عملهم بشكل عام. ومن الصعب أن ينكر من تابع هذه المرحلة ملاحظة السلطة التي مارستها طبقة "النشطاء المدونين" عن غير عمد من خلال مجمع لتجميع التدوينات في موقع منال وعلاء أو غيره من المدونات مثل احتضان مدون مثل وائل عباس في مدونته "الوعي المصري" للفيديوهات التي تكشف عالم النشطاء وما يتعرضون له وكذلك مخالفات الشرطة في حق المواطنين العاديين، وراج في تلك الفترة نشر "البانرات" التضامنية مع المعتقلين والمدونين وترويج الأحداث السياسية المعارضة، ما أسهم في تكوين صورة لدى المجتمع آنذاك. وفي حالة إذا ما أردنا الحديث عن التحديات المترتبة على هذه الصورة في تلك الفترة ـ خاصة بالنسبة للتدوين ـ فقد أثرت هذه الصورة في جانبين :

- اجتذاب الشباب نحو التعبير السياسي عبر المدونات كأحد أدوات الإعلام الجديد.
- تنميط الإعلام لاستخدام التدوين في مجال التدوين السياسي والحقوقي مهملا كثير من المدونات ذات الأنشطة الأخرى في تلك الفترة.

 في تلك الأثناء كانت أداة أخرى من أدوات الإعلام الجديد وهي "الشبكات الاجتماعية" تعلو بقوة، وتحديدا في موقع فيسبوك الذي بدأ في العام 2005 يتخذ صورته الحالية بعد تأسيسه في العام 2004 كموقع محدود التأثير بين طلاب الجامعات الأميركية. وفي حين استمرت نجاحات المدونين في لفت الأنظار بنقل صور حية نافست الوكالات الإخبارية كانت الصحافة العالمية تطرح آنذاك أزمة انحسار التدوين لحساب أدوات جديدة من الإعلام الجديد، فقد صدرت دراسة في نهاية العام 2006 عن شركة جارتنر للبحث العلمي حول ظاهرة انحسار المدونات وتنبأت بأن يكون عام 2007 بداية خمود التدوين[1] وما زال الأمر مطروحا حتى أن مجلة وايرد (wired) المتخصصة في التكنولوجيا قالت صراحة في عنوان لها عام 2008 "تويتر، فليكر، الفيسبوك، جعلوا المدونات قريبة من العام 2004"[2] ..  تجلى هذا الأمر في العام 2008 مع الدعوة إلى إضراب 6إبريل من نفس العام الذي كشف عن أداة جديدة استغلها النشطاء السياسيون في الدعوة لهذا الإضراب الذي اجتذب الإعلام بقوة، وبدأ الكشف عن قوة الشبكات الاجتماعية بما لها من قدرة على تنظيم الأحداث وإنشاء مجموعات والترويج لأنشطتها بين المستخدمين.
وحين نعود مرة أخرى إلى أهم تحد واجه مستخدمي الإعلام الجديد في تلك الفترة فقد كان الأداء الإعلامي آنذاك الذي فيما يبدو قد تحول من مراقبة ظاهرة الاستخدام السياسي والحقوقي للإعلام الجديد والاستفادة منها إلى الوقوف ضدها، اتضح ذلك في موقف الإعلام من ظهور وجوه جديدة أنتجتها دعوة 6 إبريل، مثل إسراء عبدالفتاح وأحمد ماهر اللذين كانا وراء دعم هذه الدعوة داخل الفيسبوك، خاصة مع تعرضهما للملاحقة الأمنية. وإلى جانب الموقف الصارخ للصحافة الحكومية ضد هذا الاستخدام السياسي للإعلام الجديد و تبنت بعض الكتابات في الصحف المستقلة وجهة النظر نفسها، على سبيل المثال في تاريخ 23 إبريل 2008 نشرت صحيفة المصري اليوم المستقلة تقريرا استند إلى معلومات راجت على الانترنت منذ العام 2003 كانت موجهة بالأساس إلى المنتديات الالكترونية وأعاد كاتب التقرير توجيهها إلى الفيسبوك حيث أشار إلى استغلال إسرائيل لنشاط المستخدمين على الفيسبوك لتجميع معلومات عن مصر، في حين أن نفس المعلومة غير الموثقة كانت توجه ضد المنتديات الالكترونية قبل تأسيس موقع الفيسبوك تحت زعم أن صحيفة «لوماجازين ديسراييل» اليهودية الفرنسية هي التي نشرت هذه المعلومات [3] . في الجانب الآخر قدمت صحيفة الأهرام اليومية تحقيقا بتاريخ 2 مايو من نفس العام تحت عنوان "عندما يتحول الفيس بوك إلي تشويه للوطن" وجاء في التحقيق على لسان الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع عبارات مسيئة إلى مستخدمي الفيسبوك وتحديدا دعاة الإضراب، بينما رفع التقرير من شأن المدونة عبير سليمان التي وصفها "نجمة نجوم الفيسبوك" لتقديم وجه آخر بعيدا عن النشاط السياسي لمستخدمي الإعلام الجديد، حين كانت عبير سليمان تقدم مقالات وقصص عن الفتاة المصرية العزباء من خلال مجموعة الكترونية على شبكة فيسبوك الاجتماعية [4] ، وفي نفس تلك الفترة بدأ ظهور موقع تويتر لتدوين القصير الذي كان يسمح بإرسال رسائل عبر الموقع إلى عدد كبير من المشتركين، واتجه النشطاء مرة أخرى لاستغلال هذه الخاصية في متابعة المظاهرات والأنشطة المختلفة. لكن سرعان ما توقفت الخدمة فيما بعد.
في تلك المرحلة ظهرت تحديات هامة أججها التعامل الإعلامي عن "الاستخدام الخطر" للإعلام الجديد المرتبط بالنشاط السياسي والحقوقي، وكانت أهم تحديات تلك المرحلة هي :  
-  تهميش الكتابات الهادئة الرصينة التي تتناول الشأن المجتمعي لحساب الأنشطة السياسية بسبب جاذبيتها وتسليط الأضواء الإعلامية عليها .
- إشاعة أجواء القلق المصاحبة لاستخدام الإعلام الجديد، نتيجة القلق المجتمعي من انخراط الشباب والمراهقين في أنشطة قد تواجه أمنيا [5]
- قدم الإعلام صورة أخرى كي يقدمها بديلا عن صورة مستخدم الإعلام الجديد الناشط سياسيا وحقوقيا، وعلى رأسها الاستخدام الأدبي للإعلام الجديد، و هو ما انتقل إلى مرحلة أخرى من تحديات الإعلام الجديد.
- التحدي الأهم في هذه المرحلة أنه لم يتم عرض كافة استخدامات أدوات الإعلام الجديد على اختلاف أنشطة المستخدمين أو كتابتهم.

 أدب الانترنت.. استخدام جديد أم صورة جديدة للإعلام الجديد ؟

 في بداية العام 2009 داخل إحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب كان العنوان الكبير الذي حفلت به القاعة "أدب المدونين .. صرخات شباب أم ورق كلينكس"، و أقيمت الندوة تحت تأثير إصدار عدد من الكتب ضمت كتابات الشباب التي كانوا قد أفرغوها على مدار سنوات سابقة في الانترنت، هذه الموجة التي كانت على حد كبير مهمشة أثناء اختزال استخدام "وسائط الإعلام الجديد" في العمل السياسي والحقوقي، بدأت تعلو مع نجاح بيع هذه الكتب، وكان ذلك بمثابة اكتشاف استخدام كان متواريا في الفترة السابقة، وبعيدا عن إشارات مثل حفاوة جريدة الأهرام أثناء إضراب 6 إبريل بمدونة عبير سليمان ومجموعتها على الانترنت، وتحول عدد من أصحاب المدونات إلى تأسيس دور نشر أهمها "دار ملامح للنشر"، و استهداف بعض دور النشر الناشئة لكتابات الانترنت مثل "دار اكتب"، وما أعقب ذلك من ظهور دار نشر في نفس العام مثل "دار دوِّن" التي تستهدف كتابات المدونين وإعادة طبعها ورقيا. برزت صورة أخرى بدأت تتضح معالمها عن كاتب الانترنت. حتى أن بعض دور النشر التقليدية لجأت لاستغلال كتابات المستخدمين في تجارب اعتمد بعضها على تجميع كتابات الفيسبوك إلى جانب كتابات المدونات، بل لجأت دور النشر نفسها إلى استغلال أدوات الشبكات الاجتماعية في الترويج لأعمالها التقليدية. وبدأ الإعلام يتلقف نماذج "الفتاة العانس"، أو "الشاب الساخر"، ضمن موجة الكتابات الشابة التي راجت قبلها بفترة.
هذا التغيير في تعامل الإعلام مع صورة مستخدم وسائط الإعلام الجديد من الاستخدام السياسي الحقوقي حيث "الاستخدام الخطر" حسب الرؤية المحافظة تحول نحو تبني صورة جديدة للشاب غير الصدامي الذي يعبر عن جيله ببراءة، وهو ما أغفل ألاف المدونات ومجموعات الفيسبوك الأكثر عمقا وجدية بعضها كان بمثابة مسودة لكتب من الوزن الثقيل[6] .
هذا التغيير لم ينكر أيضا وجود مستخدمين حاولوا إيجاد صورة مختلفة عبر فكرة الصدام مع "الوسط التقليدي"، تعددت أنواع هذا الاشتباك بين المواجهة الحادة او الساخرة، في مدونة صحافي شاب مثل "نائل الطوخي" كنا نجد بعض هذه الكتابات المتهكمة عن صورة المثقف التقليدي وخطاب الصحافة الاستهلاكي، كما أظهر آخرون تمردهم مثل المدون "رامز شرقاوي" ضد الأوساط التقليدية سواء كانت ثقافية أو حتى سياسية عبر انتقاد أفكار الحراك السياسي و الوقوف ضد انتقال كتابات الانترنت إلى مطبوعات تقليدية حفاظا على بقاء منتجات الإعلام الجديد داخل نفس الدائرة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد تعطل خدمة إرسال الرسائل القصيرة عبر موقع تويتر، انتقل المستخدمون إلى موقع Jaiku البديل وكانت إحدى أشهر الرسائل التي كتبت بالعربية في الموقع - نالت أكثر من 400 تعليق -بثتها الصحفية والمدونة عزة مغازي من مدينة مطروح حيث كانت تدار أعمال مؤتمر أدباء الأقاليم الذي ناقش قواعد السرد الجديد. وهاجمت تعليقات المستخدمين حالة النخبوية بكافة الأسلحة الالكترونية، لكنهم لم ينجحوا في التشويش على جدول أعماله الذي لم يرضوا عنه، أو حتى في لفت نظر الإعلام إليهم لأنهم كانوا خارج الصور النمطية، فقط نجحوا في التعبير عن وجهة نظر مهمشة للمستخدم العادي الذي لا يشغله القضايا الكبرى في مجالات الأدب أو السياسة، كذلك فإن الكتابات التي تتحدي صورة المدون الناشط أو الكاتب المثقف على الانترنت ظلت مهمشة إلى حد كبير.
وهنا اقتصرت رحلة الإعلام الجديد على صورتين نجحتا في التواجد بقوة : الأولى عن المستخدم الناشط السياسي أو الحقوقي، والثانية هي صورة المستخدم الكاتب الذي يعبر عن نفسه بتلقائية، وبينما اندمجت بعض نماذج النمط الأول في مؤسسات ذات صلة بنشاطه السياسي أو الحقوقي يطمح الثاني في نيل اهتمام الإعلام أو تحويل كتاباته إلى عمل تقليدي مطبوع.

المناخ الثقافي والاجتماعي والصورة النهائية

الإجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية عن من يرسم صورة مستخدمي الإعلام الجديد تدفعنا إلى استنتاج أهم التحديات الاجتماعية والثقافية التي اختزلت استخدامه في صور نمطية، مثل : "المستخدم المسيّس"، و"المستخدم اللافت لأنظار الإعلام"،  و "المستخدم الكاتب"، وكل تلك الصور نتجت بالأساس عبر المدونات الالكترونية وشبكة فيسبوك الاجتماعية، وأحيانا ما ينشط ذلك موقع تويتر.
هذه الصور لا تمثل كافة المستخدمين المحلقين في فضاء الانترنت، ويحركها الإعلام أحيانا الذي يخضع لأجندة سياسية وتحريرية، ويظل صوت المستخدم العادي مغيبا سواء كان متمردا دون صخب أو كاتبا هادئا لا يهدف إلى جذب الانتباه أو مستخدما عاديا أراد استغلال الاعلام الجديد في التعبير عن نفسه، وهو ما لفت انتباه أحد المدونين مؤخرا وهو الصحافي أحمد ناجي الذي كتب في مطبوعة "وصلة" التي تهتم بإعادة نشر منتجات الإعلام الجديد عن أزمة واجهت فريق العمل أثناء "البحث بين المدونات والانترنت عن أي تدوينة تشرح أو توضح أهمية الوقفة الاحتجاجية من أجل الحد الأدنى للأجور يوم 2 مايو 2010 أو أسبابها، لتقديم رؤية معمقة وإجابة لبعض الأسئلة من نوع لماذا مثلا 1200 وليس ألف جنيه؟" وهو ما يكشف عن تحد جديد وهو هل تلاشت الكتابات العميقة أمام الكتابات الخفيفة التي تضمن الرواج، وهل أصبح التضامن السياسي مجرد ملصقا الكترونيا؟ ، الأمر لا يتوقف على هذه الملاحظة فقط، فهناك في دهاليز وسائط الإعلام الجديد شباب مغمورون استغلوا تلك الأدوات لنقل أحداث مجتمعهم وظلوا بعيدا عن الصورة، ويتضح هذا في وسيط مثل موقع مثل Youtube.com لتحميل لقطات الفيديو الذي يحفل بكثير من الفيديوهات التي تكشف عن مخالفات، بل وتسجيل جرائم جنائية وإتاحتها أمام الإعلام التقليدي وبقية مستخدمي الإعلام الجديد، إلى جانب نقل الحياة اليومية في الشارع المصري، بل شجع هذا الموقع بعض الشباب على اعداد أفلام قصيرة مرتجلة تهدف للسخرية من الخطاب الإعلامي التقليدي، واتضح ذلك في مثال واضح عن مجموعة الشباب الذين صنعوا محاكاة ساخرة للسلسلة إعلانات الضرائب الشهيرة.
ويمكننا من هذا العرض أن نحاول تلخيص أهم التحديات في النقاط التالية :
-   تأثير الإعلام التقليدي على مستخدمي الإعلام الجديد، وسيطرة الصور التي يرسمها لهم على أذهان الجماهير.
-  اندماج بعض المستخدمين الموهوبين في خدمة العمل الحقوقي والسياسي بدأ يتجه بعيدا عن الكتابات العميقة التي يتم تهميشها، لأن الهدف أحيانا ما يقتصر على التنشيط لمناسبة أو الخضوع لصورة تقليدية وليس التعبير عن الرأي الشخصي.
-   صنع رواج كتابات الانترنت في المدونات والفيسبوك حالة من الاستقطاب من الوسط التقليدي "دور النشر والإعلام" بحيث اجتذبت هذه الشريحة من المستخدمين بعيدا عن مدوناتهم والاستغلال المخلص لوسائط الإعلام الجديد.
-   الخروج عن الأنماط التقليدية التي رسمها الإعلام والمناخ العام قد يشجع وجوها جديدة على استغلال آليات الإعلام الجديد بصورة تحدث تنوعا، لكن انتشارها يظل رهينة لاختيارات الاعلام التقليدي.

وفي النهاية أجد إن أهم ما قد يحتاجه الإعلام الجديد في هذه المرحلة هو الوعي من جانب الإعلام التقليدي برصد ظواهر جديدة ومتنوعة لدى المستخدمين، وهو ما قد يوجد حالة من الطمأنة لدى المجتمع، ويوفر لنا منتجا جديدا ومتنوعا من خلال تقديم نماذج مختلفة من مستخدمي الإعلام الجديد، وهو ما يعيد إلى الأذهان عددا من الظواهر المغايرة للصور النمطية الرائجة التي قد تعيق نشاطهم الحر الذي يعد من أهم سمات الإعلام الجديد.
مايو 2010
القاهرة
ورقة في الملتقى الديمقراطي الخامس "الإعلام الجديد ودوره في التحول الديمقراطي​"

[1] http://news.bbc.co.uk/2/hi/technology/6178611.stm
[2] http://www.wired.com/entertainment/theweb/magazine/16-11/st_essay
[3] http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=102381
[4] http://www.ahram.org.eg/Archive/2008/5/2/INVE1.HTM
[5] في إحدى حلقات البرنامج الشهير 90 دقيقة على فضائية المحور، تعرضت الناشطة إسراء عبدالفتاح – إحدى عضوات فريق عمل 6 إبريل - لضغط على الهواء كي تقر بأن ما نشاطها على الفيسبوك كان خطأ، وذلك بعد دقائق من إطلاق سراحها في خلفية تروج أن الإفراج جاء تلبية للنداءات الانسانية الموجهة إلى وزير الداخلية
[6] أشهر مثال لذلك مدونة "قبل الطوفان" للكاتب الدكتور ياسر ثابت الذي ينشر بعض فصول كتبه المتنوعة في الأدب والتاريخ. وتأتي المفارقة في أنه في بداية فترة تسليط الأضواء على المدونات سجل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل اعترافا بأنه يتابع بعض المدونات باهتمام وتحديدا "مدونة بهية" التي تصدر باللغة الانجليزية، ورغم ذلك لم تكن المدونات ذات المحتوى التحليلي الرصين هي نجمة الحدث دائما.

Wednesday, May 26, 2010

الغيط الأخير في القاهرة

بحزم وجدية تعمد سيد عثمان إظهار استعداده للموت فى سبيل تلك القطعة الزراعية المطلة على شارع فيصل الشهير بالقاهرة: «لن أتركها مهما حدث، جدى حكى لى بالتفصيل عن الحياة التى عاشها مرتبطا بهذه الأرض، ليس لدى استعداد الآن للابتعاد عنها».
تلك الأرض الزراعية يمر من أمامها الآلاف يوميا منشغلين بزحام الشارع دون الاهتمام بتلك المساحة الخضراء ذات الأسوار العالية إلى جوار شركة المطاحن على شارع فيصل، لكن موقعها المتميز دفع البعض إلى السؤال عن سبب بقائها حتى اليوم، خصوصا من يطمحون فى البناء على هذا الموقع المتميز الذى يقع على مسافة معقولة من ميدان الجيزة. بين السور المتهدم واللافتات العظيمة ممر ضيق يخترق المساحات الخضراء يستخدمه هواة اختصار الطرق، وفى نهاية تلك المشّاية عشة تجلس فيها الحاجة صباح عواض (63 سنة) حيث تبيع الخضراوات لزبائنها من أهالى الحى.أدوات عمل الشاى ــ وطهى الطعام أحيانا ــ جاهزة للعمل، ولا يقلقها سوى مصير تلك الأرض الزراعية. وتروى القصة كاملة: «كانت تلك الأرض ملكا لأحد الإنجليز فى فترة ما قبل الثورة، وكان والد زوجى يعمل بها حتى تحولت إلى تبعية الإصلاح الزراعى، وظللنا موجودين بها حتى أجرتها مدرسة الزراعة الثانوية بشارع الهرم، وظللنا كما نحن فى جوارها».يشير ابنها سيد إلى عمارة مجاورة حيث كان يسكن قائلا: «فى تلك الناحية ولد والدى قبل سبعين عاما، وكنا نضع أيدينا على مساحة تساوى أضعاف مساحة الأرض الزراعية المتبقية الآن». ما زالت الأم محتفظة فى ذاكرتها بأسماء عائلات الطالبية ــ حيث تقع الأرض حاليا ــ وقد تحولت أراضيهم اليوم إلى مساكن وعمارات تقليدية بعد نشوء حى فيصل كفرصة للاستثمار العقارى، تعلق على ذلك: «شارع فيصل نفسه كان ترع
ة تروى تلك المنطقة»، بينما يكمل ابنها سيد: «بعد ذلك أعد جدى طريقة أخرى للرى»، مشيرا إلى طلمبة المياه المجاورة لعشتهم.لا أحد منهما يعتقد أنه بالإمكان أن تذهب تلك الأرض بعيدا عن أيديهم، فالسائر على تلك المشاية يلاحظ عبارات كتبها سيد بالطلاء على السور المجاور للأرض حيث شركة المطاحن.. «احذر النصابين.. الأرض خاضعة لوضع اليد وتابعة للاصلاح الزراعى ومدرسة الزراعة».
وسط تلك الصورة المشوشة اختفت المعلومة التى أكدها مصدر فى هيئة الإصلاح الزراعى حين ذكر باقتضاب: «الأرض تابعة للإصلاح الزراعى وتم سحبها من مدرسة الزراعة التى كان يتدرب طلبتها فى تلك المساحة الخضراء، وتم تأجيرها مؤخرا لمدة 25 سنة قادمة لإحدى الشركات». أما الفقرة الأهم فهى عن أن تلك المساحة الخضراء لن تبقى كما هى، بل ستتحول إلى مشروع تجارى ملائم لما حولها من مساكن.هذه المعلومات يغفلها سيد وعائلته ويشكك فيها تماما وتصيبه بالذعر، فهم لم يتزحزحوا من مكانهم منذ عقود طويلة، كل ما هناك أن أشار سيد إلى مساحة فدان داخل تلك الأرض ذكر أنها تابعة له متراجعا عن تمسكه بها كلها، بينما جاور المساحات الأخرى طلاء آخر باسم جديد. «حتى لو عرضت علىّ أموال لترك الأرض لن أقبل».
ملكة.. كفر.. ملكة
خلف هذا الغيط الذى ينتج مزروعات بسيطة يقع «شارع العمدة» الذى لا يخفى الأصل القروى لتلك المنطقة المجاورة لكفر طهرمس. قرية الطالبية تحولت إلى محطة ومنطقة سكنية وكذلك كفر طهرمس. يدير سائق الميكروباص ظهره لشارعى فيصل والطالبية حيث الغيط الأخير، مناديا «ملكة.. كفر.. ملكة» متجها إلى شارع الملكة فى كفر طهرمس، هناك تعلو العمارات الحديثة لافتات من نوعية «شقة إيجار جديد»، ولم يبرر بهاء بعض تلك العمارات حالة الطريق السيئة.. حركة البناء لا يعطلها شىء، تتخللها بعض المساحات الخضراء الغامضة، الأسطى مصطفى «الميكانيكى» يشرف على إحداها. ذكر قصة مؤثرة عن وصية والده بأن يتمسك أبناؤه بهذه الأرض وألا يفرطوا فيها، وقال: «لسنا فى حاجة للمال، ونحن ورثة كثيرون»، وأشار إلى ساحة ركن السيارات المجاورة قائلا: «هذه الأرض كانت لخالى، لكنها بارت فحولها إلى ساحة سيارات»، ثم عاد إلى السيارة التى كان منكبا عليها مع صبيته. سخونة الأسعار فى متر الأرض هنا لا تصل بأى حال من الأحوال إلى سخونتها قرب شارع فيصل. هنا وصل متر الأرض فى بعض الأماكن إلى أكثر من 8 آلاف جنيه، بينما تصل إلى أربعة أضعافها فى شارع فيصل حسبما يردد السكان. أحد قدامى الساكنين فى كفر طهرمس شكك فى نية جاره الأسطى مصطفى الاحتفاظ بالأرض، وقال: «من المؤكد أنه سيبيعها، من سيزرع الآن وسط هذا العمران؟!».
بعض المساحات الأخرى كانت تابعة هى الأخرى لهيئة الإصلاح الزراعى التى حافظت عليها حتى الآن، أشار الرجل إلى بعض المبانى تحت الانشاء قائلا: «هذه العمارات أنشئت على أرض الإصلاح الزراعى، لكن فى يوم من الأيام أتى أحد الأشخاص مع الشرطة لتسلمها، وانتهى الأمر دون حسم». حسب قواعد وزارة الزراعة وهيئة الإصلاح الزراعى فبإمكان أحدهم أن يسترد أرضا كانت تملكها عائلته إن أثبت ذلك بحكم من المحكمة، أو أن ينال تعويضا ماليا عنها.. أما على أرض الواقع فلم يعد أحد هنا يتحدث عن الزراعة، لم تعد مطلبا لأحد، الكفر انتهى، وبيت العمدة أصبح ذكرى، وتحول كل شىء إلى جزء من العاصمة.كلما توغل السائر فى اتجاه شارع فيصل موليا ظهره لكفر طهرمس ومن خلفها صفط اللبن انعدمت المساحات الخضراء، عدا ذلك الغيط الأخير فى شارع فيصل حيث يجلس سيد عثمان فى ورشته متحفزا بعد أن زارت الشرطة الموقع قبل أسابيع قليلة فقط. وتحول الوضع إلى مزيد من التحفز بينه وبين حارس آخر يتبع الآن المستأجر الجديد.
الخواجة الإنجليزى الذى كان مالكا للأرض فى يوم من الأيام لم يتبق من زمنه سوى أهل سيد عثمان الباقين جوار الغيط الأخير فى شارع فيصل.. رغبات سيد الذى يطمح فى أن يكون له نصيب من تلك الأرض التى ارتبط بها أبيه رغم أنها تحت سلطة الإصلاح الزراعى فى الغالب لن تتحقق، حتى إن ظل متمسكا بذكرى جده وسلطته القديمة.
تأتى إحدى ساكنات الشارع المجاور لشراء البرسيم لإطعام الحيوانات التى تربيها فوق سطح منزلها، تشير إلى أحد أركان «الغيط» قائلة: «بشترى من الحاج محمد عشان أقرب». رغم حديثها الجاد عن مشوارها شبه اليومى إلى هناك وتلك العلاقة الحميمة مع الغيط المجاور، إلا أن شباب الحى لم يبدوا مثل هذه الروح، كان الغيط بالنسبة إليهم مجرد علامة مميزة.. فقط.الحاج محمد نفسه قابل السؤال عن سر بقاء تلك المساحة الخضراء بابتسامة لعلمه أنه لا ينافسه أحد هنا سوى جيرانه فى الفدادين المجاورة التى تتبع ملكيات أخرى. يجلس باسترخاء جوار حجرة مبنية من الطوب النىء بها ما يلزمه من أدوات عمل الشاى، «رصة» كبيرة من الخضار، يقول بفخر: «هذه المساحة الخضراء هى الغيط الأخير فى القاهرة الكبرى، وأنا آخر جيل المزارعين فى الزاوية الحمرا، تسلمت المهمة من والدى ولا أظن أن أولادى وأحدهما خريج التجارة والآخر خريج الحقوق سيأتى هنا لمتابعة الأرض وزراعتها».الجميع هنا يعلمون جيدا أنهم مختلفون، فهم فوق تلك المساحة الخضراء بإمكانهم أن ينفصلوا تماما عما حولهم من تكدس المبانى وصخب عربات التوك توك، ليسوا فى حاجة إلى سور يحمى أراضيهم، لأنهم يعلمون أنها ستظل هكذا كما هى إلى أجل غير مسمى. قبل سنوات لم يكن الحاج محمد مختلفا عن أى قاهرى آخر يرتدى القميص والبنطلون حين كان عاملا فى شركة «بسكو مصر» لأكثر من ثلاثين عاما، أما اليوم بعد أن جاوز الخامسة والخمسين من عمره فقد يظن المار أنه مزارع تقليدى بجلبابه البسيط وجلسته الواثقة. تلك المساحة الخضراء الواقعة على أطراف حى الزاوية الحمراء خلف محطة كهرباء شمال القاهرة لها ظروف خاصة، حيث إنها تقع مجاورة لمصنع حربى فرض قواعد خاصة على المكان وهو ما يوضحه عبدالعزيز طلبة رئيس حى الزاوية الحمراء قائلا: «هذه المساحة الخضراء تخضع لقواعد خاصة أقرتها وزارتا الزراعة والدفاع، بحيث يحد المصنع حسب قواعد السلامة مساحات غير مسكونة، وهو ما أبقى هذا الغيط كما هو دون تغيير» ويستطرد نافيا: «الموضوع بعيد تماما عن الحى وإداراته المختلفة.. نظرا لخصوصية المكان».
على الإنترنت يشير موقع «الزاوية الحمراء» إلى تلك المساحة الزراعية المتبقية بشكل لافت موضحا موقعها كأحد معالم الحى وجذوره كمنطقة زراعية كان أغلبها يقع تحت أملاك السيدة زينب هانم خاتون التى حولت الكثير من أملاكها إلى أوقاف، ووزعت كثيرا من أراضى المنطقة بعد الثورة على فلاحيها ضمن الإصلاح الزراعى.الأرض التى يشرف عليها الحاج محمد اليوم هى مربع صغير تجاوره قطع أخرى اختلفت ملكيتها بين ملكية خاصة، وأراضى الإصلاح الزراعى، وأراضٍ تابعة للمدرسة العبيدية التى أسستها أسرة يونانية الأصل اتخذت اسم «عبيد» وأوقفت الكثير من أملاكها وأراضيها على هذه المدرسة.على بعد عشرات الأمتار فى الطرف الآخر من «الغيط» عامل زراعى أكثر تحفظا، ليس مالكا ولكنه مزارع تنتمى جذوره هو الآخر إلى منطقة الزاوية القديمة. يأتيه البعض لشراء خضراوات زهيدة الثمن، يقول: «كان الحى قديما مقسما إلى ملكيات خاصة وأراضى أوقاف وكنا جميعا نعمل بالزراعة، لم تكن المنطقة قرية تحولت إلى جزء من العاصمة، بل أراض يزرعها مزارعو المنطقة». اكتفى المزارع المتحفظ بما قاله دون زيادة، ينتمى هو الآخر إلى منطقة «القصيرين» بالزاوية الحمراء تماما مثل الحاج محمد الذى يضيف: «الوضع كان مختلفا، كنا نعمل فى مزارع تكشف لنا المنطقة حتى حى الظاهر، وكان الإنجليز وقت الاحتلال يشترون مددهم من هذه المنطقة، وبعد حصولنا على الأراضى بعد الثورة ظللنا مزارعين، عائلتى كلها نشأت فى بيت ريفى بالزاوية يعمل أفراده فى الزراعة حتى تطور الحال، وكان انتقال أهالى عشش الترجمان فى نهاية السبعينيات إلى مساكن الزاوية إعلانا لنهاية طابعها الريفى إلى الأبد، حين كان الجميع قد باع أراضيه وتحولت المنطقة إلى حى شعبى».قد يقع الحاج محمد فى حيرة هو وجيرانه إذا ما تم تقرر لأى سبب السماح بالبناء فى تلك المساحة الخضراء حيث تفتت الملكية بين الورثة، ورغم استبعادهم حدوث هذا إلا أنهم يقدرون قيمة أراضيهم جيدا.يقول الحاج محمد: «هامش الربح من الأرض مرضى، لكنه ليس كبيرا»، يتحمل أيضا مسئولية المجىء بجرار زراعى من بهتيم فى موسم الحرث، وبعد اختفاء الترع التى تحولت إلى شوارع بنفس الاسم أصبح الاعتماد على مصدر مباشر من الماسورة العمومية.
قد يبدو مشهد الحاج محمد والذين معه كمشهد من عصر بائد ينعش ذاكرة القاهرة «الزراعية» التى اختفت اليوم، لكنهم لا يخفون فخرهم بقولهم «إحنا آخر جيل من مزارعى الزاوية!» .
فى كتاب «القاهرة» شبّه العالم المصرى الراحل الدكتور جمال حمدان مدينة القاهرة بقوارض الأرض الزراعية، مؤكدا أن المدينة تأكل أرضها. ويقترح محورا آخر فى عمليات التمدد والعمران باتجاه أحياء العباسية ومدينة نصر ومصر الجديدة حيث الأصل الصحراوى، بدلا من البناء على أراض زراعية وتحويل القرى الريفية إلى أحياء مدنية.تلك الدعوة التى تراعى أهمية المساحات الخضراء لم تكن الوحيدة من نوعها بهذا الشأن، بل صاحبتها دعوة رومانسية أخرى لأستاذ الجيولوجيا ــ الدكتور رشدى سعيد ــ الذى ردد كثيرا ضرورة تحويل وادى النيل إلى محمية زراعية مع نقل الحياة الصناعية ناحية المساحات الصحراوية المجاورة مقدما مشروعا محكما فى هذا الشأن.
مثل هذه الاقتراحات وغيرها من التوصيات التى تحذر من خطورة انحسار المساحات الخضراء فى مصر لم توقف الزحف العمرانى، إذ كشفت دراسة أجراها علماء الهيئة القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء فى العام الماضى عن احتمال اختفاء المساحة الكلية للأراضى الزراعية المصرية بعد حوالى 60 عاما، وذلك إذا استمر التوسع العمرانى العشوائى بمعدلاته الحالية المرتفعة. حسب قواعد وزارة الزراعة فإنه من المحظور البناء خارج «الأحوزة العمرانية» المعتمدة للقرى والمدن.

Thursday, May 20, 2010

الحياة بين جدران المتاحف

العمل اليومى فى متحف مصطفى كامل أو أحمد شوقى، قد يجعلك تعيش رغما عنك فى جوار هؤلاء وعلى ذكرياتهم، وقد يغير مجرى حياتك إلى الأبد.. فوجودك اليومى فى المكان نفسه يجعلك تكتشف الكثير عن تاريخ هؤلاء وتاريخك الشخصى.
ضريح السياسيين
تصوير - هبة خليفة
أمام غابة من المآذن فى مواجهة قلعة صلاح الدين، قد يظن المار للوهلة الأولى، أنها قبة متوارية جوار الطريق الرئيسية، لا تتضح معالم المكان سوى بعد قراءة اللافتة الكبيرة «متحف مصطفى كامل». «فى مرة جاء أحدهم ظانا أنه مسجد للصلاة، وبمجرد علمه أنه متحف تاريخى وضريح للزعيم مصطفى كامل حتى بدأ فى التجول داخل أروقة المتحف بعد قراءة الفاتحة على روح الزعيم». العبارة لرشدى فاضل ــ مدير متحف مصطفى كامل الذى احتفظ بابتسامته التقليدية التى يواجه بها الزوار على اختلاف أنواعهم. تحت هذه القبة يجلس فى مكتبه محترما هيبة أصحاب الضريح، يرى اليوم أن وجوده فى هذا المكان هو نتيجة طبيعية لحبه القديم للمتاحف منذ أن كان طفلا يرافق والده الذى كان يعمل أيضا فى وزارة الثقافة، أما الآن فيشاركه العمل داخل المتحف نفسه بعض أفراد عائلته. بمجرد أن بدأ شرحه لمكونات المتحف حتى تحولت ملامحه إلى الجدية، مظهرا اعتزازه بأن هذا المتحف تحديدا يجمع بين كونه متحفا تقليديا وضريحا لعدد من الزعماء والسياسيين. يشير إلى مقبرة مزينة بأسماء أربعة سياسيين هم: الزعيمان مصطفى كامل ومحمد فريد، والسياسى المؤرخ عبدالرحمن الرافعى، ثم المفكر فتحى رضوان وزير الإرشاد القومى الأسبق فى بداية عهد الثورة. من هذا الموقع تحديدا تبدأ جولته التى لم يمل تكرارها منذ أن عمل هنا فى العام 1998، هدوء المكان انطبع على شخصيته المحافظة ووفر له فرصة التركيز الشديد أثناء سرده للمعلومات برصانة ووقار. يبدأ بذكر هذه المعلومة عن قصة إنشاء المتحف: «فى جلسة مجلس النواب عام 1944 نادى البرلمانى عبدالرحمن الرافعى باكتتاب لإنشاء ضريح للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد. كان الرافعى غيورا من ضخامة ضريح سعد زغلول فى مقابل بساطة مقبرتى مصطفى كامل فى منطقة الإمام الشافعى ومحمد فريد فى حى السيدة نفيسة». يحفظ رشدى فاضل أماكن ميلاد وسكن أصحاب الضريح التى لم تبتعد عن منطقتى القلعة والسيدة زينب، أما هو فينتمى إلى منطقة مجاورة فى حى الإمام الشافعى، لا يخفى أمين المتحف الذى جاوز الخامسة والخمسين انحيازه لسيرة كل من مصطفى كامل ومحمد فريد تحديدا. قرب باب المتحف صمم ملصقا أنيقا يحمل كلمات رثاء وتكريم أهداها إلى الزعيمين. عمل رشدى فاضل قبل مجيئه إلى هنا فى متحف محمود خليل لمدة سبع عشرة سنة قضاها بين اللوحات والأعمال الفنية المختلفة، وهو يروى: «كنت أحفظ أماكن ومواضع كل لوحة وتاريخها، أما اليوم فقد اختلف الوضع قليلا»، اليوم يشعر بالرضا عن وجوده فى أحد المتاحف القومية لشخصيات يعرفها أغلب الناس. قلة عدد الزوار لا تقلقه، لكنها تشعل غيرته وتدفعه إلى الحديث بحماس عن رحلات المدارس والأفواج السياحية التى تمر من هنا أثناء زيارتها للقلعة، أمام لوحة تسجل فظائع الإنجليز فى مذبحة دنشواى عام 1906، يتحدث عن بعض ما يراه من الزوار: «فى إحدى الرحلات المدرسية تحدث المشرف الذى كان مدرسا للغة العربية عن دور مصطفى كامل فى فضح جرائم الإنجليز مضيفا أن دنشواى كانت قرية بجوار المنصورة.. استوقفته وحزنت أن يكون مدرسا فى هذه السن ولم يسمع عن دنشواى أو يعرف موقعها فى المنوفية». بعض زوار المتحف من نوع آخر وهم طلبة الفنون الجميلة الذين أتوا لدراسة عمارة المكان، حسب تعبيره «بعضهم لا يعرف عن مصطفى كامل سوى أنه كان زعيما وطنيا.. فقط». فى درج مكتبه ملزمة جمع فيها مادة علمية عن الزعيم الراحل والمتحف يقدمها إلى الزوار كى يصوروها على أمل أن يكون ذلك «فى ميزان حسناته». إلى جوار الملزمة كتاب عبدالرحمن الرافعى الذى ألفه عن «مصطفى كامل» وكتب أخرى فى تاريخ الشخصيات. المفارقة التى جمعت كل هؤلاء فى مقبرة واحدة هى أن مبادرة المؤرخ والسياسى عبدالرحمن الرافعى قد لاقت قبولا، وتم نقل رفات مصطفى كامل ومحمد فريد إلى الموقع الجديد وافتتح المتحف فى عام 1956 بواسطة وزير الإرشاد القومى آنذاك فتحى رضوان، ودفن الرافعى فى الموقع نفسه حسب وصيته عام 1966، ومن بعده فتحى رضوان عام 1988. لا يخفى رشدى فاضل أن الحياة بين جدران المتاحف أمام اللوحات والمقتنيات قد غيرت بعض طباعه ونظرته إلى الأشياء، يقول معلقا: «أصبحت أكثر حساسية فى التعامل مع أى لوحة معلقة على الجدران، حتى إن كانت لوحة عابرة فى عيادة أسنان!!». أمام تمثال الزعيم يكشف رشدى فاضل عن مهارات أخرى أجادها منذ الصغر: «كانت إحدى مواهبى صنع التماثيل وتخليت عنها بسبب الجدل الدينى المثار حولها، لكننى ما زلت متمسكا بفن الخط العربى». حاول استغلال هذه المهارة الأخيرة فى تنظيم ورشة تدريبية لإجادة الخط العربى فى حديقة المتحف، أما بعيدا عن جدران المتحف فيدير عملا خاصا فى مجال الدعاية والإعلان استغل فيه مهاراته الفنية، لكنه أعاد استغلال تلك المهارة الجديدة فى عمل آخر من أجل أصحاب الضريح موضحا ذلك بمثال حى حيث أخرج بامفليت (ورقة دعائية) عن المتحف وضع عليها لمساته الخاصة فى الإخراج الفنى، مشيرا إلى صورة الزعيم مصطفى كامل التى احتلت مساحة كبيرة منها، قائلا: «هذا أقل تكريم لزعيم مثل مصطفى كامل أفنى عمره من أجل الوطن».
محطة فى طريق الركاب
تصوير - أحمد عبداللطيف تبدأ الجولة من مدخل ينقل زائر «محطة مصر» من عالم صاخب بأصوات النداء على المسافرين للحاق برحلاتهم إلى عالم آخر يعرض تاريخ السكك الحديدية وقاطرات قديمة لن يراها أحد سوى هنا فى «متحف السكة الحديد». إلى جوار المدخل الرئيسى تجلس حكمت إبراهيم ــ أمينة المتحف ــ فى حجرة متواضعة أمام حجرة أخرى تضم زميلتيها. لا يزعجهن نفير القطارات ولا يختلف الحال عن كل يوم حين يجلس الجميع فى انتظار ضيف جديد يستحق الاهتمام، أغلب الزوار من السائحين الأجانب إلى جانب من جاءوا هربا من ملل انتظار القطار. قبل أكثر من عشرين سنة انضمت هذه الدفعة من العاملين إلى المتحف، إحداهن هى مديرة المتحف الحالية وموظفتان لإرشاد الزوار، جميعهن ينتمين إلى عائلات خدمت فى هيئة السكك الحديدية. هذه الصورة الهادئة لا تخفى خلفية كل منهن، فبينما تذكر ناهد الخطيب أنها عشقت الحياة داخل هيئة السكك الحديدية منذ أن كانت طفلة تحضر مع والدها إلى مكتبه فى الهيئة، يبدو الأمر مختلفا لدى حكمت التى لم تكن مولعة بحياة السكك الحديدية والمتاحف، لكنها متعلقة بأمر آخر: «أفضل ما فى هذه المهنة هو رؤية أشخاص جدد كل يوم، رغم الطابع الهادىء للمكان». لا تشعر أمينة المتحف بأن المكان مظلوم بحكم قلة الدعاية أو اهتمام الناس بزيارة المتاحف، بل لها رأى آخر: «لا يمكن مقارنة العمل هنا بمتاحف أخرى مثل المتحف المصرى، حيث يدخل متحف السكة الحديد ضمن المتاحف المتخصصة كالمتحف الزراعى ومتحف البريد الذين تجمعهم ظروف واحدة». أثناء حديثها يمر زائران قررا كسر ملل انتظار القطار بالتجول داخل المتحف، تعلق ناهد الخطيب: «يتغير طابع المكان أثناء الرحلات المدرسية التى قلت هذا العام بسبب إنفلوانزا الخنازير، وربما أثر ارتفاع سعر التذكرة للمصريين إلى خمسة جنيهات وهو ما تفكر الإدارة فى تخفيضه». تتجول ناهد مع الزوار بين أروقة المتحف مستعرضة كمًا لا بأس به من المعلومات، تتغير اللغة أحيانا مع الزوار الصغار حين تقص عليهم تطور فكرة السكك الحديدية بشكل قصصى. على الجدران صور قديمة لمحطات القطار وافتتاح المتحف فى عام 1933 فى عهد الملك فؤاد، لكن أكثر ما يلفت نظر الزوار هما العربتان الكبيرتان فى نهاية المتحف: الأولى هى هيكل قاطرة قديمة تكشف تفاصيل عملها ميكانيكيا، أما الأخرى فهى عربة فخمة تعود إلى عهد سعيد باشا حاكم مصر (1854ــ1863)، بإمكان الجالس فيها استعادة الأجواء الملكية لذلك العصر. كانت حكمت إبراهيم ــ مديرة المتحف ــ تقوم هى الأخرى بالجولات الإرشادية نفسها ولا تخفى أن الفضول كان يحركها أحيانا لمعرفة المزيد عما كانت تشرحه للزوار، أشهر الأمثلة حديثها عن «قطار فرغلى باشا» الموجود فى صالة العرض تحت الصيانة وهو عبارة عن قطار صغير يكاد يحاكى القطار الحقيقى فى رحلته، كان يملكه أحد ملوك تجارة القطن الكبار فى عهد ما قبل الثورة، تقول حكمت: «أحيانا ما يدفعك وجودك اليومى هنا إلى جمع معلومات من مصادر أخرى، وهو ما فعلته مع فرغلى باشا الذى سألت عنه أحد معارفه الذين حكوا عنه تفاصيل طريفة تؤكد صورة المليونير المترف». الحياة داخل هذا المكان الهادىء تجعل بعض الزيارات بمثابة حدث مهم، الجميع هنا يتذكر زيارة مسئول اليونسكو التى جرت مؤخرا والتى وعد فيها بدعم تطوير المتحف مهنيا، أما الأستاذة ناهد فتتذكر وجوها تأتى للزيارة على فترات متباعدة، وتقول: «يأتى بعض الأجداد أحيانا مع أحفادهم، ويؤكدون أن زيارتهم للمكان فى الصغر هى السبب فى تكرار الزيارة بعد كل هذه السنوات، مثل هذه المواقف المتكررة أكدت لى أن زيارة المتاحف كانت أمرا أكثر انتشارا عن اليوم»، تكمل حكمت إبراهيم حديث زميلتها: «اليوم هناك ألف وسيلة ترفيه، كل هذا يسحب زوار المتاحف إلى اتجاه آخر». لم تجد كل منهما وسيلة للدعاية للمتحف سوى ما حدث قبل سنوات حين جاء سؤال فى امتحان الثانوية العامة للغة الفرنسية عن متحف السكة الحديد، وهو ما دفع بعض الطلبة فى السنة التالية إلى محاولة التعرف على المكان بدافع الفضول. الانتماء إلى أسر عملت فى هيئة السكك الحديدية ثم الحياة العملية وسط جدران متحف السكة الحديد جعلت فكرة القطار مطروحة فى حياتهم. على مكتب مديرة المتحف قطار خشبى صغير، لم يكن مجرد اكسسوار للمكتب، بل أكثر من ذلك، فهى توضح: «أولى الألعاب التى يرتبط بها الطفل الصغير هى القطار، وهى الشكل الأول لوسائل النقل الحديثة، وبالنسبة لى أجد الحياة نفسها لا تختلف عن رحلة قطار له مجموعة من المحطات».

فى منزل أمير الشعراء

تصوير - هبة خليفة يختلف الحال بين زائر عابر لمتحف أحمد شوقى بالجيزة والعاملين الذين قضوا سنوات فى ضيافة أمير الشعراء بين أركان منزله الذى تحول إلى متحف فى العام 1977، داخل المنزل الذى سماه «كرمة بن هانئ » يشير المرشد إلى الأماكن التى أبدع فيها أحمد شوقى أشعاره وإلى أماكن أخرى استقبل فيها مشاهير عصره، وحسب العبارة التى استخدمها على عمران، أمين المتحف فإن «صاحب البيت قد فرض ثقافته على العاملين هنا». كان هذا واضحا بشدة لدى أمين المتحف الذى حرص فى حديثه على استخدام اللغة العربية الفصحى مشيرا إلى خلفيته كدارس للغة العربية فى كلية دار العلوم وأن له تجارب فى الكتابة الشعرية. يعمل على عمران فى متحف أحمد شوقى منذ العام 2000، لكنه يكاد يكون أقرب العاملين إلى أجواء الشعر والأدب، ويعلق على ذلك قائلا: «هناك نسبة من العاملين فى المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة من خريجى كليات التربية الفنية والفنون الجميلة إلى جانب خريجى الكليات الأخرى، ولأن هذا المتحف له خصوصية الشعر والأدب، فأنا أقرب العاملين هنا إلى هذا المجال، لذا أدير النشاط الثقافى بمساعدة زملائى». يترك على عمران مهمة إرشاد الزوار إلى فريق من الشباب يعمل فى المتحف لهذا الغرض فقط، حيث يستقبل المرشد الزوار ويتجول معهم بين غرف المنزل. منال أنور وآية طه هما من أفراد هذا الفريق، لم تكن منال تعتقد أثناء دراستها فى كلية الزراعة أنها ستعمل فى يوم من الأيام فى مجال المتاحف، رغم أن أختها الكبرى تعمل فى هذا المجال بالفعل، وهى تعلق: «فى السنوات الأولى من عملى تعجبت من فكرة بقائى بين الجدران نفسها وتكرار الكلام نفسه يوميا، لكن بعد سبع سنوات من العمل أجد الأمور قد تغيرت تماما». تذكر منال أن ما يجعلها اليوم تشعر بالسعادة أثناء عملها هو تقدير بعض الزوار لفكرة أن تعمل فى مكان راق من الناحية المعمارية والتاريخية، كذلك فإن ما تراه أحيانا من نظرات إعجاب الزوار لأحمد شوقى خاصة من العرب يجعلها تشعر بشىء من الفخر لم تخفه فى حديثها. أما زميلتها آية طه فقد عملت لأكثر من إحدى عشرة سنة فى المكان نفسه، اعتادت على مواجهة الزيارات الكثيفة المفاجئة والصبر على قلة الزوار فى أوقات أخرى، تقول: «فى أوقات نضع أيدينا على خدنا فى انتظار زائر، وفى أوقات أخرى لا نلاحق على كم الزوار، وذلك دون أسباب واضحة». كلتاهما لا تنسى زيارات بعينها، إذ تقول آية: «بعض الزوار يأتون هنا وهم حافظون لشعر أحمد شوقى، ولديهم معلومات مبهرة عن حياته تفاجئنا نحن شخصيا، ومن أكثر الجنسيات التى ألمس فيها هذا الحس هم السوريون بسبب سعة اطلاعهم وحبهم لأحمد شوقى». تحتم قواعد العمل على آية ومنال أن تنقلا المعلومة بوضوح ودون إبداء انطباعات أو آراء شخصية، أحيانا ما يأتى إليهما من كان يظن أن أحمد شوقى رجل شارب للخمر وليس له مواقف وطنية، وهو ما يجب توضيحه بحياد، تعلق منال: «كرمة بن هانئ هو الاسم الذى اختاره شوقى لمنزله الأول فى ضاحية المطرية، وحين انتقل إلى الجيزة حرص على الإبقاء على الاسم نفسه الذى قد يوحى للبعض بالترف أو عن وجود كرمة عنب يعصر منها النبيذ، لكن الواقع لم يكن كذلك». هذا الاسم قد جذب بعض الزوار الذين أصابهم الفضول كلما مروا من أمام اللافتة المعلقة فى واجهة المتحف. وتنقسم «كرمة بن هانئ » إلى طابقين، الأرضى به صالون الضيافة الذى استضاف الموسيقار محمد عبدالوهاب فى الفترة التى تبناه فيها أمير الشعراء فنيا، وإلى جواره مكتبة الشاعر الخاصة، أما الطابق العلوى فهو الأكثر حميمية حيث حجرة نوم أحمد شوقى التى كان يكتب فيها أشعاره. فى أوقات الزيارات الكثيفة لطلبة المدارس تبدأ أجواء الحذر فى الازدياد حرصا على مقتنيات المتحف التى تزين جدران المتحف إضافة إلى محتويات المنزل التقليدية، وهو ما يستدعى بعض أفراد الأمن للحماية، وتقول آية طه: «من أصعب الفئات فى التعامل هم طلبة الثانوى، وأحيانا ما أحزن حين أجد بينهم من لا يبدى اهتمامه بقيمة المكان على عكس ما نراه من رحلات من هم أصغر سنا». وسط هذه الأجواء يظل انطباع المرشد عن أمير الشعراء خفيا إلى حد كبير ولا ينقله إلى الزائر بينما يختلف الأمر تماما عند على عمران، أمين المتحف والمسئول عن النشاط الثقافى، فلا يخفى انحيازه التام لأحمد شوقى. حسب حديثه، فالنشاط يمثل التيارات والمدارس المختلفة فى الشعر، وفى شهر أكتوبر من كل عام تقام احتفالية ثقافية وفنية فى ذكرى أمير الشعراء، يقول: «بحكم دراستى وحبى للشعر أعرف كيف أثر هذا الرجل فى لغة كثير من الشعراء، وبحكم انتمائى لهذا المكان وبقائى ضيفا على أمير الشعراء لسنوات طويلة فكرت أن تكون شهادة الماجستير عن دراسة تأثيره فى الشعراء من بعده، وهو ما أفكر فيه جديا الآن».

PDF

Thursday, April 29, 2010

الكابتن غزالي .. ذاكرة مدينة

لم تختلف حياته وحياة رجال المقاومة كثيرا عن حياة مدينتهم السويس، ورغم اشتباكهم مع الهموم الحالية فإن بعضهم سقط سهوا من ذاكرة الشباب، فأصبح مجرد اسم على لافتة شارع لا يعرف أحد من يكون، بل ويجهل سبب التسمية.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
تصوير : أحمد عبداللطيف

الكابتن غزالى.. ذاكرة مدينة
قد لا يفهم الزائر الجديد طبيعة المكان أثناء الزيارة الأولى، متجر صغير مكدس بالكتب والرسومات، وعنوان كبير على الواجهة «الكابتن غزالى»، الجميع هنا فى هذه الناحية من مدينة السويس يعرف هذا الاسم جيدا.. فى الداخل يجلس الكابتن مطمئن البال، يتلقى التحيات المستمرة من المارة ولا يخلو الأمر من قفشة أو تعليق لرسم ابتسامات وضحكات من حوله، لم يبد انشغالا بتكريمه الأخير من محافظة السويس وقرارها إطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية بالمحافظة وإعادة طبع ديوانه الشعرى من هيئة قصور الثقافة، كان مشغولا بمن حوله.
«فى هذا المكان جلس مراسلون عسكريون بعضهم يقود اليوم صحفا كبيرة، ونام على هذه الأريكة الشاعر أمل دنقل أثناء تضامنه معنا فى السويس فى زمن الحرب.. هذا مرسمى القديم، آتى إليه بعد صلاة الظهر وأبقى مع الأصدقاء قليلا ثم أكمل يومى».
يشير الكابتن غزالى ــ أحد أعلام المدينة ورمز من رموز المقاومة الشعبية ــ إلى أرفف الكتب من حوله، موضحا أنه يعير بعضها لمن يحتاج دون حساب، كنوع من الخدمة العامة.. قد تخفى بساطته أحداث 82 سنة عاشها مشتبكا مع هموم السويس، بدءا من مشاكسة قوات الاحتلال البريطانى مع الفدائيين منذ عام 1946، ثم مع المقاومة الشعبية بعد حرب 67 مستخدما الشعر تارة والمواجهة المباشرة مع العدو تارة أخرى.. محافظا على روحه المتمردة حتى اليوم.
بعد ثورة 52 أصبح الكابتن غزالى ضمن تنظيمات الثورة كأمين للشباب، وهى المرحلة التى يصفها: «كنا نقول مصر أم الدنيا ولم نر سوى مصر.. بعد الثورة علمنا بأننا نستطيع أن نواجه الدنيا كلها». بعد هزيمة يونيو 67 كان ضمن قيادات المقاومة الشعبية، وتصدى لطرح فكرة «ولاد الأرض» التى تكونت من المشاركين فى العمل الحربى الميدانى، لنقل أجواء المقاومة وآمال النصر إلى بقية انحاء البلاد، ولم تختلف حياته وحياة رجال المقاومة كثيرا عن حياة مدينتهم السويس التى يولد فيها الأبطال وسط الحروب والمقاومة، مستمدين المدد من ذكرى البطل الأقدم سيدى الغريب صاحب المقام الأشهر فى المدينة الذى هلك غريبا فى حروب الفاطميين ضد القرامطة بعيدا عن بلده الأصلى.
«نشأت جوار الغريب حيث كانت السويس بمثابة عتبة من عتبات الرسول يفد إليها القادمون إلى الحجاز للحج، هناك سمعت فنونا متنوعة من مصريين وعرب وعجم.. وكثيرا ما شغلت نفسى بأصل موسيقانا فى السويس، وبالسر الذى يمكن أحد الأميين من حفظ قصائد فصحى. ولم أجد إجابة سوى أننا أبناء هذا المزيج الفريد».
رغم ذلك لا يخفى فى حديثه مزاجه الصعيدى الذى ورثه عن «أبنود» المدينة التى ولد بها عام 1928 بمحافظة قنا، وهو المزاج نفسه الذى انتقل إلى مدينة السويس عبر المهاجرين الجنوبيين الذين يمثلون نسبة غير هينة من السكان.. لتجربة السويسية مر بها أيضا الكابتن غزالى بصورة شخصية، فبعد حرب 67 كان يجتمع حوله الفدائيون، يغنون ويقترحون أفكارا يعبر عنها بالشعر، أما الألحان فهى مزيج من ثقافات هؤلاء الذين جمعتهم السويس.
يقول: «اخترنا اسم ولاد الأرض لهذه الفرقة الوليدة لترسيخ الحميمة التى جمعتنا». كانت تلك هى لحظات تأسيس أغانى المقاومة التى تحولت اليوم إلى جزء من تراث المدينة، أو حسب تعبيره «تحول ولاد الأرض إلى قصة لا تختلف عن قصة بهية ويس وسيرة أدهم الشرقاوى». اليوم تصدح فرقة بالاسم نفسه فى السويس يرعاها بعض ولاد الأرض القدامى من رفاق الكابتن غزالى.
«عين على الشباب»
فى مقره الحالى يلتقى الزائرون، أمامه شاب عشرينى يدعى عبد الرحمن، يعرض على الكابتن قصصا قصيرة يكتبها ويوجهه الكابتن دون مجاملة، يأتيه عامل المقهى المجاور مستأذنا فى استعارة كتاب يقرأه.. بعدها يدخل الكابتن فى جدال مع عبد الحميد يونس ــ أحد قدامى أعضاء حزب الوفد.. هذه الحياة المزدحمة تجعله يتقبل أى تكريم رسمى بهدوء وثقة، حتى إن كان التكريم بإطلاق اسمه على شارع رئيسى، يقول: «تهمنى العلاقة مع الناس والاحساس الحقيقى بالامتنان، أحيانا ما ألبى دعوة تكريم على بعد مئات الكيلومترات، فقط لأنها صادقة».
منذ الخمسينيات وهو يعمل فى مجال التثقيف السياسى للشباب، ولم يفقد هذا الحس حتى الآن «أثناء الحرب اتجهت إلى التعبير عن واقعنا كمقاومين وسوايسة بالغناء، وذلك لمحاولة إذابة العلاقة بينى وبين من حولى فى المعسكرات، وتلقى أفكارهم ومناقشتها وتحويلها إلى جملة موسيقية نتغنى بها».
بعيدا عن مهاراته المتعددة فى الشعر والرسم والخط العربى والموسيقى كان لقب كابتن هو ما يصاحبه حتى اليوم، حسب وصفه «كان للرياضيين تميزا فى المجتمع السويسى». وحتى الآن يفخر بهذا اللقب منذ أن حقق بطولة المملكة المصرية فى المصارعة قبل الثورة. يشير: «حين انظر اليوم إلى الشباب أحزن.. فرغم أنهم أكثر تعليما وأفضل صلة بالعالم عبر الانترنت إلى ما غير ذلك، بدأت ممارسة الرياضة فى الشارع وعيناى على الأندية الأجنبية التى احتكرت الرياضة فى مدينتنا، لم يكن لدى ملابس تدريب مثل التى تملأ مخازن الأندية الآن، وحين انتقلت إلى مجال التدريب فى الأندية المصرية التى أنشئت فيما بعد كان هؤلاء الأبطال الرياضيون هم نخبة المقاومة.. اليوم نفتقد الشخصية القيادية التى تحفز الشباب». أحد هؤلاء الشباب الذين يصفهم الكابتن غزالى سجل سؤالا: «من أفضل قيادى فى السويس؟» وذلك من خلال مجموعة على الفيس بوك بعنوان «السويس فقط Only Suez»، وأجاب غالبية الشباب بأن هذه الشخصية غائبة تماما اليوم!
فى تحركاته لا ينسى الكابتن غزالى دوره القديم وقلقه على مدينته، أحيانا يميل على بعض شباب الحى ويسألهم «لماذا تقفون هكذا على النواصى دون فائدة؟» وتأتيه الإجابة كالتالى: «شوف لنا شغل يا كابتن». يشعر بالغيرة تجاه أبناء بلده ويتذكر حين كان البحار يجد عملا بشهادة الابتدائية القديمة ويسافر بها إلى أنحاء العالم على ظهر سفينة.. لم يكن يعكر تلك الأيام سوى الاحتلال وسيطرة الأجانب على كل شىء. تقدر نسبة البطالة فى محافظة السويس بـ8.11% حسب تقرير التنمية البشرية الذى أعدته وزارة التنمية المحلية بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى عام 2008، كما يقع 10% من سكان المحافظة تحت خط الفقر. يضيف الكابتن غزالى: «فى الماضى لم يجلس على المقاهى وقت النهار سوى الغرباء، لكن الحال تغير، فى ظل هذه الحالة ليس فى سلطتى أن أنصح شابا سوى فى أمور مثل ترك السيجارة من يده، بحكم سنى». لفترة دامت سنوات بعد حرب 73 حوصر الكابتن غزالى فى مدينته، لم يتعامل مع الصحافة، ولم يشارك بفاعلية فى العمل العام نتيجة مواقفه المتعارضة مع سياسة عصر السادات خاصة بعد قرار فض تشكيلات المقاومة فى مارس 1973، وحين رفض تم إبعاده عن المدينة إلى بنها. بعدها اتخذ عمله طريقا آخر عبر لقاءات حرة مع محبيه، ومشاركات فى إعداد برنامج عن فنون القناة. ويذكر معلقا على فترة ما بعد الحرب: «المقاوم والفدائى لا يلقى بنفسه تحت عجلات الدبابة، بل يناور حتى يظل محافظا على نفسه». أشعاره لم تقتصر على الدعم المعنوى للجبهة الداخلية أو تقوية عزم المصريين، بل تعرضت لبعض الظواهر فى مصر، فرد على فيلم «خلى بالك من زوزو» الذى رأى فيه «ولاد الأرض» إلهاء عن المعركة، وكتب: «خلى بالك من زوزو.. واحكى حكاية مرمر، واللى يجيب سيرة الخلاص.. على بوزه يتجرجر»، وانتقد فى إحدى قصائده ظهور «شارع شواربى» وانتشار البضائع المهربة رغم سياسات التقشف قبل الحرب. ورغم مرور عقود طويلة على تلك الفترة لكنه ما زال يقاوم ما لا يوافق قناعاته. لم يكن الكابتن يعرف بماذا يجيب رفاقه حين يسألونه عن مستقبلهم بعد الحرب، تذكر ما قاله فى رثاء صديقه ــ مصطفى أبو هاشم ــ الذى ناضل ضد الانجليز وكان بطلا فى رياضة كمال الأجسام واختير عضوا فى منظمة سيناء العربية التى نفذت العديد من العمليات الفدائية خلف خطوط العدو فى سيناء، يقول الكابتن غزالى مجيبا بالشعر: «وكان لما يحكى لى أحلامه.. أو اللى شافه فى منامه، أضحك أنا.. وأقول إن شاء الله بعد النصر، يا هل ترى حتكونى فاكرانا يا مصر؟».
أثناء حديثه يتوقف ثم يجرى اتصالا بعبد المنعم قناوى ــ بطل قديم فى رياضتى الدراجات والرماية وأحد فدائيى منظمة سيناء العربية. يعمل الأخير منذ سنوات كسائق ميكروباص.. الواقع تغير تماما بعد أن عاد الجميع إلى قواعده، ولم يعد للأهالى ذلك الدور الذى مارسوه من قبل فى إدارة شئون المدينة والدفاع عن أرضهم تحت رعاية الدولة، واندمج المقاومون فى حياة تقليدية لا يميزها سوى طبيعتهم الخاصة التى لم يتنازلوا عنها. يقول كابتن غزالى: «الحديث عن الماضى ليس حنينا، بل أظن أن أبناء السويس القدامى تجمعهم رابطة واحدة وأظن أنهم أكثر حساسية لشأن مدينتهم عن غيرهم». لا تكفى زيارة واحدة لمعرفة ما شهده الكابتن غزالى من أحداث، ولا يكفى تكريم لتخليد ذاكرته، قد تلفت اللافتة التى تنوى محافظة السويس رفعها فى أحد الشوارع الرئيسية نظر شاب صغير أو مهاجر حديث وتدفعه إلى تتبع تجربة الكابتن غزالى، لكنها بالقطع لا توازى تجربة من عاشوا وغنوا لولاد الأرض، ومن تعلقوا بأشعاره.
يقول المقاوم الثمانينى: «أنا هنا فى مكانى لن أرحل، وأراهن على أن مصر ستكون أفضل فى المستقبل». ثم يكمل مازحا: «ستأتون بعد أربعين سنة إلىّ هنا وستعلمون أننى كنت على حق».

شوارع الأبطال.. غرباء في بلد الغريب
إلى جوار السوق الكبير في حي الأربعين بمدينة السويس لم تعرف الشابة ذات اللهجة الريفية اسم الكابتن غزالي، بدت مقطوعة الصلة تماما بهذه بحقبة المقاومة الشعبية أثناء الحرب، تساءلت : "هو لاعب كورة ؟!"، بدت إجابتها مثيرة للإستهجان لأي مواطن سويسي أصيل، لكن مبرر هذه الشابة الوحيد في نقص معلوماتها كان أنها ليست من مواليد السويس إذ انتقلت إليها قبل سنوات مع زوجها. وهي واحدة من سكان حي الأربعين الذي يمثل 50% من عدد سكان المدينة، بينما يقارب عدد سكان محافظة السويس نصف مليون مواطن.
محاولات الحديث معها حول قادة المقاومة الشعبية تبدو مثيرة للحرج، وتدفع إلى إعادة التفكير في جدوى تسمية الشوارع بأسماء الأبطال دون وسيلة تعريف بهم.
المشهد كان مختلفا حول جامع سيدي الغريب الأشهر في السويس، حيث محال تجارية قديمة تخصص أغلبها في بيع مخلفات السفن الراسية وأدوات الصيد، استهجن بعضهم بمرارة ألا يعرف سويسي رجلا مثل الكابتن غزالي، و أمام بوابة المسجد جلس عبدالعال منسي أمام متجره معلقا "فكرة التكريم وإطلاق إسم الكابتن غزالي على شارع فكرة جديرة بالاحترام، خاصة أنها جرت في حياته". كان عبدالعال طفلا حين اضطرت اسرته إلى ترك السويس في ذلك الوقت، لكن جاره الحاج أحمد حلمي بدر الذي شهد فترات الحرب والتهجير كان أحد العاملين الذين بقوا في المدينة لتسيير أمورها، أبدى حماسه قائلا : "كنت موظفا في التوكيلات البحرية ضمن من بقوا لإدارة المدينة، أحيانا كانت تأتي الغارات فنخرج بملابس النوم إلى القطار هروبا من القصف، لم يدعمنا أحد سوى رجال أمثال حافظ سلامة شيخ المقاومة، وغيرهم". يعود جاره عبدالعال ليوضح : "لا يدرك أهمية الكابتن غزالي وفرقة ولاد الأرض سوى من عاش تلك الفترة، حين كانت كلماتهم معبرة عما نريد قوله".
كلاهما اليوم يجلس في استرخاء تام في حي السويس الذي ينتمي إليه الكابتن غزالي، تفهما أن يكون هناك من ليس له صلة بهذه الحقبة من سكان المدينة، يقول الحاج أحمد حلمي بدر وهو يشير إلى مئذنة مسجد الغريب: "السويس لم تسمى بمدينة الغريب نسبة إلى سيدي الغريب فقط، بل لأنها مدينة الغرباء التي تحتضن القادمين وراء ارزاقهم".
سائق التاكسي الشاب الذي بدأ رحلته من أمام مسجد الغريب متوجها إلى أطراف حي السويس، لم يعرف اسم "الشهيد مصطفى أبو هاشم" أحد شهداء المقاومة الشعبية، تساءل : "من هو؟! هل تبحث عن أهله؟"، المفارقة انه أطلق مؤخرا اسم هذا الشهيد على شارع البرج المتفرع من شارع الجيش الرئيسي في المدينة. العاملون في مبان مجاورة للشارع لم يعرفوا تلك المعلومة، ولم يعرفوا هوية صاحب الشارع، وآخرون خلطوا بينه وبين أخيه عضو المجلس المحلي السابق إبراهيم أبو هاشم. و حتى اليوم يستخدم الاسم القديم للشارع "شارع البرج".
داخل أحد محلات الفيديوجيم في الشارع لم يعرف مدير المحل الشاب من هو صاحب الشارع، قال : "ليس لدي فكرة عن قصة مصطفى أبوهاشم، ربما يعرفه أحد كبار الحي". أشار إلى الحاج رضا العطيفي في محل مجاور لبيع الهدايا.. رجل أنهكه المرض رغم نجاته من شظايا دانات الاسرائيليين أثناء سنوات الحرب.
يقول الحاج العطيفي : "الشباب مشغولون عن تلك الشخصيات، وليس من سمع كمن رآى"، كان الحديث معه عن تجربة ولاد الأرض وذكرى شهداء المقاومة دافعا لأن يردد بعض أشعار الكابتن غزالي التي كانت شائعة وقتها بين من بقوا في السويس، واستمر في سرد تفاصيل سير الشهداء و عمليات يوم 24 أكتوبر حين اقتحمت القوات الاسرائيلية المدينة ونجحت المقاومة مع الأهالي في إفشال مخططهم.
يجلس الحاج العطيفي اليوم في متجره الصغير لقضاء وقته مستمتعا بتاريخ عائلته القديم في المدينة إلى جوار جاره الجديد "الشهيد مصطفى أبو هاشم" الذي زين اسمه لافتة على جدران عمارة مجاورة، حيث يمر العابرون فلا يرفعون أعينهم لتأمل الإسم أو البحث عن سيرة صاحبه.
حسب مصادر في محافظة السويس فإن المدينة تتميز بنشاط لجنة تسمية الشوارع التي تراعي تخليد أسماء شهداء الشرطة والجيش وشهداء المقاومة الشعبية وغيرهم من الشخصيات الوطنية الهامة إلى جانب أن المحافظة تنظم جولات لأبطال المقاومة الباقين بين المدارس أثناء احتفالات المدينة.
السمسمية في مساكن السوايسة
وسط مساكن شعبية ذات طراز واحد في حي كوبري القبة بالقاهرة هناك أحد عشر "بلوكا" سكنيا يحملون اسما مميزا عن بقية المساكن هو "مساكن السوايسة"، جاء هذا الاسم نتيجة استضافة هذه المساكن للمهاجرين من مدن قناة السويس فرارا من حرب 67، تلك المساكن ما هي إلا أحد الأماكن التي انتقل إليها المهجّرون مثل أماكن أخرى في شبرا الخيمة وإمبابة ومدينة نصر، وغيرها من المدن المصرية خارج العاصمة. في داخل واحد من هذه المساكن مكتب يحمل اسم "الجهيني للسيارات والعقارات" يديره محمود القط الذي يضع خلفه صورة تتصدر مكتبه وهو يعزف على آلة السمسمية الشهيرة، تبدو الصورة للوهلة الأولى مختلفة عن السياق من حوله، لكن أصل هذه المساكن قد يبرر هذا المشهد. يقول: "بعد الحرب تشتت السوايسة كل حسب اتجاه القطار الذي لحق به وقتها، جئنا إلى هنا قبل أكثر من أربعين سنة، وسكنا تلك المساكن التي لم تكن معدة لاستقبالنا ورفضنا تركها أثناء الحرب لعدم وجود البديل، أما اليوم فلم يتبق من كافة هذه الأسر المهجّرة سوى عدد قليل جدا يعد على أصابع اليدين ارتبطت أرزاقه بالمكان ولم يعودوا إلى السويس وتبدلت المساكن بسكان آخرين".
على بعد أمتار منه "سوبر ماركت أولاد يوسف السويسي" حيث استمر الجيل الثاني من المهاجرين السوايسة في القاهرة متابعا حياته، وفي الناحية الأخرى جمعية خدمات لأبناء مدينة السويس تأسست عام 1973 و تعمل اليوم في أنشطة خدمية مختلفة أهمها تعليم الكبار. في تلك الفترة التي ترك فيها أهالي السويس مدينتهم لم يكن البقاء خيارا مفضلا حتى من جانب الدولة، كانت الخطة الحكومية آنذاك تتجه نحو تهجير أغلب سكان المدينة وإبقاء حوالي 15 ألف مواطن لإدارة شؤونها الأساسية، وفي تلك الأثناء هاجر عشرات الآلاف إلى أماكن متفرقة في محافظات مصر منهم تلك المجموعة التي سكنت في كوبري القبة، يقول محمود الذي قارب اليوم على الخمسين: "حين أراد والدي العودة بعد الحرب إلى عمله السابق في الميناء لم توافق جهة عمله في قسم شرطة حدائق القبة رغم عودة أعمامي وبعض إخوتي وتعمير منازلنا هناك، لكن هذا لم يقطع صلتي بالمدينة".
محمود القط الذي نشأ في القاهرة اختار اليوم أن يجلس في أوقات السمر بين رفاقه وبيده السمسمية، لم يخف تأثره بتجربة "ولاد الأرض" وعشقه للكابتن غزالي وأغاني المقاومة، وفي جلسات خاصة مع الرفاق يحاول أن يحاكي أجواء السويس على أرض القاهرة. ويعلق على هذا : "بعيدا عن عملي أصدرت ألبوما متواضعا منذ فترة شاركت فيه مع مطربين شعبيين بالعزف على السمسمية". وعلى استحياء يشير إلى آلة السمسمية في غرفة مجاورة لمكتبه معتبرا إياها العلامة الوحيدة التي تعبر عن هويته الآن، وسط مساكن لم يعد للسوايسة فيها سوى حضور رمزي.