Thursday, October 27, 2011

التهمة: تمويل أجنبي


حين لا تجد دعما سوى الخارج

كتب – عبد الرحمن مصطفى
في داخل قاعات الورش التدريبية يقدم باسم سمير محاضرات في مجالات مختلفة مثل تأمين المعلومات على الانترنت وكتابة المشروعات وإدارة الحملات الالكترونية، وهو ما كان قد تدرب عليه في مؤسسات حقوقية و من خلال منح تدريبية داخل وخارج مصر على مدار السنوات الماضية، أما الآن فهو المدير التنفيذي للمعهد المصري الديمقراطي إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي تداول اسمها مؤخرا أثناء الأزمة المثارة حول التمويل الأجنبي للمجتمع المدني. يقول باسم سمير: "حين يقوم نشاطك الرئيسي على إقامة الورش التدريبية وإنتاج فيديوهات داعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، فهناك مشكلة رئيسية في أن أحدا لن يدعم مثل تلك الأفكار والمبادرات، خاصة أن أغلب رجال الأعمال ذوي الصلة بالسياسة كانوا مرتبطين بالحزب الوطني والنظام السابق، إذن كيف نمول مثل هذا النشاط بعيدا عن المؤسسات الداعمة الغربية؟"
ينتمي باسم سمير، الذي درس العلاقات الدولية في جامعة حلوان قبل سنوات، إلى شريحة من الشباب انخرطت في مجالي السياسة وحقوق الإنسان، واقتطع العمل في المجالين السياسي والحقوقي جزء من حياتهم، وحسب تعبيره "فإنك في وقت من الأوقات تبحث عن مشروع يتفق مع تجربتك ومهاراتك". و يضرب المثل بإسراء عبد الفتاح- المدير الإعلامي لنفس المؤسسة التي يعمل بها- وهي الفتاة التي ذاع صيتها في العام 2008 بسبب إدارتها صفحة إضراب 6 إبريل، وتحولت حياتها المهنية بسبب تأثير هذا الموقف، بل ووجدت ما يحقق طموحها في مشاركة زملائها العمل بهذه المؤسسة اعتمادا على تمويلات تأتي نتيجة سمعتهم في العمل العام، يضيف باسم سمير معلقا : "عائلتي كانت تقف في كثير من الأوقات ضد استمراري في هذا الطريق، زاعمين أن العمل الحقوقي مجرد تهريج، لكن أنا مقتنع جدا بجدواه وبقدرتنا على التغيير".
مع التقاء أبناء هذه الشريحة الشابة من نشطاء وحقوقيين في ورش تدريبية وفعاليات ازدادت فرص تحويل أفكارهم إلى مشروعات ومؤسسات تدريب، وتبنوا في ذلك طرقا متشابهة حتى أثيرت مؤخرا قضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني. وقد اضطر باسم وزملاؤه قبل عدة أشهر إلى التقدم ببلاغ ضد تصريحات اللواء حسن الرويني- عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة- حول تلقيهم تمويلا من الخارج بهدف إثارة الاضطرابات والفوضى في البلاد، وذلك في فترة قريبة من اهتمام السلطات المصرية بدخول أموال أمريكية إلى مؤسسات مصرية بشكل غير شرعي.
يرى الدكتور أيمن عبد الوهاب- مدير برنامج المجتمع المدني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن تنامي الحركة الحقوقية ومنظماتها بدء من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في عام 1985، هو الذي ساهم في ظهور كوادر جديدة من جيل الشباب الحالي، ويعلق قائلا: "هناك شريحة من الشباب جاءت من خلفيات سياسية في حركات احتجاجية وأحزاب ومنظمات حقوقية، لكنهم ظهروا في توقيت مازال فيه المجتمع المدني المصري يعاني من سوء التنظيم، وكان أحد مظاهره هو قضية التمويل الأجنبي لبعض المؤسسات بما له وما عليه".
ويلجأ عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان إلى تأسيس شركة غير هادفة للربح على أن يكون تمويلها من مؤسسات غربية تقدم دعما في قضايا محددة، والهدف من تأسيس (شركة) بعيدا عن تأسيس جمعية أهلية خاضعة للقانون رقم 84 لسنة 2002 الخاص بالجمعيات والمؤسسات الأهلية، هو الابتعاد عن تعقيدات هذا القانون الذي يضخم من سلطة وزارة التضامن الاجتماعي، وبما يضعه من قيود على التمويل الخارجي للمشروعات وما يعطيه من سلطة للدولة للتدخل في أسلوب هذه الجمعيات وتنظيمها. وهو ما دفع الشباب الناشط إلى إدارة مؤسساته بعيدا عن هذا القانون رغم أن هذا لم يبعده كثيرا عن تدخلات جهاز أمن الدولة السابق.
كل تلك الإجراءات لم تمنع الطعن في من يتلقوا تمويلا أجنبيا لمؤسساتهم، إذ تكفي زيارة لبعض الصفحات التي خصصت لهذه القضية على الانترنت كي تظهر اتهامات نمطية تربط بين تلقي مؤسسات حقوق الإنسان للتمويلات الخارجية و التخريب في الداخل. و أصل هذه الصورة لدى البعض هو نتيجة ما يقوم به بعض النشطاء في مؤسساتهم من تقديم مشروعات هشة هدفها جمع أموال التمويل والتعامل مع نشاطهم كأي نشاط تجاري.
ويصف باسم سمير شركات التدريب التي تعمل في المجال الحقوقي بأنها لا تختلف كثيرا عن أي شركة تجارية أخرى، ولا يجد حرجا في أن يصف هذا النشاط بأنه مجال عمل أو Career، لكن بعض الممارسات السيئة استفزت نشطاء آخرين، وتكفي زيارة لهذا العنوان : "التمويل والفرافير في المجتمع المدني المصري"، على مدونة الناشط والمدون وائل عباس حتى نكتشف بعض ملامح الوجه الآخر إذ يقول: " عملية الإفساد بالتمويل عملية عفوية تحدث بحسن نية دون إدراك من المنظمات المانحة وأغلبها أجنبية، لكنها تخلق نشطاء غير حقيقيين كل همهم هو التمويل. وتلك النوعية من النشطاء جل همهم هو كتابة تقارير وهمية عن نجاح وهمي لمشروعات وهمية وتقديمها لجهات أجنبية حصلوا على تمويل منها من أجل تلك المشاريع بينما المحصلة : (صفر تغيير) .. وهنا يحدث الوصم لكل النشطاء، خيارهم وأشرارهم بأنهم دخلوا المجال من أجل المال".
وقد كتب وائل عباس هذه الملاحظات في العام 2010 قبل بدء أحداث الثورة، إلا أن الأزمة التي أثيرت مؤخرا بعد الثورة كانت لها أبعادا أعنف، طالت جزء من العلاقات المصرية الأمريكية.

بي إم دبليو حديثة
هذه الشريحة من المدربين والنشطاء تسبب إزعاجا لمواقفها السياسية المعارضة وسعيها لدور رقابي على العملية السياسية، لكن أنشطة أخرى تدريبية ليس لها صلة بالسياسة، مثل ورش التدريب على صناعة السينما أو في المجال الثقافي لا تواجه بالعنف نفسه، أما هذا الموقف المضاد تجاه فكرة التمويل فقد امتد إلى الشباب الناشط في المظاهرات أو على الانترنت بشكل عام، من أشهر تلك النماذج الناشطة أسماء محفوظ، التي تواجه الاتهامات على الانترنت بشكل دائم، وأحد هذه الاتهامات حول تمويل حركة 6 ابريل التي كانت عضوة سابقة بها، وتقول عن ذلك: "أنا اتهمت بأني أملك سيارة بي إم دبليو حديثة ولدي شقة فاخرة في مصر الجديدة، وكلها إشاعات بلا دليل، وأصبحت مادة متداولة في المقالات وعلى الانترنت، ولم أعد ألتفت إلى تلك الأمور".
على الجانب الآخر فإن نمط حياة أسماء لا يختلف كثيرا عن نشطاء شباب وحقوقيين انتزع العمل العام أوقات كبيرة من حياتهم، أو حسب تعبيرها : "حين تجد نفسك مشغولا بالشارع ومندمجا في أحداثه لمدة 24 ساعة، كل ذلك قد يؤثر على عملك، وتفكر في صنع مشروع يحقق طموحك في العمل العام، وأنا في النهاية مثل أبناء جيلي الذي تفتحت أمامه الحياة ومازال يحاول اكتشاف نفسه، ويحاول تحديد في أي مجال يعمل".
عملت أسماء في شركة للاتصالات وخاضت تجارب في مجال الإعلام، لكنها لم تبدأ بعد في تكرار تجربة زملائها في أن يكون لها مشروع حقوقي أو تنموي تمارس من خلاله ما اعتاده في السنوات الماضية أثناء عملها في الشارع، لكن تجربتها مع اتهامات العمالة والتمويل جعلتها تمتنع عن تأسيس هذا المشروع رغم تلقيها عروض خارجية أثناء أسفارها إلى الخارج كمحاضرة أو داخل ورش تدريبية لقادة الرأي، وتقول: "من يوجه هذه الاتهامات لا يعرف أثرها النفسي على أسرنا، ولا أخفي أن لدي رؤية لمؤسسة حقوقية وتنموية تستهدف الشباب، لكن لا أرغب في تمويلها عن طريق مؤسسات غربية، وذلك ليس رفضا لفكرة التمويل الغربي لأنها حق مشروع، ولكن لأني أريد أن أبتعد عن القلاقل". تأمل أسماء أن تحصل على جائزة "سخاروف" الدولية المرشحة لها كي تبدأ مشروعها بقيمة الجائزة، عدا ذلك فإن هناك من النشطاء والمدونين والحقوقيين من يحصلون في أنشطتهم المعتادة على مقابل مالي سواء عند تدريبهم في مؤسسات أو عند إلقاء محاضرة، وهو ما تعلق عليه أسماء محفوظ: "هذا المقابل من حق المحاضر أو المدرب، ولا أعتقد أنه هدفا حقيقيا لدى كثيرين". تصمت قليلا ثم تضيف قائلة: "رغم كل هذه الاتهامات بأننا نحصل مقابل تواجدنا في العمل العام، لكن يكفي إحساسي الشخصي حين عرضت عليّ إحدى القنوات الفضائية أن أعمل معهم بمرتب خيالي لفتاة في سني، ورفضت لأن من يديرونها مجموعة من الفلول.. أعترف أن من يتصدى للعمل العام في سن الشباب يتعرض لمأزق أن يوازن بين حياته المهنية والعمل العام، لذا علينا ألا ندين من وجد الحل في مشروع شخصي مدعوم خارجيا يوفر له ما يحب".
ما يتعرض له أبناء شريحة النشطاء والحقوقيون من تشنيع في بعض الحالات يستوقف الدكتور أيمن عبد الوهاب- الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- إذ يقول: "هناك مشكلة حقيقية، إذ علينا أن نعمل وفي الوقت نفسه أن نحترم القوانين على عكس ما يفعل بعض العاملين في مجال المجتمع المدني.. وأرى الحل هنا في توسيع الثقافة الحقوقية لدى الشعب، وألا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى جوانب أخرى مثل البيئة والاقتصاد والتنمية، وهي أمور ستلمس رجل الشارع فيشعر بقيمة العمل الحقوقي، وتزيد مساحة التطوع في هذه المجالات بعيدا عن الاعتماد على التمويل الخارجي فقط، وألا يقتصر التطوع على العمل الخيري، وأعتقد أن غياب فكرة التطوع في العمل السياسي هو ما يجعل كثيرين يفترضون أن المشاركة السياسية وراءها أموال مدفوعة". ويضيف الدكتور أيمن عبد الوهاب أن تغيير الثقافة سيجلب تبرعات وأموال داخلية حين نشعر بأهمية الإنفاق على الديمقراطية والمواطنة.
قبل سنوات لم يكن باسم سمير أو أسماء محفوظ و غيرهما من الشباب الناشط في مجال السياسة وحقوق الإنسان يعتقدون أن ما كانوا يدربون عليه ويعيشون فيه ليل نهار سيتحول إلى ثورة ويغير ملامح الحياة السياسية في مصر، لكن المفارقة الأخرى فإن هذه الشريحة أيضا لم تتوقع أن يكون باب التمويل الأجنبي الذي اعتمد بعضهم عليه في عمله هو نفسه الذي يجلب عليهم التشنيع والوصم.




"المؤسسات الداعمة ابنة ثقافة المواطنة"



3 أسئلة ليسري مصطفى منسق الصندوق العربي لحقوق الإنسان، و الكاتب والباحث في مجال حقوق الإنسان، حول التمويل الخارجي لمؤسسات المجتمع المدني

- هل أسهمت المؤسسات الغربية الداعمة مع توافر فرص التدريب بالخارج في توسيع شريحة الشباب والنشطاء العاملين في مجالي حقوق الإنسان والتوعية السياسية؟

الشريحة التي نقصدها هنا من نشطاء وشباب يعملون في التدريب على حقوق الإنسان والتوعية واستخدام الانترنت في الضغط السياسي هي جزء من ظاهرة عالمية تبنت فكرة العولمة ووجود احتياج حقيقي لما لدى هذه الشريحة من معلومات ومهارات. وفي الوقت نفسه هذه الشريحة وخاصة من الشباب وجدوا فرص تحقيق مشروعاتهم لدى المؤسسات الداعمة، وهذه الظاهرة موجودة عالميا وليست قاصرة على مصروحدها، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يستحوذ القطاع الأهلي على حوالي 10% من قوة العمل هناك.

- لماذا يعتمد تمويل المشروعات المستقلة في مجالات حقوق الإنسان والتدريب السياسي على المؤسسات الداعمة الغربية مع غياب التمويل الداخلي ؟

حين ندرس تكوين المؤسسات الداعمة في الغرب نجد أنها ابنة ثقافة المواطنة، إذ لا يخشى رجل أعمال على سبيل المثال من ضغوط جهاز مثل "أمن الدولة" عليه إذا ما أراد تمويل مشروع حقوقي أو نشاط أن يقدم توعية سياسية، فنجد العائلات الثرية تقدم ما يشبه "الوقف" لتمويل قضايا بعينها ومنحا دراسية، لكن حين ننظر إلى دور رجال الأعمال لدينا خلال السنوات الماضية نجده كان مسخرا لخدمة السلطة الفاسدة.. ولم تكشف مرحلة ما بعد الثورة عن وجود داعمين محليين لمثل هذا النوع من الأنشطة، أما عن التمويل القادم من الدول العربية فليس كله على القدر نفسه من النزاهة، وله أغراض سياسية واضحة. ونضيف إلى ذلك أن أغلب الدعم المالي في بلادنا يتجه إلى العمل الخيري، ورغم أن لنا موروثا عظيما في فكرة "الوقف"، إلا أن الواقع لا يقدم لنا من يوقف مبلغا في خدمة فكرة المواطنة أو حقوق الإنسان أو التدريب على أساليب الضغط السياسي، لذا تتجه الأعين نحو المؤسسات الغربية سواء كانت ذات صلة بالحكومات أو لا .

- إلى أي مدى تفرض الجهات الغربية الداعمة أجندتها على المؤسسات والأفراد العاملين في مجالي السياسة وحقوق الإنسان وهل يمكنها أن تهدد السلام الاجتماعي الداخلي؟

علينا أن نعلم أن ما يدير مثل هذه العلاقة بين المؤسسات الداعمة ودول العالم الثالث هو مفهوم "التعاون الدولي" الذي برز منذ الستينات. وكان الدعم المادي يصل إلى الحكومات ومشروعاتها دون أن يثير قلاقل، وهو مستمر إلى الآن، كأن تحصل مصر على 1،3 مليار دولار كمعونة عسكرية، لكن مع اتساع نشاط المجتمع المدني وبروز شريحة النشطاء في المجتمع كشريحة قيادية، بدأت الحكومات في الإحساس بالتضرر من هذا النوع الجديد من الدعم، علما بأن ذلك يتم في أغلب الأحوال عبر مؤسسات الدولة، رغم التضييق الذي تمارسه وزارة التضامن الاجتماعي في هذا المجال. أما ما يحدث من حساسية تجاه بعض التمويلات تحديدا مثل التمويلات الأمريكية، فسببه تركيز التمويل الأمريكي على قضايا متعلقة بالتحول الديمقراطي وحقوق المرأة والطفل، على عكس دول أخرى لا يثار حولها الجدل نفسه بسبب اهتمامها بقضايا أخرى مثل البيئة. ما نطمح إليه الآن أن نجد أجواء تحتوي شريحة الحقوقيين والنشطاء إلى الداخل عبر قوانين تسهل عملهم، وأن نكرس ثقافة حقوقية تشجع على دعم هذا النشاط من داخل مصر وتفهم احتياجهم إلى التمويل الخارجي.


الدعاية المضادة



في مدونته "Dakhakhny's Blog " كتب الناشط الشاب محمد الدخاخني عن موقف تعرض له أثناء فعاليات مؤتمر يناقش الممارسة السياسية للشباب، حين دار حديث بينه وبين أحد نشطاء حركة 6 إبريل الذي قال له: ” أنا رحت هناك (يقصد أمريكا) واتدربت على العصيان المدني، وكنت عارف إن اللي بيدربوني هما نفسهم اللي كانوا بيدربوا ظباط أمن الدولة إزاي يخترقونا”. وكتب الدخاخني عن هذا الموقف مع ناشط 6 إبريل الذي أسس منظمة حقوقية غير هادفة للربح، تحت عنوان كبير هو "هؤلاء يأخذون التمويل !". مثل هذه المواقف، التي يتداولها بعض النشطاء الشباب فيما بينهم، أحيانا ما تتخذ ملمحا أكثر حدة خاصة من المعارضين لفكرة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني. أحدهم تساءل في مدونة مغمورة تحت اسم "الثائر الحق – معا ضد التمويل الأجنبي" عن سر لقاء نشطاء- تلقوا تدريبا في مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية بوزيرة الخارجية هيلاري كينتون- واضعا صورا لهم على مدونته، ثم كتب تعريفا بمؤسسة فريدوم هاوس واصفا المدونين الذين تلقوا تدريبا بأنهم "جنود الصهيونية". وفي مساحات أخرى على الانترنت يتداول آخرون مواد فيلمية ومكتوبة تتهم بعض المؤسسات الأمريكية الداعمة والتي تدرب الشباب النشطاء بأنها موالية لجهاز المخابرات الأمريكية و وزارة الخارجية الأمريكية، وعلى أرض الواقع فإن بعض تلك المؤسسات الداعمة بالفعل لا تخفي تنفيذها أجندة السياسة الخارجية الأمريكية. وهو ما يدفع البعض إلى تحليلات مثل التي دونها مدير صفحة "المثقفون العرب يرفضون التمويل الأجنبي" من نوعية : عندما سعت المخابرات المركزية لتفكيك يوغوسلافيا السابقة إلى عدة دول ضمن خطتها لإضعاف الكتلة السوفييتية، استخدمت خطة عمل محددة لتمويل بعض هيئات المجتمع المدني هناك، ضمن خطة أُطلق عليها «نشر القيم الأمريكية في دولة صربية ديمقراطية»، .. هذا النموذج تسعى أمريكا لتحقيقه الآن في مصر".
ويربط البعض في مواد منشورة على الانترنت تدريب أعضاء في حركة 6 إبريل على أيدي أفراد في حركة "أوتبور" الصربية بدعاية من نوع آخر، إذ أن حركة "أوتبور" الصربية المثيرة للجدل قد ساهمت في تحريك الجماهير ضد الدكتاتور سلوبودان ميلوسوفيتش حتى إسقاطه، وتم توجيه اتهامات لتلك الحركة الصربية بأنها تحقق أهداف المخابرات الأمريكية، وأنها تسعى لنشر الاحتجاجات الشعبية ضد الحكام حتى تتاح الفرصة للتدخلات الأمريكية. ومثل هذه الدعاية المضادة استخدمت في تصريحات مسئولين مصريين ضد حركة 6 إبريل مؤخرا.
كل تلك الاتهامات كانت في خلفية التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية الآن حول التمويل الأجنبي للمجتمع المدني، بعد أن أعلنت السفارة الأمريكية في يوليو الماضي عن منح لمنظمات المجتمع المدني في مصر وتونس وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و ذلك بموجب برنامج مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط لدعم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية. لكن الاشتعال الحقيقي للموقف كان بعد إعلان السفيرة الأمريكية الجديدة في القاهرة خلال شهر يونيو الماضي عن تخصيص الولايات المتحدة أكثر من 40 مليون دولار لدعم الديمقراطية في مصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وأن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أمريكية لدعم المجتمع المدني.
وحسب دراسة لمعهد الشرق الأوسط الأمريكي فإن أكثر من ألف مصري تقدموا للحصول على مبالغ من مكتب المعونة الأمريكية في القاهرة، وأغلبهم من منظمات المجتمع المدني المستقلة، وذلك في مخالفة لاتفاق تم عام 1978 بين مصر والولايات المتحدة يشترط أن تتم التمويلات عبر القنوات الحكومية المصرية. ورغم ما أذيع عن تلقي مجموعة "أنا آسف يا ريس" الداعمة للرئيس السابق مبارك أموالا من دولة عربية، ونفي المجموعة هذا الاتهام، إلا أن أغلب الجدل المثار مؤخرا هو المتعلق بالتمويل الأمريكي. وقد اتخذت تلك الأزمة أبعادا دولية مثل إصدار منظمة "هيومان رايتس ووتش" بيانا تحض فيه على ضرورة وقف التحقيقات مع منظمات المجتمع المدني حول تمويلها بهذا الشكل، لأن وقف تمويل هذه المنظمات يؤدى إلى حرمانها من العمل، نظراً لضعف التمويل الحكومي.
وفي جانب آخر أرسلت 36 من منظمات المجتمع المدني المصرية رسائل إلى مسئولين في منظمات دولية تشكو الإجراءات المتخذة ضدها . وبعيدا عن التمويل التي تتلقاه المؤسسات باسمها من جهات التمويل، فإن هناك نوعا من التمويل أكثر جدلا حول تلقي أفرادا من ذوي التأثير – من قادة الرأي- تمويلا بصفتهم الشخصية وليس بصفتهم المؤسسية، وهو ما يجعل الصراع الدائر الآن محتدا بين رغبة حكومية في أن يتم التمويل تحت قبضة الحكومة وتبعا لقانون الجمعيات الأهلية، وبين رغبة أخرى لدى بعض منظمات المجتمع المدني في العمل بعيدا عن القيود والتعسف الحكومي.

Tuesday, October 11, 2011

المعاقون يطمحون إلى عهد جديد.. لا شىء يخصنا بدوننا


عبدالرحمن مصطفى
«فكرة وجود جبهة تحقق مطالب المعاقين كانت بمثابة حلم.. نسعى الآن إلى تحقيقه»، يتحدث محمد الحسينى المنسق العام للجبهة الوطنية لمتحدى الإعاقة ومصابى الثورة عن نشأتها وآخر ما توصلوا إليه بعد أن أنهوا اجتماعا سريعا فى مقرهم واختاروا استكمال الحديث فى مقهى قريب بمنطقة وسط المدينة.
أغلب الحاضرين كانت لهم تجارب سابقة فى وقفات احتجاجية ومبادرات من أجل حقوق المعاقين حتى قبل تكوين الجبهة، ونشأت العلاقة بينهم إما بسبب لقاءاتهم فى تلك الأحداث أو عبر الإنترنت، فى بداية الحديث أوضح يوسف مسعد مؤسس قناة «صوتنا» الإلكترونية للمعاقين والممثل الإعلامى للجبهة، وزميلته جهاد إبراهيم المدرس المساعد بقسم علم الاجتماع فى كلية الآداب جامعة عين شمس، سبب أن يكون اللقاء فى المقهى، إذ إن كليهما يجلس على كرسى متحرك ولم يرغبا فى المرور بمعاناة صعود سلالم العمارة. ثم يعود محمد الحسينى إلى حديثه قائلا: «تجمعنا قناعة أن العمل عبر الانترنت تجربة زائفة وتكريس لحالة العجز حين يظل الأشخاص يتحاورون دون تعاون مشترك على أرض الواقع». يلقى الحسينى الخيط إلى زملائه مذكرا إياهم بقصة خاضوها سويا مع صفحة على الانترنت لكيان يدعم قضية المعاقين عدد أعضائه على الانترنت يتجاوز الألفى عضو، لكن لا ينشط فيه حقيقة سوى ثلاثة أفراد فقط. كان أعضاء الجبهة والمتضامنون معهم يعملون فى الأسابيع الماضية على وضع مسودة المجلس الأعلى للمعاقين على خلفية لقاء رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف فى أغسطس الماضى. هل اختلف الحال بعد ثورة 25 يناير؟ فى تلك الجلسة عقد أعضاء الجبهة مقارنة بين نشاط المعاقين لنيل حقوقهم فى العام 2010 حين نزل المعاقون إلى الشارع فى موجات احتجاجية، وبين ما حدث من أنشطة بعد الثورة. يشرح سامى أحمد ــ مسئول ملف الجمعيات فى الجبهة ــ والذى شهد الموجة الأولى قبل الثورة فى العام 2010 قائلا: «فى العام الماضى أعد المجلس القومى للأمومة والطفولة مشروع الأشخاص ذوى الإعاقة الذى لم يكن لنا صوت حقيقى فى صكه، ولولا الثورة لكان هذا القانون أمام الدورة البرلمانية التى ألغيت». ما أحدثته الثورة أنها أعطت فرصة أكبر لهم. إذ إن فكرة إنشاء «مجلس قومى لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة» كانت فكرة مطروحة ووافقت عليها حكومة أحمد نظيف العام الماضى، أما اليوم فالمعاقون هم من يتصدى إلى صنع مسودة إنشاء هذا المجلس بأنفسهم». فى أثناء الحديث تنقل جهاد إبراهيم الحديث إلى زميلها رامز عباس المصاب بالصمم تاركة له مهمة قراءة حركة الشفاه. فيستجيب رامز طالبا التعليق متحدثا بلغة عربية سليمة قائلا: «فى احتجاجات العام الماضى كانت الحكومة تتعامل بمنطق شتت العدو تحقق الانتصار، هكذا كان يتم التعامل معنا بإلهاء البعض بوعود بشقق سكنية وآخرين بأكشاك، وللأسف هناك من انساق وراء هذا وانسحب من العمل على دعم حقوق المعاقين بشكل عام بسبب قلة الوعى». ما حدث فى العام الماضى تجربة يخشى الجميع أن تتكرر خاصة بعد أن تركت رئاسة الوزراء الفرصة بأيدى المعاقين لتحقيق مطالبهم عبر مسودة لإنشاء مجلس قومى للمعاقين. وهو اختبار عليهم استغلاله جيدا والنضال من أجل تحقيقه حسب عبارة محمد الحسينى.

جماعة ضغط
تكونت الجبهة الوطنية لمتحدى الإعاقة ومصابى الثورة نتيجة اتحاد مجموعة من الأفراد كان لهم نشاط سابق والبعض الآخر لم يكن له هذا النشاط، وتضم عشرات المتعاونين معها داخل وخارج القاهرة، لكن يدرك أعضاء الجبهة أنهم فى النهاية شريحة ضيقة من المعاقين فحسب وصف أسامة طايع الذى حضر الاجتماع مبكرا: «هناك شرائح مختلفة من المعاقين، هناك من لا يشعرون بمعاناة الشارع ويعيشون فى ترف، وهناك الناشطون ومن لديهم وعى بقضيتهم، وهناك شريحة كبيرة معزولة مع المرض والجهل والفقر، ولا يصل إليها أحد». لا يخفى أسامة فى حديثه مرارة عند الحديث عن حقوق غير المبصرين وهى الشريحة التى ينتمى إليها، وأن كل الظروف فى الشارع وفى التعليم تدفع إلى العزلة، إلا من أراد المقاومة.
وأحد الدلائل على ذلك فى رأى كثير من المهتمين بالقضية هو عدم الاهتمام بعمل حصر دقيق لأعداد المعاقين، وهو ما يجعل هناك تضاربًا فى أعداد المعاقين المصريين ما بين 7 ملايين إلى 10 ملايين. وترجع قلة عدد المبادرين من المعاقين فى مصر فى رأى محمد الحسينى المنسق العام للجبهة إلى دور الإعلام الذى «كرس صورة المعاق فى متسول أو شخص مثير للشفقة، وهو ما ينعكس على أداء المجتمع تجاه المعاق، بل وعلى صورة المعاق تجاه نفسه». هذه الجملة الأخيرة هى التى جعلت كثيرًا من المعاقين لا يدركون أبسط حقوقهم، وآخرون اختاروا حل مشاكلهم بأنفسهم والابتعاد عن دهاليز المؤسسات الحكومية مثل وزارة التضامن الاجتماعى التى ظل اسمها يثير غضب الحاضرين من أعضاء الجبهة بسبب ما يتعرض له المعاقون فى التعامل معها من تعطيل فى الحصول على حقوقهم. وهو أمر لا يقتصر فقط على وزارة التضامن، إذ يلزم القانون على سبيل المثال أصحاب الأعمال الذين يزيد عدد العاملين لديهم على 50 عاملا فأكثر بتشغيل نسبة 5% من ذوى الإعاقة وكذلك نفس النسبة فى الجهاز الإدارى فى الدولة. وهى أمور لا تطبق فى كثير من الأماكن، بل وتطبق بشكل مهين فى أماكن عمل تهمش المعاق داخلها حسب كثير من القصص التى رواها أعضاء الجبهة.
مثل هذا التضييق دفع شابا مثل سامى أحمد عضو الجبهة أن يعلن لزملائه فى جلسته عن نيته الترشح فى الانتخابات البرلمانية المقبلة على قائمة أحد أحزاب التى تأسست بعد الثورة، يعلق زميله يوسف مسعد على ذلك قائلا: «فكرت أنا وزميلى رامز فى تدشين حزب، لكن وجدنا هناك معوقات كبيرة، وكان الهدف ألا يكون حزبا للمعاقين لكن كان طموحنا أن نرى معاقين فى هيئة تأسيسية لحزب سياسى، وأن تظهر قيادات من هذه الفئة.. لذا خطوة زميلنا سامى مهمة جدا».
على أجندة الرئاسة
هذه الروح الجديدة دفعت عددا من مرشحى الرئاسة إلى طرح قضية المعاقين على أجندتهم وهو ما اتضح فى حفل الإفطار الرمضانى الذى نظمه المعاقون وحضره الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، والسيد عمرو موسى، ومندوب عن مكتب الدكتور أيمن نور، وكلهم من مرشحى الرئاسة، هذا إلى جانب تعاون مكتب الدكتور محمد البرادعى مع معاقين والتنسيق معهم بخصوص قضيتهم. يعلق محمد الحسينى المنسق العام للجبهة على ذلك قائلا: «نحن من دفعنا السياسيين إلى التعاون معنا، لأننا إذا ما كان نشاطنا خامدا لم يكن أحد ليلتفت إلينا أبدا». إحدى وسائل تنشيط القضية هو صنع منابر إعلامية خاصة مثل قناة «صوتنا» الالكترونية للمعاقين التى ينشط فيها يوسف مسعد ورامز عباس، وتجربة مواقع خدمية مثل: شبكة معلومات ذوى الاحتياجات الخاصة، التى تضم فى داخلها شكاوى دار الحديث عن إحداها فى أثناء الجلسة عن الشيخ أحمد الإمام بوزارة الأوقاف الذى تخرج فى كلية اللغات والترجمة فى قسم الدراسات الإسلامية، وهو ما يؤهله إلى العمل كإمام فى البلاد الناطقة بغير اللغة العربية، لكن جاء رفض الأوقاف بناء على أنه كفيف. هذه المشكلة نقلت حديث أعضاء الجبهة إلى مساحة أخرى شخصية لديهم، إذ فرض على أغلبهم دخول القسم الأدبى فى المرحلة الثانوية، وهو ما يمارسه بعض المعلمين والنظار فى المدارس حتى اليوم فى توجيه الطلبة المعاقين وإرهابهم من دخول القسم العلمى. وحتى محمد الحسينى الذى التحق بالقسم العلمى فى الثانوية العامة، أقنعه كل من حوله بدخول كلية الآداب، واضطر إلى دراسة نظم المعلومات فيما بعد على نفقته فى معهد خاص والحصول على بكالوريوس. وحسب قواعد القبول التى أعلنتها وزارة التعليم العالى فإنه يتم قبول المكفوفين بكليات الآداب ودار العلوم والحقوق والإعلام والألسن والبنات، وقبول المعاقين حركيا بسائر الكليات التى لا تتعارض طبيعة الدراسة فيها مع إعاقتهم، لكن موقع جامعة عين شمس يحصر قبول المعاقين على كليات (الآداب ــ الحقوق ــ التجارة)، بناء على قرار المجلس الأعلى للجامعات الذى يصدر كل عام بشرط الحصول على الثانوية العامة هذا العام بمجموع درجات 50%.
وتكشف قصة التحاق جهاد إبراهيم المدرس المساعد فى كلية البنات بالجامعة عن أن الأمر نسبى إذ تم رفض قبولها فى كلية التربية بدعوى أن الدراسة بها جانب عملى وميدانى، والمفارقة أنها التحقت بقسم الاجتماع فى كلية البنات وأنجزت رسالة الماجستير فى موضوع تطلب منها جهدًا ميدانيًا شاقًا إلى جانب عملها الأكاديمى. وتعلق قائلة: «كل ما أطمح إليه ألا يتكرر ما يحدث معنا مع الأجيال القادمة، وأن يكون المعاق جزءا طبيعيا من المجتمع سواء كانت لديه إعاقة حركية أو حسية». هذه العبارة أعادت إلى أذهان الحاضرين طه حسين وزير المعارف فى مصر الملكية، ودفعت إلى استدعاء سيرة وزير داخلية بريطانيا السابق ديفيد بلانكيت الذى كان كفيفا ويدير وزارة بهذه الأهمية.
يشرح محمد الحسينى ــ منسق الجبهة ــ التكتيك القادم الذى ينوون تنفيذه فى المرحلة المقبلة عبر تكوين جمعيات داخل القاهرة وخارجها تستوعب من لديهم الرغبة فى العمل من أجل القضية، وأن تحصل الجبهة من ائتلاف هذه الجمعيات على شرعية أمام كل من يريد تعطيل عملهم، ويضيف قائلا: «فى النهاية الجبهة هى جماعة ضغط من أجل هذه القضية». يكرر هو وزميله رامز عباس وسامى أحمد جملة «لا شىء يخصنا بدوننا» التى كانت شعار الحركة العالمية للمعاقين. إذ يرون أنه لن يحقق انجازا حقيقيا للمعاقين إلا شخص منهم خاض معاركهم اليومية، وهذا هو التحدى الذى يعيشونه، وما أن تنتهى الجلسة بعبارات ضاحكة من رامز عباس الذى نجح أحيانا وأخفق أحيانا فى قراءة شفاه الحضور، وانشغل تارة بتصوير الجلسة.
ينطلق الجميع فى طريقه ليواجهوا طرقا غير معدة للكراسى المتحركة، وشوارع لا تحترم حركة الكفيف، ومجتمع لا يهتم بتعلم لغة الإشارة، على أمل أن يكون التغيير بأيديهم وكسب شرائح جديدة من المعاقين ترغب فعلا فى العمل من أجل قضيتها.
pdf

Tuesday, October 4, 2011

تغيير الفكر أولا.. ملامح الثورة تتسلل إلى الورش التدريبية



ترى سارة الشريف ــ صحفية وناشطة مصرية ــ أن ازدياد نشاط ورش ومحاضرات التوعية السياسية والحقوقية فى السنوات الأخيرة قد أثر فى وعى الشباب وربما مثل جزءا من عملية التغيير التى شهدتها مصر والدول العربية مؤخرا، وتوضح ذلك بقولها: «نظام مبارك المخلوع، كان يترك مساحة للعاملين فى مجال الحريات وللنشطاء كى يظهر أمام العالم وكأنه مع الديمقراطية، لكن هذه المساحة ساهمت بشكل ما فى نشر مبادئ الحرية والتغيير والثورة». هذا الرأى يتبناه أيضا عدد من المعلقين على تأثير الوعى السياسى وحركة المجتمع المدنى فى ازدهار الربيع العربى وتغيير النظم فى المنطقة.
وفى داخل الورش التدريبية ومحاضرات التوعية تتكون علاقات جديدة بين الناشطين والإعلاميين، وهذا من أحد الأسباب التى دفعت سارة للمشاركة للمرة الأولى فى فعاليات «الجامعة الصيفية لمنبر الحرية» التى أقيمت مؤخرا فى القاهرة. تم اختيار سارة بناء على سيرتها الذاتية وأنشطتها السابقة فى مجال الحريات، ووسط قاعة المحاضرة كان النقاش ساخنا حول تصورات «ما بعد الثورات العربية» بين شباب من جنسيات عربية مختلفة، وكان المحاضر هو الدكتور شفيق الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، الذى لم يخف ملاحظته عن اختلاف أجواء قاعة المحاضرة هذا العام بالقاهرة تماما عن أجواء أول نشاط للجامعة الصيفية فى العام 2009.
ويقول معلقا: «اختلفت حالة المشاركين عن ذى قبل، خاصة مع المشاركين من مصر، إذ أصبحوا يتحدثون بحماس أكبر لبلدهم وفى تفاصيل لم تكن مطروحة من قبل. «تقوم فكرة الجامعة الصيفية التى تنظمها منظمة المنبر الحر على اختيار بلدين فى كل صيف يستضيفان موسمين دراسيين، أحدهما يكون فى المشرق العربى والآخر فى المغرب العربى، ويقام النشاط على هيئة ورش ومحاضرات مكثفة، وتهدف المحاضرات فى مجملها إلى تكريس قيمة الحرية لدى الشباب من خلال مناقشات فكرية وسياسية.
وتكفى نظرة على قاعة المحاضرة كى تكشف عن تنوع جنسيات الحاضرين من الدول العربية المختلفة رغم ما يجمعهم من تشابه فى أن أغلبهم ناشطون حقوقيون أو إعلاميون ولهم ماض فى حضور مثل هذه الأنشطة. محمد البلاّوى إعلامى مغربى شاب، كان ضمن طلبة دفعة العام 2009 ببيروت، وجاء للحضور مرة أخرى فى دفعة هذا العام 2011 فى القاهرة، يقول: «من المؤكد أن الاختلافات الثقافية أحيانا ما تظهر داخل نقاشات المحاضرة، لكنها تكون فى إطار مقبول، لأن الجميع تم اختياره بعناية، وفق سيرته الذاتية».
وفى رأى بلاوى أن حضور الفعاليات والأنشطة المتعددة يزيد من فرص الفوز فى عند التقديم للحصول على منح أو تدريب، ويضرب بنفسه مثلا إذ يشارك فى أنشطة الجمعيات الأهلية منذ سن السابعة عشرة، مما جعله يصنع تراكما فى سيرته الذاتية، رشحه للحصول على منحة تدريبية فى الولايات المتحدة قبل مشاركته مباشرة فى الجامعة الصيفية هذا العام. ويضيف قائلا: «الأجواء هذا العام أصبحت مختلفة قليلا.. فألاحظ على المصريين أنهم أصبحوا أكثر حماسة عن ذى قبل، ومنهم من يتحدث بقلق عن تجربة الثورة فى بلده».
أحد أهم الملامح التى طرأت على هذه الأنشطة التى تجمع شبابا من دول عربية مختلفة هو تأثير الثورات العربية فى نقاشاتهم، إذ كانت القاعة تضم دولا ملكية وجمهورية ودولا ما زالت تشهد معارك ضد نظامها السياسى، وأحيانا ما كانت تثار أسئلة أكثر حماسا فى القاعة من نوعية: «متى نرى الملكيات العربية وقد تحولت إلى جمهوريات؟». فى هذه الحالة على الجميع ــ خاصة من الدول الملكية ــ أن يتسم بالمرونة وقبول الرأى الآخر.
وفى أثناء محاضرة الدكتور شفيق الغبرا عن الثورات العربية كانت تدور اشتباكات حوارية حول هل تؤدى الثورات إلى فوضى؟ وهل واجب علينا احترام رؤسائنا وعدم عزلهم حتى إن كانوا مستبدين؟ سارة الشريف من مصر تصدت للدفاع عن الثورة وعن فكرة عزل مبارك، فى مواجهة زميلة يمنية رفضت التحريض على الرؤساء. لكن هذا النقاش الساخن لم يخرج فكرة الجامعة من مضمونها الأساسى المهتم بالفكر الديمقراطى الليبرالى والعمل التنويرى، بل كانت المحاضرة السابقة على تلك المحاضرة على سبيل المثال عن: «مسألة الحرية فى الفكر القومى العربى» وعن أدوار الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومن تبعهما من المفكرين.
لا يخفى منظمو فعالية الجامعة الصيفية الطابع الليبرالى الذى يغلف النقاش وموضوعات المحاضرات، هذا الطابع الليبرالى الذى يغلف المشروع قد يجعل وجود شاب ملتحى مثل محمد عبده سالم ــ مصرى الجنسية ــ غريبا للوهلة الأولى على قاعة المحاضرة، وهو ما يوضحه قائلا: «هذه ليست المرة الأولى التى أحضر فيها الجامعة الصيفية، بل حضرت فى العام 2009 ببيروت وكان مظهرى المتدين مربكا للكثيرين ومثيرا لشكوك الأمن لمجرد أنى ملتح». فى داخل القاعة لا يخفى محمد عبده سالم هويته أو انتماءه إلى حزب النور السلفى، ويعلن بوضوح أنه مع تطبيق الشريعة فى المستقبل، لكنه يعلن تلك الآراء دون أن يحدث صداما مع أحد، حسب القواعد الليبرالية للمكان، ويعلق قائلا: «المشكلة أن بعض الجهات التى تنظم ورشا تدريبية تستبعد السلفيين والإسلاميين أحيانا، وأقول بصراحة إن هناك ليبراليين يدّعون وقوفهم إلى جانب الحريات لكنهم يتخذون مواقف متشددة ضد من يخالفهم.. أما هنا فأجد مناخا يتيح لى أن أسأل وأن أرفض وأن أتعرف على الفكر الليبرالى بحرية، وأؤمن بأفكار وأتحفظ على أخرى، وهذا ما وفره الدكتور نوح الهرموزى مدير برنامج منبر الحرية كنموذج لشخص يعى معنى الحرية والليبرالية فعلا وقولا».
رغم ذلك فإن الجامعة الصيفية أحيانا ما تواجه صعوبات مع بعض الدول العربية، إذ تعرض اثنان من المشاركين السعوديين فى الجامعة الصيفية عام 2009 لمضايقات أمنية عند عودتهم من بيروت إلى السعودية، كما رفضت السلطات السورية استقبال الجامعة الصيفية دون إبداء أسباب. ويقول الأكاديمى المغربى الدكتور نوح الهرموزى ومدير برنامج منبر الحرية: «وجدنا هذا العام صعوبة فى استضافة الشباب السورى رغم موافقتنا على طلبات التحاقهم، ولم يحضر إلا واحدا بعد عمليات تمويه.. وهذه هى مشكلات الدول التى تتخوف من فكر الحرية والليبرالية».
ويذكر الدكتور الهرموزى أن هناك مشاكل تواجه لفظ الحرية والليبرالية فى مجتمعاتنا إذ يجرى ربطهما بمعان سيئة مثل التفسخ الأخلاقى أو سيادة الشركات العملاقة والرأسماليين، وهذه أمور لها علاقة بمشكلات مجتمعية وليست مشكلة الحرية. وحسب عبارته: «التغيير القادم عليه أن يكون عبر الفكر لبناء المجتمعات وتكوين شبكات من الباحثين وأصحاب الفكر من الشباب.. وهذا ما نطمح إليه».



جامعة صيفية بدون قاعات دراسة


تقوم فكرة الجامعة الصيفية على استغلال فترة الصيف فى تكوين برامج تدريبية وتعليمية للشباب، وهو ما تقوم به أيضا بعض مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى، وقد بدأت فكرة الجامعة الصيفية ضمن مشروع منبر الحرية فى العام 2009، إذ تقام الجامعة مرتين، الأولى فى بداية الصيف والمرة الثانية فى نهاية الصيف، على أن يستضيف فعاليات الجامعة فى المرتين بلد مشرقى، وآخر مغاربى.
ويقول نوح الهرموزى مدير منبر الحرية «نشأت فكرة مشروع منبر الحرية قبل سنوات، حين بدأنا بموقع الكترونى ينشر ويترجم مقالات وأمهات الأعمال عن الحرية والديمقراطية والأدبيات الإنسانية، ثم تطورت الفكرة بمجموعة من الباحثين العرب، حتى انتهينا بالجامعة الصيفية قبل عامين». ونشأت الفكرة فى البداية كمشروع تثقيفى يتبنى أن العقل هو محك الفكر والعمل، وفى خلفية تقف ضد الهيمنة الأمريكية ونزعتها العنيفة فى المنطقة، إذ كان الهدف من هذا المشروع هو استهداف الشباب ذوى الثقافة الجيدة والمهتمين بقضايا الحرية فى الوطن العربى لتطويرهم وفتح مجالات فكرية جديدة أمامهم واستكتابهم فى موقع المنبر على الانترنت، وتأتى فكرة الجامعة الصيفية بهدف تكوين علاقات بين الشباب الناشط فى مجتمعه وتعريفه بالمزيد عن قضايا الحريات والليبرالية وجذورها فى المجتمعات العربية. ولا تنتمى الجامعة الصيفية ولا منظمة منبر الحرية إلى أى انتماء سياسى سوى قضية دعم الحريات، وموقعها على الانترنت:

minbaralhurriyya.org

Friday, September 30, 2011

المدينة الشبح.. معرض يصف أصوات القاهرة


ما بعد الحداثة مرت من هنا
المدينة الشبح.. معرض يصف أصوات القاهرة
كتب - عبدالرحمن مصطفى
كل ما عليك هو أن تستسلم لخطواتك وأنت تبحث عن القاهرة داخل معرض "المدينة الشبح" الذي اختتم الأسبوع الماضي. وفي القاعة الرئيسية بمركز سعد زغلول الثقافي لم يكن هناك بديل آخر أمام الزائر الذي يرغب في متعة التجربة، إذ يعتمد التجهيز على تحفيز حالة الترقب، بدء من التجهيز الصوتي الذي أعده أربعة فنانين هم : ألفريد تسيمرلين وفرنسيسكا باومان من سويسراً ، و نهلة مطر ومروان فوزي من مصر. مرورا بالصور الفوتوغرافية التي التقطتها الفنانة الشابة: دعاء قاسم، و الإعداد البصري للفنان طارق مأمون. بدعم بروهلفتسيا، المؤسسة الثقافية السويسرية بالقاهرة.
بمجرد أن يصل الزائر إلى قاعة العرض الرئيسية، يخطو بقدميه إلى قاهرة أخرى، أختار الفنانون أن يقدموها بأسلوب لا يحاكي الواقع أو يعيد إنتاجه، بل بأسلوب يعيش فيه الزائر وسط أصداء المدينة، سامعا أصواتا يعرفها وصورا رآها من قبل، لكن بإعداد غير تقليدي، اعتمادا على فن التجهيز Installation الذي يجيده فنانون العرض. "ستختلف الرحلة من زائر إلى آخر، والتجهيز الصوتي الموجود في المعرض لن يقوم بأي دور إرشادي، إنها مهمة الزائر حسب حركته في المكان". هكذا عبرت الدكتور نهلة مطر الأستاذ المساعد بقسم النظريات والتأليف في كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان والمشاركة في التجهيز الصوتي للعرض. وينتمي فن التجهيز إلى فنون ما بعد الحداثة التي لمعت منذ الستينات تعبيرا عن عصر جديد يتمرد على حقبة "العصر الحديث" بكل فنونها وآدابها، حيث يتحول عرض من نوعية "المدينة الشبح" إلى تجهيز صوتي وبصري في فضاء يعتمد على حركة المشاهد، ولا يعبر عن الواقع بقدر ما يهتم بالمجاز، حيث يعيش الزائر مع أصوات مألوفة تم معالجتها الكترونيا حتى يصل إلى المعنى الذي يختاره. وكأنها لعبة يلعبها الزائر مع أصوات ومشاهد وصور.
عند المرور من باب القاعة الرئيسية يتضح ما كانت تصفه الدكتورة نهلة، إذ يقابل الزائر ممرا تحلق فيه أصواتا مختلفة في توقيتات متتالية، فمن يمر في العشر دقائق الأولى من افتتاح العرض سيستمع إلى تجهيز صوتي مختلف عن الذي سيسمعه زائر آخر جاء متأخرا، وقد يختلف أو يتطابق مع ما سيسمعه كلاهما في أثناء مغادرتهما المعرض. بل وتأتي الأصوات من مواقع مختلفة في هذا الممر من سماعات وضعت في مواضع متفرقة، يتجاور صوت الأذان و أجراس الكنيسة وأصوات عمال البناء، وكأنها مرحلة تحضيرية لما سيقابله الزائر في المراحل التالية من العرض. تلك الأصوات هي في الأساس جزء بسيط من حصيلة أصوات جمعها الفنانون أثناء عملهم في مشروع توثيق ذاكرة القاهرة الصوتية، وحين قامت ثورة 25 يناير تم تسجيل أصوات أخرى من ميدان التحرير.
هل يمكن لزائر لا يتذوق فنون ما بعد الحداثة أن يتفهم المعرض؟ لا يخفي المؤلف الموسيقي مروان فوزي المشارك في التجهيز الصوتي غربة هذا النوع من الفن عن الحالة الفنية اليوم، ورغم ذلك يقول: "المسألة أصبحت أكثر قربا بعد انتشار الانترنت، ودخول بعض المهتمين إلى فيديوهات وتسجيلات صوتية ونماذج من هذا الفن، هذا ما ألاحظه على طلبتي في كلية الفنون الجميلة على سبيل المثال.. لكن لا يمكن مقارنة الإقبال عليه بأي شكل من الأشكال بحفاوة الغرب بفن التجهيز.". حسب تعبير مروان فإن معدل إقامة معرض كهذا في مصر مثل إقامة عرض أوبرا فاجنر في الأوبرا المصرية – وهو أمر نادر- على عكس شيوع ذلك بمجرد عبور البحر المتوسط إلى أوروبا. وتشير نهلة مطر إلى أن الظروف السياسية وقيام العرض في شهر رمضان حتى بعد العيد بأيام كلها أمور لم تصب في صالحه.
بعد أن يتجاوز المار المرحلة الأولى في الممر ينتقل إلى صالة يتدلى من سقفها شرائط ورقية طولية متجاورة تحمل صورا لا تكمل بعضها من شوارع القاهرة. وهو ما يعبر عن ما بعد الحداثة حيث تتجاور المكونات المختلفة، في الموسيقى وفي الصورة، بل وفي ملامح الحياة العادية التي يتناول فيها احدهم طعاما يمنيا أو أمريكيا في حي مصري تقليدي (!). وما أن يترك الزائر تلك القاعة (المتاهة) إلى الممر الجديد حتى يشعر بتكثيف ما قابله في المرحلتين السابقتين، واستخدم الفنانون وصف "النفق" لهذا الممر الطويل المنحني، وفي تلك المرحلة تظهر مفارقة بين ما كان يطمح إليه الفنانين السويسريين من تصور يستدعي روح مصر القديمة، وتصميم المعرض وكأنه مقبرة، تؤدي إلى غرفة نهائية أقرب إلى قدس الأقداس، في مقابل انشغالا نلمسه لدى الفنانين المصريين ببث الحياة في العرض، مثل وجود صور تعبر عن الشارع المصري، أو أصوات بائعي المياه في ميدان التحرير، أو هتاف "الشعب يريد" وأصوات أوراق الأشجار وأصوات المياه عند مقياس النيل التي تم تسجيلها قبل شهور مضت. لكن يتقبل الزائر هذه المفارقة حين يدرك محاولات الفنانين للفت نظره وسمعه إلى هذه المدينة الشبح الفرعونية القبطية الإسلامية و.. الثورية. يكشف كلا من الفنان مروان فوزي والفنانة نهلة مطر عن جانب آخر لا يراه الزائر، ولن يراه حتى لا يكسر تلك الحالة التي يعيشها الزائر بالداخل، وهو عن الأجهزة المستخدمة في عملهم وخفايا صناعة هذا التجهيز. إذ تستقر السماعات في مواضع معينة، ويستقر جهاز كمبيوتر (لابتوب) يستخدمه مروان في بث الأصوات التي تمت معالجتها موسيقيا وصوتيا. "ليس الهدف صناعة مقطوعة موسيقية لكنه عرض متكامل" حسب عبارة نهلة مطر. ولا تكتمل الجولة إلى بالوصول في آخر النفق إلى غرفة هي "قدس الأقداس" حسب التعبير المصري القديم أو أخطر غرف المعابد المصرية. يجلس الزوار أمام شاشة وسماعات للإنصات إلى التجهيز الصوتي الذي أعده كل فنان من المشاركين بشكل أفضل. وفي النهاية حسب تعبير طارق مأمون الذي عمل على صنع التصميم أو الفضاء البصري لهذه الأصوات المعالجة تقنيا فإن "الهدف نقل انطباعات فنانين مصريين وسويسريين عن القاهرة في عمل واحد". لكن رغم ذلك تبقى وجهة نظر أخرى لزائر شارك في العرض بحركته واندماجه مع ما حوله من تجهيز.

Friday, September 23, 2011

خالد فهمى: نحن من يصنع التاريخ ولن نعود رجالاً للباشا


فى حفل توقيع الطبعة الثانية من (كل رجال الباشا)..ـ
كتب - عبدالرحمن مصطفى
«من حق الشعب والمؤرخ أن يكتب التاريخ من أسفل، عبر التأريخ لفئات فى قاع المجتمع.. وهذا هو مضمون الكتاب الذى بين أيدينا الآن» ــ بهذه العبارة وصف الكاتب جميل مطر عضو مجلس التحرير بجريدة «الشروق» كتاب «كل رجال الباشا» للدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية فى أول حفل توقيع للطبعة الثانية من الكتاب الذى أقيم فى مكتبة الشروق بالزمالك يوم الاثنين الماضى، وقد صدرت الطبعة الثانية هذا العام عن دار الشروق فى حوالى 450 صفحة تناول فيها الكاتب تاريخ مؤسسة الجيش فى عهد محمد على وكيف أثرت على المجتمع المصرى فى ذلك الوقت، هادما بين طيات كتابه بعض الصور التقليدية عن عصر محمد على.
وفى تقديمه للكتاب فى بداية الحفل استعار الكاتب الصحفى جميل مطر بعض المقتطفات التى استوقفته فى مثل وصف الرحالة لمحمد على عن «بريق عينيه اللامعة» وملامحه المهيبة، معلقا على ذلك بقوله: «مثل تلك الصفات كنت أسمعها وأقرأها عن جمال عبدالناصر، وصدام حسين، وكأنها نصوص مكررة تستخدم فى صناعة الزعماء».
فى الطبعة الثانية من الكتاب أضاف خالد فهمى مقدمة جديدة كتبها فى 2010 بنيويورك حين كان يعمل كأستاذ بجامعة نيويورك قبل انتقاله للعمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحسب عبارته يقول: «كتبت تلك المقدمة قبل سقوط مبارك، وكان داخلى قناعة أعلنها الآن بصراحة أننى كنت أعد هذه الدراسة وعيناى على الواقع المصرى، إذ إننى أؤمن بأننا نحن أفراد الشعب المصرى من يصنع التاريخ، وليس محمد على أو مبارك أو غيره، وحتى ما حدث مؤخرا من موقف المؤسسة العسكرية من تأييد الثورة فإن ذلك ليس منحة من أحد، لأن هذا الجيش ما زال جيش المصريين والبسطاء وليس جيش الباشا».
فى داخل كتاب «كل رجال الباشا» يرصد الكاتب علاقة محمد على بالدولة العثمانية وذكر فى تعليقه على سؤال من القاعة حول ما راج عن «سر دهاء محمد على ومكره السياسى»، قائلا: «محمد على كان يدرك منذ البداية أنه جزء من الدولة العثمانية ولديه بُعد عثمانى واضح، فلنا أن نتخيل أن هذا الرجل قد بنى مقبرته فى مصر عام 1809 بعد أعوام قليلة على صدور فرمان توليه مصر عام 1805، وذلك قبل مذبحة القلعة عام 1811 التى قضى فيها على أعتى خصومه المماليك، وهو ما يكشف عن إصرار هذا الرجل وإرادته الصلبة، وأنه كان يدرك مشروعه مبكرا فى أن تتحول مصر إلى ولاية يحكمها هو وعائلته».
يأتى حفل التوقيع بعد أسبوع من زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بما أثارته من جدل بعدها، وهو ما دفع الكاتب جميل مطر فى تقديمه للحفل أن يعلق على ذلك قائلا: «كشفت زيارة أردوغان الأخيرة عن أننا ما زلنا مرتبطين بالموروث العثمانى على مستوى الشعب والنخبة حتى الآن».
لم يخل مشروع خالد فهمى الذى يستعد الآن لإنهاء كتاب عن محمد على وسيرته من عراقيل بدأت حسب وصفه من غياب وثائق ديوان الفابريقات «المصانع» لتلك الفترة، ثم حين اتجه إلى المتحف الحربى التابع لوزارة الدفاع واضطراره إلى المرور على جهات أمنية كى يوضح موقفه وغرضه من دراسة المؤسسة العسكرية، رغم أنه كان يدرس فترة حكم محمد علي. يقول على ذلك معلقا: «أشكر دار الشروق والمهندس إبراهيم المعلم على عدم تخوفهما من نشر دراسة تاريخية عن الجنود المصريين، وهو ما كان يثير ريبة البعض طوال مشوار جمعى للمادة الوثائقية».
وفى عرضه لقصة كتاب «كل رجال الباشا» الذى كان فى الأصل دراسة للدكتوراه حصل عليها من جامعة أكسفورد عام 1993. لم يخف خالد فهمى حساسية الموضوع لكونه متصلا بدراسة نشأة المؤسسة العسكرية، وشرح كيفية تطور مشروعه البحثى حتى استقر على تلك الفكرة، وذكر موضحا: «الحقيقة أن هذا الموضوع لم يكن هدفى الأول، لكن فى أكسفورد هناك مرونة تختلف تماما عن الجامعات المصرية وكان هدفى هو الإجابة عن سؤال لماذا يتقدم الغرب ونحن نتأخر؟ وهل كان هناك مشروع نهضة حقيقى لمحمد على أجهضته مؤامرة غربية؟ وكان أمامى بدائل متعددة لدراسة مؤسسات الدولة، وقادنى البحث إلى أرشيفات الحروب المصرية فى السودان والحجاز والمورة والشام، والعقوبات التى كانت توقع على الجنود المصريين، وقررت بعد مناقشات دامت سنة مع مشرف الرسالة أن يكون مشروع الدراسة عن الجندى المصرى وأن أدع للجندى المصرى فرصة لأن يذكر روايته للأحداث وألا أقع أسيرا لرواية محمد على عن نفسه من خلال وثائق الدولة».
وجمع حفل التوقيع بعض من شاركوا خالد فهمى فى مشواره البحثى والمتعاونين معه حاليا فى لجنة توثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية التى يرأسها، ودفع إعلانه عن تأثره بالواقع المصرى الحالى طوال فترة إعداده الكتاب إلى أسئلة من القاعة حول استعداد المصريين للثورة على حاكمهم، وهو ما دفعه إلى دعوة الباحثين إلى إعادة قراءة «هبّات» المصريين ضد الحاكم ذاكرا بعض الأمثلة التى أورد بعضها فى كتابه قائلا: «يجب قراءة حالات مقاومة المصريين فى الصعيد ضد محمد على ونظام التجنيد، وكيف تعرضوا للضرب بالمدافع فى المنوفية نتيجة مقاومتهم وهى مواقف احتجاجية قتل فيها الآلاف». كانت فكرة العقوبات البدنية أحد المقتطفات التى توقف عندها الكاتب جميل مطر فى بداية حفل التوقيع رابطا فكرة علانية العقوبة المطروحة فى الكتاب كأداة للضبط، وبين ما كان يحدث فى عهد مبارك من تسريب فيديوهات للعقوبات البدنية لإشاعة الذعر لدى المواطنين. مستعينا بفقرات تؤكد أن العقوبة البدنية «لم يكن هدفها فقط السيطرة على جسد الفرد فى ذلك الوقت، بل أيضا السيطرة على العقل».
وفى أثناء حفل التوقيع لم يخف خالد فهمى خطته فى التأريخ لمؤسسة الجيش حسب رواية الجندى المصرى دون أن ينكر حضور محمد على فى خلفية الأحداث، إذ يبدأ الكتاب بنقد صورة محمد على التقليدية وكيف تم رسمها فى الكتابات التاريخية ثم رحلة الجندى داخل المؤسسة العسكرية النامية بدءا من مولد الجيش وضم الفلاحين المصريين إليه، ثم كيف تتم السيطرة على الجندى الذى كان يخوض هذه التجربة لأول مرة فى حياته، وبعض تفاصيل حياته العسكرية، خاتما بحالة المقاومة والانسحاب، ثم يختم كتابه بالعودة إلى محمد على مرة أخرى فى ختام الكتاب.
وفى سؤال من «الشروق» حول هل كانت نشأة المؤسسة العسكرية فى تلك الفترة وسطوتها على بقية المؤسسات عنصرا مؤثرا على مسار التاريخ المصرى الحديث؟ خاصة أن هذا الرأى ما زال يروجه البعض الآن عن ضرورة إبقاء المؤسسة العسكرية فى مكانة سيادية فوق بقية المؤسسات. وأجاب خالد فهمى قائلا: «دول العالم الثالث هى التى تروج لفكرة سيادة المؤسسة العسكرية على بقية المؤسسات، ولا أنكر أن حالة الزهو بالمؤسسة العسكرية لمسته فى الولايات المتحدة نفسها، لكن على أرض الواقع فقد كانت هناك العديد من المؤسسات مثل الصحافة والقضاء والتعليم تعمل بقوة طوال التاريخ الحديث رغم تدهور بعضها مؤخرا، الأمر الأهم أن هو أن تجربة الجيش فى عهد محمد على مختلفة تماما عن الجيش اليوم، إذ كانت التركيبة العرقية مختلفة عن تطور الجيش فيما بعد، فقد كان جيش عرابى مختلفا عن الجيش فى ظل الاحتلال البريطانى، وعن جيش ثورة يوليو الذى استمرت ملامحه حتى اليوم». وأنهى خالد فهمى حفل التوقيع مختتما بقوله: «إن هناك تعاقدا بين الشعب و المؤسسات التى لها حق حمل السلاح، ومن حق أفراد الشعب أن يمارسوا نوعا من الرقابة على تلك المؤسسات وأن يتأكدوا من قوتها وحجم إمكانياتها، وهذا ما يزعزع فكرة أن المؤسسة العسكرية هى المؤسسة الوحيدة المستقرة وعليها أن تتسيد على بقية المؤسسات.. لأن هذا الجيش فى النهاية هو جيش الشعب، وليس جيش القادة».
PDF

Sunday, August 28, 2011

عقل قديم فى شكل جديد ... أسطورة الشرطى التى لم تتحطم


الجميع ينتظر التغيير
من يطلق النار على ماضي الداخلية؟


كتب - عبدالرحمن مصطفى
«إن الصورة المزعجة التى ارتسمت فى وعى المواطنين عن رجل الشرطة جعلت هناك ميلا تلقائيا إلى وصف من يرتكب سلوكا عنيفا وغير لائق بأنه مثل ضابط الشرطة، بل إن رجل الشرطة نفسه إذا ارتكب سلوكا مذموما أو مخالفا للقانون لا يرجعه الآخرون إلى أخلاقياته أو إلى البيئة التى تربى فيها، بل إلى كونه فردا من أفراد الشرطة». هذه الصورة التى سجلتها الدكتورة بسمة عبدالعزيز فى كتابها (إغراء السلطة المطلقة، دار صفصافة، 2010)، قبل قيام ثورة 25 يناير، ما زالت مستمرة حتى الآن، إذ ما زال الإعلام التقليدى والانترنت معا يعرضان كمًا كبيرا من الغضب تجاه الشرطة سواء باتهامها بالتقاعس عن أداء مهامها أو بسبب استمرار تعسف بعض أفرادها حتى اليوم. من بين مئات الصفحات على الانترنت التى تتناول أداء الشرطة وتطور صورتها كتب مؤسسو صفحة وزارة الداخلية المصرية هذا العنوان: «يا ريت نفترض حسن النية فى الحديث بيننا».
لكن هذه العبارة المؤثرة لم تجد صدى لدى بعض المعلقين فتباينت التعليقات بين متعاطفة مع العنوان وأخرى من نوعية «طهر الجهاز أولا عشان نحس إنكم بالفعل تحبون هذا البلد ولا تحبون البدلة التى تستغل فى الإرهاب». ومنذ أن أنشئت الصفحة التى أسسها مجموعة من الضباط قبل تنحى الرئيس السابق مبارك بأيام ما زالت صورة الشرطى قبل 25 يناير مسيطرة على المشهد. يرى العميد السابق ــ محمود قطرى ــ بحكم خلفيته الشرطية أن الحل قادم من داخل جهاز الشرطة نفسه، إذ يقول: «الضابط لا يستطيع التخلص من ولائه للوزارة ولزملائه، أما الأهم فهو ولاء الشرطى للتعليمات، وهذا ما يجب الاعتماد عليه فى التعامل مع العاملين بالجهاز، كى يتغير أداء الشرطى بناء على هذه التعليمات الجديدة».
ما يذكره محمود قطرى يختلف عن وجهة نظر أخرى يقدمها الدكتور أحمد عبدالله ــ مدرس الطب النفسى بكلية طب جامعة الزقازيق- الذى يقول: «إذا لم تقبل وزارة الداخلية التعامل مع متخصصين من خارجها ستظل العقلية نفسها هى المسيطرة على جهاز الشرطة وأفراده». يذكر أحمد عبدالله هذا الرأى فى تعليقه على مصير مبادرة الصحة النفسية للشرطة والشعب التى تصدى لها مجموعة من الأطباء النفسيين أطلقوا على أنفسهم «نفسانيون من أجل الثورة»، ودعت المبادرة إلى عدد من التوصيات على رأسها: معالجة عقيدة وعقلية الاستعلاء الشرطى. ويضيف أحمد عبدالله: «ما حدث فى الفترة الماضية أنه كان هناك اختلال فى التعاقد القائم بين الشرطة والشعب أدى إلى تعسف من الجهاز الأمنى، أما ما يجب أن يحدث الآن هو أن تقبل الوزارة مشاركة المبادرات المدنية أو حتى جهة مثل المجلس القومى لحقوق الإنسان من أجل إعادة تشكيل ذلك التعاقد بين الشرطة والشعب، وألا يعتمد الأمر على الارتجال والضغط المتبادل بين الشعب والشرطة».. وتأتى فكرة التعاقد بين مؤسسة ترعى الأمن وأفراد الدولة كإحدى العلامات المهمة فى تطور الدولة الحديثة منذ نشأتها، إذ كانت الحالة المصرية قديما تعتمد على مجموعات بعينها فى المجتمع هى من تحتكر حمل السلاح على رأسها المماليك، وكانت حيازة السلاح آنذاك فى البيوت الكبيرة تصنع نوعا من التوازن فيما بينهم، بينما لا يشارك الشعب فى الرقابة على من يحمل السلاح. يرى الدكتور خالد فهمى ــ أستاذ ورئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية فى القاهرة ــ أن جهاز الشرطة فى النصف الأول من القرن الماضى كان فعالا فى مقاومة الجريمة، وكانت نبرة الفخر المؤسسى واضحة فى تلك الحقبة، ويعلق: «ما حدث فى ثورة 25 يناير هو محاولة لضبط المعايير للفئة التى تحتكر استخدام السلاح داخل الدولة وهى جهاز الشرطة». ويؤكد خالد فهمى فى كتاباته على أن عهد الرئيس السابق مبارك كان نقطة مهمة فى تغير أداء الشرطة وهو ما انعكس بالتالى على صورتها، إذ كان إعلان حالة الطوارئ فى العام 1981 سببا فى تغير أداء عمل الشرطة فى القبض والاحتجاز والتحقيق، وفى تجاوزات تمت تحت ادعاء مكافحة الإرهاب وامتدت إلى مظاهر أخرى مثل الاستعانة بمجرمين فى التحرى الجنائى.
فى مساحة أخرى داخل أكاديمية الشرطة تتشكل صورة الضابط مبكرا تحت ظروف وإجراءات خاصة، ذكر العميد السابق محمود قطرى بعضها فى كتابه الشهير «اعترافات ضابط شرطة فى مدينة الذئاب»، إذ يذكر أن بعض المواقف التى كانت تحدث داخل كلية الشرطة هدفها حسب عبارته: «تحويل الضباط إلى عبيد يهدفون إلى إرضاء سادتهم». ورغم ما دونه فى كتابه الصادر فى العام 2004 إلا أنه يجد اليوم أن بذرة الأمل فى جهاز الشرطة تتمثل فى أفراده وفى خلفياتهم الاجتماعية، ويقول: «ما أؤكده أن عملية اختيار أفراد جهاز الشرطة تتم على مستوى عال من الدقة، وهو ما يعد ميزة يجب استغلالها، إذ إن طلبة أكاديمية الشرطة ينتمون إلى أسر ذات مستوى طيب.. لكن المشكلة الآن فى التخلص من القيادات الفاسدة ذات العقليات القديمة». كانت إحدى أهم التوصيات التى تبنتها مبادرة الصحة النفسية للشرطة والشعب «تكوين لجنة متعددة التخصصات من خبراء الأمن وعلماء النفس وعلماء الاجتماع وقانونيين وناشطين فى حقوق الإنسان وذلك لمراجعة المناهج وطرق التدريس والتدريب بكلية الشرطة وتقديم مقترحاتها لإدارة الكلية»، لكن مسئولين بوزارة الداخلية اكتفوا بوعود فقط أن تكون الدراسة فى المرحلة القادمة أكثر تطورا، وهو ما يجعل الوضع باقيا على ما هو عليه حتى حين.





داخل إحدى أكاديميات التأهيل للكليات العسكرية كان محمد إبراهيم المتخرج حديثا من المرحلة الثانوية يبحث عن فرصة لدخول كلية الشرطة، ويعلق على ذلك قائلا: «أنا هعتمد على شخصيتى بعد ما أبقى ضابط، رغم المشكلات اللى بيواجهها ضباط الشرطة حاليا فى تعاملهم مع الناس».
ترك محمد إبراهيم بلدته فى محافظة المنيا وجاء خصيصا كى يقيم مع عمه فى القاهرة بحثا عن وسيلة للالتحاق بأكاديمية الشرطة بعد أيام من فتح باب التسجيل على موقع الأكاديمية على الانترنت، وبدا متفائلا على عكس آخرين أظهروا قلقهم على مواقع الإنترنت، إذ كتب أحدهم على صفحة ائتلاف ضباط الشرطة الحر قائلا: «أنا دلوقتى فى ثالثة جامعة كلية الآداب وعاوز أقدم فى كلية الشرطة السنة دى.. هل ينفع أم لا..؟ لأننى حابب ادخل كلية الشرطة وأكون واحدا من أبنائها». تلقى صاحب هذه العبارة تعليقات استهجان إحداها: «ليه يابنى تعمل فى نفسك كدة، دى الناس بتدعى عليهم ربنا ينتقم منهم». مثل هذه التعليقات لا يهتم بها محمد إبراهيم. فحسبما يقول عمه المرافق له فى فترة التدريب فإن: «الصعيد له حسابات أخرى، إذ إن مهنة الشرطة ما زالت مثار فخر وما زال لصاحبها حضور قوى، رغم حالة الاستهانة التى قد يواجهون بها الآن». حسبما يؤكد مسئول التدريب فى أكاديمية التأهيل فإن إقبال الشباب لم يقل هذا العام عن الأعوام السابقة، لكن شابا آخر «بلديات محمد إبراهيم» من محافظة المنيا، يعرض وجهة نظر أخرى، قائلا: «أنا اخترت دخول الحربية لأن الأيام أثبتت أن المستقبل للجيش».
هذا الشاب نفسه لم يخف قلقه من الروايات التى يسمعها فى بلدته عن شباب المجندين الذين التحقوا بالخدمة العسكرية ونقلوا له خبرات صعبة أثناء فترة تجنيدهم. ويعلق قائلا: «أخشى من التعرض لضغوط أو تعسف إذا تم قبولى فى الكلية الحربية».وحسب تصريحات اللواء أحمد البدرى ــ مدير أكاديمية الشرطة ــ فإن أكثر من 30 ألف طالب تقدموا هذا العام للالتحاق بالأكاديمية، وهو ما يمثل ضعفى عدد المتقدمين العام الماضى، إذ تقدم وقتها أكثر من 16ألف طالب. ولم يقتصر الأمر على خريجى الثانوية العامة بل ظهرت شريحة من خريجى كليات الحقوق أعربوا عن رغبتهم فى استعادة حلمهم القديم للالتحاق بأكاديمية الشرطة. وذلك بعد أن وعدت الحكومة المصرية قبل شهور بدراسة قبول خريجى كليات الحقوق داخل سلك الشرطة، وتكرار التوصيات بتفعيل هذه المبادرة.
مصطفى زكى خريج دفعة 2007 من كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية كان أحد هؤلاء المطالبين، إذ تقدمت مجموعة من أصدقائه بفكرتهم إلى الدكتور عصام شرف، ويعلق على ذلك قائلا: «لم أنجح فى الالتحاق بكلية الشرطة أو سلك النيابة.. وأعمل الآن فى إحدى الشركات السياحية بمدينة شرم الشيخ». ترك مصطفى زكى رقم هاتفه فى إحدى المجموعات الإلكترونية على شبكة فيس بوك على أمل أن يتلقى مكالمة تبشره بميعاد تقديم أوراقه إلى أكاديمية الشرطة، وهو ما جعله يظن فى بداية المكالمة الهاتفية معه أنها البشرى التى ينتظرها، ويقول معلقا: «إذ ما فتح الباب أمام خريجى الحقوق سيتقدم الآلاف، لأن خريج الحقوق يتعرض لكثير من المشاق حتى يجد عملا مستقرا، لكن قطاع الشرطة يوفر العديد من المزايا على رأسها العمل المستقر».
وجهة نظر مصطفى زكى خريج الحقوق تتفق مع محمد إبراهيم الشاب فى مركز التأهيل للكليات العسكرية، إذ يرى كلاهما أن الشرطة عائدة لا محالة، لكن إبراهيم تحركه أبعاد أخرى عائلية، إذ إن له أقرباء من القيادات الشرطية الحالية استمروا فى خدمتهم بعد الثورة، أما عن جذوره الصعيدية فيقول: «تأكد أن القواعد فى الصعيد مختلفة، إذ لم تحدث مواجهات مع الشرطة بنفس القوى التى جرت فى مدن مثل الإسكندرية والقاهرة والسويس.. وما زالت العلاقات العائلية تدير الموقف مع الشرطة، وهو ما لا يشعرنى بالقلق».




يستعيد العميد كمال سعيد (تم تغيير الاسم بناء على رغبة المصدر) العديد من المواقف التى واجهها أثناء عمله بجهاز الشرطة، ولا ينكر أن ما كان يعيشه من مواقف مع المجندين وأفراد الشرطة أصبح يقرؤها الآن بشكل آخر. خاصة أنه بالمعاش منذ سنوات ولديه القدرة على أن يراقب الموقف من بعيد، ويعلق: «عقلية الشرطة لا تختلف كثيرا عن أى عقلية عسكرية تقدس الأوامر واحترام المسافات فى التعامل، لكن المشكلة الحقيقية تكمن فى اختلاف ثقافة العاملين بالداخلية من العسكرى إلى الضابط».
من بين الفيديوهات الشهيرة على الانترنت فيديو عسكرى الأمن المركزى الذى يسأله بعض الضباط «حرب أكتوبر 1973 كانت سنة كام؟»، فيجيب عليهم بهلع: «والله ما أعرف يا باشا» هذا الفيديو شاهده العميد كمال سعيد ضمن أكثر من 100 ألف مشاهد اطلعوا على هذا الكليب، حسب موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، ولم يشغل باله وقتها على عكس كثيرين من الشباب والمعلقين والحقوقيين الذين رأوا فيه امتهانا لمجند الشرطة، ويقول: «هذا الكليب مفتعل.. لكن الواقع أصعب من هذا وأحيانا ما كنت أضطر إلى اتخاذ سلوكيات ليست من طبعى ضد أفراد يعملون تحت يدى».
يضرب مثلا بقصة أراد بها توضيح الحالة الذهنية لبعض أفراد الداخلية ذوى الثقافة البسيطة، إذ طلب من أحد أفراد الأمن التابعين له بعض الطعام الخاص حين أصيب باضطراب معوى، كانت الطلبات ببساطة هى نصف كيلو بقسماط، وجبن رومى، وزيتون أخضر، وبعد أن غاب فرد الأمن مدة طويلة كى يصل إلى محل بقالة قريب عاد بخبز «فينو» وجبن مطبوخ ومخلل، وهو ما لا يناسب مريضا فى حالته.. اليوم يروى هذه القصة وهو يضحك، لكن رد فعله وقتها كان مليئا بالعصبية دون التماس عذر الخلفية الريفية التى أدت إلى عدم فهم الفروق بين المعروض أمامه. ويعلق على ذلك قائلا: «كان يعمل معنا فعلا شباب لا يدركون الكثير من مظاهر المدنية حولهم»، لكن فى بعض الحالات كانت مثل تلك المواقف متعمدة من أفراد الأمن كنوع من المقاومة السلبية لأوامر الباشا... ويروى إحدى تلك القصص عن موقف حدث مع ضابط زميل له، حين قرر السائق أن يبتعد عن مهمته اليومية فى شراء الخضراوات لزوجة الضابط، وفعل ذلك بأن تعمد شراء أسوأ ما هو موجود فى السوق من منتجات حتى اكتشفت ذلك زوجة الضابط من البائع نفسه الذى كان يفاجأ يوميا بالسائق يمر عليه لشراء ما لا يصلح للطهى. يعلم كل الضباط أن مثل هذه المهام ليست من واجبات أفراد الشرطة أو العاملين فى الداخلية، وبحسب تعليقه: «من المؤكد أنها ليست من مهام عمله... لكن مافيهاش حاجة إذا عمل ده»... محاولات المقاومة السلبية التى يمارسها أفراد الأمن قد تأتى بتأثير عكسى من جانب الضباط الذين يعتبر كثير منهم ذلك نوعا من العصيان.
يضرب العميد كمال سعيد مثلا آخر كان يحدث فى إدارته قائلا: «كان رئيسى المباشر لديه كاميرات ترصد الممرات المؤدية إلى مكتبه، وكان يفاجأ بأننى الضابط الوحيد الذى يقف له العساكر ويؤدون له التحية دونا عن بقية زملائى».
حسبما يصف فإن السر ببساطة هو أنه كان يلكز سيقان العساكر بشكل موجع كلما مر وهو ما لم تظهره زاوية التصوير فى الكاميرات، وهو ما لم يدركه مديره إلا متأخرا، أما عن تبريره ذلك فيقول: «لم أهدف سوى تأكيد المسافات بينى وبينهم، فمثلما أحترم الرتبة الأكبر منى، على العساكر أيضا أن يقدموا لى الاحترام نفسه». أما هؤلاء العساكر المذعورون وأفراد الشرطة فأحيانا ما يقعون فى مواقف تعسة وقت تنفيذ الأوامر خشية غضب رؤسائهم، يعلق العميد السابق قائلا: «فى مرة اقتحم أحدهم مكتبى وأخبرنى أن مدير إدارتنا يريدنى فى مكتبه، ثم كررها بإلحاح فى مرة ثانية، وفى الثالثة ضرب بقبضته على مكتبى وقال: لو سمحت تيجى معايا دلوقت، الباشا قاللى مجيش من غيرك.. وبالطبع شعرت بإهانة، فأنا لست مقبوضا علىّ». فما كان من العميد السابق إلا وأن أصاب فرد الأمن بعدة لكمات متتالية حتى أسقطه على الأرض، ودخل فى جدل مع مدير الإدارة الذى جرأ فرد الأمن على ضابط، ودفعه إلى الحديث بهذه الطريقة. وحسب عبارته: «الضباط بيشيلوا بعض.. وطبعا المدير جاء فى صفى لأن اللى عملوه غلط». ويأتى هذا التكريس لحس الطاعة لدى أفراد الأمن أحيانا بنتائج مبالغ فيها مثل موقف حدث مع العميد كمال فى التسعينيات حين قرر سائقه أن يسير على قضبان المترو القديم ويدخل بالسيارة فى أحد الأنفاق لمجرد إرضائه والابتعاد به عن الزحام فى ذلك اليوم. يرى العميد السابق أن الحل لن يكون سوى فى دخول أفراد شرطة على درجة من الوعى والثقافة لضبط تلك العلاقة بين الضابط وبين من هم أدنى فى الدرجة، لأن تلك الفجوة الثقافية بين أفراد ذوى ثقافة ضعيفة وضباط الشرطة تصنع مشكلات وقد تدفع بالضابط إلى استخدم إجراءات وسلوكيات متعسفة، ويختم قائلا: «كفاية تعامل الضباط مع مشاكل المواطنين ومعتادى الإجرام، مش المفروض يكون عليهم عبء زائد من جوا الداخلية نفسها».

Monday, August 15, 2011

الصوم في أعوام قلقة


رمضانات ساخنة

جولة بين عناوين الصحف في سنوات حاسمة مثل 1948، 1967، 1973 قد تبرز تشابها بين رمضان في تلك السنوات ورمضان بعد ثورة 25 يناير. إذ أنها سنوات يجمعها خيط واحد.. هو أنها سنوات قلقة، ألقت بطابعها على شهر الصوم
كتب – عبد الرحمن مصطفى


1948
بين أول رمضان بعد الثورة في عام 2011 ورمضان في عام 1948 ما يقارب 63 عاما، لا يلتقي الرمضانين سوى في أن أول أسبوع في كليهما قد شهد حدثا قد يضفي طابعا على الأسابيع التالية، إذ شهد الأسبوع الأول من رمضان الحالي فض اعتصام التحرير وبدء محاكمة مبارك ونجليه ليتوقع الجميع أن يكون هذا هو طابع رمضان في عام الثورة، أما العام 1948 ففي أول رمضان من عام 1367هـ الموافق 8 يوليو 1948 كان العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام "الاستعداد لاستئناف القتال صباح غد"، لينبئ عن رمضان ساخن في ذلك العام بعد هدنة لم تستمر طويلا... فقد شهد العام 1948 بداية الحرب بين تحالف القوات العربية ضد الميلشيات الصهيونية في فلسطين، وهي المعارك التي وصفها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بأنها أقرب إلى بعثرة لجنودنا في الصحراء، وهو ما جعل أخبار القتال في فلسطين هي المسيطرة على الصحف في ذلك الوقت. وفي أجواء صيفية حارة استمرت الصحافة في عرض مشكلات مجتمعية أخرى كانت عنوانا لتلك الحقبة، مثل أزمة غلاء الايجارات والحاجة إلى بناء مساكن شعبية، لكن لم يزد توتر الصائمين في ذلك العام إلا بعد أن ظهرت الغارات الجوية في سماء القاهرة مع نهاية الأسبوع الأول من رمضان، وتزايدت حدة الأحداث مع وقوع عمليات تخريبية داخلية اتهمت الصحافة وقتها بعض اليهود الموالين للصهيونية، ولم يكتف بعضهم بهذا بل استهدفت مراكز تجارية شهيرة آنذاك مثل بنزايون وجاتينيو رغم إعلان إدارتا المتجرين عن موقفهما المناهض للجرائم الصهيونية في فلسطين. كل هذه الأحداث المقلقة في شهر الصوم خلقت حالة عامة يصفها الرئيس الأسبق محمد نجيب في مذكراته قائلا: "كانت مصر مشغولة بحرب يائسة، وبملك انحدر إلى درجة منحطة جدا". هذا التناقض بين الحرب البائسة والحاكم البائس، يمكن تتبعه من خلال أخبار المآدب الملكية التي كانت تقام للعامة أو للجنود المصابين من الحرب وكيف كان محرر الخبر آنذاك يجمل صورة الملك وجلساته بعبارة من نوعية: "وامتلأت الموائد بألوان الطعام الشهية" وأن "ضيوف الملك قد خرجوا من لديه في تمام الرضا والسعادة".
وعلى هامش تلك الحالة العامة لم تتوقف عجلة الانتاج في مجالات عديدة على رأسها السينما، بل استفزت نجما مثل أنور وجدي أن يطرح إعلانا ذكيا في الجريدة اليومية عن فيلمه الجديد فيكتب: إلى كل من تسمى سعاد.. حضرة المحترمة، بعد التحية، يسر شركة الأفلام المتحدة، دعوتك بمناسبة فيلم "طلاق سعاد هانم"، وسيعرض على سينما ريفولي، وعلى كل من تسمى سعاد أن تعرض ما يثبت شخصيتها ولها تذكرتين هدية. مثل هذه الأفكار الذكية كانت بمثابة حرب على المزاج العام لجمهور مشتت بين أخبار حرب فلسطين وصيام رمضان، ورغم وقوع غارات جوية على القاهرة وصدور تعليمات من محافظة القاهرة باطفاء الأنوار وقت الغارات، إلا أن مثل تلك الأجواء لم توقف أنشطة أخرى كانت أكثر ازدهارا، فتكفي مطالعة إعلانات الصحف في ذلك الوقت لتكشف أن هناك نشاطا آخر ازدهر وكان يعرض دعايته في الصحف اليومية مثل بيع مخلفات الحرب القادمة من فلسطين، وذلك في مفارقة أن الصحيفة المعلنة نفسها قد أعلنت عن حملات جمع تبرعات مادية من المواطنين لصالح الجنود المصريين . ولا ينتهي القلق بانتهاء شهر رمضان لعام 1948، بل يستمر بعد انتهاء الشهر الكريم.

1967
ومن شهر رمضان في العام 1948 إلى العام 1967 مرورا برمضانات أخرى ساخنة في تلك الفترة المشحونة يرتفع سعر الصحيفة اليومية من 10 مليمات إلى 15 مليما. وفي أول يوم من شهر رمضان بعد هزيمة 67، يتصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام إعلانا عن افتتاح فرع جديد لمحل جاتينيو، الذي كان هدفا لعمليات تخريبية في رمضان 1948، لكنه أصبح تحت التأميم وتابعا للشركة المصرية لتأثيث المنازل. ومع مرارة الهزيمة وبرد الشتاء تبدو عناوين الصحف أكثر برودة وجمودا، إذ تتصدر الصحف طوال الشهر عناوين أخبار خارجية مثل: استقلال اليمن الجنوبي أو محاولة الانقلاب العسكري في الجزائر أو انقلاب اليونان، ويتوارى صخب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قليلا عن عناوين الصفحة الأولى وتستمر أم كلثوم في حفلاتها لكن بهدف دعم المجهود الحربي. و في الأسبوع الأول من شهر رمضان في ذلك العام تقرر الحكومة المصرية فتح باب الهجرة إلى الخارج بعد مداولات دامت أكثر من شهرين، وذلك كي تتيح الفرصة لمن ضاق بهم العيش أن يهاجروا أو أن يعملوا في الخارج. وتبدو تلك الأجواء الخانقة غير مشجعة على إظهار مشاعر البهجة برمضان، إذ ما زالت المعركة مع العدو لم تنته، ورغم ذلك استمرت محاولات الاذاعة والتلفزيون في استعادة روح رمضان في برامج المنوعات، كأن تجد برنامجا يحمل عنوان "التحليلات الصوتية" للدكتور مصطفى محمود يحلل فيه صوت فايزة أحمد، وتكشف أيضا إعلانات الصحف اليومية عن استمرار عمل الكازينوهات والملاهي الليلية في رمضان خاصة قرب احتفالات رأس السنة، وذلك في تناقض مع إعلان إلغاء حفل الكنيسة الأرثوذكسية في ذلك العام. ووسط حالة التشتت العامة يلتفت المجتمع المصري في رمضان إلى ظاهرة جديدة هي الميكروجيب والميني جيب الذي اخترق الجامعات المصرية، وفي الصفحة الأخيرة من جريدة الأهرام ينشر الصحفي مرسي عطاالله بتاريخ 20 ديسمبر 1967 الموافق 19 من رمضان موضوعا تحت عنوان: هل يختفي الميني جيب ويوحد الزي في الجامعة؟ ويستمر الجدل حول تلك القضية الجديدة، بل و ينتقل إلى البرلمان، إذ طالب عضو مجلس شعب بعدم دخول الميني جيب والميكروجيب إلى الجامعات نهائيا. ولا ينتهي رمضان بأخبار سعيدة، إذ تستمر أجواء الهزيمة والتشتت لست سنوات أخرى حتى العام 1973.

1973
بدأ أول أيام شهر رمضان من العام 1973 في السابع والعشرين من سبتمبر أثناء موجة حارة عانى منها المصريون أثناء صيامهم ولم تنته إلا في 30 سبتمبر - رابع أيام شهر رمضان- وذلك بعد يوم واحد من بدء الدراسة في البلاد. أي أن المصريين استقبلوا الموسم الدراسي متزامنا مع موسم رمضان لتتحمل الأسر تكاليف الموسمين قبل انتهاء الشهر والحصول على المرتبات. ومنذ اليوم الأول في هذا الشهر الكريم يبرز الرئيس السابق السادات بشكل أكبر في عناوين الصحف والأخبار بما يدل على وجود حراك أكبر على مستويات عديدة، إذ يفتتح الشهر الكريم بإحياء ذكرى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عبر العديد من المنابر السياسية، كما أذاع الرئيس السادات خطابا بهذه المناسبة. أما عن الأجواء الرمضانية فقد بدت واضحة في الأيام العشرة الأولى من الشهر، إذ استمرت الملاهي الليلية في دعايتها في الصحف، واستمر المغنون في حفلاتهم، وفي الجريدة اليومية يجد القارئ إعلانا عن مسرحية فريد شوقي الجديدة "نيام نيام" دون قلق من أجواء رمضان أو الموسم الدراسي. أما صلاح جاهين فيرسم كاريكاتيره في جريدة الأهرام بتاريخ 2 أكتوبر الموافق 6 رمضان عن الهوس بالتلفزيون في رمضان راسما طفل يسأل والدته : ـ "ماما .. هو قبل ما يخترعوا التلفزيون، كان فيه رمضان؟" وكأنه يشير إلى حالة الانجذاب التي كان يعيشها الجميع مع أجواء الترفيه الرمضانية قبل حرب أكتوبر.
وقبل بدء العمليات العسكرية بيومين يـُنشر الخبر الشهير في يوم 4 أكتوبر الموافق 8 رمضان عن: آخر موعد لتقديم العسكريين للعمرة، ضمن خطة الخداع الاستراتيجي قبل الحرب، أما الجنود على جبهة القتال فلم يعرف أغلبهم بما سيحدث قريبا من عمليات عسكرية حاسمة، إلا حين وجهت إليهم أوامر بالإفطار مبكرا في 5 أكتوبر، أما صحف السادس من أكتوبر/العاشر من رمضان فاكتفت بالإشارة إلى "توتر في جبهات القتال"، بينما يرسم صلاح جاهين كاريكاتيره عن "طابور الجمعية" متضامنا مع معاناة المواطن المصري في رمضان في الحصول على حاجاته الأساسية، خاصة مع وجود من استغلوا ظروف المواطنين لحساب السوق السوداء. ولا يتغير طابع الأحداث إلا بعد السابع من أكتوبر مع إعلان عبور القوات المصرية للقناة، واجتياز خط بارليف، وهي اللحظات التي لم يصدقها بعض المصريين في البداية واتجهوا إلى الاذاعات الغربية للتأكد من حقيقة الموقف. وفي تلك الفترة ومنذ النصف الثاني من شهر رمضان بدأت أجواء الحرب تزحف على حياة المصريين، وبدأت إدارة الدفاع المدني تكرر تعليماتها بضرورة: عدم إضاء الأنوار وقت سماع صفارة الانذار، وطلاء زجاج النوافذ، والاحتفاظ بأكياس الرمل والمياه لحالات الطواريء، وغيرها من التعليمات التي حفظها المصريون على مدار حروب عديدة خاضوها طوال القرن الماضي. ومع تسلسل الأحداث وعرض صور ولقاءات مع الأسرى الإسرائيليين بدأ المزاج العام يتبدل، إذ أوقفت المسرحيات التابعة للقطاع الخاص عملها وبدأ بعض الفنانين في عمل أنشطة متصلة بأجواء الحرب، وتلاشي الطابع الرمضاني تدريجيا من أخبار الصحف مع إيقاف العمل بالمدارس. وقبل عيد الفطر بيومين فقط اضطرت مدينة السويس إلى القتال في رمضان في صف القوات المسلحة المصرية . لينتهى الشهر الكريم في أجواء خاصة احتفظ بها المصريون في ذاكرتهم إلى اليوم. وتستمر الرمضانات بعدها ولا ينافسها في الأجواء القلقة سوى رمضان الثورة في العام 2011.

مع الفرنسيس والانجليز
رمضان في زمن الاحتلال
في فبراير 1799 مـ شهدت القاهرة أول رمضان في ظل الاحتلال الفرنسي، وهو أول احتلال أجنبي كامل في العصر الحديث.. في بداية الشهر اجتمع نابليون بونابرت بالمشايخ وقادة القاهرة في ذلك الوقت وأوصل إليهم أنه قد وجه ضربات مؤلمة للمماليك في الصعيد وأنه متوجه شرقا إلى غزة لإتمام مهمته، لم يكن المصريون يدركون آنذاك هل سيتغير طابع احتفالهم الرمضاني في ذلك العام أم لا؟ أو حسبما ذكر عبدالرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، فإن المصريون كانوا على حذر من الفرنسيين أثناء رمضان خشية غضبهم إذ يقول : "أهل مصر كانوا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها خوفا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد .. رجعوا إليها" ، إذ عاش المصريون بقية الشهر بتلقائية رغم بعض المنغصات في حوادث كانت تحمل ملمحا طائفيا بين المسلمين والمسيحيين نتيجة السياسات الخاطئة في تلك الفترة، وفيما يبدو أن بعض الشرائح من المجتمع المصري استغلت شهر رمضان و تلك الفترة المميزة من السنة لتحقيق تواصل أكبر مع الفرنسيين، إذ يضيف الجبرتي في وصفه: "إن الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور، ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد ،...، ويتولى ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين حتى يطمئنوا".
وبعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر مرت سنوات طويلة دون احتلال أجنبي سوى مع مجيء الاحتلال الانجليزي لمصر في العام 1882، وتزامنت البدايات الأولى للاحتلال قبل شهر رمضان بأيام قليلة، حين تم قصف الإسكندرية بالمدافع الانجليزية في 11 يوليو 1882، وكانت مصر قبلها تعيش أجواء قلقة في أعقاب التغييرات التي أعقبت ظهور أحمد عرابي في المشهد السياسي، إذ شهد الشهر السابق على رمضان في ذلك العام توابع حادث الإسكندرية الشهير بين المالطيين (الرعايا الانجليز) والمصريين، وهو ما هدد مبكرا بتدخلات أجنبية في البلاد و توقعات بوقوع الحرب ونزوح الأجانب عن المدينة، وفي اليوم الأول من رمضان (1299 هـ) تحديدا أعلن أحمد عرابي تخوين الخديوي توفيق لموالاته الجيش الانجليزي المعتدي. وبدأ الاستعداد للحرب في كفر الدوار بعد سقوط مدينة الإسكندرية في يد الانجليز وتخريبها .. في تلك الفترة قضى المصريون رمضانا عصيبا، فرغم تأييد العديد من كبار شخصيات المجتمع لأحمد عرابي إلا أن المصريين تلقوا في نفس الشهر (7 أغسطس 1882/23 رمضان 1299هـ) منشورا من الخديوي يتهم عرابي بالعصيان وأنه سبب تخريب الإسكندرية، بل و دعا المصريين إلى التخلي عن عرابي تماما. وانتهى شهر رمضان في ذلك العام بعيد لم يفرح فيه المصريون، إذ لم يمض سوى أسابيع قليلة على سقوط المدن المصرية بأيدي الانجليز حتى سقطت العاصمة القاهرة، ليبدأ عهد جديد من الاحتلال.
pdf

Monday, August 1, 2011

فنون صناعة النخبة في مصر



عبد الرحمن مصطفى

«رجل الدولة يؤمن بأنه منتمٍ إلى الدولة، أما رجل السياسة فيؤمن بأن الدولة هى التى تنتمى إليه»، تلخص هذه العبارة الرائجة فى عالم السياسة الفارق بين السياسى صاحب المشروع ورجل الدولة الذى يستمر ضمن النخبة فى أى نظام سياسى. بعض الباحثين سجلوا هذه الملاحظة فى دراساتهم حول النخبة السياسية فى مصر، إذ إن بعض الرموز السياسية ما زالت مستمرة منذ العهد الناصرى فى الستينيات حتى اليوم فى مناصب عليا وداخل حوارات وطنية بعد الثورة. أحد من رصدوا تطور هذه النخبة المستمرة هو القيادى اليسارى عبدالغفار شكر، إذ يقول: «بعد بروز دور الشباب مؤخرا فكرت فى كتابة مقال بعنوان: وداعا جيل السبعينيات، الذى تصدر الحياة السياسية فى الفترة الماضية، لأن هذه الثورة جعلته يبدو قديما.. فما بالك بجيلى الأقدم منه؟!». يعد عبدالغفار شكر أحد شهود تجربتين أنتجتا بعض رموز المشهد طوال العقود الماضية، الأولى تجربة التنظيم الطليعى، والثانية هى منظمة الشباب الاشتراكى. ويعلق قائلا: «بعض من نشأوا سياسيا فى هذه الفترة انقسموا إلى فريقين، الأول انتقل إلى صفوف المعارضة متبنيا القيم العليا للشعب المصرى، أما الفريق الآخر فاختار الالتصاق بالسلطة على مر العصور منذ الستينيات رغم تبدل سياسات الدولة طوال العقود الماضية». ويرجع إنشاء «تنظيم طليعة الاشتراكيين» المعروف بالتنظيم الطليعى إلى العام 1963، وكان الهدف هو تجنيد كوادر داخل الاتحاد الاشتراكى كى تعمل على قيادة الجماهير والترويج لأفكار النظام السياسى آنذاك. وتكفى نظرة على بعض الأسماء المعروفة فى هذا التنظيم السرى الذى تجاوز عدد أعضائه 30 ألف مواطن حتى يتضح أن شريحة من رجال الدولة البارزين اليوم قد كانوا فى يوم من الأيام جزءا من هذا التنظيم واستمروا حتى هذه اللحظة. ويرصد كتاب «عبدالناصر والتنظيم الطليعى السرى» (مكتبة بيروت، 2008) بعض المشاركين فى التنظيم.. أما «منظمة الشباب الاشتراكى» فأنشئت أيضا فى العام 1963 كتنظيم شبابى للنظام الناصرى الحاكم. وتكفى نظرة أخرى على كتاب «تجربة منظمة الشباب الاشتراكى فى إعداد القيادات» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 2004) لعبدالغفار شكر كى تكشف عن جزء آخر من المشهد، إذ كان عبدالغفار شكر أمينا مساعدا لمنظمة الشباب الاشتراكى للتثقيف حتى عام 1969. وفى القسم الرابع من هذا الكتاب أسماء ظهرت فى الفترة الناصرية واستمرت فى عهدى السادات ومبارك بين صفوف المعارضة والسلطة على السواء، وما زال بعضهم موجودا بعد سقوط نظام مبارك. أحد من ذكروا شهاداتهم فى هذا الكتاب كان الدكتور عاصم الدسوقى ــ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب فى جامعة حلوان ــ أما اليوم فينقد التجربة بعين متخصص فى التاريخ قائلا: «بعض أفراد هذه النخبة السياسية سواء فى منظمة الشباب أو التنظيم الطليعى اختاروا القرب من مركز السلطة حتى مع تبدل الأنظمة، على أن تكون مهمتهم هى إضفاء الشرعية على إجراءات السلطة، وفى ظل معايير اعتمدت فى النظم السابقة على تصعيد المقربين بدلا من معيار الكفاءة، ظلت بعض الأسماء مستمرة حتى بعد الثورة، وهناك من ابتعدوا عن قلب السلطة وظلوا محافظين على توازنهم، إلى جانب من اختاروا المعارضة، خاصة بعد التحول الكبير فى عهد السادات». وفى دراسة للدكتورة ــ مايسة الجمل ــ أستاذة العلوم السياسية فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة منشورة تحت عنوان «النخبة السياسية فى مصر» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 1998) ترصد الباحثة كيف أن النظام السياسى منذ ثورة 52 لم يتنازل عن فكرة إعادة تدوير النخبة ودعم استمرارها، لأنها فى النهاية نخبة مرتبطة بالدولة تؤدى دورها فى خدمة توجيهات الرئيس. والآن فى ظل نظام سياسى بلا رئيس، ما زالت هذه النخبة القديمة مستمرة حتى اليوم. بعض رموز هذه النخبة أثاروا الارتباك فى الأسابيع الأولى بعد الثورة بسبب تصديرهم فى المشهد السياسى، كترشيح الدكتور مصطفى الفقى لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذى أثار احتجاجات ضده، وهو أحد نماذج البقاء داخل النخبة منذ أن كان عضوا فى التنظيم الطليعى الخاص بالخارجية المصرية وبقاؤه فى المناصب الرفيعة حتى رحيل مبارك. ومع سقوط نظام الرئيس السابق وخاصة بعد حل الحزب الوطنى الديمقراطى اختفت رموز من النخبة المستمرة من حقبة التنظيم الطليعى كانت لصيقة بالسلطة من خلال الحزب مثل الدكتور مفيد شهاب والدكتور على الدين هلال وغيرهما، وبقيت رموز أخرى كانت جزءا من الدولة فى فترات سابقة وعادت بعد الثورة. وتكفى مطالعة أسماء من المستقلين فى العمل العام مثل وزير الإعلام الأسبق محمد فائق ــ رئيس اللجنة التنسيقية للمجلس الوطنى المشكل خارج إطار مؤسسات الدولة، أو الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس لجنه الحوار الوطنى، أو الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء السابق، حتى نجد خيطا يجمع كل هذه الأسماء، فقد كانت تنتمى جميعها إلى التنظيم الطليعى فى عهد جمال عبدالناصر ثم ظهروا فى عصور تالية بمهام مختلفة. وإلى جانب هذا الجيل فهناك جيل السبعينيات الذى يمثل قيادات العمل السياسى الآن، ويوضح أحمد تهامى عبد الحى فى كتاب «الأجيال فى السياسة المصرية (عن هيئة الكتاب، 2009) أن جيل السبعينيات استعاد عافيته السياسية فى التسعينيات وعرف وقتها بجيل الوسط، لكن هذا الجيل أصبح الآن فى الخمسين والستين بينما تحول الجيل السابق عليه إلى جيل الشيوخ ليكوِّن الجيلان معا أساس النخبة السياسية الحالية. «العلاقات القديمة بين أبناء الجيل الواحد تدير الموقف أحيانا، خاصة بين من نشأوا فى تجربة سياسية مشتركة مثل التنظيم الطليعى أو منظمة الشباب»، حسبما يرى عبدالغفار شكر، وفى هذه الأجواء لا يخلو الأمر من صدامات بين جيل الشباب الحالى والنخبة السياسية القديمة داخل جلسات الحوار بسبب اختلاف ثقافة الشباب التى يصفها عبدالغفار شكر بأنها «ثقافة جيل نشأ بعيدا عن التنظيمات السياسية التقليدية للدولة».



يتحدث عبدالكريم طه بحماس واضح عن أيامه الذهبية التى قضاها فى أمانة التنظيم داخل الحزب الوطنى المنحل قائلا: «كله كان ماشى كويس، وفجأة حصلت الثورة». ولا يبدو قلقا حين يتحدث مع زملائه فى كلية الحقوق عن ماضيه مع الحزب الوطنى. عبدالكريم الذى لم يتجاوز الثانية والعشرين مارس سلطات من خلال ما كان يكلف به من مهام حزبية فى الشارع. يلتقط ورقة وقلما شارحا بعض تلك المهام: «كانت لنا هيبة حين نهبط على إحدى الوحدات الحزبية لاستطلاع آراء أعضاء الوحدة هناك عن مرشحيهم، إذ كانت لدينا من السلطة أن نطرد مرشحا انتخابيا إذا حاول التطفل على عملنا». أما أكثر المهام التى كان يبدو فيها عبدالكريم متألقا فى بدلته الأنيقة فهى أثناء مراقبة أداء مرشحى الحزب الوطنى خلال موسم الانتخابات. حين كان يتابع مع غرفة العمليات فى القاهرة تفاصيل ما يحدث أمامه، أما أكثر ما كان يدعمه وسط الأحداث فهو اللقب الذى كان يحمله هو وزملاؤه فى مثل هذه المهام، فهم إما «رجالة أحمد عز»، أو «شباب جمال مبارك». هذه النخبة التى كان يكونها الحزب الوطنى أصبحت اليوم بلا سند. فعلى حد قوله: «شباب الحزب اختفوا فى ظروف غامضة!». يختلف الدكتور وحيد عبدالمجيد ــ نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ــ مع تعبير «صناعة النخبة» أو أن الحزب الوطنى كان يمارس هذا الدور، ويقول: «فى وضع ديمقراطى لن نسمع مصطلحا مثل تكوين النخب، هذا من أعراض الحكم الشمولى الذى يتعامل مع المواطنين على أنهم أدوات يشكلها حسبما يريد.. فى فرنسا على سبيل المثال هناك المدرسة الوطنية للإدارة التى تخرج فيها الكثير من رموز الدولة، لكنها فى النهاية خارج الحسابات الحزبية وتمارس عملها باستقلال». فى الحالة المصرية لم يكن الحزب يستخدم مجهودات عبدالكريم وزملائه لمجرد تعميق مهاراتهم السياسية، إذ كان العامل الاقتصادى هو أحد دوافع مشاركة هؤلاء الشباب، فقد كانت تلك الأنشطة تتم تحت قيادة مسئول اتصال هو بمثابة «وزير فى منطقته» على حد تعبير عبدالكريم طه، هذا إلى جانب دخل شهرى يتجاوز عدة آلاف ومكاسب أخرى ونفوذ محلى. بعض المهام التى كان يؤديها «شباب أحمد عز» كانت تتم أحيانا عبر مؤسسات مثل الجمعية الوطنية للسياسات الاقتصادية، التى تقوم بدراسات واستبيانات فى الشارع تخدم أمين التنظيم، وكان على كل شاب ألا يشير من قريب أو بعيد أنه ذو صلة بالحزب الوطنى، بل يقدم نفسه للمواطنين على أنه باحث مستقل تابع للجمعية. هذه الخدمات التى كان يقدمها شباب أمانة التنظيم أحيانا ما كانت تتداخل مع نشاط أحمد عز فى مجال الصناعة، وهو ما شارك فيه مدحت الأخ الأكبر لعبدالكريم، إذ كان هو الآخر عضوا فى الحزب الوطنى المنحل، ويصف مدحت هذه التجربة قائلا: «فى مرة تم استدعاؤنا لفيللا أحمد عز فى المنوفية، وانتقلنا فى رعاية الداخلية، وذلك أثناء أزمة غلاء أسعار الحديد قبل سنوات، وجلسنا إليه وعلمنا تفاصيل مهمتنا، وأصدروا لنا كارنيهات فى الحال على أننا عاملون فى مصانع حديد عز».
كانت المهمة التى يتحدث عنها مدحت هى التفتيش على موزعى الحديد فى المحافظات وضبط المغالين فى الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. يكمل مدحت قائلا: «كنا نعلم نحن أيضا أن علينا رقابة، فأحد زملائنا تم استدعاؤه إلى القاهرة بسبب مخالفة ارتكبها مع أحد الموزعين».الأمر كان بالنسبة للأخوين عبدالكريم ومدحت هو البحث عن فرصة للصعود فى سلم الحزب، وأن ينتقلا إلى موقع مسئول الاتصال والتنظيم فى سن الثلاثين، فيزداد الدخل، وتزداد السلطة. حسب وصف الدكتور وحيد عبدالمجيد فإن «الحزب الوطنى لم يكن حزبا بقدر ما كان تجمعا لأصحاب المصالح وأقرب إلى ميلشيا سياسية». وبعيدا عن شباب أمانة التنظيم فقد كانت هناك طلائع تصعد فى أماكن أخرى عن طريق الحزب، وخاصة فى «جمعية جيل المستقبل» التى ارتبط اسمها بجمال مبارك. ويقوم نشاطها على شباب الخريجين لتطوير مهاراتهم ودعمهم فى الحصول على وظائف، وعلى مجموعة: معا للحفاظ على جمعية جيل المستقبل ورابطة خريجى الجمعية فى شبكة الفيسبوك، يحاول بعض الأعضاء إبراز الجانب الإيجابى فى هذه المؤسسة التى انهارت مع حل الحزب الوطنى، وفى أحد التعليقات يدخل سيد راشد رافعا صورة له مع جمال مبارك قائلا: « كنت شغال فى جمعية جيل المستقبل وأعرف كل صغيرة.. أنا رأيت حاجات والله العظيم أغرب من الخيال، والحمد الله أنى تركتها فى 2007، ياريت الفترة الجاية تفكروا فى مستقبلكم بجد وممكن تستمروا فى الجمعية بس بإيديكم إنتوا مش بتوجيهات من أشخاص فاسدين». ينهى تعليقه رافضا إعطاء مزيد من التفاصيل بعد التواصل معه حول تجربته فى هذا المكان.
هل كانت تلك الكيانات تنمى روح الانتهازية لدى أعضائها من الشباب؟ يرفض عبدالكريم طه ــ أحد شباب أمانة التنظيم - التعميم، قائلا: «لقد قمت أنا وزملائى بجهد كبير فى الانتخابات السابقة، وأقسم أننا كنا نعمل بشفافية وأمانة... نعم لقد كانت النتائج غير منطقية وكان هناك تزوير لكنى لم أشارك فيه». فى ذلك الوقت كتب عبدالكريم وزملاؤه عبارة موحدة على الفيس بوك: «إحنا آسفين يا مصر»، أما اليوم فلا يخفى مشاعره تجاه الثورة التى غيرت موقعه وأنشطته تماما. ويوضح: «رأيت مرشحين ينفقون الملايين لمجرد إرضاء غرور العصبية والقبلية، ماذا ستفعل الثورة مع هذه الأدمغة؟؟». بالنسبة إليه ولأخيه مدحت لم يكن الحزب انتماء بقدر ما كان أسلوب حياة، ففى محافظته الأصلية على مسافة مئات الكيلومترات من القاهرة لا وجود حقيقيا للأحزاب السياسية، وهناك دورات كرة قدم وبطولات ورحلات كان يرعاها الحزب.. يختم قائلا: «كان الحزب هو الحكومة، لا أكثر ولا أقل».
* تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر


فى مدونته «الطريق للدولة القوية العادلة» كتب عمرو العجماوى ما اعتبره نقدا لائتلاف شباب الثورة، أحد أهم الائتلافات الشابة حاليا على الساحة، وذكر أن أغلب أعضاء الائتلاف يشاركون فى العمل السياسى «وكأنهم الوحيدون الثائرون أو كأن الثورة هى عنوانهم حصريا». ويضيف قائلا: «أصبحت أشك أن تصديرهم فى مقدمة المشهد إعلاميا هو جزء من محاربة الثورة، إذ إن سلوكهم كفيل بإحداث حالة من نفور الناس من الثورة ومن ينتمى إليها».. هنا توقف عمرو العجماوى وبدأ فى سرد بعض المواقف الداعمة لوجهة نظره. ولم يكن ما كتبه منفردا إنما فى سياق يمكن تتبعه على الإنترنت فى مواقع أخرى، وخاصة على موقع التدوين القصير «تويتر» بواسطة شباب سخروا من فكرة الائتلافات المنتشرة حاليا، خاصة بعد لقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى أول يونيو الحالى مع مجموعة من الائتلافات المغمورة. من وجهة نظر أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة القاهرة ــ الدكتور أحمد زايد ــ فإن بروز الشباب بهذا الشكل فى المشهد السياسى يؤكد أننا أمام «نخبة فى طور التكوين». ويشرح قائلا: «من المؤكد أن النخبة السياسية السابقة قد أغلقت قنوات الحراك السياسى بحيث استبعدت الشباب، لكن المشهد الآن لا يوحى بأننا أمام نخبة شابة تستطيع تسلم العمل السياسى بعد الثورة، لن يحدث هذا إلا بعد سنوات من العمل والتجربة».
فى مساحات أخرى، لم تكن هناك طاقة للصبر على ائتلاف شباب الثورة المتهم دائما بأنه احتكر المشهد لحسابه، من ضمن ذلك أن يكتب أحدهم فى صفحة الائتلاف على شبكة فيس بوك تحت عنوان: نصيحة إلى الأستاذ زياد العليمى المتحدث الرسمى باسم الائتلاف، ويكتب تحت هذا العنوان قائلا: «مداخلة برنامج صباح دريم كنت أشعر بالضبط أن المتحدث هو صفوت الشريف وذلك عن طريق نبرة التعالى والكبر فى الحديث مما أشعرنى بالغضب الشديد»، فما كان من مدير صفحة الائتلاف إلا أن أجاب: «نشكر للجميع التواصل والنصيحة.. وإن شاء الله نجتهد فى إيصالها للزميل زياد العليمى». هذه الروح المناهضة لشريحة من السياسيين الشباب يتصدرون واجهة المشهد انتقلت إلى العمل الحركى نفسه، إذ تمسك الائتلاف فى دعوات سابقة للتظاهر والاعتصام يوم الجمعة بميعاد مبكر للرحيل، وفى يوم الجمعة 27/5 «الثورة المصرية الثانية» وقع شباب الائتلاف فى تحدٍ حين طالبوا من تبقى فى ميدان التحرير حتى الساعة الواحدة صباحا بفتح الطرق المؤدية للميدان، وكذلك الاكتفاء ببقاء المعتصمين فى حديقة الميدان. وكان أحد شباب الائتلاف فى ذلك اليوم على اتصال بوزارة الداخلية خشية اقتحامها التحرير كما ورد إليه من مصدر فى الوزارة.. لكن بعض من كانوا فى الميدان لم يستجيبوا فى ذلك اليوم، لرفضهم أن يمارس أحدهم دورا نخبويا وسطهم. كل هذه الصراعات التى تعيشها فئة من شباب الثورة أرادوا استكمال العمل السياسى والحركى معا، وهذه المشكلات يدركها جيدا خالد تليمة ــ عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة.. فأحيانا ما توجه إليه اتهامات مباشرة فى الندوات أو الحوارات الوطنية من نوعية: «اشمعنى إنت هنا على المنصة؟! أنا مشوفتكش فى التحرير أيام الثورة..!»، ويعلق خالد على هذه التعليقات قائلا: «بعيدا عن كل هذا.. هناك نخبة سياسية بالفعل تتكون الآن، لكن الإعلام دوره مؤثر بشدة، لأن تركيز الإعلام على مجموعة أسماء بعينها فى الائتلاف أو غيره هو ما يصنع هذا الجدل». لكن بعيدا عن الإعلام فإن هناك أنشطة أخرى يشارك بها أعضاء الائتلاف سواء فى بعثات دبلوماسية ذات طابع خاص، أو فى الندوات والمؤتمرات. ويوضح خالد بهذا الشأن أن أعضاء الائتلاف من الشباب هم فى الأساس نشطاء فى أحزاب وكانت لهم أنشطتهم من قبل، ويكمل فكرته قائلا: «لا يمكن الحكم على الناس كلها بطريقة واحدة.. أنا عن نفسى أفضل أن أجلس مع ناس بسطاء على المقهى أفضل ألف مرة من الجلوس فى المؤتمرات والاحتفاليات الرسمية».


الحكم بعد العمل
فى الأول من يونيو اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بنحو 153 ائتلافا من مختلف المحافظات، بينما قاطع نحو 35 من الائتلافات والقوى السياسية الشهيرة هذا اللقاء، وكان ائتلاف 19 مارس (الأغلبية الصامتة) أحد هذه الائتلافات المغمورة التى التقت المجلس العسكرى، وتكفى زيارة إلى صفحة الائتلاف على الفيس بوك كى تتضح الملامح العامة لهذا الائتلاف. فهم مجموعة نشأت بتأثير لحظة الاستفتاء الأخير فى 19 مارس وخروجهم من الصمت والسلبية السياسية إلى الإدلاء بأصواتهم مع الجماهير المصرية. ويقول عبدالفتاح نصار ــ عضو ائتلاف الأغلبية الصامتة: «إحنا مع الثورة لحد يوم التنحى.. لكن مش ممكن نفضل فى مظاهرات على طول واعتصامات، لأن كل المطالب ممكن تتحقق مع الوقت، وكمان المحاكمات أكيد هتاخد وقتها». لا يخفى عبدالفتاح نصار غياب خبرته السياسية السابقة، إذ كانت المرة الأولى التى يشارك فيها سياسيا فى يوم استفتاء مارس الشهير رغم تجاوزه الأربعين وعمله محاميا، ولا يختلف الأمر عن بقية المجموعة الأساسية لهذا الائتلاف الذين يصفون أنفسهم بأنهم : «طلبة جامعيون ومدرسون وصيادلة ومحامون ومهندسون وأعمال حرة وربات بيوت وغيرها من الوظائف، ليس بينهم شخصية معروفة أو مشهورة، ولم يجمعهم سوى خوفهم على ما يحدث بمصر حاليا». ينفى نصار أن يكون بينهم تيار سياسى معين. ويضيف: «لقد أراد المجلس العسكرى عرض نماذج أخرى مختلفة عن القوى السياسية التى احتكرت المشهد من الشباب بعد الثورة، ونحن بشكل عام مؤيدون للمجلس العسكرى كحاكم الآن حتى نجتاز هذه المرحلة بسلام». ورغم المشهد المزدحم حاليا بانقسامات وتضارب فى وجهات النظر فإن الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ يجد رؤية أكثر واقعية لما يحدث الآن ضاربا المثل بالحركات الشبابية التى اجتاحت العالم فى عام 1968، ويقول: «كان يقال على ألسنة الشباب وقتها.. لا تثق فى أحد تجاوز الثلاثين، والمفارقة أن دراسات أجريت فيما بعد على من شاركوا فى هذه الانتفاضة فوجدوهم قد تبدلت أحوالهم إلى موظفين تقليديين ورجال أعمال.. إذن فالفيصل هنا هو أن ممارسة السياسة على أرض الواقع هى التى ستنتج نخبة المستقبل». ما يراه زايد من واقع حالى هو مجرد محاولات للحفاظ على المظهر الثورى بطرق مختلفة. لكن يبقى «الحكم بعد الممارسة السياسية» حسبما قال. وفى خضم الانتقادات التى يوجهها البعض إلى الائتلافات الشبابية المعارضة على الساحة وعلى رأسها ائتلاف شباب الثورة ما زال البعض فى المعسكر الآخر يجد فى كل ما يحدث الآن جانبا إيجابيا، أما خالد تليمة عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة فيقول: «لن ننسلخ عن الشباب.. فنحن الخاسرون إن فعلنا هذا. نحن تحت أمر الشارع، لكن يجب أن يتذكر كثيرون أن أغلبنا كان يواجه الأمن المركزى طوال السنوات الماضية.. وكنا وحدنا، لذا فلنتفرغ لفرصة العمل الآن».

Monday, July 18, 2011

حالة الصورة بعد الثورة

عدسات احترافية وأخرى للهواة

كتب - عبدالرحمن مصطفى
"رغم أن الكاميرات أصبحت في أيدي جميع شعوب الأرض، إلا أن الصورة الاحترافية ستظل هي الوثيقة المعتمدة لما فيها من نزاهة وحياد" . هذه العبارة التي سمعها عمرو نبيل، رئيس شعبة المصورين بنقابة الصحفيين أثناء حضوره إحدى حفلات الجوائز العالمية، ما زال يرددها حتى اليوم، رغم التأثير الذي أحدثته الثورة على عالم التصوير في مصر وإفساحها المجال لشرائح جديدة. يعلق على ذلك قائلا: "أصبحت الأحداث أكثر ازدحاما بكاميرات الهواة والمحترفين على السواء، وهي أجواء لم نكن نعيشها قبل سنوات.. لقد أصبح هناك من يزاحم المصورين المحترفين بالفعل". هذه الملاحظة التي يسجلها المصور عمرو نبيل عن اتساع مجال التصوير بشكل متزايد يرجعها إلى سببين هما: "اتساع استخدام الكاميرات الرقمية وكاميرات الهواتف المحمولة، واهتمام النشطاء بتوثيق الأحداث وهذين السببين يعودان إلى عدة سنوات قبل الثورة". ومع بدء أحداث ثورة يناير اتسعت أهمية التصوير بهدف التوثيق، ولم يعد الأمر يقتصر على نشطاء أو مصورين محترفين، إذ كان أغلب من وثقوا الحدث بكاميراتهم هم من المشاركين من كل الفئات. وهو ما توضحه الناشطة نازلي حسين بعد معايشتها لتجربة (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) التي بدأت أثناء اعتصام التحرير، و تقول: "لدينا الآن أرشيفا من الصور والفيديوهات قدمه متطوعون غير محترفين أرادوا نقل صورهم وفيديوهاتهم إلى الانترنت، ولعل أهمية هذا الأرشيف أنه دليل قد نحتاجه في القضايا المتتالية التي أثيرت منذ بدء الثورة". وحسبما تذكر نازلي فإن أجواء الاطمئنان التي عاشها المعتصمون لبعضهم البعض واستمرت حتى اليوم دفعت الكثيرين إلى تقديم ما لديهم من مواد دون اهتمام بذكر أسمائهم، أو على حد وصفها: "منذ ذلك الوقت تأكد دور الصحافة الشعبية بشكل كبير، ولم يعد الاهتمام فقط منصبا على المحترفين في مجالي التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو". هذه الأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة واتساع استخدام الكاميرات الرقمية دفع إلى تزايد عدد ورش التصوير و ظهور شريحة تجمع بين روح الهواية والاستقلال بعيدا عن المؤسسات التقليدية، يعلق عمرو نبيل على ذلك قائلا: "أثناء زيارتي إلى ليبيا وقت تفجر الموقف هناك لاحظت هذا النموذج لشاب تحول إلى مصدر صور للوكالات الأجنبية رغم أنه ليس محترفا أو تابعا لمؤسسة". هذا النموذج ليس حالة يمكن تعميمها في نظر عمرو نبيل، إلا أنه في نظر آخرين مؤشر على فرص جديدة لشباب كانوا هواة أو مستقلين، إذ أن هناك نماذج أخرى في مصر توضح تأثير الثورة بشكل مباشر. أحدهم هو بشير وجيه الذي تعود صلته بالتصوير لسنوات مضت، و كان للثورة تأثير خاص على حياته المهنية، ويوضح ذلك قائلا: "ما أحدثته الثورة في الحقيقة هو أنها كانت فرصة لعرض ما نصوره في توقيت كانت الأعين كلها مسلطة على مصر، وعلينا ألا ننسى أن الحس الفني للصورة يجعلها أكثر استخداما". يعيش الآن بشير خارج القاهرة حيث يعمل على مشروع لحساب إحدى القنوات التلفزيونية العالمية، إذ يطوف المحافظات المصرية تاركا مهنته الأصلية كمهندس في إحدى الشركات الكبرى في مجال الاتصالات. وجزء من هذا القرار كانت أحداث الثورة سببا فيه.. يوضح ذلك بقوله: "ما صورته من مادة فيلمية أثناء الثورة بحسي الفني كان أحد أسباب العروض التي تلقيتها فيما بعد". أما قبل ذلك بسنوات فقد كان المجال الاحترافي خانقا في بعض الأحيان وله قواعد تجارية في أحيان أخرى، وهو ما دفعه إلى العمل بشكل مستقل وصُـنع أفلام حضر بها مهرجانات. ويوضح تفاصيل تلك النقلة التي اتخذها بعد الثورة قائلا: "على سبيل المثال فإنني أثناء السنوات الماضية حاولت الدراسة الأكاديمية و تعذر الأمر عدة مرات، في الوقت الذي نجحت فيه في صنع أفلام مستقلة، وأثناء الثورة عرضت صوري بشكل تقليدي على الفيسبوك والتويتر و اكتشفت أن هناك من يهتم بالفعل، وتلقيت عروض شراء، واليوم أنا أعمل لحساب مؤسسات إعلامية عالمية".

بحر من الصور
حسبما يؤكد بشير فإن أحداث الثورة المتتالية ساهمت في إيصال البعض إلى العمل المؤسسي، لكن كان الشرط دوما هو المهارة الحقيقية والحس الفني، لكن بعيدا عما يذكره فإن نفس تلك المؤسسات اتجهت أيضا إلى فيديوهات المتطوعين التي يلقون بها على مواقع مثل يوتيوب لتحميل الفيديو، أو من يرفعون صوره بكاميراتهم على الفيسبوك، دون أن يبحثون عن الاحتراف، إذ كانت الأشهر الماضية موسما لجمع الفيديوهات بغرض إعادة إنتاجها تجاريا فيما بعد .. وحسب أرقام أعلنها مؤخرا موقع يوتيوب الأشهر عالميا لرفع الفيديو فإن أن المصريين قاموا بتحميل 2.1 مليون فيديو على موقع ''يوتيوب''من مصر منذ بداية العام 2011، وأن 14% من هذه الفيديوهات في قسم " الأخبار والسياسة"، وهو معدل مرتفع مقارنة ببقية الدول ذات الأوضاع السياسية الشبيهة . وحسب تلك الأرقام فإن حالة الصورة في ازدهار، وهو ما دفع ببعض المؤسسات العالمية إلى وضع أفكار جديدة مثل تدشين مواقع الكترونية تهدف إلى تسويق الصور والفيديوهات وأحد هذه المواقع الجديدة يستهدف مصر والشرق الأوسط بشكل خاص. وكذلك فإن بعض شركات الإنتاج المحلية قد نشطت في الفترة الماضية من أجل جمع مواد فيلمية عن أحداث الثورة على أمل إعادة إنتاجها بشكل تجاري. هذه الملاحظة سجلتها الناشطة نازلي حسين إحدى المتطوعات في (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) أثناء بداية أحداث الثورة، وتعلق قائلة: "نعم .. لاحظت أن بعض فيديوهات المتطوعين التي وصلت إلينا في تلك الفترة المبكرة قد أعيد استخدامها كثيرا على الشاشات، وبعضها استخدم بشكل تجاري، لأن أغلب تلك المادة كان الهدف إتاحتها على الانترنت بشكل مجاني". إلا أن فكرة التطوع بتقديم مواد عن الثورة ليس بهذه البساطة لدى المصورين المحترفين، إذ تعرض منهم لمشاكل حين اختاروا التنازل عن حسهم الاحترافي جزئيا وطرح أعمالهم للجمهور مباشرة. وهو ما حدث قبل أشهر في معرض "سجل يا زمن" حين فوجي المصورون بأعمالهم التي تباع على سيديهات دون إذن كتابي منهم. وبسبب خلفيتهم الاحترافية اتجه بعضهم إلى اتخاذ إجراءات قانونية، وأثير نفس الجدل مع برنامج ناس بوك للإعلامية هالة سرحان حين وجه لها أحد المخرجين اتهاما بأن طاقم إعداد البرنامج استخدم فيلما صوره في الميدان واعتبروه من تصوير فريق البرنامج. وهذه الحوادث المتتالية تظهر ملمحا جديدا لعالم الصورة بعد الثورة، حول تلك العلاقة الشائكة بين عالم الصورة الاحترافية التقليدية لحساب المؤسسات، وبين الكاميرات الحرة والعمل التطوعي الأكثر نشاطا بعد الثورة.

Wednesday, June 1, 2011

بعد سنوات من العمل السرى .. لا (تُخفِ) نشاطك السياسى بعد اليوم




الثورة تفرض قواعدها

الشيوعيون فى اختبار مع العلنية

يؤمن صلاح عدلى ــ أمين عام الحزب الشيوعى المصرى ــ بعبارة فلسفية تقول: «لا شىء ساكنا.. كل شىء يتحرك»، فحين انضم إلى صفوف الحركة الشيوعية فى العام 75 لم يتصور أن يأتى اليوم الذى يعلن فيه الحزب الشيوعى المصرى عن نفسه مثلما هو الحال اليوم. ويعلق قائلا: «ما حدث فى ثورة 25 يناير لم يأت من فراغ، إنما سبقته نضالات قديمة». اختار أن يبدأ الحديث فى جوار مركز «آفاق اشتراكية» الذى يديره منذ سنوات، ثم تابع قائلا عن الجانب السرى فى عمل الحزب: «بعد أن التحقت بصفوف الحزب فى منتصف السبعينيات أوكلت إلىّ مسئولية الأجهزة الفنية، وهى مختصة بطباعة الوثائق والمنشورات والاتصال، وهو ما جعل مهمتى سرية فى ظل القمع الأمنى لنشاطاتنا، وكان أول اعتقال لى فى العام 81، بدأت أنشطة جديدة تمزج السرية بالعلنية». للحزب الشيوعى المصرى خصوصية وسط التيار الاشتراكى بشكل عام، إذ إنه أول حزب شيوعى فى القارة الأفريقية، تأسس فى العام 1922 ثم قضت المحكمة بالقبض على قادته بعدها بعامين واستمر عمله السرى منذ ذلك الوقت حتى أول مايو الماضى حين أعلن الشيوعيون نية تأسيسه بشكل علنى، رغم أنه قد أعيد تأسيسه فى الأربعينيات مع صعود الموجة الشيوعية الثانية ثم مرة ثالثة فى السبعينيات وهى المرحلة التى ينتمى إليها قادة الحزب الحاليون.
لا يخفى صلاح عدلى ضيقه عند تناول صورة الشيوعى فى المجتمع المصرى حاليا، إذ يرى أنها أمر لم يكن فى إمكانيات الشيوعيين الرد عليه، ويقول: «ببساطة فإن أصل الدعاية المضادة للشيوعية كانت من السلطة، خاصة حين ندرك أن المذهب الماركسى يدعو لتغييرات جذرية فى المجتمع تقلق طبقات بعينها، لذا اتهم الماركسيون فى العالم باتهامات متشابهة منها أنهم معادون للأديان وأنهم فوضويون للتشنيع عليهم، وفى مصر حدث ذلك مع حكومات ما قبل الثورة وبعدها، وفى أيام السادات تم دعم الإسلاميين فى مواجهة الشيوعيين خوفا من قوتهم.. لم يدعوا لنا مجالا للعمل». رغم ذلك كان انتماء صلاح عدلى ورفاقه معلنا إلى الحزب الشيوعى المصرى ــ ذى المكانة التاريخية ــ لكن تفاصيل اجتماعاتهم وخططهم تتم فى سرية.. تماما مثلما كان الحال مع الأجيال التى سبقتهم. وهو ما عرضهم للاعتقال من الشارع أثناء المظاهرات أو الاستدعاء إلى أمن الدولة. ويقول عن ذلك: «فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت فترة ركود للعمل السياسى بشكل عام، لكن منذ العام 2000 بدأت الحركة تنشط، إذ كنا كشيوعيين مصريين فى داخل الكثير من الفاعليات، ولن أبالغ حين أقول إن كيانات مثل اللجنة الشعبية للتضامن مع غزة فى ذلك العام ثم اللجنة الشعبية للتغيير فى العام 2004 ساهمتا فى تحريك الشارع والتظاهر، ولم نترك فرصة للمشاركة فى حدث جماهيرى ولم نشارك خاصة فى الجمعية الوطنية للتغيير». يتوقف قليلا ليستقبل اتصالا من إحدى الفضائيات ثم ينهى المكالمة معلقا: «فى الماضى كنا نتعرض للاستبعاد أحيانا من جانب بعض الفضائيات أثناء مشاركاتنا فى المظاهرات، إذ كنا نفاجأ بالعدسات توجه إلى الإخوان أو القوميين أو أعضاء كفاية.. اليوم قد اختلف الوضع كثيرا».
فى العام الماضى، أصدر الكاتب طلعت رميح كتابا بعنوان «مأزق الحركة الشيوعية المصرية» (مركز الأهرام للنشر ــ 2010). وذكر بعض الظواهر التى لازمت الحركة طوال تاريخها، منها: عدم القدرة على بناء حزب، واعتماد المنظمات والأحزاب الشيوعية على المثقفين، وعزلة شريحة من الشيوعيين واغترابهم عن المجتمع. هذه الظواهر يتجاوزها صلاح عدلى فى حديثه، بل يبدو متصالحا معها مشغولا بالمستقبل، ويقول: «بعد الأزمة المالية العالمية ظهرت كتابات تقول: لقد عاد ماركس بقوة، وهذه الإشارات تؤكد بقاء الأفكار والمنهج العلمى، المسألة ليست انتماء سياسيا فقط، بل إيمان بأفكار تحقق عدالة اجتماعية». وحتى مع اختلاف روح العصر التى دفعت الشباب بعيدا عن الأفكار والنظريات باتجاه القيم البسيطة المجردة، يقول أمين عام الحزب الشيوعى المصرى: «هذه المرحلة التى نعيشها الآن لن تستمر إلى الأبد، لابد من أحزاب وأفكار سياسية ونظريات متنوعة لخدمة مرحلة بناء النظام.. ليس علينا أن ننفر الشباب من الحزبية والأفكار السياسية لأنها أداة لابد من استخدامها». فى أثناء أحداث الثورة شارك أعضاء الحزب الشيوعى المصرى مع الجماهير، وهى اللحظة التى يسميها عدلى بالظرف الناضج للثورة، لكن هل تأتى هذه الثورة بأعضاء جدد لحزب ذى طبيعة خاصة؟ فى السبعينيات كانت الأعداد بالآلاف والمعتقلون فى السجون من الشيوعيين بالمئات. أما اليوم فينتظر الحزب الإعلان عن عدد الأعضاء ومصادر التمويل بعد ترتيب الأوراق فى الأشهر القادمة. ووسط زحام السياسة يفتقد الحزب الشيوعى المصرى أيقونة أو رمزا يقدمه للمجتمع.. يرد «صلاح عدلى» على ذلك قائلا: «كبار الشيوعيين رحلوا، لم يتبق سوى أبناء جيلى وشباب الحركة». يصمت قليلا ثم يكمل بحماس: « ماركس نفسه رفض أن يتحول إلى أيقونة.. لقد ترك أفكارا هو وغيره من المفكرين والسياسيين الاشتراكيين، والاشتراكية العلمية هى أساس مشروعنا القادم».


تكتيكات جديدة للحركة فى الشارع

منسق 6 أبريل: لكل مرحلة أسلوبها

«مساحة العمل السرى فى حركة 6 أبريل لم تكن كبيرة، كنا نلجأ للسرية فقط لإتمام نجاح الحركة فى الشارع منذ تأسيسها فى 2008 حتى ثورة 25 يناير». فى المقهى المجاور للمقر الذى يجتمع فيه أعضاء حركة 6 أبريل يروى أحمد ماهر ــ أحد مؤسسى الحركة والمنسق العام ــ عن مساحات العمل قبل الثورة وكيف تبدلت الرؤية بعيدا عن العمل السرى. هذه الأجواء الجديدة أدت إلى تبنى الحركة اقتراحا بأن تنتقل من كونها حركة «مقاومة» تسعى إلى تغيير النظام إلى جماعة ضغط سياسى. هذا الاقتراح ألقى بتأثير سيئ على بعض الأعضاء الذين انسحبوا من الحركة مؤخرا. يقول أحمد ماهر: «هذه المشكلة مررنا بها من قبل فى 2009 حين قررنا الانتقال من فكرة الاحتجاج إلى فكرة المقاومة.. والفارق كان كبيرا، فالمقاوم لا يكتفى بمظاهرة، بل يعتصم أو يكتب عبارات ثورية على الجدران، حتى إن تعرض للاعتقال.. وحين غيرنا خطتنا وقتها حدث موقف شبيه بالموقف الحالى وسرعان ما تم تجاوزه». لكن مجموعات على الفيس بوك ومواقع إخبارية نشرت قبل أسابيع قصة تحويل 6 أبريل إلى مؤسسة تتلقى دعما ماليا، وهو ما جعل مجموعة تنسحب من الحركة وتعلن أنها هى التى تمثل الحركة، وسرعان ما هدأت الأمور بعد النفى التام للفكرة من جانب المنسق العام. هذا الارتباك هو أحد أعراض ما بعد الثورة إذ كانت قصة 6 أبريل مع مؤسسها أحمد ماهر هى قصة صعود تم تتويجه فى أحداث الثورة، وبعد سقوط السلطة الحاكمة دار سؤال داخل الحركة وخارجها عن : ما مصير حركة 6 أبريل؟ يجيب أحمد ماهر قائلا: «الحل فى أن نكون جماعة ضغط سياسية.. البعض لم يفهم الفكرة حين طرحت لأول مرة، فنحن هنا نتحدث عن دور جديد يقدم توعية سياسية واجتماعية للوقاية من الوقوع فى فخ الطائفية أو عودة النظام الفاسد».
فى ضوء هذه النقلة التى يتحدث عنها أحمد ماهر هناك أجواء مختلفة داخل الحركة ستتغير، فى الماضى ــ حسب قوله ــ كان هناك أعضاء يتم دسهم داخل 6 أبريل من جانب الأمن لكشف مخططاتها. ويوضح قائلا: «كنت أحيانا ما أبلغ أحد المشكوك فيهم من الأعضاء بأننا سنقوم بمظاهرة مفاجئة فى التوقيت والميعاد الفلانى.. وهنا كنا نكتشف عميل الأمن و العضو النزيه، وهذا ما جعل هناك جانبا سريا فى عملنا». هذه الممارسات لم تتم إلا عبر التجربة والخطأ وخبرة سابقة لمؤسسى 6 أبريل فى مجموعة شباب من أجل التغيير التى سبقتها بسنوات وهناك اكتسبوا خبرات أخرى فى المظاهرات والعمل الحركى، أما عند تأسيس حركة 6 أبريل بعد نجاح الإضراب الشهير فقد اتفق المؤسسون على قناعة واحدة وهى: «أن يكون مستوى التخطيط للعمليات مغلقا على مجموعة من المؤسسين.. أما على مستوى التنفيذ فالأمر مفتوح لكل الأعضاء». وعلى هذا المنوال كان شباب الحركة يفاجئون الأمن بعمليات فى العامين الماضيين ذات طابع مختلف، مثل: توزيع منشورات أو ترديد أغان ثورية فى الشوارع. يروى أحمد ماهر هذه التفاصيل دون اكتراث بأنه سيفتقد أجواء التخطيط السرى التى اعتادها لسنوات، ويعلق قائلا: «أحيانا ما كانت سرية التخطيط تغضب بعض أعضاء الحركة لكنهم تفهموا الأسباب فيما بعد.. خاصة بعد أن تسببت التحركات المفاجئة فى إرباك الأمن عدة مرات، ومعاقبة بعض الضباط بسبب إخفاقهم المتكرر». هذا العمل الذى يمزج السرية بالعلنية تم أيضا فى 25 يناير، أما الآن.. «لم يعد هناك داع للتخطيط السرى قبل التحرك فى الشارع، لقد كانت المشكلة مع الأمن»، حسبما يذكر أحمد ماهر. وفى موقع 6 أبريل على الانترنت تبدو أجواء ما بعد الثورة واضحة للزائر، فى أحد الأركان تتم الإجابة عن سؤال: يعنى إيه منظمة 6 أبريل؟ وهناك شرح لفكرة جماعة الضغط، والفرق بينها وبين الحزب السياسى الذى يطمح إلى السلطة، وكذلك منظمات المجتمع المدنى. إذ يسعى الكيان الجديد إلى التأثير فى الحسابات السياسية عبر كوادره المنتشرة فى المحافظات، سواء فى التوعية السياسية أو دعم مرشحين تتفق أفكارهم مع مبادئ 6 أبريل. وعلى الموقع صور شباب الحركة وهم يقومون بالتدريب فى إحدى القاعات، يكمل أحمد ماهر حديثه قائلا: «قدمنا إلى مجلس الوزراء والمجلس العسكرى اقتراحا بقبول فكرة جماعات الضغط ككيان سياسى مشروع، وذلك حتى نعمل فى العلن ونبرز اختلافنا عن الأحزاب والمجتمع المدنى.. فنحن سنكون أداة رقابة أيضا». يدرك ماهر أن مرحلة العلن التالية واتساع العمل سيكون من الضرورى فيها تسجيل الحركة المالية والتبرعات للحركة، وكذلك اشتراكات الأعضاء، حتى يكون كل شىء معلنا أمام الدولة. يقول: «لدينا ثوابت فى لائحتنا الداخلية هى التى ستدير مواقفنا من القوى السياسية فى المستقبل.. على سبيل المثال لن أدعم مرشحا يدعو إلى زواج المثليين ولا مرشحا يدعو إلى دولة دينية». نبرة الحوار دفعت بسؤال: هل أنهت 6 أبريل المرحلة الثورية وبدأت مرحلة الإصلاح ؟ يجيب سريعا: «طوال الوقت كنا ثوريين وإصلاحيين.. كنا نقدم مشروعات تنموية فى مؤتمرات على أمل الإصلاح فى ظل النظام القديم، لكن لم يلتفت إليها أحد». يصمت قليلا ثم يكمل: «على فكرة.. لن نتخلى عن أدوات المقاومة، فماذا إن حدث فى أسوأ الظروف وجاء حاكم ديكتاتور، ألا يحتاج إلى إسقاطه من جديد؟» يبتسم منهيا حديثه تاركا خلفه طموحات للانتقال بـ6 أبريل إلى منظمة تؤثر فى موازين القوى السياسية.


لا مجال للكيان الأخطبوطى السابق

3 أسئلة للباحث حسام تمام - المتخصص فى شئون الحركات الإسلامية - حول التغيرات التى ستطرأ على جماعة الإخوان المسلمين:


استبداد النظام القديم كان يزيد من تماسك جماعة الإخوان .. فهل ستواجه خطر التفكك بعد اختفاء النظام الذى كان يهددها؟
- علينا أن نلاحظ أمرا مهما وهو أنه رغم أن الإخوان كانت من القوى السياسية الأكثر استفادة من الثورة، إلا أنها على أرض الواقع لم تستقطب أعدادا جديدة، بل إنها الآن تحاول الحفاظ على قواعدها الأصلية، واتضح هذا فى انتخابات الجامعات التى كشفت عن حضور هش فى بعض الكليات، رغم أن إجراء الانتخابات كان بعيدا عن القبضة الأمنية التقليدية.. ما حدث فى 25 يناير كان ثورة استثنائية أسقطت كيانات راسخة، وطبيعة المرحلة القادمة لن تعيد إنتاج تجربة الكيان الأخطبوطى الذى تشكلت عليه جماعة الإخوان، لأن هذا الكيان الضخم كان يضم تحت لوائه أفكارا وتيارات متنوعة، وقد بدأت بوادرها الآن فى الظهور على شكل أحزاب سياسية، لكن من المستبعد أن تحدث انشقاقات عظيمة أو تفكك سريع، ما يحدث هو نوع من فرز للتيارات الداخلية.

تأسست جماعة الإخوان المسلمين فى العام 1928 وظلت محتفظة ببنائها التقليدى على مدار هذه العقود الطويلة.. هل ترى أن هذه البنية القديمة والأسلوب الدعوى فى النشاط السياسى سيصبح مقبولا مع مجتمع قام بثورة رفض فيها الشعارات الدينية أو سيطرة الرموز عليها؟
- إذا ما تغيرت قواعد النظام السياسى الجديد ليصبح نظاما تعدديا فسيتحول الإخوان إلى قوة سياسية ضمن بقية القوى، لكن ما حدث فى الاستفتاء الأخير وتحويله إلى قضية دين وهوية بعيدا عن السياسة هو ما يجعل البيئة السياسية نفسها تقليدية وقديمة ضد التطور.. كذلك فإن الإخوان لديهم مشكلة فى تطوير أدائهم مع القوى السياسية الأخرى بدلا من اتخاذ قرارات أحادية مثل الانسحاب من حوار وطنى أو عدم المشاركة فى مظاهرة.. كل هذه المؤشرات سلبية تدل على التمسك بالمنطق القديم، وعدم القدرة على التعاون مع القوى الأخرى. والمشكلة التى ستواجه الإخوان الآن هى أنهم لم يعودوا من يحدد قوة الحدث السياسى. فهناك قوى أخرى صاعدة.

هل هناك دواع لاستمرار التخطيط السرى داخل جماعة الإخوان بعد أن سقطت قيود النظام السابق، وهل سيؤثر ذلك فى المستقبل على أى عمل حزبى للجماعة؟
- مما لا شك فيه أنه على جماعة الإخوان المسلمين أن تقدم عربونا للتواصل الجيد مع الشعب المصرى بعد سقوط النظام، فلم يعد من المقبول فى هذه الأجواء الجديدة أن تستمر المخططات الداخلية السرية فى الوقت الذى بدأت تظهر فيه كيانات أخرى على الساحة السياسية أكثر وضوحا. والمشكلة التى ستواجه الجماعة فى الفترة المقبلة هى ضرورة التمييز بين السياسى والدعوى وقد حدث هذا فى تجربة المغرب التى فصلت فيها الجماعة نفسها عن نشاط الحزب. المشكلة الحقيقية أن هناك نزعة هيمنة بدأت تعلو عند تيار الإسلام السياسى وتطغى على هذه الحسابات وهو ما قد تكون عواقبها وخيمة على المدى البعيد.