Thursday, March 25, 2010

روافد متعددة لنهر واحد

عبدالرحمن مصطفى
تصوير: محمد حسن

البحث داخل ملفات الحوادث الطائفية دائما ما يبرز عبارات من نوعية: «نزاع حول أراض بسبب بناء كنيسة»، أو «شجار تحول إلى معركة طائفية». بينما تأتى الملاحظات بصورة هامشية عن ثقافة من ارتكبوا هذه الحوادث أو المتعاطفين معهم، إلا أنه قد أطلت مؤخرا مفردات واضحة فى سلسلة الحوادث الأخيرة تحمل سمات تلك الثقافة وتقدم وجها آخر لأسباب وقوع تلك الحوادث منها: «الثأر»، و«جرائم الشرف»، وكأن الذهن الطائفى لم يعد يقدم نفسه عن طريق الدين فقط، بل عن طريق المفردات الشعبية مخفيا مشكلات اجتماعية أعمق.
فى عام 1981 وقف الرئيس الراحل محمد أنور السادات أمام مجلسى الشعب والشورى وتناول فى خطابه الأحداث الطائفية التى عرفت فيما بعد بــ «أحداث الزاوية الحمراء» ووضعها فى سياق فهم شعبى، حين ذكر بالنص أن الحادثة: «لا هى طائفية ولاحاجة أبدا.. ناس عايشين فى حتة واحدة.. وفى مرة اتخانقوا واتصالحوا».
وذكر أن التحريض الدينى من المتشددين هو السبب وراء تصاعد هذه الحادثة، وهو ما استغله معتادو الإجرام فى النهب وممارسة العنف. لم يكتف فى خطابه بذلك بل أضاف أن مثل تلك الحوادث تجرى «كل يوم داخل العائلة الواحدة وداخل البيت الواحد وداخل القرية الواحدة».
وكأن هذا الحادث جزء من ثقافة الشجار التى تنشب بين الجيران وما يصاحبها من تحالفات.. قد تبدو هذه الفقرات للوهلة الأولى بسيطة وساذجة، إلا أنها لم تبتعد كثيرا عن الواقع السائد فى تلك الفترة حين بدأ نمو المناطق العشوائية المتحولة من الطابع الريفى إلى الطابع الحضرى، وكانت منطقة الزاوية الحمراء إحدى هذه المناطق.. فى تزامن مع الترويج لمفاهيم استخدمتها القيادة السياسية مثل العيب، وتشبيه الرئيس بعمدة القرية!
فى كتابه «سياسات الأديان» (دار ميريت، 2003) يتجاوز نبيل عبدالفتاح ــ الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ــ هذه الحقبة وما بعدها فى الثمانينيات والتسعينيات لارتباط أكثر حوادثها بالجماعات الإسلامية المتطرفة، حتى وصل إلى أحداث الكشح فى عامى 1999 و2000 بمحافظة سوهاج، حيث ما اعتبره نقطة مفصلية فى الحوادث الطائفية بالعودة إلى العنف الجماهيرى ذى الروح الطائفية. ولم يستبعد المؤلف عنصر الثقافة الشعبية كأحد أسباب ذلك التحول، فذكر أنه «قد شاع نمط من التدين الشعبى ركز على الطقوس والشكليات بعيدا عن الدين، وغابت فيه صورة الطرف الآخر». وهو ما استمر فى عدد من الحوادث التالية للكشح سيطرت عليها الروح العائلية وأديرت بشكل عشائرى.
المفارقة أنه بعد حادث الكشح بعامين شهدت المحافظة نفسها حادث قتل جماعى (ثأر) داخل قبيلة واحدة جميع أفرادها من المسلمين، تلك الجريمة لم تختلف بشاعتها عن الحوادث الطائفية الكبرى، وهو ما يدفع إلى تساؤل حول كون ثقافة الثأر والعشائرية أحد روافد تكرار تلك الحوادث الطائفية!؟.
يعارض هذا الرأى الدكتور عبدالرءوف الضبع ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة سوهاج ــ ويرفض تحديدا أن تكون الطائفية الدينية قد حلت محل القبيلة بما يتبع ذلك من ظهور الثأر أثناء النزاع والخضوع للعرف بدلا من القانون، ويوضح: «المشكلة أبعد من هذا نظرا لغياب مفهوم الوطنية، فقديما كانت هناك نماذج وطنية فى الصعيد مثل مكرم عبيد وويصا واصف وغيرهما، وكان القائد يستمد شرعيته من الشرعية الوطنية، وليس من مداعبة الحس الدينى وسط تراجع الفكر المستنير».
فى جريمة نجع حمادى التى جرت فى بداية هذا العام عشية عيد الميلاد المجيد وأطلق فيها النار على كنيسة المدينة، تبنت عناوين الصحف رأيا مفاده أن الجريمة حادث (ثأر) مبنى على فكرة الانتقام للشرف، حيث راجت قبل الحادث قصة اغتصاب فتاة مسلمة على يد مسيحى، لكن الدكتور عبدالرءوف الضبع يعود مرة أخرى لينفى العلاقة المباشرة بين الشكل الطائفى والخلفية المرتبطة بالثأر للشرف حسبما أشيع، بل هناك أبعاد أخرى يذكرها: «هذه النوعية من الجرائم تنمو مع سوء الحالة الاقتصادية، ويكون السعى لفرض السيطرة على فئة من المجتمع هو تمهيد لنيل مكاسب اقتصادية أيا كانت الطرق، سواء بالابتزاز أو النهب أو غيرهما»، يدعم وجهة نظره أن حوادث أخرى طائفية من نفس الشكل جرت فى مدن مثل الإسكندرية بعيدة عن الفكر العشائرى القبلى وعن الثأر.
كانت مدينة الإسكندرية قد شهدت حوادث صادمة فى الأعوام 2005 فى حى محرم بك على خلفية بث مسرحية اعتبرها البعض مسيئة للإسلام، ووقعت حوادث أخرى فى عام 2006 سجل تفاصيلها أحد المدونين فى مدونته «جار القمر»، وذكر تفاصيل عن المشاركين فى تلك الأحداث الذين لم تحركهم الحماسة الدينية بقدر ما حركتهم النزعة الفوضوية ومحاولات فرض السيطرة والتخريب.

ابحث عن المرأة
من ضمن العناصر المتكررة فى الحوادث الطائفية مؤخرا هو استخدام المرأة كمبرر لتصعيد نزاع طائفى. كانت أشهر الاحتقانات قد بدأت عام 2004 مع انتشار نبأ اختفاء زوجة قس وتحولها إلى الإسلام، ثم توالت الحوادث التى يرتبط بطلاها بعلاقة آثمة أو زواج مع تحول دينى، مثل حادث قتل مسلم وإصابة زوجته المتحولة إلى الإسلام وابنها على يد أخيها بدافع الانتقام وذلك قبل عامين فى حى الأميرية الشعبى بالقاهرة. ولم تختف أخبار القلق الطائفى عند غياب فتاة وإشاعة أخبار عن هروبها أو تحولها إلى ديانة أخرى، وهو ما يتبعه الطمأنة الأمنية والمتابعة الصحفية حتى تنتهى بسلام.
الدكتورة سامية خضر ــ أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس ــ ترى استخدام المرأة بهذا الشكل الطائفى كجزء من سياق وثقافة عامة تروج للتدنى على جميع المستويات، وتقول: «فى مجال الإعلام هناك حالة من التدنى ترسخ المفاهيم المتخلفة فى المجتمع، منها وضع الريفيين والمرأة فى المجتمع، فبعد أن كنا نرى أعمالا تنويرية مثل أفلام دعاء الكروان والزوجة الثانية، أصبحت المرأة مهمشة فى ثقافتنا، خاصة فى الريف رغم المجهودات التى تسعى لرفع مكانتها، وهنا نسأل أين دور الدولة من الظواهر الجديدة على المجتمع؟ لماذا يتم التعامل معها متأخرا مثلما حدث مع ظاهرة النقاب وما صاحب ذلك من قرارات؟» .
تشير دراسة أعدتها الدكتورة نسمة البطريق ــ أستاذة كلية الإعلام بجامعة القاهرة ــ إلى جزئية التأثير الإعلامى السلبى من خلال الفضائيات الدينية الخاصة على الرأى العام، وكذلك دور الخطب الدينية ووصول أئمة غير مؤهلين إلى مجال الدعوة فى تنمية مناخ التعصب.
هذه الإشارات حول إسهام قادة الفكر الدينى فى الحوادث الطائفية ليست جديدة ففى عام 1972 صدر قرار كان الأول من نوعه بعد وقوع أحداث طائفية فى منطقة الخانكة على أطراف القاهرة بتشكيل لجنة تقصى الحقائق التى عرفت باسم رئيسها الدكتور جمال العطيفى، وأشارت اللجنة إلى نمو دور الجمعيات والمؤسسات الدينية فى هذه المنطقة بالشكل الذى زاد من الحدة الدينية هناك. ورغم المفارقة فى أن توصيات هذه اللجنة ما زالت متكررة حول إصدار قانون موحد لبناء دور العبادة وتفعيل دور الدولة فى هذا الشأن، إلا أن الأبعاد الثقافية فى مثل تلك الحوادث ما زالت بعيدة عن النقاش.
يرى أحمد سميح ــ مدير مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف المهتم بالملف الطائفى فى مصر ــ أن الثقافة الشعبية قد أصبحت إحدى أدوات التبرير لمثل هذه الحوادث، ويوضح: «يستعين الجناة ببعض المفردات التى تحظى بقبول شعبى مثل الدفاع عن الشرف أو حتى الثأر لمجرد تبرير تصرفاتهم، والكارثة أن يكرر البعض مثل هذه التبريرات، وهنا نتساءل عن دور الدولة فيما يتردد دائما عن تجديد الخطاب الدينى وتطوير الدعاة، رغم ما نلمسه من زيادة الشحن الطائفى داخل المساجد».
يكاد يجمع كل من الدكتور عبدالرءوف الضبع ــ أستاذ الاجتماع بجامعة سوهاج ــ والدكتورة سامية خضر بجامعة عين شمس على أن كل شىء فى هذا الملف لابد أن يعود إلى الدولة وأن تعمل على إعادة تشكيل الثقافة بشكل أرقى.
لكن بعيدا عن كل هذا فهناك من اختار حلا وقائيا لمثل تلك المشكلات بإعلاء قيمة التعاون التى تحمى مصالح جميع الأطراف وتدمجهم فى المستقبل. أحد هذه النماذج الحية تألقت الأسبوع الماضى داخل جمعية الصعيد للتنمية والتربية، حيث أقيم المعرض السنوى للوحات ومنسوجات وأعمال خشبية تعلوها أسماء من الديانتين لأصحاب المنتجات اليدوية من مركزى أخميم وحجازة بالصعيد.
يراهن المهندس نادر حسنى ــ مدير قطاع التنمية فى الجمعية ــ على أن مثل هذا العمل التنموى هو الذى يعدل ثقافة الإنسان، لأن الهدف أهم، ويقول: «فى الماضى كان اسم الجمعية هو الصعيد المسيحية، وخضعنا لإجراءات تسجيل الجمعيات حسب لوائح الدولة بإزالة الهوية الدينية، لكن بقى الهدف واحد وهو إقامة مشروعات تنموية لا تفرق بين الأديان».
داخل ورش إنتاج السجاد اليدوى فى أخميم التى بدأت نشاطها قبل عقود، من الصعب تمييز العاملين على أساس الدين، ففى المصنع الصغير غرفة مقسمة إلى قسمين للصلاة، يرتادها المسلم والمسيحي.
يشرح المهندس نادر بحماس أن الإنتاج والعمل هو ما يصنع الوحدة، وهو ما تحاول الجمعية تنشيطه داخل مدارسها أيضا، عن طريق المناهج المتطورة للطلبة، يقول: «فى فترة الثمانينيات بمدينة أبى قرقاص فى المنيا أثناء هجمات الجماعات الإسلامية على ممتلكات المسيحيين حاول بعضهم الهجوم على مدرسة تابعة للجمعية رغم أن نصف طلبتها من المسلمين، المفاجأة أن من تصدى لهم كان أولياء الأمور المسلمين، لأننا حين نتورط فى عمل واحد، وتتشابك مصالحنا ومصائرنا تتبدل ثقافتنا تدريجيا نحو الأفضل».

Sunday, March 21, 2010

مثلث كنتاكي

خلطة سرية من البشر
كتب – عبد الرحمن مصطفى
بإمكان أحمد شاكر أن يرى عالما مصغرا في تلك المساحة المثلثة جوار ميدان التحرير بين نهاية شارعي طلعت حرب و التحرير، فأثناء جلوسه جوار كابل الكهرباء العملاق يتابع تنوعا غريبا من البشر، الصاعدون درجات سلم مترو الأنفاق يسلمون مهمة النزول لغيرهم، والجلابيب الريفية تتجاور مع الجينز الضيق، بينما يطل آكلو الفول بأعين فضولية على الجالسين داخل مطعم كنتاكي، السائحون والصعاليك متساوون في هذه المساحة الديمقراطية.. الجميع وقوف في انتظار شيء ما.. بالنسبة لأحمد فالأمر بسيط، لخصه في جملة: "متابعة البشر هنا تحرق الوقت".. وهو ما يسعى إليه أثناء انتظار بقية زملائه في كورس اللغة الانجليزية منخفض التكلفة الذي لا يبعد عن هذه المساحة سوى أمتار قليلة .
"هل سمعت عن مقهى إيزافيتش ؟" هذا السؤال وجب تكراره عدة مرات على أسماع أحمد وزملائه حتى يستوعبها أحدهم، ولم يعرف إجابته أحد، اليوم.. يكاد يكون مقهى إيزافيتش أحد مفردات الحنين لدى شريحة من المثقفين المفتونين بهذا المقهى حيث اجتمع الشعراء والأدباء تحت لافتة خواجة أجنبي ذو أصل يوغسلافي وميول يسارية، في نفس المقهى قيل أن الشاعر الراحل "أمل دنقل" قد ألقى أشعاره في العام 1971 على الطلبة المعتصمين في ميدان التحرير احتجاجا على سياسات الرئيس السادات.. "مين أمل دنقل؟" لم يكن لدى أحمد وأصدقائه فكرة عن هذه الذكريات البائدة، فالواقع أشد وضوحا أمامهم في هذا المثلث الأقرب إلى لوحة عجيبة تجمع الشواذ جنسيا والصم والبكم والسائحين وأولاد الشوارع وأولاد الذوات في مكان واحد دون سبب واضح سوى أنه ميدان التحرير أشهر ميادين القاهرة.
البناية التي تمثل أحد أضلاع هذا المثلث يحرسها بواب شاب ذي أصول جنوبية، استهجن اسم "إيزافيتش" ولم يعرف هو الآخر سوى الواقع الحالي، أما على أطراف البناية فهناك فئة مميزة من مواطني مثلث كنتاكي، هم مجموعة من الصم والبكم يديرون أحاديثهم الحماسية بلغة الإشارة في ركن خاص، صاحب الكشك المجاور داخل أحد ممرات العمارة لم يجد إجابة واضحة على سبب تواجدهم الدائم في هذا المكان، توجه إليهم ونقل إليهم مجموعة من الأسئلة بلغة الإشارة بدت ركيكة بالنسبة إليهم : "هل هناك مقهى قريب يجمعهم؟"، "هل هناك مركز أو جمعية هي السبب في تواجدهم في نفس المكان يوميا؟"، أجاب أحدهم وكان ذو قدرة على النطق البسيط، أنه لا يوجد سبب لتجمعهم سوى شهرة المكان واتساعه، واضاف بثقة: "هذا التجمع عفوي وغير مقصود، نتعرف فيه على أصدقاء جدد ونتحدث بصورة شبه يومية.. هذا كل شيء".
على بعد أمتار من دائرة الصم والبكم في نهاية مثلث كنتاكي، يقع مقهى وادي النيل، جار إيزافيتش القديم.. أمام المقهى يطل الحاج حسن عثمان - مدير المقهي - على عالم جديد لم يكن موجودا حين بدأ هذا المقهى عمله قبل أكثر من نصف قرن، يقول : "بإمكاني الآن أن أشير إلى كل شركة سياحة وإلى كل مطعم هنا في هذا المثلث وأخبرك بأصله وماذا كان وكيف أصبح !". هذه شركة للسياحة كانت محلا للأحذية، وأخرى كانت محل بقالة، أما كنتاكي فكان مطعما يملكه إيزافيتش بينما تحول مقهاه القديم حاليا إلى شركة سياحة، وأشار الحاج حسن إلى أبعد من هذا ناحية الجامعة الأمريكية حيث محلات الوجبات السريعة التي كانت محلات أسترا وعلى بابا الشهيرة.. كل شيء تغير منذ نهاية السبعينات بعد عصر الانفتاح، ومع دخول الثمانينات حدث تحول جذري انتعشت فيه شركات السياحة التي احتلت الميدان، وبعدها انتعشت مطاعم الوجبات السريعة، وتغيرت المعالم.
أمام كل شركة سياحة شاب ينادي على عروض شركته، يكاد يخطف المارة على أمل الحصول على مكافأة من الشركة، أما داخل مقهى وادي النيل فيكاد يكون المكان محافظا على تقاليد المقهى القديمة، المشروبات الروحية ممنوعة، و المشروبات الغازية ليس لها مكان.. ترك الحاج حسن المهمة للمقاهي والمطاعم المجاورة، وأمام جاره كنتاكي يجلس أبناء الشوارع في تقليد شبه رسمي يطلون عبر الزجاج على صدور الدجاج المتبلة وصدور الفتيات الجالسات بصحبة أصدقائهن بالداخل، يمسكون بأيدي المارة طلبا للطعام.. هكذا يحصلون على قوت يومهم.
يقول الحاج حسن: "كل شيء تغير حتى الزبائن.. المجتمع كله تغير"، ما زال يذكر زيارة نجيب محفوظ إلى مقهاه، وغيره من المثقفين، لكنه يقر أن أهم زبائنه منذ أن أنشئ المقهى هم السياح المتجولين بين المتحف وفنادقهم في وسط المدينة، يجلسون أمام الشيشة، ويطالعون قائمة المشروبات المكتوبة بالعربية والانجليزية على أمل تسهيل مهمة عمال المقهى، في الخارج ضيوف ثقال على مثلث كنتاكي، البعض يتعرض لهم بالعنف اللفظي والزجر على أمل رحيلهم، هم الشواذ جنسيا، في كتابه "بلد الولاد" الذي يتعرض لعالمهم، يشير المؤلف مصطفى فتحي من طرف بعيد إلى تجمعهم في مثلث كنتاكي، وبعيدا عن كتاب بلد الولاد، فهذه الفئة من سكان المثلث لا تهجر مكانها إلا حسب مزاجها، يتعرضون لمضايقات أثناء وقوفهم، وهو ما لم يخفيه أحمد شاكر وأصدقائه زوار ميدان التحرير، إذ أنهم لا يمانعون أبدا في إلقاء التعليقات الخفيفة على أبناء هذه الفئة، لكن الحاج حسن لم يخف ضيقه من وجودهم كواحد من أصحاب المحال التجارية هناك، واعتبرها إساءة للمكان، ويعلق : "في الماضي كان من يمر بميدان التحرير يعدل ملابسه تماشيا مع أناقة المكان وفخامته، أما اليوم فأصبح يجمع من هب ودب"، يتوقف قليلا ثم يكمل : " كانت هناك فئة تسمى الخرتية من النصابين يصطادون السائحين ويضللوهم، لكن انتهى وجودهم من الميدان بسبب نشاط الشرطة ضدهم، أما الشواذ فما زالوا يمرحون هنا".

Monday, March 15, 2010

صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي



حارس الوثائق المصرية ينفي حجبها عن الباحثين
صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي

تحوي دار الوثائق القومية ملايين الوثائق التاريخية التي تفيد الباحثين في مجالات البحث المختلفة وهو ما حدد قواعد للتعامل مع هذه المؤسسة العريقة، إلا أن هذا لم يمنع شكوى بعض الباحثين من أن دار الوثائق تحولت إلى دار احتجاز للوثائق نظرا لصعوبة إجراءات التعامل. الأستاذ الدكتور محمد صابر عرب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية يرد على هذه التساؤلات.
حوار : عبدالرحمن مصطفى

ـ هناك مشكلة يتعرض لها بعض الطلبة في مرحلة ما قبل التسجيل رسالة الماجستير وأثناء الدراسة الجامعية، حين يجد الطالب نفسه على غير دراية بمحتويات الدار أو شكل الوثيقة، بل يمنع من دخول قاعة الوثائق تماما؟
الوثائق والمخطوطات المودعة في دار الوثائق مقصورة على من هم فوق المرحلة الجامعية، سواء من الباحثين الأكاديميين أو من العاملين في الصحافة و العاملين في مجال البحث الحر، وهذا لأسباب كثيرة أهمها الحرص على الوثيقة من التداول المتكرر الذي قد يعرضها للتلف. أما بالنسبة للطلبة الذين لم يسجلوا موضوعا للبحث فيتاح لهم الاطلاع على الوثائق التي سيحتاجوها بمجرد تحديد موضوع البحث. وتصدر في 15 يوما وهي مدة بسيطة مقارنة بالفترة التي يقضيها الباحث في فترة إنهاء بحثه.

ـ أليس من حق الطالب العادي التعرف على دار الوثائق ومحتوياتها؟
نحن نفترض أن الباحث الملائم للتعامل مع الوثائق الأصلية هو طالب الدراسات العاليا، كذلك فليس مطلوبا من الطلبة في المرحلة الجامعية الرجوع إلى الوثائق الأصلية.. فأقصى ما يطلب منهم هو الاطلاع على الدوريات والوثائق المنشورة في كتب. الهدف هو تنظيم التعامل مع الوثائق، لأننا إذا ما فتحنا قاعة الاطلاع على الوثائق التاريخية مثلما نفتح قاعة الاطلاع على الكتب، قد لا نضمن ما سيحدث للوثيقة القديمة.

ـ بعض الأساتذة الأكاديميين كانت لهم مشاكل أعلنوها صراحة في الصحف والمحافل العلمية من التضييق عليهم في الحصول على الوثائق.. ومنهم الدكتور مجدي جرجس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة؟
ضربت مثالا بمجدي جرجس، والحقيقة أن كل بحوثة اعتمد فيها وثائق محفوظة بدار الوثائق القومية، كذلك من المهم أن أشير هنا إلى أنه في كل أرشيف من أرشيفات دول العالم، هناك بعض الوثائق غير المتاحة، وذلك لدواعي الحفاظ على الأمن القومي للدولة، وهذا لا تحدده لنا أي جهة أمنية، ولكن بإدراكنا الانساني والثقافي والوطني من أن هناك بعض الوثائق قد يساء استخدامها ضد المصالح الوطنية القومية.

ـ ما المعايير التي تحدد لنا خطورة الوثيقة أو أنه قد يساء استخدامها؟
لا توجد قواعد مانعة للوثائق بشكل مباشر، لكن هناك قواعد تستند إلى الخبرة و الحس الثقافي لدينا، فنحن من يحدد في دار الوثائق أن الملف الفلاني قد يشكل خطورة في عرضه الآن، و أنه يجب حجبه لخمسين سنة أو أكثر، ولعلمك ان هناك ملفات يتم حجبها لمدة مئة سنة في بعض الدول، و مسؤولي المؤسسة هم من يحددون الملفات التي قد تهدد الأمن القومي، وكلنا أكاديميون وباحثون واعون. كما أن الوثائق كلها متاحة، والمحجوب منها لا يتعدى نسبة نصف في المئة ويمكن الاستعاضة عنه بمصادر بديلة.

ـ لماذا يتم حجب هذه الوثائق؟ هل لتخوفات طائفية مثلا..؟
تاريخنا ليس فيه ما نخجل منه، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين، فالوثائق تشير إلى أن كلا الطرفين كان متساويا أمام القانون في فترة تاريخنا الحديث، وكذلك تشير إلى علاقات اجتماعية جيدة.

ـ إذن.. فما هو المحجوب؟
ليس هناك تحديد معين، على سبيل المثال الوثائق المتصلة بقضايا الحدود نتحفظ على إظهارها، ولا بد من خبراء يحددوا ذلك، وكما ذكرت انها لا تتعدى النصف في المئة، وأغلبها موضوعات سياسية ومرتبطة بالأمن القومي أكثر من أن تكون موضوعات بحث تاريخي.

ـ هناك اتهام موجه إلى موظفي الدار بالتعسف في التعامل مع بعض المترددين قاعة الوثائق واعاقة وصولهم إلى الوثيقة؟
قد يكون لدينا بعض المشاكل المتعلقة بالوظيفة وأداء بعض العاملين على خدمة الاطلاع على الوثائق، لكننا الآن في مرحلة تطوير العاملين وانا بنفسي أقول بتسهيل المهمة على المترددين والتواصل معهم لحل أي مشكلة قد تحدث، فالإساءة لأي باحث أعتبرها إساءة لشخصي.

ـ في داخل سيمنارات التاريخ العلمية تحديدا شكا بعض الأساتذة الأكاديميين من أن باحثي دار الوثائق القومية لهم الأفضلية في الوصول إلى الوثائق والاطلاع عليها عن بقية الباحثين؟
كل باحث لديه تصريح يحق له الاطلاع، وليس من حق الباحث الاطلاع على الوثائق البعيدة عن موضوع بحثه، لأنه ليس بباحث من يريد الاطلاع على الوثائق دون خطة بحثية محددة.

ـ لكن أحيانا يكون الباحث بصدد التحضير لمؤتمر أو مهمة بحثية محدودة المدة، وعلى فترات متكررة، أيجب عليه إصدار تصاريح في كل مرة؟
أود أن أقول في هذا الصدد أن هناك من الأساتذة من تنقطع صلتهم بالتعامل مع الوثائق والدار بأكملها بمجرد وصولهم إلى درجة الدكتوراه، وحتى في بحوث ترقيتهم لا يستخدمون الوثائق الأصلية ويعتمدون على الدوريات، ورغم هذا يذكر بعضهم دعاية سيئة عن الدار رغم ابتعاده عنها.. في مرة سمعت تعليقا في أحد المناسبات العلمية ينتقد الدار رغم أني أعلم جيدا أنه لم يزر دار الوثائق منذ أكثر من عشر سنوات، بعض هذه المشاكل تكون مفتعلة.

ـ مشروع رقمنة الوثائق واتاحة نماذج منها على الانترنت، هل الهدف منه إتاحة الوثائق للباحثين عبر وسيط آخر؟
الحقيقة أنه لا توجد دولة في العالم تتيح أرشيفها بشكل كامل على الانترنت، وليس الهدف من هذا المشروع هو إتاحة الوثائق ولكن، التعريف بمحتوى الدار وما داخل ملفاتها من وثائق، مع نماذج معروضة لمجرد التعريف، وفي شهر إبريل سيكون المشروع قد انتهى بالفعل.

ـ هناك مشكلة تتعرض لها دار الوثائق نفسها تؤثر بشكل مباشر على إتاحة المعرفة للباحثين، وهي عن عدم إمداد الدار بالوثائق من الجهات المختلفة.. ما سبب ذلك؟
دار الوثائق هي وريثة دار الوثائق العمومية، والأوقاف، والعدل ووزارة الحربية التي تحولت فيما بعد إلى وزارة الدفاع، ومن هذه الجهات وغيرها تكون الأرشيف الأول، وحين تأسست دار الوثائق القومية عام 54 خضعت لقانون الوثائق لسنة 54 وهو غير ملزم لأي جهة بتقديم وثائقها إلى دار الوثائق، وقد أنهينا مشروع قانون جديد نأمل أن يتم تمريره بخصوص الوثائق بحيث يتم إلزام الجهات بإرسال وثائقها إلى الدار بدلا من ان تكون خاضعة لمزاجية الموظفين، خاصة مع النظرة السلبية لفكرة الأرشيف الموجودة في ثقافتنا.

ـ على أي أساس يتم إختيار الوثائق التي يتم توريدها للدار؟
هذه الوثائق قد لا تمثل أكثر من 8% من القوائم التي ترسلها الوزارات والمؤسسات للتخلص منها، ويحدد خبراؤنا ما يمكن أن تحتفظ به هذه الجهات لأغراضها الإدارية و تحديد ما تحتاجه الدار، وهناك لجنة موجودة بالفعل تتعامل مع وزارات العدل والخارجية وباقي الوزارات التي تمدنا بالوثائق.. لكن هناك مشاكل أغفلها الكثيرون.

ـ مثل ماذا؟
دار المحفوظات بالقلعة هي الوارث الحقيقي للدفترخانة، وتحوي وثائق تستخدم في أغراض معرفة الأطيان، وأسماء العائلات، لكن بعض هذه الوثائق وقد تقدر بنسبة 10% من المهم أن تنتقل إلى الدار كي تفيد الباحثين في الجوانب السياسية والتاريخية المختلفة.



ـ ألا ترى أن غياب وثائق مثل وثائق الحروب قد أضعف قدرة الباحثين في إعادة كتابة التاريخ في مصر وهو التيار الذي بدأ في عديد من الدول؟
التاريخ لا يكتب مرة واحدة، بل يكتب عدة مرات وفقا لكفاءة الباحث والمصادر المتاحة. من المؤكد أنه من الصعب أن تكتب عن حرب مثل حرب 56 في ظل غياب الوثائق المصرية مما يجعل الكتابات أقرب للانطباعية، وكذلك يتم الاعتماد على الوثائق الأجنبية، وأنا أدعو إلى الإفراج عن هذه الوثائق وأنها خدمة قومية وليست خدمة للبحث فقط .

Thursday, March 11, 2010

كرباج في اليد


تصوير ــ مجدى إبراهيم
فى بدايات القرن الماضى كتب اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى كتابه (مصر الحديثة) هذه العبارة: «ومن ثمار الوجود البريطانى أن تم إيقاف استخدام الكرباج والتعذيب فى مصر»، تلك الحجة كانت ضمن حجج أخرى حاول بها تجميل صورة الاحتلال البريطانى لمصر، وكان اختياره ذكيا لأنه اختار ممارسة كانت ذات حضور فى حياة المصريين، إذ تمارس العقوبة البدنية بما يصاحبها من تشهير.
اليوم وبعد أكثر من مائة عام على ادعاءات السيد كرومر، لم تختف أخبار الضرب والعقاب البدنى من الصحف اليومية وشاشات الفضائيات، وعلى أرض الواقع يصعب الوقوف ضد مجموعة اختارت العقوبة البدنية السريعة ضد لص مشتبه به أو شاب تحرش بفتاة، أو حتى فى اختيار مدرس لهذا العقاب ضد تلميذ.. ورغم أن هذه المواقف قد تنته فى الغالب دون خسائر كبيرة ولا يلتفت إليها أحد، لكنها أحيانا ما تسفر عن تحويل حياة الآخرين إلى مأساة.
فى أحد فصول مدرسة الطبرى الابتدائية بالقاهرة حيث قد لا تختلف كثيرا العلاقة بين الطالب والأستاذ عن بقية المدارس، أثيرت قضية الطالب ــ سيف الدين أحمد ــ الذى لم يكن مستعدا لتلقى ضربات أستاذ الرياضيات حسبما صرحت والدته نظرا لسوء حالته الصحية، لم تحتمل الأم الأستاذة بالمدرسة نفسها أن يضرب ابنها وحررت محضرا ضد المدرس، لكن الأمر اتخذ طريقا آخر.. القضية جذبت اهتمام وزير التعليم شخصيا الذى ظهر بصورة مباشرة على الفضائيات ليعلن بنفسه أن شكوى الأستاذة سمية عبدالرحمن ــ ولية أمر الطالب سيف ــ هى شكوى كيدية وتفاصيلها غير حقيقية.
تقول سمية والدة الطالب سيف: «مشكلتى أننى مدرسة فى المدرسة نفسها، لذا لم يقبل الأساتذة أن أحرر محضرا لزميل، حتى إن كان ابنى مريضا ولا يحتمل الضرب، ولذلك حرروا ضدى محضرا اتهمتنى فيه إدارة المدرسة بالتزوير، وأننى لست مدرسة لديهم وتم إيقاف راتبى، وحتى الآن لا أعرف ما هو مصيرى أو مصير ابنى بعد هذه الأزمة». تخشى سمية أن يتعرض ابنها للاضطهاد فى المدرسة بعد عودته، خاصة أن هناك حالة من النفور واجهتها حين حررت محضرا فى الشرطة، إذ ظن البعض أنه من المفترض أن تكون أكثر تفهما لزملائها وألا تتعامل كولية أمر تقليدية فى مسألة الضرب.
الكرباج الذى لوح به كرومر فى ذكر فضائل الاحتلال فيما يبدو لم يختف تماما، فخلال الأسبوع نفسه حرر ولى أمر آخر محضرا بقسم الشرطة لمدرس لغة عربية بمدرسة النوبارية الثانوية الصناعية، قام بإذلال نجله وسط المدرسة بأن وضع المدرس قدمه على رأسه بعد جلده بحجة تأخره عن حضور الطابور.. وبعيدا عما يصل إلى الصحف تخفى المدارس داخلها تفاصيل أخرى لا تصل إلى أقسام الشرطة مثل مشاركة عمال المدرسة وحراسها أحيانا فى معاقبة الطلبة المشاغبين.
منى عبدالواحد (تم تغيير الاسم بناء على طلبها) مدرسة اللغة الانجليزية بإحدى مدارس شبين الكوم فى محافظة المنوفية، هى أيضا أم أرملة قد لا تختلف ظروفها كثيرا عن سمية والدة الطالب سيف، لكنها تتفهم فكرة استخدام العقوبة البدنية، وتقول: «نحن فى مدينة متصلة بالريف، أعمار الطلبة فى بعض الفصول المتأخرة دراسيا أحيانا ما تكون كبيرة، وهؤلاء الطلبة يتعرضون للضرب فى الشارع والمنزل والعمل.. بعضهم يكمل فى المدرسة الإعدادية ليصبح فى وضع أفضل أثناء الخدمة العسكرية، كيف نتعامل مع طلبة بهذا الشكل؟» تعتبر منى أن العصا هى سلاحها فى مواجهة طلبة لا يهتمون بالانجليزية التى تدرسها، حتى إن لم تستخدم هذا السلاح على أجسادهم، فهو إشارة لما يمكن أن يحدث لهم.. تتساءل: «علينا أن نطرح سؤالا لماذا يأتى الأهالى بالمدرسين الخصوصيين الذين يتعمدون ضرب أبنائهم؟ هذه ملحوظة حقيقية ألاحظها، بل وحين يزهد المدرس الخصوصى فى طالب كسول، يستخدم الأهل العنف ضد ابنهم كى يلتزم».
لم تبتعد منى عن الواقع الذى قفز إلى ساحة الانترنت على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، حيث لقطة بعنوان: «Private English Tutoring in Egypt» أو درس إنجليزى خصوصى فى مصر سجله أحد الطلبة من حصة درس خصوصى، يظهر فيه طالب يتعرض لعدد من الصفعات وسط ابتسامات من حوله ودون أن يبدى أى امتعاض، من رفع اللقطة على الموقع لم يجد إلا كلمة «مسخرة» كى يكتبها فى خانة التوصيف.
أما منى ففى خارج قاعات الدرس لا تخفى أنها قد تلجأ أحيانا إلى استخدام الضرب مع ابنها وهو ما يدفعه إلى التهديد بأنه سيشتكيها فى قسم الشرطة، تعلق: «اللجوء للضرب ليس الحل، لكن فى ظل الضغوط التى تحيط بالإنسان يصبح هو الحل، وحين يستخدم ابنى تهديده بأنه سيشتكينى ويبحث عن ولى أمر آخر أخبره أنه لن يقف معه أحد، لأن ما أفعله هو من حق ولى الأمر والجميع يقبله». فى هذا السياق تشير دراسة للدكتور عدلى السمرى ــ أستاذ الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ــ أن 96% من الآباء الذين يضربون أبناءهم تعرضوا للضرب وهم صغار، وهو ما يعطى قبولا لهذه الممارسة.

ليس عرفا!
الاستعانة بالضرب كوسيلة للضبط الاجتماعى ليست فقط داخل المدرسة بل تحيط بأسوار المدرسة إلى الخارج. أحمد ــ الطالب بالمرحلة الثانوية ــ لا يخفى لغة الفخر وهو يتحدث عن مدرس التربية الرياضية بمدرسته. رغم أنه لم يسلم من ضربه فى سياق المزاح، لكنه يحكى أن معلمه أحيانا ما لجأ إلى الضرب والتهديد خارج المدرسة فى مواجهة بعض المتسربين أو أبناء الحى المجاور.
ويروى: «أبناء الحى يعتدون على الطلبة بعد انتهاء الدراسة ويسرقون أموالهم فى الشوارع الخلفية التى لا تصل إليها عربات الشرطة الموجودة فى الجوار، فيتصدى لهم المدرس بمعاونتنا ونلقنهم درسا». هذه السلطة التى يمارسها مدرس التربية الرياضية تجرى على مسئوليته الشخصية، فبعض الجهات الموكل إليها مهمة الضبط والتصدى لهذا النوع من المواجهات لا تكتفى أحيانا بمواجهات تقليدية، بل تعيد أمجاد كرباج كرومر المفقود، ففى الأسبوع الماضى نقلت الصحف أن ضرب «حرامى جزم» على أيدى أربع أفراد أمن فى موقف الترجمان بالقاهرة قد أدى إلى وفاته.
الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع القانونى والجنائى بجامعة عين شمس ــ يرى أن تسليط الأضواء على مثل هذه الحوادث إعلاميا هو ما يجعلنا نفترض أن هناك اتجاها لقبول الضرب كوسيلة من وسائل الضبط الاجتماعى أو العقوبة، فى حين أن الناس ترفض هذه الممارسة، وهو يوضح: «سواء الضرب فى المدارس أو المخالفات داخل أقسام الشرطة كل هذا هو إساءة استخدام للسلطة، وليس هناك قبول اجتماعى لها بقدر ما هو خوف يجعل الناس تصمت من تبعات رد الفعل، ورغم هذا فهناك من يتخذ إجراءاته القانونية ضد هذه المخالفات مما يمثل علامة ودليلا على عدم قبول الناس لهذا المسلك، فهو ليس عرفا مقبولا».


فى مقال مرجعى عن استخدام السلطات المصرية للعقوبة البدنية يشير الدكتور خالد فهمى ــ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة نيويورك ــ إلى تطورات تشريعية حدثت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر لاستبدال عقوبة الضرب بالحبس، وكانت تحديدا ضد استخدام الكرباج فى العقوبة، لكن هذه الممارسة لم تنه عقوبة الضرب تماما.
ورغم مزاعم حقبة الاحتلال البريطانى فى أنها قضت على استخدام الكرباج فإن الاحتلال نفسه استعان بها فى حادثة دنشواى، وظلت موجودة فى مرحلة تالية.. لكن قبل هذه الفترة كان هناك ميراث ثقيل من أشكال متنوعة من العقوبات البدنية أثناء عصور المماليك والعثمانيين وصلت إلى حد بقر البطن والسلخ والتمثيل بالجثث، إضافة إلى عقوبات مسيئة مثل الطواف بالشخص على حمار واستخدام الجرس للتشهير به فيما عرف بالتجريس.. وتسجل جدران المقابر المصرية القديمة كيف كان يلجأ موظفو الضرائب إلى ضرب الفلاح اللئيم الذى يخفى محصوله عن الدولة.
الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ الاجتماع ــ لا يعتقد أن لهذا الميراث البائس دورا فى تبرير الضرب أو جعله سلوكا مقبولا فى المجتمع، ويؤكد أن فلسفة العقاب اختلفت فى العالم من العقوبات البدنية إلى الحبس، بل حتى داخل الأسرة فإن وسيلة الضبط ارتقت مع ارتفاع مستوى التعليم والوعى من الضرب كوسيلة لتأديب الأبناء وأحيانا الزوجة إلى الضبط المعنوى والتأثير النفسى على الطرف الآخر. ويضيف: «ما نراه أحيانا فى الشارع من قيام الناس بمعاقبة لص وضربه هو ضبط اجتماعى غير مشروع نتيجة إحباط الناس من اللجوء للطرق القانونية التقليدية التى قد لا تحقق آمالهم، وهنا علينا أن نفرق بين هذا الأمر وبين مخالفات يقوم بها معلمون أو رجال أمن فليس كل هذا فى سياق واحد، فلنكن متفائلين بأن المجتمعات تتقدم بعيدا عن استخدام الضرب، فلا نجعل أحدا يسحبنا إلى الوراء، ونتذرع بأن استخدام الضرب جزء من ثقافتنا».
وبين هذه المفارقة التى تستبعد أن يكون الضرب مقبولا فى ثقافة المصريين واستمرار وجوده على أرض الواقع كوسيلة للضبط الاجتماعى يعود كرباج كرومر إلى الصورة حائرا بين أيدى مخالفى القانون، حتى لو استبدلوه بصفعة رجل أمن مخالف أو عصا أستاذ متهور أو تمادى رجل شارع أراد أخذ حقه بعيدا عن القانون.

Monday, March 1, 2010

الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية




عميد أداب القاهرة السابق ينفى تدخل الدولة في الجامعة
الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية


من خلال خبرته الأكاديمية داخل كلية الأداب بجامعة القاهرة وتوليه منصب العمادة في فترة سابقة يبدو الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع قريبا من معوقات الحرية البحثية في الجامعة، أرجع تلك المعوقات إلى الرقابة الذاتية التي يمارسها الأكاديميون على أنفسهم إلى جانب تمسك المجتمع داخل وخارج الجامعة بتقاليد تعيق التطور، نافيا أن يكون الانتماء للحزب الوطني الحاكم أفضلية، أو أن تكون هناك تدخلات مباشرة من الدولة في الأداء الأكاديمي. وطرح حلولا أخرى للهروب من القيود الفكرية على الطلاب والأكاديميين.
حوار: عبدالرحمن مصطفى

• هناك سقف يضعه بعض الأكاديميين أمام أفكار الرسائل الجامعية في مرحلة ما قبل التسجيل، ما أسباب هذا النوع من الرقابة؟
- المفترض في الجامعة أن تعمل ضمن خطة بحثية، بحيث يتم التعامل مع الموضوعات في إطار هذه الخطة، وأن يتاح لكل أستاذ قبول الموضوعات المتفقة مع اتجاهاته البحثية وتراكم معرفته إلى جانب مع تفرضه حاجات المجتمع، وهذا ما يجب أن يعلمه الباحث قبل اختيار مشكلة بحثه ومناقشتها مع اساتذته، لكن المشكلة أن بعض الأساتذة ليس لديهم هذه الأجندة البحثية، مما يعطي للصورة أبعاد أخرى.

• ألا توجد بعض المحاذير التي يراعيها الأستاذ عند التعامل مع أفكار الباحثين الشباب؟
- ليس هناك مثل هذه المحاذير إلا في بعض الحالات الصارخة في موضوعات متعلقة بالجنس والدين على سبيل المثال.

• هل ما زالت التابوهات الشهيرة (الدين، الجنس، السياسة) هي ما يحكم الحركة البحثية في مصر..؟
- نعم .. ما زالت هذه التابوهات الشهيرة مؤثرة على الحركة البحثية، لكن على الجانب الآخر يجب أن نذكر أن الباحثين أنفسهم لا يقدمون على التعامل مع الموضوعات الحساسة بشكل جاد، على سبيل المثال: سجل أحد الباحثين معي موضوعا عن "العنف الجنسي"، لكنه للأسف لم يكمل بحثه، ومثل هذا المثال يطرح فكرة أن الجامعة لا تمارس قيودا في هذه المناطق الحساسة من الموضوعات البحثية.

• لكن احيانا ما يكون هناك قيودا على تناول الموضوعات السياسية، وهو ما يدفع المؤسسة الأكاديمية إلى إعادة صياغة البحوث؟!
- لنتحدث بمثال واضح عن هذه الحالة، حين قمت بإعداد رسالتي للماجستير، تناولت موضوعات حرجة ومثيرة في هذا الوقت عن الحركة الطلابية في فرنسا عام 68 وتناولت فكر اليسار الجديد، وتأثير ذلك على الحركات الاجتماعية في الغرب، ولم أتعرض للتضييق عليّ في أي مرحلة من مراحل البحث، لكن.. لأذكر لك ما يحدث أحيانا لدينا في الجامعة، وهو أن يراجع أحد الأكاديميين عنوان البحث، وقد يصل الأمر إلى تصنيف الباحث بسبب اتجاهاته أو اختياراته، وهذا في النهاية يعود إلى الاستاذ وليست سياسة من الجامعة.

• ماذا عن بعض الموضوعات الحرجة التي أهملت دراستها مثل الجماعات الاسلامية، والمشاكل الطائفية، ويتم تغييرها بعد النقاش مع الأكاديميين قبل إعداد الرسائل الجامعية؟
- بعض الأساتذة في مثل هذه الموضوعات يقلقون من ردود أفعال المجتمع تجاههم، ويمارسون بدورهم رقابة ذاتية على أنفسهم تمنعهم من مناقشة بعض الموضوعات، هذه الموضوعات يجب أن تدرس في إطار نظري رصين، ولنقل بصراحة ان بعض الباحثين لا يهدفون من دراسة هذه الموضوعات تقديم بحث جاد بقدر ما يهدفون إلى إدخال السياسة إلى البحث في موضوعات صحافية لا بحثية. دعني أقول وأؤكد أنه لا توجد رقابة في الجامعة، بل نحن من يخلق هذه الرقابة على أنفسنا.


• لكن هناك ردود أفعال من الادارة الأكاديمية تمارس إرهابا فكريا على الباحثين أحيانا؟
- سأحدثك عن موقف حدث مؤخرا في جامعة حلوان حين أرسل عميد إحدى الكليات بحثا إلى الأزهر لمراجعته، وكان بحثا لأحد الاساتذة يتناول النصوص الاسلامية، ولما رفضه الأزهر أثير جدلا حول هذه الحادثة، في واقع الأمر أن مثل هذا عميد الكلية لم يمثل الجامعة، بل استهجنت الادارة هذا التصرف، لأن مثل هذه البحوث عليها أن تناقش داخل الجامعة في إطار بحثي محترم.

• وماذا عن التصاريح الأمنية التي يحتاجها الباحثون في بحوثهم الميدانية.. ألا تحدد مثل هذه الاجراءات شكل البحوث الاجتماعية في مصر.؟
- حسب القانون فإن دخول أي جهة أجنبية في اعداد البحوث الميدانية يستلزم موافقة من الدولة، وهذه الجهة بالمناسبة هي وزارة الخارجية، ولا أعلم إن كانت تراجع جهات أمنية أخرى أم لا، وهذا النظام موجود في أنحاء العالم، بالذات في العينات البحثية الكبيرة، وبشكل عام فإن الجهة الأساسية التي علينا استصدار موافقة منها هي الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء وذلك في كل البحوث ذات العينات الكبيرة، وانا مع اتخاذ هذه الاجراءات خاصة في حالة وجود جهة أجنبية مشاركة في البحوث لأننا لا نعرف إن كانت هذه المعلومات ستخدم أغراض استخباراتية أم لا.

• هل هذه الاجراءات ترسم ملامح البحوث الاجتماعية؟
- في رسائل الماجستير والدكتوراة الجامعية لا نأخذ تصريحات أو إذن، لأننا نتعامل مع عينات بسيطة من داخل الجامعة، وباستخدام مناهج كيفية.. أن طلاب الرسائل الجامعية ليس باستطاعتهم العمل على عينات كبيرة لافتقادهم للتكاليف اللازمة، أما موافقات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء فلا تتعدى مدتها 15 يوما، كما أن هناك قانون يتم مناقشته الآن عن تداول حرية المعلومات وأتمنى أن يحقق طفرة في هذا المجال، لكن بشكل عام فالقانون لا يصنع الأجندة البحثية.

• إذا عدنا إلى بعض الموضوعات ذات الطابع السياسي مثل العنف داخل السجون وأقسام الشرطة، والعنف الطائفي.. نجدها غير مطروحة للبحث..!!؟
كل أساليب السلوك يجب ان تكون مطروحة للبحث، وهناك دراسات تمت في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن السجون، وتناولت جانب العنف داخل السجون، في هذا المجال لا أذكر بحثا تم منعه سوى بحث شهير لدراسة "السلوك الجنسي"، وهو بحث عالمي، حين حاول أحد الباحثين تطبيقه قبل ثلاثين عاما تقريبا، وأثيرت ضجة ضده، والمفارقة أن المركز القومي وافق عليه إلا أن الصحافة هي التي وقفت ضد إجرائه.

• إذن ما الاطار العام لصورة الحرية الفكرية للباحثين في الجامعة..؟
- في هذا الاطار نحن لا نتحدث عن شكل منتظم لقضية حرية الفكرية في الجامعات بقدر ما أنها تخضع للصدفة، بالامكان أن يقدم باحث جريء على موضوع ولا تقف ضده أي عوائق، وقد يكون حظه عاثرا في توقيت مختلف، فيواجه بمعارضة أكاديمية ضد فكرته، لأسباب شخصية حتى إن كانت نوايا الباحث طيبة بالفعل.

• ألهذا الحد تمثل الأهواء الشخصية قيودا على فكر الباحث الأكاديمي؟
- بالتأكيد.. وهذا حدث معي شخصيا، في مرة كتبت عن أن الخطاب الديني يصنع "كهنوت" يقف حاجزا بين العبد وربه بما يخالف قواعد الاسلام الاصيلة، وجاءت الصحافة لتستخدم عناوين ساخنة ضد ما قلته، كذلك يحدث الأمر داخل الجامعة.

• هذا الحديث يقودنا إلى فكرة أخرى عن عدم قبول المنهجيات الحديثة في البحوث الاجتماعية والحفاظ على الموروث البحثي القديم ضد التجديد!!؟
- هذه نقطة مهمة.. أحيانا ما يحارب الباحث بسبب استخدامه مصطلحات حديثة فيواجه بمعارضة من غير المتابعين للمناهج الحديثة، على سبيل المثال اقترحت على أحد الطلاب العرب موضوع عن "الخطاب الخلدوني" في دراسة أعمال عبدالرحمن بن خلدون، وكان مصطلح "الخطاب" قبل 20 عاما حديثا نسبيا، واعترض رئيس القسم على الخطة البحثية وتم تعديلها تماما، بل أنني في رسالة الدكتوراه الخاصة بي كتبت في عنوانها "التحالف والصراع بين جماعات الصفوة في الريف المصري"، واقترح أكاديميو قسم الاجتماع استخدام تعبير "تفاعل" بدلا من "صراع" للابتعاد عن شبهة الانتماء الماركسي.
بل أحيانا ما يكون استخدام مصطلحات جديدة هو مادة للتهكم والتندر من التقليديين وهو ما يمثل قيدا على الباحث، فتكون الرقابة مزدوجة من المجتمع الأكاديمي ومن المجتمع خارج الجامعة.

• ألا تتفق مع أن هذا التوجه قد انعكس على حالة الجامعة، وتوفير مصادر معرفة حديثة داخل مكتبات كلية الأداب أو مكتبة الجامعة والاكتفاء بالمصادر القديمة؟
- هناك بدائل الآن، ممثلة في استخدام قواعد البيانات التي اشتركت بها الجامعة التي توفر بحوثا حديثة للباحثين، لكن المفارقة أن هناك حالة من الكسل لدى الباحثين و لا يستفيدون من مصدر كهذا متاح بين أيديهم.

• جانب آخر أرغب في تناوله بصفتك عميد كلية الأداب السابق.. ألا تجد انه من الغريب أنه ما زالت تجرى تحريات أمنية على المعيدين قبل تعيينهم في الجامعة؟
- لم يرفض أحد حتى الآن من المعيدين بسبب هذا الاجراء، ونحن نفخر بأن اختيار المعيدين مازال يتم وفقا لمعايير أكاديمية حسب درجاتهم وليس هناك أي تأثير في التعيينات بسبب مستواهم الاجتماعي أو الطبقى على عكس جهات أخرى، حتى الحالات التي كان يتم تعطيلها بسبب هذا الاجراء تدخلت فيها شخصيا، والأمر يعود في النهاية لشخصية عميد الكلية.

• ألا تمثل مثل هذه الاجراءات محاولات مبكرة لتدجين الأكاديميين؟
- ربما.. هي مجرد محاولات ، وقد تنجح مع البعض.

• انت عضو في الحزب الوطني الحاكم، هل تمثل عضوية الحزب أي أفضلية للأكاديمي؟
- الحزب لا يتدخل في الجامعة بأي شكل، والطريف أن بعض المتقدمين لمسابقات تعيين المعيدين بالجامعة يصدرون انتماءهم في اوراق الالتحاق، وهو ما يقابل بتهكم من اللجنة التي تستقبل طلباتهم. فكل شيء يخضع لقوانين الجامعة.

• بعيدا عن الجامعة.. كان لك تجربة في عمل حلقة قراءة مع مجموعة من الطلاب والباحثين لها قواعدها الخاصة، هل هذا هروب من قاعات الدرس التي تفرض قيودها على الأكاديمي والطالب سويا؟
- تجربة "منتدى القراءة" هي أحسن مشروع قمت به في حياتي، فاسلوب التعلم في مصر يقوم على التلقين، وفي قاعة الدرس يمارس الأكاديمي سلطته على الطلاب من خلال امتلاكه للمعرفة، وقد يصل استغلال هذه السلطة إلى استغلال الطلبة في أغراض خاصة، هذا المنتدى شعاره "العارفون يمتنعون"، ففي جلسات القراءة تتحقق المساواة بين الطالب والأستاذ والجميع يتساوى امام النصوص الكلاسيكية، وهو ما لم يتحمله بالمناسبة بعض الأكاديميين حين فقدوا سلطاتهم على الحضور، مثلما يمارسوها في الجامعة.

• هل تجد حال طالب اليوم أفضل في حريته البحثية عن حالك حين كنت طالبا في الجامعة؟
- المجتمع لم يختلف كثيرا في قيوده التي يفرضها على الباحثين وكذلك الجامعات لم تختلف، لكن ميزة هذا الجيل أنه يتوافر لديه مصادر معرفة متعددة، عبر الانترنت، والمكتبات الحالية، على عكس ما كنا قديما نشترى الكتب من بواسطة القادمين من الخارج، مشكلة طالب اليوم أن كلية الأداب حين أنشئت كان الهدف منها تخريج طالب موسوعي، ملم بكافة فروع المعرفة الانسانية الأخرى، في التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وربما هذا أحد أهداف "منتدى القراءة"، فما نحتاجه اليوم هو جامعة جديدة، وانسان أكاديمي جديد، خارج قيود التقاليد البالية، والقيود الأخرى مثل الشللية وغير ذلك من معوقات الفكر داخل الجامعة.

Wednesday, February 24, 2010

رحلة البحث عن منحة

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- مصطفى أحمد
الأشهر الأولى من كل عام أشبه بموسم تعلن فيه الجهات المختلفة عن شروطها بالنسبة للراغبين فى نيل منح التفرغ والدعم لمشروعاتهم الإبداعية والبحثية، ليست فترة لاقتناص مبالغ مالية كما قد يظن البعض، بل فرصة للبحث عن الاستقلال.

تضطر علياء مصدق أن تسافر بعيدا عن القاهرة لأكثر من ألف كيلومتر جنوب أسوان وأن تتوجه شرقا إلى مدينة السويس لجمع مادة بحثية من الأغانى الشعبية التى تستخدمها فى رسالتها للدكتوراه عن فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلى جانب هذا فهى مضطرة مثل معظم الباحثين إلى شراء مراجع والقيام بزيارات إلى المكتبات والتردد على الجهات المختلفة للحصول على الوثائق اللازمة لدراستها.
كثيرون لم يكملوا مثل هذه الرحلات البحثية الشاقة متنازلين عن إتمام بحوثهم نتيجة إحساسهم بغموض المستقبل وتراكم العبء المالى للنفقات، لكن علياء ما زالت مستمرة وقد سجلت رسالتها للدكتوراه فى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية الشهيرة دون أن تتحمل نفقات الدراسة، ولم يكن أمامها فى سبيل ذلك سوى الحصول على منحة دراسية.
تقول علياء مصدق: «هناك عدم اهتمام بالعلوم الاجتماعية بشكل عام، والمفارقة أنه رغم تزايد أعداد المقبلين على الدراسات العليا فهناك حالة من الإحباط لدى الباحثين نتيجة عدم وجود مجال عمل يحتوى تخصصاتهم، رغم أنها بحوث منهكة وأن هناك وسائل كثيرة للاستفادة منها فى تنمية المجتمع إذا انتبهنا لهذا».
فى حديثها تركز على باحثى العلوم الاجتماعية مثل التاريخ والاجتماع والفلسفة وغيرها، وليس هذا نتيجة انغلاقها على تخصصها فقط، بل لأن ذلك يعكس واقعا آخر فى مجال المنح البحثية، وهو أن الكثير من الجهات المانحة فى مصر وهيئات التبادل العلمى والشركات الكبرى تركز على تخصصات فى مجالات الإدارة والتكنولوجيا والتخصصات العلمية.
يتفق مع هذا الرأى الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، وهو ما دفعه إلى إجراء تجربة داخل جامعة القاهرة فى مركز البحوث الاجتماعية لمحاولة تعويض من لم تتوافر لهم هذه المنح، يوضح الدكتور زايد: «الباحثون فى العلوم الاجتماعية مظلومون لعدة أسباب مثل عدم وجود دخل كاف وغياب المنح التى توفر لهم الاحتكاك بالخارج وما وصلت إليه أساليب البحث. نقيم هنا فى هذا المركز ورشا تدريبية ونمد الباحثين بمواد حديثة تفيدهم فى رسائلهم، لكن المفارقة أن الخدمات التى تقدمها الجامعة للباحثين لا يسعى إليها سوى قلة قليلة».
محاولات الجامعة المصرية لتطوير حال الباحث لم تقلل من حماس الباحثين عن المنح للالتحاق بجامعات أمريكية وأوروبية أكثر تطورا وانفتاحا، على جانب آخر فهناك معضلة يواجهها بعض هؤلاء الباحثين حين يجدون أن بعض الجهات المانحة لها أجندتها البحثية وتختار ما يتوافق معها، وهو ما يضيق الفرص أمام الباحث فى الحصول على مبلغ مالى يعينه على التفرغ، خاصة إذا عطل البحث حياته المهنية، تقول علياء: «قبل إعداد الدكتوراه بحثت لدى جهات مختلفة لتمويل بحثى ونفقات الجامعة فى الخارج، مثل البنك الدولى وجهات أجنبية أخرى، لكن شعرت أنى مقيدة بحساباتهم الخاصة، حتى توفرت أمامى منحة مصرية تقبل دعم الباحثين فى العلوم الاجتماعية هى منحة مؤسسة القلعة».
تكاد تكون شروط المنح الدراسية متقاربة فى كثير من الجهات، حين يبدأ الباحث بمخاطبة الجامعة التى يريد إتمام دراسته بها، وفى حالة الدراسات العليا يتفق مع الجامعة فى الخارج على تفاصيل خطة بحث الماجستير أو الدكتوراه، وبعد موافقة الجامعة يقدم كل هذا فى مسابقة سنوية يتقدم لها المئات لنيل المنح الدراسية، وبالطبع عليه أن يوضح فى المقابلة مع لجنة المنحة أهمية موضوع بحثه ومدى استفادة المجتمع منه، ولذلك تشترط الكثير من المؤسسات اشتراك الباحث فى أنشطة مجتمعية كدليل ومؤشر على اهتمامه بقضايا مجتمعه.
فى هذه الفترة من العام تعيش ياسمين الضرغامى ــ المدير التنفيذى لمؤسسة القلعة للمنح الدراسية ــ زخم استقبال طلبات الحصول على منح المؤسسة، حاولت فى حديثها التأكيد أن الهدف من المؤسسة هو خدمة المجتمع، موضحة: «بعض التخصصات لا تدخل فى نطاق عمل الشركة الداعمة للمنح بأى شكل من الأشكال، مثل تخصصات التصوير السينمائى أو الإنثروبولوجى، لكن نشترط على الباحث أن يلتزم بالتفرغ الكامل لعمل دراسته العليا فى أفضل جامعة اختارها وأن يعود إلى مصر بعد إنهاء دراسته، فالهدف هو محاولة وقف هجرة العقول من البيئة الطاردة لهم فى مصر».
فى هذه الفترة يتساوى الجميع فى حصوله على دعم المؤسسة، سواء من خريجى الجامعة الأمريكية مثل علياء مصدق أو خريجى الجامعات الإقليمية وأبناء الريف. تضيف ياسمين الضرغامى: «فى تلك الفترة تقابل نماذج ذات طابع خاص، إحدى الباحثات على سبيل المثال من الحاصلات على المنحة كفيفة البصر، وقدمت ما يؤهلها للحصول على المنحة، خاصة أنها ستدرس موضوعا يهتم بقضيتها الشخصية».
ربما لا تسبب المنح المصرية ضغوطا على الحاصلين عليها مقارنة ببعض الجهات المانحة الأجنبية الأخرى، خاصة أن بعض هذه الجهات يتخذ منها مثقفون وأكاديميون موقفا لأسباب عديدة متعلقة بأجنداتها البحثية، ولم يعد سرا أن المنح الدراسية تحولت إلى وسيط سياسى بين الدول لدعم التشبيك بينها.
ففى خطاب الرئيس الأمريكى باراك أوباما تحت قبة جامعة القاهرة الصيف الماضى قال: «سوف نتوسع فى برامج التبادل ونرفع من عدد المنح الدراسية، مثل تلك التى أتت بوالدى إلى أمريكا»، هكذا داعب الرئيس الأمريكى حلم الهجرة عن طريق المنح الدراسية، ورغم هذا فإن مؤسسات عريقة فى مجال المنح الدراسية مثل فورد أو فولبرايت أصبحت تعانى من مشاكل أخرى بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، أوضحها رئيس مؤسسة فورد بكلمات مؤثرة عن مقاومة آثار الأزمة وسعى المؤسسة لمواجهة حالة الانكماش الحالية. وسط تلك الأجواء تمثل المنحة فرصة للتفرغ دون قلق العبء المالى، وكأنها تمثل عنصر البقاء لبعض الباحثين.

عدسة حرة مستقلة
بعيدا عن تفاصيل العمل البحثي الأكاديمي ففي مجال آخر حيث يقف المخرج خلف الكاميرات لإخراج أفلام ذات طابع مختلف، قد يظن البعض أن مشكلة المخرج منتهية مع وجود جهة الإنتاج، لكن التفاصيل تكشف أوجه أخرى لمبدعون يبحثون عن فرصة للاستقلال وتحقيق أحلام خاصة.. أحد هؤلاء الشباب هو المخرج ياسر نعيم، يكاد الحديث لا ينقطع من حوله عن منح دعم مشروعات الأفلام وذلك حول الطاولات المجاورة له في مقهى سوق الحميدية حيث يجتمع عدد من المخرجين والممثلين الشباب بشكل عفوي هناك، لم يخف ياسر أنه ينتظر حاليا نتائج منحة تقدم لها لإخراج مشروعه، فقبل أسابيع تقدم بمشروع الفيلم بما يتضمنه هذا من ميزانية وتفاصيل خطة العمل، إلى جانب استمارة مكونة من 13 صفحة.. تهتم لجنة المنح بهذه التفاصيل، لكنها من المؤكد انها لا تعلم ما وراء قصص المتقدمين من أبعاد إنسانية واجهوها في سبيل تحقيق مشروعاتهم.
"أعمل في مجال إخراج الأفلام المستقلة و الوثائقية التي تعرض في المحطات الإخبارية، لكن طوال السنوات الماضية أسعى لصنع تجربتي الخاصة من خلال فكرة أعمل على تنفيذها منذ سنوات، لكن في النهاية هذا النوع من الأفلام غير التقليدي ما زال لم يعتد عليه الجمهور بشكل كاف، لذا فجهات الإنتاج تنحصر في جهات معينة، مثل المنتجين المنفذين الذين يعملون حسب اتفاق مع محطة فضائية ذات خط إخباري يعتمد على الأفلام الوثائقية، إلى جانب وجود بعض الجهات الإنتاجية الخاصة التي تمولها هيئات عالمية".
في كلا الحالتين الذين ذكرهما ياسر فالحرية ليست مطلقة، إما الخضوع لأجندة محطة فضائية ستشترى الفيلم، أو قواعد المنتجين وشروطهم، لكن ياسر يبحث عن الحرية الكاملة في إنتاج عمله حسبما يريد.
الجهات الحكومية ليست متاحة بسهولة ويسر، تكفي جلسة وسط عدد من مخرجي الأفلام المستقلة لتوضح أن الأمر ليس بهذه البساطة.
ينتمي هذا الجيل الذي يعيش المرحلة الثلاثينية من عمره بين جيل سبقه صنع شكلا للأفلام التسجيلية التقليدية التابعة للتلفزيون المصري، وجيل أصغر أصبحت التكنولوجيا لعبة في يده يصنع بها أفلاما بواسطة كاميرا المحمول بل والدخول في مسابقات والمنافسة فيها، لكن ما زال هذا الجيل يراهن على أن يحقق الجماهيرية التي تحققها الأفلام التجارية التي تستند إلى شركات الإنتاج العملاقة، مازال يراهن على أن الأدوات البسيطة، ومساندة هؤلاء الشباب لبعضهم ستصنع فارقا يراهن عليه ياسر وزملاؤه.. إذن لماذا المنحة؟ يوضح ياسر : "الحاجة إلى التفرغ الكامل والإنفاق بشكل متصل على المشروع دون توقف، والتعايش مع مصادر الفيلم، على سبيل المثال بدأت مشروعي الذي تقدمت به إلى الجهة المانحة منذ 2006، في قالب يخلط الدراما بالتسجيل، لكنه توقف لأسباب عديدة أغلبها انشغالي أنا وزميلي المشارك في إعداد الفيلم -رحمه الله- عن استكمال مشروعنا بسبب واقع تفاصيل عملنا في أماكن أخرى لإتاحة المال الذي ننفق به على مشروعنا".
التوقف عن استكمال العمل، قد يفقدك التواصل مع من يظهروا على الشاشة، بعضهم قد يسافر أو يرحل وتفقد أحد مصادر عملك، أما الجانب الأصعب أيضا في مسألة الحصول على منحة فهو الجهة المانحة، لا بد من أن يكون الاختيار من جهة ذات سمعة طيبة، حتى لا يخسر المشروع بسبب تشنيع الآخرين عليه.
يضيف ياسر: "في حياة كل منا عمل يجلب منه المال، وليس معنى هذا أنه لا يؤديه بإخلاص، لكن هناك عمل آخر يكون بمثابة مشروع، يمثل توجهات الشخص واختياراته وقناعاته، ويعبر عنه بشكل مباشر، هذا العمل يحتاج تفرغ وتمويل متصل، واستقلال كامل، وهدوء بال.. هذا ما أبحث عنه".

تفرغ الشعراء موضوع حساس جدا!
تفرغ المبدع قد يختلف قليلا عن تفرغ الباحث أو تفرغ المخرج المتمكن من أدواته رغم أن فى كل من هذين المجالين ابتكارا، إلا أن بعض المجالات الإبداعية مثل الشعر يكاد يكون قائما على التفرغ الذهنى.. هناك تفاصيل أخرى يرويها من حصلوا على منحة التفرغ فى هذا المجال، خاصة فى ظل ما يعتقده البعض بأن الشعر عليه أن يكون حرا من أى دعم وأن الشعراء أبدعوا فى السجون والرحلات الشاقة دون دعم من أحد.
فى العام 2008 تقدم الشاعر الشاب محمد طلبة للمرة الأولى مع زملائه إلى وزارة الثقافة المصرية للحصول على منحة التفرغ، ونجحوا فى الحصول على منح ذلك العام، يوضح من خلال تجربته: «ما لا يقدره البعض هو أن إنتاج الشعر يحتاج تفرغا ذهنيا بعيدا عن أعباء الحياة اليومية فى العمل وساعات الإجهاد فى المواصلات العامة، هناك أيضا جانب آخر قد لا يدركه البعض وهو أن إنتاج الشعر لا يأتى من فراغ، بل بعد قراءات تستحث الذهن على الإبداع وقراءات أخرى لتطوير المهارات اللغوية والنقدية، كل هذا يحتاج إلى تفرغ وعيش كريم».
على خلاف المنح الأخرى لم يكن محمد طلبة على دراية بتفاصيل كثيرة، سوى عرض فكرة ديوانه فى موعد الإعلان.. وفى مبنى تابع لوزارة الثقافة بحى الدقى القاهرى تقع الإدارة العامة لمنح التفرغ ورعاية الفنانين والأدباء، تشرح إيمان نجم مديرة هذه الإدارة القواعد المعمول بها فى قبول منح التفرغ: «فى هذه الفترة من كل عام تعلن مسابقة التفرغ فى عدة فروع إبداعية يتقدم لها المئات سنويا، لكن اللجنة المكونة من أساتذة أكاديميين برئاسة مقرر اللجنة الدكتور على أبوشادى تختار عددا معينا من أصحاب أفضل مشروعات حسب الميزانية المقررة فى كل عام، وعلى الحاصل على المشروع أن يسلم عمله بعد عام، وبالطبع يتم مراجعته من لجنة متابعة كل 3 أشهر».
الحاصلون على المنحة يقدمون موافقة من جهة العمل، والتفرغ يكون فى مقابل شهرى يبدأ من 850 جنيها، وحسب إيمان نجم فإن الشباب هم الفئات الأكثر إقبالا على هذه المنحة.. ورغم تعدد فروعها إلا أنها تكاد تكون الوحيدة فى مجال الشعر داخل مصر.
الشاعر والناقد محمد الفارس الذى أصدر أول دواوينه فى الستينيات كتب فى مجالات أخرى غير الشعر ومنها الرواية التى حصل بها على منحة تفرغ قبل عدة أعوام، لكنه مر بالمشكلة التى يمر بها بعض من لم يتكرر حصولهم على منح التفرغ مرة أخرى، وهى متعلقة بطبع عمل التفرغ، ويوضح: «بعد أن سلمت روايتى بعد سنة التفرغ قبل عدة أعوام، لم يتم طبعها، وكنت أرغب فى معرفة معايير الرفض، حتى أننى عرضت أن أعيد مبلغ التفرغ إن كانوا يرون أن عملى غير جيد أو إذا ما كان تفرغى غير مجد!».
محمد طلبة ــ الشاعر الشاب ــ هو الآخر شعر بالإحباط حين لم يقبل فى المنحة العام التالى لفوزه بها، وكتب شكوى لنفس الغرض، تعلق إيمان نجم مدير إدارة المنح: «التعامل مع المبدع أمر حساس جدا، لأنه ليس من السهل أن يقبل رفض اللجنة، ونحن نترك الأمور الفنية للجنة المنح المكونة من المتخصصين، وتعود إلى تقديرهم وهم لديهم الكفاءة فى ذلك، كذلك المنحة لا تلزم الوزارة بطبع جميع الأعمال، بل يتم نشر بعضها فى سلسلة إبداعات التفرغ مما تحدده اللجنة».
على قدر السعادة التى يمر بها الحاصل على المنحة وإحساسه بشىء من التكريم والرعاية والدعم إلا أن عدم تكرارها يدفع إلى محاولة التعرف على الأسباب وقليل من القلق، يقول محمد الفارس: «لنكن منصفين ونقول إن الشباب هم الأولى بهذه المنح على أمل أن يتخرج منهم أسماء جديدة، لكن أحيانا ما يحتاج من أفنى عمره فى العمل الشاق إلى جانب الإبداع أن يحصل على فترة تفرغ ومساندة، خاصة إذا ما كان هناك من يحصل على المنحة بشكل متكرر».
قد يظن البعض أن الإبداع لا يحتاج إلى دعم مالى أو تفرغ، على عكس تكاليف البحوث وإدارة مشروع سينمائى، لكن محمد طلبة يدافع عن هذا الحق قائلا: «تجارب الشعراء حملت معها ما يكفل لهم حياة كريمة، بدءا من رعاية الملوك للشعراء قديما، انتهاء برعاية المؤسسات، حتى الشعراء الحديثين مثل صلاح جاهين وغيرهم كانت لهم موارد دخل تكفيهم وتكفل لهم حق الإبداع، فدعم الإبداع ليس بدعة».

PDF

Thursday, February 18, 2010

تاريخ من التملك والايجار

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- مجدي ابراهيم

فى المسافة بين تملك السكن وتأجيره كانت الأولوية لدى المصريين لفكرة التملك، حتى جاء العصر الحديث بتعقيداته ليفرض عليهم واقعا مختلفا، فمنذ آلاف السنين احتفظ الفلاح القديم بحقه فى منزل مستقل أشبه بالحصن الأخير الذى يحقق له إحساسا بالتملك حتى إن كان أجيرا فى أراضى الآخرين.
بيت الأحلام كما يصفه ت.ج.جيميز فى كتابه «الحياة أيام الفراعنة» هو أقرب إلى الفيللا، تحيط به الشوارع، وله حديقة وبركة، وطيور وأشجار، وهو ما يقع فى سلطة كبار العسكريين والكتبة، على عكس مساكن المتواضعين الذين قد يسكنون فى مساكن تصل المسافة بين بعضها إلى متر ونصف المتر فقط دون شوارع ممهدة، وعلى عكس ملكية الأراضى الزراعية التى قد تنزع أو تفتت بالوراثة ظل حق السكن مكفولا للجميع منذ تلك الفترات القديمة، سواء للمرأة أو الرجل.
يؤكد الدكتور محمد محيى الدين ــ أستاذ علم الاجتماع السكانى فى كلية الآداب بجامعة المنوفية ــ أن فكرة تملك السكن ظلت هى الأصل لدى المصريين حين كان النمط الريفى فى السكن هو السائد طوال العصور، ويضيف: «مازال هذا الواقع مستمرا فى الريف المصرى، لكن مع ازدياد معدلات التحضر وتضخم المدن الكبرى فى مصر بدأت فكرة الاستئجار تكون مطروحة بقوة».
فى العصور الإسلامية وما أعقبها فى الفترة المماليكية ــ العثمانية لم تطرأ تغييرات فارقة على علاقة المصريين بالسكن سوى فى ملاحظة يسجلها الدكتور عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر فى كلية الآداب بجامعة حلوان، إذ يوضح: «الظاهرة الأهم فى هذا المجال كانت فى المدن، وكانت الملكية مستقلة بطبيعة الحال، لكن ساد حس جماعى بين أصحاب الطوائف الدينية والمهنية، ليسكنوا الحوارى ذات الباب الواحد، لتصبح الورشة جزء عضويا من السكن وملكيته، ولم تكن فكرة الإيجار مطروحة بجدية سوى فى بدايات القرن الماضى».
بعد تطور شكل الدولة الحديثة فى عهد خلفاء محمد على ودخول قوانين تنظيمية وظهور الجاليات الأجنبية فى الحياة العملية، كان لابد من تطور فى علاقة المصرى بسكنه، خاصة بعد ظهور شركات الاستثمار العقارى التى أنشأت أحياء بأكملها، لكن المفارقة التى سجلها الدكتور عاصم الدسوقى فى كتابه «كبار ملاك الأراضى الزراعية ودورهم فى المجتمع المصرى» (دار الشروق/2007)، أن الزراعة ظلت هى المصدر الرئيسى للإنتاج لفئة كبار الملاك، ويعلق على هذا قائلا: «ظل كبار الملاك مرتبطين بالريف ونمط السكن والإنتاج هناك، وبعضهم أجر الفيللات فى العاصمة، لكن حقيقة الأمر أن الطبقة الوسطى فى المدن أثناء النصف الأول من القرن العشرين وقبل الثورة تحديدا كانت قد بدأت فى الانتقال بقوة لشكل الإيجار السكنى».
مجتمع المدينة فى تلك الفترة كان ينشط فى اتجاهات جديدة من النشاط الاقتصادى، وكان الأفندية ومن هم أدنى فى السلم الاجتماعى أكثر قبولا لفكرة التأجير، وهو ما اعتبره الدكتور محمد محيى الدين فرصة لتحقيق «الحراك المكانى»، لكن هذا الأمر كان له وجه آخر: «قبل ثورة 1952 كان من حق المالك أن يخلى الشقة من المستأجر، وهو ما تغير بعد الثورة بتحديد قيمة الإيجار وتخفيضها، وأصبح المستأجر أكثر ارتباطا بشقته وأوجد ذلك حالة من الغضب المكتوم بين المالك والمستأجر، حتى بدأنا مؤخرا فى الحديث عن قانون الإيجار الجديد لرفع قيمة الإيجار».
يتفق كل من الدكتور عاصم الدسوقى والدكتور محمد محيى الدين على أن عصر السادات كان نقطة مفصلية مع سياسة الانفتاح التى اتبعها، فأدى ذلك إلى انتقال رأس المال الزراعى ــ حسب تعبير د.عاصم الدسوقى ــ إلى مجال البناء فى العقارات، فزادت فرص التملك من جديد، خاصة مع عودة أموال العائدين من الخليج فى الثمانينيات.
فى حين يرصد د. محمد محيى الدين ما أدى إليه هذا التوجه الجديد فى ظل الأزمة السكنية فى السبعينيات وازدياد معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، شارحا أنه قد بدأ «ترييف المدينة» وهو ما أثر على شكل تملك السكن بوجود شكل «البيت العائلى» داخل العاصمة، واتجاه القادمين من الريف إلى تأجير شقق فى أماكن قريبة من بيئتهم الأصلية فى أحياء ذات أصل ريفى، على عكس «الحراك المكانى» القديم الذى كان يقوم به أبناء المدينة فى انتقالاتهم.
هذه الفوارق الواضحة التى كانت بين الأحياء الشعبية والراقية، وبين الريف والحضر، أذابتها الهجرة الداخلية وطورها ارتفاع مستوى التعليم فى فئات ورثت طبقة الأفندية القديمة، وأصبحت هناك حالات تصلح للدراسة يشير إليها الدكتور محمد محيى الدين مثل حيى بولاق والجمالية فى القاهرة اللذين تحولا من نمط السكن القديم حين كانا مستقرين لحوارى قامت على أساس الطائفة، ثم نشوء الطبقة الوسطى الأكثر تعلما، وأخيرا استقطاب الهجرات الريفية، ولكل فئة فلسفتها فى التملك والإيجار.

Saturday, February 6, 2010

تراجع نسبة المصريات اللاتي تعرضن للختان إلى ٩١٪

عبدالرحمن مصطفى
تصوير: هبة خليفة

«الشيخ قال إن ختان البنت سنة!.. طب مين اللى قال إنه ختان البنت مؤذى؟» هذه الأسئلة يتلقاها العاملون بالمجلس القومى للطفولة والأمومة على الخط الساخن 16000 الخاص بنجدة الطفل.
تذكر سارة فتحى ــ إحدى منسقات المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث بالمجلس ــ أنها كانت تتلقى أسئلة كثيرة من هذه النوعية إلى جانب الأسئلة الطبية الأخرى، وتقول: «من خلال الخبرات السابقة فى المجال والتعامل المباشر مع الجمهور فى الخط الساخن أصبح واضحا لدينا أن إحدى أهم المعوقات التى تواجهنا بخصوص مشكلة الختان هى اعتقاد البعض أنها عادة دينية».
ورغم إعلان مفتى الجمهورية على جمعة قبل سنوات عن فتوى تفيد بأن ختان الإناث حرام شرعا، فإن هناك حالة من البلبلة تثيرها فتاوى أخرى وآراء دينية تزكى وتبيح ختان الإناث.
يعمل المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث اليوم، الذى يتزامن مع الاحتفال العالمى بمناهضة ختان الإناث، فى مرحلته الثانية التى ستستمر حتى العام 2011 والتى تستند إلى آليات أخرى منها خط ساخن للمشورة الأسرية ووضع قضايا الختان ضمن عمل أوسع على ظاهرة العنف الأسرى.
وأظهر المسح السكانى الصحى لمصر الصادر عن وزارة الصحة العام الماضى أن نسبة السيدات فى الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاما اللاتى تعرضن للختان هى 91 %، بينما كانت النسبة فى مسح عام 1995 قد وصلت إلى 97 % من السيدات فى نفس الفئة العمرية.
وتقول آمال عبدالهادى ــ عضو مجلس أمناء بمؤسسة المرأة الجديدة ــ إن بعض التجارب مثل تجربة قرية دير البرشا التى أعلنت تخليها عن تلك العادة فى أوائل التسعينيات نموذجا مهما يعطى بعض الدلائل والمؤشرات. وتضيف قائلة إنه: «من خلال تواجدى فى القرية فى ذلك الوقت لإجراء دراسة ميدانية وجدت أن هناك تأثيرا كبيرا من كبار القرية ورجال الدين على الناس، ما نحتاجه اليوم هو أن تظهر شخصيات قيادية ونجوم المجتمع ليعلنوا تخليهم عن تلك العادة، والتخلى عن الرفض الصامت للختان».
توضح آمال عبدالهادى أن هناك عدة موجات ظهرت تدافع عن حق الفتاة فى حماية جسدها منذ عشرينات القرن الماضى، لكن كانت الانتكاسة فى قانون عام 59 الذى منع ممارسة الختان داخل المستشفيات وزارة الصحة، مما جعلها متاحة فى العيادات الخاصة، بل ونقلها من فئات بسيطة مثل حلاق الصحة والداية إلى الطبيب الجراح مما جعل لها قبولا لدى بعض الفئات.
وحسب المسح الصحى الديمجرافى الصادر عن وزارة الصحة فى عام 1995 فإن نسبة 17 % من حالات الختان فى مصر جرت بواسطة الأطباء وارتفعت النسبة إلى 67 % عام 2005.
إلا أن ما يعتبره النشطاء نوعا من التقدم هو تجريم قانون الطفل لختان الإناث، وتقول سارة فتحى من المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث: «المرحلة الثانية من المشروع هى التعريف بعواقب هذه الممارسة فى ضوء التجريم القانونى، إلا أن المشكلة التى واجهتنا أثناء تلقى بلاغات من الخط الساخن هو عدم توافر فكرة الضبط الجنائى، مما يجعل بعض هؤلاء الأطباء أو غيرهم يفلتون من العقوبة».

Sunday, January 31, 2010

معرض الكتاب يغازل هوس الشراء

عبد الرحمن مصطفى
تصوير: أحمد عبد اللطيف
حب اقتناء الكتب أصبح يمثل للبعض مشكلة حقيقية خصوصا فى موسم معرض الكتاب، الدكتورة عبلة عبد السميع مدرس اللغة التشيكية بكلية الألسن فى جامعة عين شمس واحدة من هؤلاء، فعلى الرغم من حرصها على اقتناء أحدث الإصدارات على مدار العام لكنها تعجز عن الامتناع عن الشراء فى فترة المعرض، وهو ما يسبب لها مشكلة سنوية: «اكتشفت أن هناك تراكما لدى من الكتب التى لم أطلع عليها من حصيلة شراء السنوات الماضية، وهو أمر محزن جدا، خصوصا وسط الانشغال بالقراءات الأكاديمية والحياة العملية».
مشكلة الدكتورة عبلة عبد السميع تجاوزت حد العجز عن الاطلاع على جميع ما لديها إلى أزمة فى تنسيق الكتب نفسها، تقول: «كل منا يصنع مكتبته الخاصة فى حدود المتاح لديه فى منزله، فهناك من معارفى من خصص شقة كاملة لكتبه وتحولت شقته إلى مكتبة حقيقية، وعلى الرغم من غرابة الفكرة لكنها حقيقية.. أما أنا فاضطررت إلى تخزين بعض كتبي من مشتريات الأعوام السابقة فى كراتين، وهو ما لا يرضى من يقدر قيمة الكتاب".
موسم شراء الكتب وما يصاحبه من إنفاق قد يسبب قلقا لمحبى اقتناء الكتب، فقد أصبح مشهدا مألوفا حين يحمل زوار معرض القاهرة الدولى للكتاب حقائبهم البلاستيكية المتخمة بالكتب أثناء حركتهم فى الزحام. والبحث بين أكثر من 16 سرايا عرض للكتب تنتشر على مساحة 70.000 متر مربع يتحول إلى رحلة شراء طويلة الأمد، خصوصا مع وجود كميات متوافرة من سلاسل حكومية منخفضة التكلفة مثل مكتبة الأسرة وغيرها.
المفارقة التى تعيشها الدكتور عبلة أثناء تلك الفترة هى أنه منذ دخولها من بوابات المعرض فهى تعلم جيدا أنها لن تجد كتبا كثيرة فى مجال تخصصها فى اللغة التشيكية، فمثل هذه الكتب تطلبها من المسافرين إلى التشيك أو تطلع على ما هو متاح منها على الإنترنت وهو ما يعكر مزاجها المحب لاقتناء الكتب.
حب الكتب ( خاصة النادر منها) والاطلاع عليها اصطلح على تسميته بـ«بيبليوفيلى
bibliophilie»ـ
وهو مختلف عن هوس شراء الكتب واقتنائها «بيبليومانيا
bibliomania»
الذى يعتبر أزمة تدفع صاحبها إلى شراء الكتب قسرا حتى إن لم يكن في حاجة لقراءتها، بل قد يصل به الحال إلى شراء نسخ وطبعات مختلفة من نفس الكتاب.
لا تخفى الدكتور عبلة عبد السميع قلقها هى وأصدقائها من فكرة سيطرة هوس الشراء عليهم، لذا توصلوا إلى فكرة مبتكرة اتفقوا عليها فيما يشبه التقليد السنوى المصاحب لمعرض الكتاب، وهي إعداد قوائم بأهم الكتب التى يرغب كل منهم شراءها أثناء المعرض وهو ما يجعلهم يتشاورون حول تلك الترشيحات، أما بعد رحلة التسوق من المعرض فيعودون لنشر قائمة أخرى تفيدهم في إعلام الآخرين بأسباب شراء كتبهم وملاحظاتهم على دور النشر.
وتتيح الآن بعض المواقع على الإنترنت إعداد مثل هذه القوائم فى إطار يشبه الشبكات الاجتماعية منها شبكة goodreads.com
التى تتيح لكل مشترك تصنيف كتبه على الموقع حسبما يرى، بما فى ذلك ما يرغب فى شراؤه وما قرأه بالفعل، ويمتاز الموقع بتقييم الكتب من الأعضاء والاطلاع على قوائم الأصدقاء فى الموقع.

Wednesday, January 27, 2010

المعرفة ليست دائما في المكتبات

عبد الرحمن مصطفى
تصوير: هبة خليفة
لم تأت هبة محمد إلى مكتبة معهد البحوث الأفريقية فى زيارة موسمية بسبب الامتحانات، بل جاءت تبحث عن مراجع قد لا تتوافر فى المكتبات العامة أو فى مكتبة كلية الآداب بجامعة القاهرة. تقول: «حفظت ألاعيب الطلبة جيدا حين يخفون الكتب فى غير أماكنها على الأرفف، أو حين يحجزون الكتاب الواحد لتصوير أجزاء متفرقة منه بينهم حتى تكون لديهم نسخة كاملة».
لا تخفى هبة أنها كانت تخضع لنفس قواعد اللعبة حين كانت طالبة فى كلية الآداب بقسم التاريخ وكذلك أثناء الدراسات التمهيدية بنفس القسم، لكن مجيئها إلى مكتبة معهد البحوث الأفريقية كان محاولة للبحث عن مراجع مختلفة من أجل التحضير لخطة رسالة الماجستير. هى ليس لها حق الاطلاع إلا فى يوم واحد حسب اللوائح الداخلية للمكتبة لمن هم ليسوا طلبة بالمعهد. اعتادت أثناء وجودها داخل المكتبات على صخب الطلاب فى زياراتهم الموسمية واعتادت على عبارات من أمناء المكتبة من نوعية «مفيش تصوير دلوقت»، «الصوت يا شباب.. مينفعش كده»، كل هذه الضغوط من المتوقع أن تزيد فى حالة ما سجلت رسالة الماجستير حيث ستكون مطالبة بالبحث عن مراجع أكثر اختلافا والتعامل مع مراجع أجنبية أكثر ندرة، إلى جانب عملها الأصلى خارج الجامعة، حسب قولها: «سيكون الانترنت هو الحل فى تلك المرحلة».
بعض زملائها لم يجدوا سبيلا إلى الاطلاع على أرشيفات دار الوثائق أو التعامل المباشر معها لأنهم أيضا لا يستطيعون الحصول على التصاريح اللازمة للاطلاع على الأرشيفات وهو ما يتاح لباحثى الماجستير وما بعدها، لذا حاولوا الاستعانة بموقع الدار على الانترنت لكن التعامل المباشر يختلف تماما.
هناك طرق أخرى يسلكها البعض عن طريق المراكز الثقافية فى مصر، أحد الباحثين أفصح عن خطته لاستغلال مكتبة المركز الثقافى الألمانى فى طلب المراجع التى سيحتاجها من ألمانيا! لكن فى الفترة الأخيرة أثيرت ضجة حول مدى فاعلية هذه المراكز الثقافية ومكتباتها فى خدمة الباحثين بعد أن أغلق بعضها مكتبته مثلما حدث مع مكتبة المجلس الثقافى البريطانى الصيف الماضى، وثار جدل بعد إعلان الإدارة أن من أسباب إغلاقها أن المصريين غير مهتمين بالكتب والقراءة وأن المكتبة لا تفيد إلا شريحة ضيقة. مثل هذه التصريحات أخفت جوانب أخرى حول عرقلة استخدام المكتبة منها الاشتراك السنوى الذى كان يضعه المجلس لارتياد المكتبة وهو ما لم يشجع كثيرا من الطلبة على ارتيادها، هذا الرأى تدعمه هاجر هشام المعيدة بقسم اللغة الانجليزية فى كلية الألسن ــ جامعة عين شمس، تقول: «مكتبة المجلس كانت مفيدة فى الكتب الكلاسيكية التقليدية لكنها لم تكن أساسية، كنت أستخدم طوال سنوات الدراسة مكتبة الجامعة والكلية لأنها الأكثر تخصصا، أعتقد أنه لم يخسر الطلبة كثيرا بإغلاق هذه المكتبة».

دراما الماجستير
هذه اللهجة الواثقة التى تتحدث بها هاجر تخفى وراءها مشكلة أعمق بسبب اختيارها التخصص فى مجال الأدب وتحديدا فى موضوع عن المسرح الأمريكى المعاصر فوقعت فى مأزق العجز عن الحصول أو حتى الاطلاع على أعمال هؤلاء المسرحيين لعدم وجودها فى مصر، فهى لا تبحث عن مراجع أو أبحاث أكاديمية تقليدية يمكن توافرها على الانترنت، وحيث إن جامعة عين شمس التى تتبعها كلية الألسن تشترط على طلابها إنجاز مهمة تسجيل الماجستير فى خلال ثلاث سنوات منذ بدء الدراسات العليا فلم يعد أمام هاجر سوى سنة واحدة لتحضير موضوع رسالة الماجستير بعد سنتين إجباريتين قضتهما فى الدراسة قبلها، وهى توضح: «أنا فى مأزق حقيقى.. لم يعد أمامى إلا أشهر قليلة حتى أكون قد قرأت ما يكفى لكتابة خطة بحث درجة الماجستير».
فى مثل هذه الحالة هناك طرق أخرى لإنقاذ الموقف، تشرحها هاجر: «ذهبت إلى مكتبة ديوان لطلب بعض هذه الأعمال المسرحية عن طريق طلب شراء تقليدى من خارج مصر، وبعد ثلاثة أشهر لم تصلنى الكتب، وحاولت عبر الجامعة الأمريكية وتعثر الأمر، والآن لا يسعفنى الوقت».
بعض زملاء هاجر يلجأ إلى طريقة ذكية للاطلاع على أحدث الإصدارات.. تتلخص الخطة فى اصطياد منحة قصيرة المدة إلى الخارج تتيح لهم السفر والاطلاع على أحدث ما أصدره العالم، لكنها بحكم عملها كمعيدة فعليها أولا تسجيل موضوع بحث الماجستير قبل قبول أى منحة.. بعض أصدقائها اليوم يقترحون عليها البحث فى موضوع جديد (أسهل) له مراجع متاحة فى المكتبات، فترد على ذلك: «اعتدت منذ السنة الثانية بالكلية على أن أتجه إلى سور الأزبكية بحثا عن الكتب النادرة أو القيمة لأكون مكتبتى الخاصة فى فترة مبكرة، فالمكتبات لا تفيد دائما، مثلما لم تسعفنى اليوم».
التعامل مع سور الأزبكية قد يكون حلا لكثير من الباحثين خاصة مع ما يصل إلى التجار من مقتنيات خاصة بعضها نادر، لكن المفارقة أن المكتبات التقليدية أيضا تصل مقتنياتها إلى سور الأزبكية، فوجود أختام مكتبات مثل دار الكتب أو جامعة القاهرة على الكتب المبيعة فى سور الأزبكية بفرعيه فى السيدة زينب والأزبكية شاهد على تنوع المقتنيات هناك، فلدى المكتبات إجراء روتينى فى التخلص من التالف لديها، تتحدث إحدى العاملات فى فرع من فروع مكتبات دار الكتب المصرية بلهجة فخر عن أنها منعت تسجيل بعض الكتب تحت تصنيف تالف وأعادت إصلاحها ووضعها على الأرفف، وأكد لها بعض مرتادى المكتبة من الطلبة أن بعض الكتب الموجودة فى هذا الفرع فى مجالى التاريخ الحديث والسياسة ليست موجودة فى مكتبات كبرى مثل مكتبة مبارك، بل إن بعضهم اكتشف ترجمة عربية قديمة لكتاب كان يعمل على ترجمة أجزاء منه يستعين بها فى بحثه. بكل بساطة تقول: «اقترحت أن تبقى هذه الكتب وألا نتخلص منها لأن حالتها لم تكن سيئة لدرجة التخلص منها». وتشير إلى أن بعض هذه الكتب كانت من منتجات حركة الترجمة والنشر القوية التى كانت موجودة فى عقد الستينيات فى مصر.
هذا النموذج من أمناء المكتبات ليس هو السائد دائما، الدكتورة حسناء محجوب رئيس قسم المكتبات والمعلومات بجامعة المنوفية ترى أن الأمر دائما معلق برقبة إخصائى المعلومات فى مراكز المعلومات أو المكتبات، وتقول: «استطيع أن أقول إن 80% من نجاح أى مكتبة أو مركز معلومات يعتمد على العنصر البشرى لأن كثيرا من المكتبات الحديثة مبانيها فخمة لكن العناصر البشرية ليست على نفس المستوى، والمسألة ليست مسألة إمكانات شراء كتب فهناك نموذج دار الكتب التى يتحتم على الإصدارات الجديدة التى تملك رقم إيداع أن ترسل نسخا إليها دون أن تتحمل ميزانية المكتبة أى شىء، وهنا تبقى أهمية العنصر البشرى».

مجتمع الباحثين
فى أثناء رحلة البحث عن المعلومة يتكون مجتمع صغير من أصحاب الهم الواحد، وكلما ضاق التخصص والاهتمام صغر هذا المجتمع، هذه الحالة ربما تستقطبها بعض المراكز البحثية ومكتباتها، ويعد مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (سيداج) أحد هذه التجمعات حسبما تصف إيمان فرج الباحثة فى المركز التى بدأ تعرفها على المكان منذ أن كانت طالبة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى نهاية السبعينيات حتى انتقلت كباحثة داخل المركز، وقبل عدة أسابيع على طريقة ما حدث فى مكتبة المجلس الثقافة البريطانى صدر قرار داخلى بإغلاق المكتبة وقسم التوثيق، تعلق إيمان فرج: «أهمية هذه المكتبة أنها كونت مجتمعا خاصا من الباحثين الأجانب والمصريين وهو ما كون لديهم ارتباطا بالمكان، خاصة مع ما كان يوفره من اطلاع على الدوريات الحديثة الفرنسية التى انفرد بها فى مصر».
توافر الدوريات الحديثة لم يجذب فقط الباحثين أو الصحفيين إلى المكتبة بل كانت خدمة الأرشيف الصحفى المصنف حسب أهم الموضوعات والقضايا من أهم الخدمات هناك، وهو ما ساعد الكثيرين فى هذا المجال. وهى خدمة مجانية ستتوقف مع إغلاق المكتبة.
تبدو الدكتورة حسناء محجوب ــ أستاذة المكتبات والمعلومات ــ أكثر تفاؤلا فى تلقيها قرار إغلاق هذه النوعية من المكتبات المرتبطة بمراكز أجنبية، وهى تقول: «حاليا الانترنت أسعف الكثيرين وخطفهم من هذه المراكز، فالكتب أصبح يتم تحميلها على الانترنت، بل حتى خدمة الأرشيف الصحافى أصبحت توفرها بعض المشروعات مدفوعة الأجر».
تتحدث الدكتورة حسناء محجوب بحماس عن وجود خدمات فى الجامعات نفسها على الطلبة الاستفادة منها مثل بوابة اتحاد مكتبات الجامعات المصرية التى تقدم مقتنيات مكتبات الجامعات المصرية من رسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث، إلى جانب الدوريات والأبحاث فى الجامعات الغربية أيضا.
لكن فى حالة هاجر المعيدة بكلية الألسن فالمشكلة أن هدفها الحصول على أعمال مسرحية كاملة قد لا تتوافر داخل قواعد البيانات البحثية.
خلود صابر ــ المعيدة بقسم علم النفس بجامعة القاهرة ــ بدت متصالحة مع هذا السقف المنخفض الذى تفرضه قواعد المناخ التعليمى حسب تعبيرها، وتقول: «لى أصدقاء فى الجامعة الأمريكية يساعدوننى على الوصول إلى أحدث المراجع التى تتوافر ولا تصل إلينا». مشكلة مكتبة الجامعة الأمريكية التى يؤمها عدد من الباحثين سعيا وراء الإصدارات الأحدث فى الولايات المتحدة وغيرها من الجامعات الغربية أنه على الطالب أو الباحث ألا يطمح فى ارتيادها إلا فى يوم واحد فى الأسبوع لمن يعد رسالة الماجستير أو الدكتوراه، ولم يعد مقرها متاحا فى منطقة وسط البلد بالقاهرة كما كانت قديما بل انتقلت إلى التجمع الخامس، وكلها أسباب تحد من معرفة أحدث الإصدارات الغربية.
تضيف خلود: «المشكلة ليست فى الإمكانات فقط، بل أحيانا فى النظام الإدارى أو فى العنصر البشرى حين تكون فكرة أن ترتقى بمستوى معرفتك غير مطروحة أساسا فى الجامعة، وتجد موظفين يعملون على التضييق عليك أحيانا».
بعض التفاصيل ما زالت تعوق انجازات كبيرة مثل تطوير المكتبة المركزية العملاقة فى جامعة القاهرة، مثل صعوبة البحث فى قواعد البيانات والوصول إلى الكتاب المستهدف، لكن الأمر يتخطى أحيانا إلى تفاصيل تذكرها خلود: «حسب عملى كمعيدة فى القسم فمطلوب منا شراء كتب بمبلغ محدد سنويا من معرض الكتاب، وهذا ما تم، لكنى بعد أكثر من عام لم أجد هذه الكتب على أرفف المكتبة حين طلبتها نتيجة مماطلات إدارية، والمفاجأة أن بعض الأقسام لا تهتم حتى بفكرة الحصول على هذا المقابل السنوى لشراء الكتب».
هذه الحالة العامة بتفاصيلها هى ما يبعد البعض عن طموح ملاحقة الأحدث فى مجال التخصص وتفرض القبول بالأمر الواقع فى بعض الحالات.. لم يطرح أحد حل، بل تمحورت المشكلة فى العنصر البشرى، وفى الوقت الذى ظهرت فيه حركات طلابية تدافع عن حقوق الطلاب فى مواجهة الجامعة، أغفل الطلاب حقهم فى الوصول إلى أجود المصادر العلمية وإتاحة المعرفة، وهو ما لم يتبناه الطلاب حتى الآن بشكل واضح.
PDF

Sunday, January 24, 2010

مبادرات ضد الطائفية

عبدالرحمن مصطفى
تصوير ــ جيهان نصر

عاش المهندس رامى سيدهم حالة من الصدمة ما زالت ممتدة إلى الآن عقب قتل 7 مواطنين أمام كنيسة فى مدينة نجع حمادى وما تبع هذه الجريمة من ملابسات غريبة، تجعله يفكر فى شكل المستقبل، «فى الماضى كنا نسمع عن العلاقات المتداخلة والمتشابكة بين المسلمين والمسيحيين، اليوم قلت هذه العلاقات، فماذا عن الغد؟».
قلقه الكبير دفعه إلى أن يسترجع تجربة عاشها مع أصدقائه فى عام 2005، وقتها كان هناك حادث طائفى آخر فى حى محرم بك بمدينة الإسكندرية، تجمهر المئات حول كنيسة مارجرجس، وتبع ذلك شغب وعبارات متعصبة، ثم حوادث قتل وإصابات.
تلك الحوادث دفعت مجموعة من الشباب وقتها إلى إطلاق مبادرة تحت عنوان «مصارحة ومصالحة»، كان الهدف واضحا منذ البداية، وهو مناقشة الصور السيئة، التى يروجها كل طرف عن الآخر، والتى تستخدم فى التحريض، وكان يحرك هذه المجموعة دوافع أخرى يوضحها رامى: «حققنا نجاحا مهما داخل أنفسنا، كنا نتحدث فى أى شىء وكل شىء بحرية تامة، وهو ما انتقل إلى مدوناتنا أحيانا، وذلك فى الوقت الذى كان فيه الإنترنت يعج بالكتابات المتعصبة والحروب بين المذاهب، كنا نحن نحاول أن نكون النموذج المختلف ونقطة ضوء وسط هذا الظلام».
حادث كنيسة محرم بك كان ينشطه تحريضات على الإنترنت بعد نشر كليب مسرحية اعتبرها البعض مسيئة للإسلام.
خلال السنوات الماضية كانت المبادرة محل اهتمام إعلامى فى بعض الأوقات، إلا أن رامى يرى أن هذا الظهور الإعلامى بين الحين والآخر لم يغير طبيعة المجموعة الصغيرة، التى لم تتسع لأعضاء جدد بشكل جيد لنشر أفكارها إلى آخرين. بقدر ما كانت نموذجا أمام الآخرين، فأعضاء هذه المجموعة لا يزيد على 12 فردا، وهو ما يراه عيبا اليوم.

مناقشات شهرية
بعض مرتادى الإنترنت كان لديهم فضول لمعرفة ماذا يحدث فى مثل هذه الاجتماعات؟ فى أحد الأماكن العامة كانت لقاءات أعضاء المبادرة بصورة شهرية، وفى كل جلسة هناك برنامج محدد وقضية للمناقشة تخص العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، مرة نقد فيلم سينمائى اهتم بتناول هذه العلاقة، أو مناقشة كتاب يسىء للعلاقة بين الطرفين، إلى جانب طقس أخير أقرب للطقس الروحى فى قراءة نصوص دينية حول موضوع واحد من القرآن والكتاب المقدس.
البعض انضم إلى المجموعة المؤسسة عن طريق المدونات، ومنهم الدكتورة سوسن على التى لم تكن فى يوم من الأيام ناشطة أو على دراية واسعة بعمل المبادرات، وهو ما جعلها ترى الهدف منها بطريقة مختلفة، وتقول: «المكسب الأكبر بالنسبة لى كان النقاش حول أمور لم نتناقش حولها من قبل، أصبحت أعرف ما يقال سرا بين المسيحيين عن المسلمين والعكس، وكيف يمكن أن يسىء المسلم لزميله المسيحى أو العكس دون أن يقصد عن طريق اللغة المستخدمة المسيئة التى اعتاد عليها وهو ما كان بمثابة صدمة لى، أما أكبر المكاسب فكان فى نقل هذه التجربة إلى آخرين فى العائلة والعمل والمجتمع، أن أكون صوت صديقى المسيحى الغائب».
يرى رامى أن أفضل طريقة لنشر هذا النوع من المبادرات فى فكرة طرحها أعضاء المبادرة حول ضم أعضاء جدد وتعريفهم بكيفية إدارة هذا العمل بشكل سليم تمهيدا لتكوين مبادراتهم الخاصة على نفس النمط مع وجود مرجعية «مصارحة ومصالحة»، أما سوسن فرأت أن أفضل المكاسب هو أن يكون أعضاء المبادرة أنفسهم بمثابة «رسل» يدعون إلى نبذ العنف ورفع الوصم عن الطرف الآخر فى كل مكان، ربما يكون الإنترنت أداة لذلك، لكنها تضيف: «قبل عدة أشهر كنا نتناقش حول مستقبل المبادرة، هل علينا أن نضم أعضاء جددا؟ أم يجب أن نساعد آخرين على إيجاد طرق تنظيم مثل هذه المبادرات؟»
تضم المبادرة عاملين فى مجال المجتمع المدنى ومشاركين فى الأنشطة العامة مما أكسبها كفاءة فى مجال تحديد الرؤية وأسلوب العمل، وإدارة الجلسات بشكل احترافى، المكسب الذى أجمع عليه أعضاء المبادرة هو الصداقة، التى تكونت بينهم دون النظر إلى الدين، هذه الروح لم يتواءم معها بعض الأعضاء، الذين دخلوا المبادرة زوارا ولم يستمروا، يروى رامى: «كانت مشكلة تواجهنا دفعتنا إلى عدم التوسع، وهى أن يأت البعض بأجندته أو أن يتخذ موقف المدافع عن دينه وليس موقف المحاور المشارك».

لا تنتظر النتائج
فى عام 2008 أقامت جمعية الشباب الكاثوليكى المصرى مؤتمرا تحت عنوان «الطلاب الجامعيون ما بين الإيمان والحوار» قامت فكرة المؤتمر على أن تعيش مجموعة من الطلاب المسلمين والمسيحيين سويا طوال ثلاثة أيام، وهناك تعرفت مارجريت موسى ــ منسقة المؤتمر ــ على مبادرة «مصارحة ومصالحة»، ورغم أنها لم تشارك فى عضويتها لكن التعرف على أعضاء المبادرة زاد من تفاؤلها وإحساسها بالأمل، أما اليوم فهى تعتبر هذا المؤتمر بمثابة مبادرة مستمرة حتى الآن: «من خلال المؤتمر تعرفت على صديقتى إيمان، وبدأنا نبادر سويا فى طرح أفكار نواجه بها المجتمع، فى عيد الأضحى الماضى دعتنى إيمان أنا ومجموعة من الشباب المسيحى إلى المشاركة فى تجربة غريبة مع جمعية رسالة من أجل تقسيم لحوم الأضاحى داخل أحد المجازر، المشهد للمواطن المسيحى يبدو غريبا، والأغرب هو المشاركة فيه.. البعض سعد بوجودنا، والبعض الآخر أبدى استغرابه وتهكمه، لكن كان لابد لنا من أن نبادر».
تصف مارجريت سنوات الجامعة بأنها لم تساعد على إيجاد هذه الروح بل على العكس ساعدت البعض على أن يزيد من انغلاقه مع أبناء طائفته، ورغم أنها لم تتجاوز الثالثة والعشرين فإن اهتمامها بهذا النوع من الأنشطة أوجد لديها قناعة راسخة بأن «علينا ألا ننتظر النتائج المباشرة من أى مبادرة فى هذا المجال، يكفى التأثير الإيجابى فى الآخرين». وتحاول ضرب مثال على قناعتها، فتقول: «أحد البرامج التابعة للجمعية يعتمد على نقل طلاب فى سن الإعدادى والثانوى إلى بيئة مختلفة،
وهو ما تم حين التقينا أنا والطلاب مع صيادين يعيشون فى عالم مختلف وظروف سيئة، حاولنا المساعدة هناك دون النظر إلى ديانة أحد، وشارك معنا زملاء مسلمون، أظن أن إعداد الشباب الصغير على مثل هذه الروح سيفيده حين ينتقل إلى الجامعة، إلى جانب التأثير الذى نأمل أن يصل إلى البسطاء هناك من أن اختلاف دياناتنا لن تعيق روح المساعدة».
هانى جورج ــ أحد أعضاء مبادرة مصارحة ومصالحة ــ ينتمى هو الآخر إلى نفس جيل مارجريت، الذى ملّ موائد الوحدة الوطنية الشكلية والاحتفالات الكرنفالية بين المسلمين والمسيحيين. ويتفق مع مارجريت فى أن العمل المشترك العام بين أبناء الطوائف المختلفة هو ما يذيب الحس الطائفى والتعصب الذى ازداد مؤخرا فى المجتمع، فحين تقف الفتاة المحجبة مع زميلتها المسيحية فى عمل مشترك أمام المجتمع تصبح هذه الصورة هى الخطوة الحقيقية التى ستواجه الطائفية حسب رأى هانى، موضحا: «الحوارات والنقاشات التى عشتها فى مبادرة مصارحة ومصالحة ربما لم تنزل إلى الشارع فى أنشطة حركية لكنها أوجدت بيئة آمنة شجعت أعضاءها على الكتابة فى الإنترنت، ولفت نظر الآخرين إلى ما قد يكون إساءة فى حق الآخر، كما أن هناك رؤى أخرى لفكرة وأهداف المبادرة لا يمكن إغفالها».
يشارك هانى فى مبادرة أخرى تنشط الآن تحت عنوان: «خلى عندك صوت» تدعو الشباب إلى استخراج بطاقات انتخابية قبل موعد 31 يناير المقبل، ويقول: «مثل هذه التجربة جمعت المسلم والمسيحى فى عمل عام، بعضنا كان فى مبادرة مصارحة ومصالحة والبعض الآخر لا، المهم هو أن نعمل وننشط من أجل المجتمع، وقتها سنتعرف أكثر على بعضنا، وستوجد مساحة أكبر للحوار».
بعض صور المبادرات تتبنى فكرة الاتجاه إلى مواقع الأزمات الطائفية، هذا ما فعله اثنان من أعضاء «مصارحة ومصالحة» توجها مؤخرا إلى مدينة نجع حمادى مع مجموعة من النشطاء السياسيين والحقوقيين والمدونين بهدف تعزية أهالى الضحايا ورفع حالتهم المعنوية، لكن المفاجأة أنه تم القبض على المشاركين، الذين جاء بعضهم عن طريق الفيس بوك، ولم تنجح مبادرتهم بسبب العرقلة الأمنية، التى رأت فى تواجدهم نوعا من التجمهر يوجب الحبس.
يرى نبيل عبدالفتاح ــ الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية والمهتم بدراسة الوضع الطائفى فى مصر ــ أن المبادرات التى تصدى لها هذا الجيل الشاب أوجدت نوعا جديدا من المبادرات على عكس ما كان يحدث فى الماضى حين اقتصرت على من هم فوق الخمسين وفى إطار متصل بالسلطة، لكنه لا يخفى بعض التحفظات: «تابعت بعض هذه المبادرات مثل مبادرة مصارحة ومصالحة، وأصبحت سمة هذا النوع من العمل الذى جاء من مجتمع الإنترنت أنه لم يحقق توازنا بعد بين نجاحه الواسع فى الإنترنت، حيث المجتمع الافتراضى ونجاحه فى المجتمع الواقعى».
يعتقد نبيل عبدالفتاح أن أمام هذا الجيل فرص أفضل، حيث يوفر له الإنترنت أدوات جديدة قد تمكنه من أن يوجد آليات أكثر تطورا فى التعامل مع مشاكل المجتمع وتحديدا فى مسألة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، ويضيف: «حادثة نجع حمادى الأخيرة تقدم نمطا جديدا من فكرة القتل العشوائى، الذى لا يهتم بتحديد الضحية، وهو نمط خطير يستوجب علينا مزيدا من العمل، وعلى الجيل الشاب استغلال أدواته لتنمية رأسماله الوطنى فى مجتمع مدنى سليم».

أرقام المصارحة والمصالحة
فى عام 2008 أجرت مجموعة مصارحة ومصالحة استبيانا عبر موقعها على الإنترنت على عينة تتكون من نحو 3500 مشارك.
من الأسئلة الموجهة للمسيحيين
- هل دخلت جامع من قبل؟: 55% أجابوا بنعم، 45% أجابوا لا.
- المسيحى أولى بالثقة من المسلم: 46% أجابوا غير صحيح، 22% أجابوا صحيح، و30% لا يعرفون أو غير متأكدين
- هل المسيحى فى أوروبا أو أمريكا أقرب لك من المصرى المسلم؟: 81% أجابوا لا، 19% أجابوا نعم.
من الأسئلة الموجهة للمسلمين
- القساوسة بيعملوا سحر؟ 32%: أجابوا غير صحيح، و9% أجابوا بصحيح و59% أنهم غير متأكدين أو لا يعرفون.
- القساوسة يلبسون أسود حزنا على دخول الإسلام مصر: 39% أجابوا بغير صحيح و11% أجابوا بصحيح 50% أجابوا غير متأكدين أو لا يعرفون.
- هل المسلم فى جنوب أفريقيا أقرب لك من المسيحى فى مصر؟: 36% أجابوا نعم، و64% أجابوا لا.

Sunday, January 17, 2010

المرأة والتصوف.. صوت خافت وسط الضجيج

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- هبة خليفة
قد لا يفصح المكان عن الكثير.. مجرد لافتة مدون عليها «ساحة أهل البيت» وفوقها اسم الحاجة زكية عبدالمطلب بدوى، من الصعب فهم أبعاد الموقع أو تفاصيله إلا بعد معرفة سيرة صاحبة الساحة وقصتها، هنا فى درب الطبلاوى بحى الجمالية. لايزال يتذكر البعض أنها كانت تطعم يوميا الفقراء وعابرى السبيل وتستضيف المريدين وأحباب أهل البيت، أما اليوم فتعمل ابنتها الحاجة نفيسة المهدى والحفيد أحمد محمود على إكمال ما بدأته صاحبة الساحة.
«كانت هناك إشارات مبكرة على شفافيتها وهو ما زادها تعلقا بأضرحة آل البيت، وأصبحت تأتى بصورة شبه يومية من بلدتها فى الدقهلية إلى القاهرة، حتى جاءتها رؤية صالحة دعتها فيها السيدة زينب للزيارة والإقامة إلى جوارها، فاعتزلت الدنيا وأقامت ساحة للذكر وإطعام الطعام».
تلخص الحاجة نفيسة قصة والدتها بهذه الكلمات التى تكاد تحاكى السير الشعبية لصوفيات وعارفات بالله توارين فى ظلال التاريخ ولم يبرز منهن سوى القليل من أمثال رابعة العدوية وعقيلات آل البيت. لاتزال الابنة تتذكر الشخصيات التى وفدت إلى هذا المكان من المشاهير الذين تحولت حياة بعضهم بكلمات طمأنة وعظات بسيطة، أما نشاطها الرئيسى إلى جانب العمل الخيرى فكان الذكر وتهيئة المكان لأصحاب الحضرة.
«امرأة تركت أهلها فى الريف فى بدايات القرن الماضى وأقامت هنا وتحملت مسئولية خدمة الناس على مدار 24 ساعة وأصبحت عليها مسئولية اجتماعية فى الإنصات إليهم فى كل وقت، رغم غلظة البعض. كل تلك الأمور أجدها اليوم منهكة لى ولوالدتى حين حاولنا استكمال مسيرة الشيخة زكية»، بهذه الكلمات يصف الحفيد أحمد حياة جدته الشيخة زكية التى توفيت فى العام 1983، بعض تفاصيل القصة تحمل الملامح التقليدية للمرأة الزاهدة المتصوفة التى ذاع صيتها بين الناس لكرمها وكراماتها، هذه الصورة بدأت فى الانحسار مع قلة استخدام تعبيرات من نوعية «العارفين بالله» وغيرها من الألفاظ، بعض العلماء ذوى الميول الصوفية جذبتهم قصة الشيخة زكية بعد أن عرفوها كزاهدة معتزلة للدنيا، من هؤلاء الشيخان الراحلان محمد متولى الشعراوى ومحمد صادق العدوى خطيب الجامع الأزهر، لكنها لم تكن عالمة مثلهما فى مجال الدين، ولم تحمل فلسفة أو إنتاجا أدبيا مثل الصوفيات الشهيرات، يعلق عليها حفيدها على هذه النقطة بقوله: «لم يكن يأتيها الناس طلبا للعلم، بل بحثا عن الخير والطمأنة التى تبثها الطاقة الروحية التى تملكها، ثم إن شيخنا أبا الحسن الشاذلى نفسه الذى تنتسب إليه طريقتنا الصوفية لم يترك كتبا، بقدر ما ترك مريدين».
نموذج الزاهدة الذى كانت تمثله الشيخة زكية قد يعيق ظهوره اليوم العديد من الأسباب على رأسها غياب هذا النموذج، فقد تلقت الشيخة زكية دعما من أسرتها التى لم تقف ضدها بل كان زهدها وعملها مع العامة والخاصة بدعم من زوجها وابن خالها الشيخ محمد المهدى، فهما ينتسبان إلى طريقة صوفية واحدة وإلى آل البيت. لم يكن الزوج مخيرا فى ذلك بل كان يتعامل مع ما تراه زوجته من رؤى ورغبات زاهدة على أنها يقين وحقيقة، حيث اعتزل هو الآخر حياة المدينة وعمل على الدعوة قرب قريته بأمر من شيخه.
تقول ابنتها نفيسة المهدى: «كان يمكن ألا نراها لمدة عام ونصف، لكننا كنا متفهمين ذلك لأننا أبناء طريقة وعلمنا أنها من أهل الكرامات».

راحتى يا إخوتى فى خلوتى
(رابعة العدوية)
البحث فى التاريخ الإسلامى عن نموذج للمرأة الصوفية يكشف عن أن بعضهن كن صاحبات علم ورؤية ولسن مجرد زاهدات أو صاحبات كرامات لكنهن رغم ذلك توارين فى كتب التاريخ. ترى الدكتور أميمة أبو بكر ــ أستاذة الأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة وإحدى المهتمات بإعادة قراءة تاريخ المرأة فى الإسلام ــ أننا نكاد لا نعرف من تاريخ الزاهدات والعابدات فى العصور الإسلامية سوى رابعة العدوية، فى حين أن الكثيرات منهن أذكين الجانب الروحى فى الحياة الدينية أثناء العصور الإسلامية، بل أثرن فى الفكر الصوفى بأفكارهن عن العلاقة بالله ورغم ذلك فقد همشتهن كتب التاريخ، حتى الكتب الحديثة التى تؤرخ لتاريخ المرأة فى الإسلام.
وفى ورقة بحثية لها تحت عنوان «قراءة فى تاريخ عابدات الإسلام» ترصد الدكتورة أميمة أبوبكر أسماء العديد من الزاهدات العابدات فى المجتمع الإسلامى وتذكر أن: «العابدات والزاهدات الأوائل استطعن أن يوجدن مساحة كبيرة من حرية الحركة والسفر والزيارة والتحرر من القيود التقليدية على حركة النساء، بل والتحرر السياسى والاقتصادى حين كن ينفقن على أنفسهن من العمل».
قديما حسبما تذكر الدكتورة أميمة أبوبكر كانت الأدوار الأسرية للمرأة الزاهدة لا تشكل قيمتهن الوحيدة فى الحياة، فالمرأة الناسكة ليست مجرد امرأة تابعة للرجل، بل كانت المتزوجات منهن ينظرن إلى رباط الزوجية على أنه مسئولية روحية وشركة فى العبادة.
ما من شك فى أن قصة مثل قصة الشيخة زكية تكاد تكون بارزة بشكل لافت لأنها تمزج بين الصورة الشعبية للعارفة بالله وجرأة المرأة الزاهدة فى الإسلام وإقدامها، فقد اختارت أن تنفق ميراثها على الخير، وبنت مسجدا لها وساحة فى قلب الصحراء الشرقية قبل وفاتها لخدمة العرب هناك بجوار مقام القطب الصوفى أبى الحسن الشاذلى، وهو ما خفف من وحشة المكان هناك الذى يرتاده آلاف المتصوفة من جميع الأقطار.
اليوم مع انتشار التعليم والعمل فى أوساط النساء ودخول تيارات دينية متعددة على الخط أعادت النظر فى التصوف بل اتخذت منه أحيانا موقفا عدائيا.. زادت الضغوط على المرأة الصوفية وأصبح من الصعب أن تظهر نماذج لامعة فى هذا المجال، خصوصا أن بعض اللوائح التنظيمية الحديثة تعيق تقدمها عن طريق تجمع مثل المجلس الأعلى للطرق الصوفية الذى لا يقبل عضوية النساء داخله.. السيدة ماجدة عيد ــ زوجة السيد محمد الشهاوى شيخ الطريقة الشهاوية ــ تقول إن اختلاف إيقاع الحياة هو الذى غيّب السيدات الصوفيات عن الساحة، وهو ما جعلنا لانزال متعلقين بسير الزاهدات الأوائل أو من حاولن السير على طريقهن. ربما لا تشعر السيدة ماجدة بمرارة بسبب مسألة العضوية تحديدا وتعتبر أن اقتصار عضوية المجلس الأعلى للطرق الصوفية على الرجال لا يحد من وجود المرأة الصوفية فى الحياة العامة، وهى تبرر ذلك بأن من يمتهن الصحافة ليس بالضرورة حاملا لعضوية نقابة الصحفيين. وترى المشاكل فى جوانب أخرى، تذكرها: «المرأة الصوفية اليوم كأى سيدة مصرية هى طالبة فى الجامعة أو تعمل فى مجالات متعددة وعليها إلى جانب ذلك أن تكون مصغية للجميع ومضيافة فى بيتها للمريدين خصوصا إن كانت زوجة شيخ الطريقة الذى عليه ألا يرد أحدا دون إجابة طلباته، فهى معه فى كل أنشطته تقريبا».
السيدة ماجدة عيد بادرت بفكرة تأسيس جمعية للمرأة الصوفية كى تضم بعض زوجات المشايخ والراغبات فى الالتحاق بها، وتلقت هذه الجمعية التى لاتزال تحت التأسيس نقدا عنيفا من بعض مشايخ الصوفية الرافضين للفكرة بدعوى أنها لا تتفق مع المنهج الصوفى التقليدى، لكنها هى وزميلاتها المتعاونات معها لا يخفين أن الإحساس بالخطر كان أحد أسباب ظهور فكرة الجمعية، مضيفة: «لا أنكر أن تقاعس الصوفيين عن الدعوة الإسلامية مقارنة بتيارات أخرى أكثر تشددا أو مسيسة قد دفع بالفتيات إلى هذه التيارات وكان بعضهن للأسف من الصوفيات. فلدى جماعة مثل الإخوان المسلمين نشاط قوى داخل الجامعة والشارع، وكذلك الدعوة الوهابية المتشددة لها منابرها التى تنفق عليها ببذخ، والمشكلة أن الطرق الصوفية تعمل بمجهودات أبنائها، وأصبحت حركتها أضيق على عكس فى الماضى حين كانت سببا فى نشر الإسلام بين البلدان المختلفة».
هذه الأعباء من ضمنها الحرب المعلنة من بعض المحسوبين على التيارات السلفية ضد الصوفية، وبعضهم يحمل إدانة للمرأة الصوفية نفسها، وهو ما لا تنكره السيدة ماجدة فى حديثها عن الصورة العالقة فى أذهان شريحة من المصريين والناتجة عن تصرفات بعض العامة من النساء اللاتى يندسون وسط الموالد ويظن هؤلاء أنهن متصوفات. وهنا أوجد غياب الصورة التى تمثل المرأة الصوفية فى المجتمع صورة أخرى أكثر ضبابية، وأصبح المجتمع متحيرا بين صورة تراثية لنساء مثل رابعة العدوية وصورة أخرى سلبية لبسطاء الموالد، وبين هذا وذاك مريدات تحكمهن قيود وقواعد داخل الطرق الصوفية، لذا كان لابد من نماذج جديدة تمثل شكلا جديدا مثل نموذج الدكتورة عبلة الكحلاوى ــ أستاذة الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر ــ التى تستخدم فى أحاديثها تعبيرات صوفية وعلى موقعها تصف نفسها بعبارات زاهدة مثل «العبد الفقير التى ترجو المغفرة والرحمة وحسن الخاتمة»، لكنها لا تقدم نفسها على أنها صوفية تقليدية، المفارقة أن الدكتورة عبلة الكحلاوى كانت إحدى من شهدن ساحة الشيخة الزكية فى صغرها بحكم نشأتها فى بيت الفنان محمد الكحلاوى الذى ختم حياته متعلقا بسير العارفين بالله وأقطاب الصوفية.. لكنها رغم هذه التفاصيل لايزال ظهورها الأهم فى المجتمع وعلى المستوى الإعلامى بشكل فردى وغير محسوب على تيار أو طريقة صوفية، بل كأكاديمية ووجه إعلامى مقبول.
الدكتور عمار على حسن ــ الباحث المهتم بالحركات الصوفية ــ يرى أن بزوغ نماذج لامعة من الصوفيات قديما كان سببه الرئيسى هو أن التصوف كان فرديا أو «جوانى»، ولا يخضع لطريقة أو هيكل تنظيمى ذكورى، وأن عودة نساء يحملن الحس الصوفى فى المجتمع مرة أخرى لن يقوم إلا عن نفس الطريق، ويقول: «أحيانا ما تبرز نماذج لشيخات صوفيات فى المناسبات الدينية والموالد، لكنهن لسن على مستوى القيادة ولا يمثلن عدد عضوات الطرق الصوفية والمريدات فيها، وحسب القانون 118 لسنة 1976 الذى ينظم عمل الطرق الصوفية فى مصر تنتقل مشيخة الطريقة بعد وفاة شيخها فى أقرب أقربائه الذكور، وهو ما أسهم فى إبعاد المرأة عن الصورة، كما أنه لا يمكن التعويل على أن ظهور جمعية تجمع الصوفيات سيشكل تغييرا كبيرا لأنها فى الواقع تضم زوجات المشايخ لكنه تطور إلى الأفضل خارج السياق التقليدى». ويزكى الدكتور عمار التوجه الصوفى الفردى الذى يرجح أنه قد يساعد فى تقديم نماذج لنساء بارزات فى المجتمع يحملن داخلهن هذا الحس الصوفى الذى يعتمد على أفكار وسلوكيات أكثر من أشكال تنظيمية.
العارف يرى المعرفة ولا يرانى
(المواقف والمخاطبات، للنفرى)
بعض الفتيات اخترن هذا الطريق بالفعل للابتعاد عن التفاصيل المربكة التى أصبحت تحيط التدين بشكل عام فى المجتمع، فانتقلن بالدين إلى مساحتهن الخاصة فى علاقة خاصة بينهن وبين الله بعيدا عن التصنيفات وتقييم الآخرين. حنان محفوظ هى فنانة تشكيلية تعيش هذه الحالة حتى يظنها البعض للوهلة الأولى فتاة صوفية، لكنها تجيب مباشرة: «أنا مش صوفية»، وذلك رفضا للتصنيف لكنها فى الحقيقة لا تخفى أن لديها ذلك الحس الذى لا ترغب فى أن يتحول إلى انتماء لطريقة أو اندماج فى مبالغات يعتنقها البعض. تقول: «ذلك الحس لاحظته فى جميع الأديان حتى الأديان الشرقية، الأمر بالنسبة لى هو مشاهدات تربطنى أكثر بالسماء والخالق، كأن أرى فى الأمطار رسالة من السماء تدعونا إلى أن نكون على صلة أكثر بالله، فى حين قد يرى فيها صديق آخر أنها سبب فى الأوحال وإعاقة لحركة الناس».
فى حفلات الانشاد الصوفى وبعض المناسبات الدينية تبدى بعض الفتيات اهتماما بالغا حتى إن لم يكن على التزام كامل بما يصفه البعض الآن بالزى الإسلامى. إحدى الممثلات الشابات على حسابها على الفيس بوك سجلت رؤيتها الدينية على أنها «صوفية» فى حين أنها طوال الوقت تبدو متحررة سواء داخل صفحتها أو على شاشة العرض السينمائى.
هذه المفارقة لا تشغل بال السيدة ماجدة عيد ــ زوجة السيد محمد الشهاوى شيخ الطريقة الشهاوية ــ التى ترى فى هذا خير وخطوة على الطريق قد تدفع إلى طريق الله، وكذلك تؤكد حنان محفوظ أن نمط الحياة اليومى والحس الروحانى والقدرة على التأمل هو الذى يجعل شريحة من الشباب اليوم تميل إلى الصوفية دون أن تدعى أنها كذلك، وتقول حنان: «حين قرأت للنفرى وغيره من شعراء الصوفية شعرت بتقارب كبير فى أفكارى مع بعض الأفكار الصوفية عن الروح والزهد والرضا واليقين وفكرة التوبة، كلها أشياء دقيقة بالنسبة لى، لكن اختيارى هو أن تكون علاقتى مع الله منى وإلىَّ وليست خاضعة لتبعية أو مراقبة من أحد».
حسب حديثها أيضا فهى تغبط من تفرغن للعبادة من الناسكات القدامى أمثال رابعة العدوية وغيرهن لكنها بيدها مواهب ترى أن عليها الاستفادة منها بل والاستمتاع بها أيضا.
العودة إلى ساحة الشيخة زكية فى حى الجمالية تحيى صورة المرأة الصوفية الناسكة الزاهدة التى بدأت فى التلاشى، وتكفى نظرة على خلوتها التى كانت محل ذكر وتسبيح حتى تنقل إلى الجالس فى حضرة الشيخة احساسا بأنها كانت نموذجا يحاكى عقيلات آل البيت والعابدات الأوائل، أما اليوم فهناك من احتفظت بتصوفها فى قلبها، وهناك من تحاول رسم صورة جديدة للمرأة الصوفية أكثر تماشيا مع الواقع.