صورة من يمارس المحاماة كانت قد تبدلت منذ نشأة المهنة فى مصر حتى اليوم، حين كانت الصورة فى البداية لشخص «غلباوى» كثير الكلام يعتمد على لسانه أكثر من اعتماده على قوة حجته، خاصة أنها لم تعتمد فى البداية على فئة مؤهلة تعليميا، هذه الملامح سجلها المفكر المصرى أحمد لطفى السيد ــ خريج مدرسة الحقوق ــ فى كتابه قصة حياتى (هيئة الكتاب 2008) فى موقف محدد واصفا حال والد الزعيم الوطنى محمد فريد الذى بكى حزنا على ابنه الذى اختار العمل بالمحاماة قائلا: «هل يصح أن يهزأنى محمد فريد فى آخر الزمن ويفتح دكان أفوكاتو؟». لم تدم هذه الصورة كثيرا بفضل إجراءات التحديث التى اتخذتها الدولة آنذاك لاستبعاد غير المؤهلين، وتبدلت الصورة إلى حال أفضل مع ازدياد أعداد دراسى الحقوق الذين استقطبتهم أجهزة الدولة حتى تكونت فيما بعد نخبة حقيقية من العاملين فى مجال المحاماة لأسباب أخرى توردها د. أمانى الطويل فى كتابها «المحامون بين المهنة والسياسة» (الشروق، 2007) الذى رسمت فيه ملامح تطور صورة المحامى بعد ظهور شخصيات من أمثال سعد زغلول وقاسم أمين الذين عمل بعضهم على تطوير المهنة.وفى فترة التحرر الوطنى امتزجت المواقف الوطنية بالسياسية فلمعت صورة المحامى المدافع عن الحقوق، خاصة حين تحولت نقابة المحامين إلى ساحة يبرز فيها الانتماء السياسى والمواقف الوطنية. تلك الفترة التى احتفى بها المجتمع بمهنة المحاماة قد يتذكرها بعض شيوخ المهنة أو الأكاديميين الذين التحقوا بكلية الحقوق ــ قبل ظهور مكتب التنسيق ــ وكلهم أمل فى اللحاق بركب النخبة السياسية والحكومية.فى ذلك الوقت اتخذت حفاوة المجتمع بالمحاماة أشكالا أخرى مثل التعلق ببعض تفاصيل المهنة التى تتجلى فى «أدب المرافعة» الذى تظهر فيه عناصر البلاغة والفصاحة لدى المحامى. وكانت المرافعة تستمد أهميتها من أهمية الحدث وأحيانا من شهرة المحامى، فتفرد مساحات فى الصحف لهذا الغرض، وهو ما حول بعض هذه المرافعات إلى ميراث مطبوع فى كتب حتى يومنا هذا كما انتقل بعضها أخيرا إلى الانترنت. «كلية الوزراء»، حسبما يردد بعض أساتذة كلية الحقوق حتى اليوم لم تعد اختيار أغلب من دخلوها، وهذه الصورة التى كانت تظهر المحامى فى سينما الأبيض والأسود بملابس مهيبة وصوت رصين استبدلت منذ عقود بصورة مختلفة تناولتها أفلام مثل «الأفوكاتو» للفنان عادل إمام الذى أثار عددا من المحامين ضده فيما اعتبروه إساءة لهم، بينما أعقب ذلك أفلاما أخرى تناولت مافيا محامى التعويضات مثل فيلم «ضد الحكومة».وتحولت صورة المحامى إلى شكل جديد متعارض مع الصورة التى كانت عليها من قبل. بعيدا عن التطور الذى أصاب صورة المحامى يجلس عماد فى عمله راضيا عن وجوده أمام شاشة الكمبيوتر التى أدمن الجلوس أمامها منذ سنوات، لم يعد يربطه بالكلية سوى شهادة تخرج حصل عليها قبل عامين، أما سراء أسامة فتقول: «لا أشغل بالى بالمستقبل بعد التخرج، أعلم أن ممارسة المحاماة ليست سهلة، فأنا أحصل من تدريبى على 150 جنيها، ما يثير سخرية أصدقائى رغم أنه مبلغ كبير مقارنة بغيرى.. الجميع يفكر فى العمل فى مؤسسات كبرى وهو ما يحتاج إلى إجادة عدة لغات، أما أنا فأسعى وراء صورة أحببتها ومهنة تعلقت بها».
Thursday, July 1, 2010
المحاماة بيـن مجـد غابـر وواقع بائس
صورة من يمارس المحاماة كانت قد تبدلت منذ نشأة المهنة فى مصر حتى اليوم، حين كانت الصورة فى البداية لشخص «غلباوى» كثير الكلام يعتمد على لسانه أكثر من اعتماده على قوة حجته، خاصة أنها لم تعتمد فى البداية على فئة مؤهلة تعليميا، هذه الملامح سجلها المفكر المصرى أحمد لطفى السيد ــ خريج مدرسة الحقوق ــ فى كتابه قصة حياتى (هيئة الكتاب 2008) فى موقف محدد واصفا حال والد الزعيم الوطنى محمد فريد الذى بكى حزنا على ابنه الذى اختار العمل بالمحاماة قائلا: «هل يصح أن يهزأنى محمد فريد فى آخر الزمن ويفتح دكان أفوكاتو؟». لم تدم هذه الصورة كثيرا بفضل إجراءات التحديث التى اتخذتها الدولة آنذاك لاستبعاد غير المؤهلين، وتبدلت الصورة إلى حال أفضل مع ازدياد أعداد دراسى الحقوق الذين استقطبتهم أجهزة الدولة حتى تكونت فيما بعد نخبة حقيقية من العاملين فى مجال المحاماة لأسباب أخرى توردها د. أمانى الطويل فى كتابها «المحامون بين المهنة والسياسة» (الشروق، 2007) الذى رسمت فيه ملامح تطور صورة المحامى بعد ظهور شخصيات من أمثال سعد زغلول وقاسم أمين الذين عمل بعضهم على تطوير المهنة.وفى فترة التحرر الوطنى امتزجت المواقف الوطنية بالسياسية فلمعت صورة المحامى المدافع عن الحقوق، خاصة حين تحولت نقابة المحامين إلى ساحة يبرز فيها الانتماء السياسى والمواقف الوطنية. تلك الفترة التى احتفى بها المجتمع بمهنة المحاماة قد يتذكرها بعض شيوخ المهنة أو الأكاديميين الذين التحقوا بكلية الحقوق ــ قبل ظهور مكتب التنسيق ــ وكلهم أمل فى اللحاق بركب النخبة السياسية والحكومية.فى ذلك الوقت اتخذت حفاوة المجتمع بالمحاماة أشكالا أخرى مثل التعلق ببعض تفاصيل المهنة التى تتجلى فى «أدب المرافعة» الذى تظهر فيه عناصر البلاغة والفصاحة لدى المحامى. وكانت المرافعة تستمد أهميتها من أهمية الحدث وأحيانا من شهرة المحامى، فتفرد مساحات فى الصحف لهذا الغرض، وهو ما حول بعض هذه المرافعات إلى ميراث مطبوع فى كتب حتى يومنا هذا كما انتقل بعضها أخيرا إلى الانترنت. «كلية الوزراء»، حسبما يردد بعض أساتذة كلية الحقوق حتى اليوم لم تعد اختيار أغلب من دخلوها، وهذه الصورة التى كانت تظهر المحامى فى سينما الأبيض والأسود بملابس مهيبة وصوت رصين استبدلت منذ عقود بصورة مختلفة تناولتها أفلام مثل «الأفوكاتو» للفنان عادل إمام الذى أثار عددا من المحامين ضده فيما اعتبروه إساءة لهم، بينما أعقب ذلك أفلاما أخرى تناولت مافيا محامى التعويضات مثل فيلم «ضد الحكومة».وتحولت صورة المحامى إلى شكل جديد متعارض مع الصورة التى كانت عليها من قبل. بعيدا عن التطور الذى أصاب صورة المحامى يجلس عماد فى عمله راضيا عن وجوده أمام شاشة الكمبيوتر التى أدمن الجلوس أمامها منذ سنوات، لم يعد يربطه بالكلية سوى شهادة تخرج حصل عليها قبل عامين، أما سراء أسامة فتقول: «لا أشغل بالى بالمستقبل بعد التخرج، أعلم أن ممارسة المحاماة ليست سهلة، فأنا أحصل من تدريبى على 150 جنيها، ما يثير سخرية أصدقائى رغم أنه مبلغ كبير مقارنة بغيرى.. الجميع يفكر فى العمل فى مؤسسات كبرى وهو ما يحتاج إلى إجادة عدة لغات، أما أنا فأسعى وراء صورة أحببتها ومهنة تعلقت بها».
Wednesday, June 23, 2010
الانترنت.. رقيب جديد على السلطة
كتب – عبدالرحمن مصطفى
داخل صفحة أنا اسمي خالد محمد سعيد في شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطات فيديو متنوعة من مظاهرات وبرامج إخبارية تناولت قصة الشاب السكندري الذي ما زالت التحقيقات تبحث عن ملابسات مصرعه والاتهامات الموجهة إلى مخبرين ينتميان إلى جهاز الشرطة بأنهما كانا وراء الحادث، إلا أن إسهامات أكثر من 200 ألف مشترك في الصفحة لم تسفر عن ظهور "الكليب البطل" الذي يقطع الشك باليقين، كان أقصى ما توصل إليه البعض هو نشر لقطة تحت عنوان "الفيديو الذي قتل بسببه خالد"، حيث ذكر ناقلوه أنه تم تصويره داخل أحد أقسام الشرطة لضابط يوزع كمية من الحشيش على بعض معاونيه، لكن اللقطة التي يشوبها كثير من الغموض لم تكن مقنعة للبعض، أحدهم علّق قائلا: " ازاى يكون الفيديو ده هو اللى قتل خالد الله يرحمه وازاى الناس دى عارفة إنها بتتصور وعادى يعنى ومبسوطين"، ناشر الكليب دافع عن وجهة نظره قائلا أن "لكل جواد كبوة"، في تلك الأثناء كان وائل عباس أحد أهم ناشري كليبات التعذيب في السنوات الماضية يطرح القضية بمنظور آخر في موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة قائلا: " فيه ناس صوروا حادثة ضرب خالد ومش عايزين يدوني الفيديو بيقولوا لما يشوفوا التحقيقات ها تعمل ايه! "، الجملة أكدتها أسرة خالد التي ذكرت أن بعض شهود الواقعة قد صوروها لكنهم لم ينشروا تسجيلاتها بعد، وهو ما يعيد إلى الأذهان بقوة صورة كليبات مخالفات الشرطة والتعذيب التي أتاحت لها الانترنت الظهور على الساحة في السنوات الأخيرة. يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان: "بعض المعلومات الأولية التي انتشرت بعد حادثة خالد سعيد وجدت فيها بعض التشابه مع قصة نشر كليب عماد الكبير، إلا أن ظروف نشر الكليب وقتها بواسطة المدون محمد خالد كانت أفضل بكثير". قضية عماد الكبير التي يشير إليها جمال عيد الذي دافع عن بعض المدونين الذين تعرضوا لمضايقات أمنية دارت أحداثها في بداية العام 2006 حين تعرض أحد سائقي الميكروباص للتعذيب في قسم شرطة بولاق وأسفرت القضية عن حبس رجلي شرطة أحدهما برتبة نقيب، يتابع جمال عيد : "لم يكن المدون محمد خالد الذي نشر الكليب أول مرة على درجة كبيرة من الشهرة، لذا استعان بزملائه المدونين وخاصة المدون وائل عباس لينشروا بالتزامن ويفجروا القضية التي تابعتها الصحافة فيما بعد وأسفرت عن نتائج طيبة". منذ تلك الفترة حتى اليوم يتوالى نشر كليبات التعذيب والتجاوزات المختلفة، ولم تسجل خلال هذه الفترة حوادث اعتقال أو اعتداء مباشر بسبب نشر كليب بعينه على عكس ما شاع مؤخرا على الانترنت مع حادث خالد سعيد الذي يتناقل رواد الفيس بوك أن مصرعه كان بسبب اللقطة التي نشرها من داخل قسم الشرطة، يختلف وائل عباس صاحب مدونة الوعي المصري مع هذه الصورة التي تروج أن نشر كليبات التعذيب يتم في أمان، قائلا : "من قال أن نشر مثل هذه الكليبات لا يعرض صاحبه للمضايقات؟ أنا عن نفسي أتعرض للتضييق في كل مرة أعبر منها بوابات المطار". تحوي مدونة وائل عباس أرشيفا كاملا من كليبات التعذيب وتسجيل المخالفات المتنوعة التي حصل عليها من زوار مدونته أو بالبحث المباشر عنها. يتابع قائلا : "كنت شاهدا على ضغوط تعرض لها البعض، وكتبت في مدونتي عن أحد المدونين الذي أضطر إلى ترك مصر والهرب بزوجته إلى ليبيا من جراء التهديدات والملاحقات التي طالته، الأجواء العامة في مصر ليست بهذه السلاسة، حتى في قضية خالد سعيد كل شيء بدأ بالتعتيم، وربما تكشف الأيام القادمة عن كليبات جديدة توضح حقيقة الموقف أو إذا ما كان تعرض للقتل بالفعل بسبب حيازته على كليبات تدين رجال شرطة".
تلك الأجواء الشائكة التي تحيط بمن قرر التعامل مع الكليبات التي تظهر مخالفات السلطات هي التي دفعت محمد خالد ناشر كليب "عماد الكبير" في 2006 إلى اللجوء إلى زملائه حسبما يروي : "اتفقنا على نشر الكليب بشكل متزامن لينتشر بعدها على الانترنت، وبعدها أصبح الأمر يتكرر بشكل تلقائي دون اتفاق كنوع من التضامن بين رواد الانترنت.. الحقيقة أنني اليوم أقدر المشكلة التي يتعرض لها من يملك لقطة لمخالفة ما ولا يعرف كيفية نشرها، وأؤكد أنني شاهدت لقطات كثيرة على موقع يوتيوب - لتحميل لقطات الفيديو- لمواطنين نقلوا ما يحدث في الشارع من مخالفات إلى الانترنت، لكنها لم تحقق أي نجاح، بل إن بعضهم حذفها فيما بعد".
ما يذكره محمد خالد قد تؤكده جولة مخلصة بين ربوع موقع يوتيوب الذي يكشف عن وجود مستخدمين مغمورين يحملون أسماء مستعارة سجلوا لقطات لما اعتبروه تجاوزات في الشارع المصري، لكن لقطاتهم ظلت خبيئة في الانترنت، أحدهم نشر لقطة تحت عنوان "الي من يهمه الامر في قسم الحدائق في مصر" هذا العنوان قد يظهر أثناء البحث على الانترنت لكن بمجرد الدخول إلى اللقطة يكتشف الزائر أنه قد تم حذفها دون سبب واضح، شاب آخر يحمل حسابا تحت اسم dode706 نشر كليبات وقعت في حي عين شمس القاهري تحت عنوان "بلطجة الحكومة المصرية في عين شمس"، تاركا تعليقا يشرح فيه الفيديوهات التي تصور اشتباكات بين رجال الشرطة والأهالي بسبب تنفيذ قرار إزالة أحد المنازل موجها شكواه إلى السيد حبيب العادلي وزير الداخلية. التواصل مع صاحب هذا الكليب لم يسفر عن استجابة، كما لم يحقق نشر الكليب أي تأثير تذكر.
يرى المحامي الحقوقي جمال عيد أن نشر الكليبات التي تكشف عن عنف بدني أو وقائع تعذيب من الأفضل أن تتم عبر مؤسسات متخصصة، كذلك فهناك حل أفضل يشرحه : "هناك مجموعة من المدونين نجحوا في تحقيق اسم ومصداقية عبر نشر لقطات التعذيب وغيرها، بإمكان من لديه مثل هذه المواد أن يتضامن مع هؤلاء المدونين، سواء اختار أن يعلن هويته أو أن يكتفي بإرسالها فقط تاركا المهمة لآخرين في المجال الحقوقي". هذا الثقل الذي اكتسبه بعض المدونين في السنوات الماضية يعتقد البعض أنه يمثل نوعا من الحماية لهم، لكن محمد خالد "صاحب مدونة دماغ ماك" يقول : "لا أحد يضمن حمايته من أحد، حتى إن كنت عاملا في المجال الحقوقي، كل ما هناك هو أن سمعة بعض المدونات في كشف بعض التجاوزات الجسيمة وتسليطها الأضواء على قضايا جديدة من نوعها، قد رسخ مصداقيتها سواء في مصر أو في الخارج حين نتحدث عن تجربة المدونات المصرية". لا يخفي محمد خالد أن هناك من حاولوا ركوب هذه الموجة بحثا عن مكاسب، حسب تعبيره :"كان ممكن تلاقي واحد جاي بيقول أنا عايز أبقى مدون مشهور..!"، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بعض المنابر الإعلامية وبيانات وزارة الداخلية بالتشكيك في مصداقية المدونات، بل تجاوز الأمر هذا الحد إلى أن تقوم بعض المدونات بهذا الدور الذي يشير إلى الاستفادة المادية التي قد يحصل عليها الشخص من سمعته كمدون، يعلق وائل عباس على هذه النقطة : "أنا مثال واضح على كذب مثل هذه الادعاءات، فالرد الوحيد هو أنني كان بإمكاني أن أحصل على دعم من أي مؤسسة حقوقية عالمية وافتتح مركزا أديره بنفسي، وهو ما فعله آخرون لم يحققوا ربع مصداقيتي أو يبذلوا الذي بذلته في السنوات الماضية، هذا إلى جانب ما أتعرض له من تضييقات أمنية أثناء أسفاري المتكررة". يختلف أداء مدون مثل وائل عباس في تعامله مع قضية نشر الكليبات التعذيب أو غيرها من المخالفات عن مدونات أخرى أكثر تخصصا في قضية التعذيب مثل مدونة "التعذيب في مصر"، فبينما يعلن هو وبعض زملائه عن هويتهم، اتجهت محررة المدونة إلى الاكتفاء باسم المدونة محاولة الابتعاد عن إعلان هويتها موضحة ذلك قائلة : " السبب في ذلك ببساطة هو إكساب المدونة مظهرا احترافيا، فالزائر لن يهتم بالناشر بقدر اهتمامه بالمادة المنشورة. في مدونة التعذيب في مصر كل ما تقرأه هو حصريا عن هذه القضية". تعتمد مدونة التعذيب في مصر على عدة مصادر مختلفة مثل : المنظمات الحقوقية، والإعلام، والمواقع والمدونات الموثوق فيها على الإنترنت، إلى جانب ما يرسله الضحايا أنفسهم، وتضيف محررة المدونة قائلة: "في البداية طبعا كان الأمر أصعب بكثير، لأن المؤسسات الحقوقية لم يكن لها تواجد كبير على شبكة الانترنت، ولم تولي الصحافة اهتماما كبير لقضية التعذيب قبل ظهور كليبات التعذيب، خاصة كليب عماد الكبير وتصعيد قضيته، لكن مؤخرا أصبح الأمر مجهدا فهناك كثير من المواد، وهو أمر يحتاج إلى تدقيق". على نفس درب "مدونة التعذيب في مصر" تأسس قبل أقل من أسبوعين موقع "التعذيب عندهم .. واحنا ضدهم" وهو يعتمد في عمله على نشاط مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، حيث يبرز في أحد أركانه أرقام الخط الساخن لمركز النديم، إلى جانب إشارة من الموقع تحت عنوان " لو كنت مدون، تقدر تساعدنا أكثر" الذي يعتمد فها على التشبيك مع المدونين دعوتهم إلى رفع شعار الموقع الجديد في مدوناتهم، يوضح مصطفى حسين مدير الموقع : "هناك لدى الكثير من المدونين مهارات جيدة في صنع الأفلام إلى جانب رصد بعضهم لحالات تعذيب بعينها، وبصفة عامة يعمل الموقع تحت مظلة ما يسمى قوة العمل المناهضة للتعذيب وهي مجموعة من المنظمات الحقوقية و الأطباء والمحامين والصحفيين والمدونين يعملون ضد التعذيب ". حسبما يذكر مصطفى حسين فإن إنشاء الموقع كان مخطط له منذ فترة ولم يكن بسبب إثارة القضية مؤخرا بعد حادث الشاب السكندري خالد سعيد. بين أكثر من 14 مليون مستخدم للانترنت في مصر قد يتصادف أن يسجل أحدهم لقطة ترصد مخالفة من داخل خبايا المجتمع المصري، لكن هل سيجد مثل هذا المستخدم تأييدا أو أدنى اهتمام؟ يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان : "دور الصحافة المستقلة أن ترصد مثل هذه اللقطات التي تكشف لنا عن مشاكل في المجتمع، وسأضرب مثالا بما حدث في دولة المغرب حين توالى نشر كليبات على موقع يوتيوب بواسطة شخص مجهول رصد فيها فساد بعض رجال الشرطة هناك، وأثار جدلا بعدها في الصحافة، أما في مصر فقد كانت قضية عماد الكبير هي النموذج الأهم في هذا المجال، الذي تسبب في عودة العدالة للمظلوم عن طريق نشر كليب فيديو في البداية".
Thursday, June 17, 2010
مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي
مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي ** قبل عام واحد فقط لم تكن هناك أي صلة تجمع كل من سارة أحمد وأنس باسم وحقي إسماعيل، اليوم تجمعهم زمالة دراسة الدبلومة الأمريكية في مدرسة صلاح الدين الدولية. في العام الماضي اجتذبهم خبر تأسيس أول مدرسة تركية في مصر واتخذ البعض تغيير مساره الدراسي تماما، سارة التي كانت طالبة في الصف الثاني الإعدادي العام الماضي بمدرسة سانت فاتيما للغات جذبتها التجربة الجديدة، وتعلق على ذلك قائلة : "انتقلت من دراسة الشهادة البريطانية ( IGCSE ) إلى دراسة الدبلومة الأمريكية هنا بعد مناقشة مع أسرتي، وكان دافعنا الأساسي هو ما تقدمه المدرسة من رعاية إسلامية إلى جانب الطابع الحديث للمدرسة". "كنا منذ أعوام طويلة نتلقى رسائل كثيرة من مستمعينا الأفاضل يعبرون فيها عن رغبتهم في فتح قناة ناطقة باللغة العربية . فها قد تحقق حلمهم مع إطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية ". هذه العبارة الإعلانية سجلها موقع محطة "تي ار تي" التركية قبل ثلاثة أشهر ليعلن الخبر الذي انتظره الكثيرين "محطة تركية باللغة العربية". يرى مدير القسم العربي من القناة الذي يتابع تفاصيل العمل من اسطنبول أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على مدى نجاح التجربة، لكن "المؤشرات طيبة" حسب تعبيره. سفر توران الذي يجيد اللغة العربية بطلاقة قال للشروق إن الرهان كان قائما على أمرين : الأول هو الأجواء السياسية التي قربت تركيا أكثر من العالم العربي نتيجة مواقف بعينها، وهو ما زاد الرغبة لدى العرب في التعرف على تركيا وإحياء الشوق للعلاقات المشتركة القديمة بين الطرفين، الأمر الثاني الذي يذكره توران هو أن التواجد التركي داخل الإعلام العربي عبر الدراما التقليدية قد زاد من تكثيف هذه المشاعر المتبادلة، خاصة أن تلك المسلسلات نقلت تفاصيل الحياة في البيت التركي، وأعادت الثقافة التركية إلى الأضواء. سلطنة عثمانلي ما زالت صورة المطرب الجالس وسط أفراد "التخت الشرقي" مرتديا طربوشه الأنيق هي آخر ما تبقى من زمن "الطرب العثمانلي" القديم. يرى أحمد مصطفى- الأستاذ بمعهد الموسيقى العربية- أن هناك إسهامات أخرى للأتراك قد لا يشعر بها سوى المتخصص، وهو ما يوضحه قائلا : "هناك قوالب موسيقية تدرس في معاهد و كليات الموسيقى نادرا ما يعرفها المستمع العادي مثل : البشرف واللونجا وغيرها ألفها موسيقيون أتراك وما زال الطلبة يدرسونها حتى يومنا هذا!" . الصورة القديمة لمطرب التخت الشرقي صاحب الطربوش من أمثال عبده الحمولي وكامل الخلعي كانت تمثل اتجاها تركيا قديما يعتمد على التطريب بشكل كبير. ويوضح أحمد مصطفى رأيه بغناء كلمات وطنية على الطريقة التطريبية القديمة كي يعبر كيف قد لا يعبر الأداء عن المعنى، ثم يضيف موضحا: "النقلة الحقيقية التي كسرت الصلة مع الموسيقى التركية القديمة كانت على يد سيد درويش الذي اهتم بالتعبير عن المعنى من خلال الإيقاع والسرعة واللحن، وهكذا اتخذت الموسيقى المصرية المعاصرة طابعا جديدا تأثر بالموسيقى الغربية والموسيقى المصرية الخالصة". حسبما يؤكد أيضا فإن الصلات لم تنقطع تماما مع الموسيقى التركية، بدءا من الاقتباسات المتبادلة بين الفنانين في الجهتين انتهاء بملحوظة رصدها بحكم عمله كمعلم وعازف لآلة العود، حيث يذكر موضحا بمثال : "أصبحت هناك مدرسة تركية حديثة في العزف على العود تأثرت بالموسيقى الأوروبية، وتبناها عازفون شباب هناك، وقد لاحظت أن هناك عازفون مصريون بدؤوا في التأثر بهذه المدرسة ليعود النغم التركي مرة أخرى إلى الساحة وان كان لم يبلغ مدى اتساعه مثلما كان في زمن السلطنة التركية القديمة". • أكلات مشتركة ومذاق مختلف يظن البعض أن وجود بعض الأكلات المتشابهة بين المطبخين المصري والتركي مثل : الكشك، و المسقعة، و الشاورما، والشركسية، قد يعني بالضرورة تطابق المذاق، إلا أن مدحت المغربي مدير المطعم التركي بالقاهرة يختلف تماما مع هذه الفكرة قائلا : "أحيانا ما يأتيني زبون جديد ويطلب شركسية على أساس أنها الاسم الأقرب إلى أذهان المصريين عن الأكل التركي، فأسأله : هل أكلتها من قبل؟ فإن لم يكن قد أكلها في بيته – تبعا لأصوله التركية على سبيل المثال – فأرشح له طلبا آخر، أما إذا كان قد ذاقها فأقدمها له موضحا أنه سيتذوق طعاما تركيا مختلفا عما ذاقه من قبل هنا في مصر". في قائمة المأكولات أسماء قد يتعرف عليها الزبون المصري بسهولة مثل : الكبيبة، بابا غنوج، ورق عنب بالكوارع، شاورما باللحمة، لكن هناك أسماء اخرى قد تبدو مختلفة مثل : رول فيليه عثمانلي، دونر كباب، اسكندر شاورمة لحم. حيث يعتمد المطبخ التركي على "تتبيلته" الخاصة للتميز على بقية المطابخ. |
Wednesday, June 9, 2010
قلق المياه لم يغير الجميع
بحكم عمله كحارس عقار في عمارة مزدحمة بالسكان يداوم "ربيع" على أداء مجموعة من المهام اليومية على أمل أن يزيد دخله الشهري الذي لا يتجاوز المئتين جنيه، يبدأ بغسيل السيارات في الساعة السابعة صباحا ، لا يستخدم خرطوم المياه سوى حين يطلب صاحب السيارة لمزيد من النظافة والتلميع، أما الأداء العادي فيعتمد على جردل المياه والفوطة المهترئة. لا يعتبر نفسه مسرفا بأي حال في استخدامه للمياه يكتفي بذكر ملاحظة واثقة متسائلا: "من المسرف؟ انا ام الذي يرش المياه أمام المحل أو المقهى؟". القضية الكبرى التي انشغل بها الجميع مؤخرا عن مستقبل حصة مصر في مياه النيل لم تشغله، فمصاريف استهلاك المياه يدفعها اتحاد ملاك البرج السكني الذي يحرسه، حتى إن جاوزت الألف وخمسمائة جنيه شهريا، لا يواجه أي امتعاض من السكان سوى أثناء عملية تنظيف السجاد التي قد تمكنه من الحصول على مبلغ يتراوح بين الخمسين والمئة في المرة الواحدة، يعلق على ذلك : "نادرا ما يعترض السكان.. وفي حالة الاعتراض يكون السبب مشاكلهم الشخصية وليس قلقهم على حجم استهلاك المياه". من وجهة نظر الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي أستاذ تنظيم المجتمع بكلية الخدمة الاجتماعية في جامعة حلوان فإن القلق العام الذي ظهر مؤخرا بقوة في الإعلام والتصريحات السياسية حول مستقبل حصة مصر في مياه النيل خلق حالة لم تنعكس على سلوكيات الأفراد في المجتمع، معلقا على ذلك قائلا: "اللغة التي استخدمت في الفترة الماضية كانت مؤثرة في اتجاه مختلف، حيث دار الحديث عن حرب المياه وحقوق مصر التاريخية وهو ما شحن الناس في هذا الاتجاه الحماسي، لكنه للأسف لم يتم استغلال هذه الفرصة لتعديل سلوكيات الناس في تعاملهم مع المياه".
الحارس النشط "ربيع" يستهلك المياه بصورة يومية في أغراض التنظيف ويتحدث بضمير مرتاح عن أنه ليس مسرفا في استخدامه، يشير إلى الحديقة المجاورة التي يعمل على تنسيقها أحد عمال البلدية مقابل خمسين جنيها في الشهر، يقول : "إن كنا سنتحدث عن استهلاك كبير للمياه، فالحدائق المجاورة للأبراج السكنية تستهلك كما أكبر، ورغم شراء السكان لرشاشات ري تقليدية، إلا انني أعتمد في الري على غمرها بخرطوم المياه حسبما أصر عامل الحديقة والسكان". يرفض ربيع أي اتهام بالإسراف وفي ذهنه صورة الحقل الزراعي في قريته الذي يعتمد على مياه تقدر بأضعاف التي يستهلكها اليوم في عمله، حسب الأرقام المتداولة على ألسنة المسئولين في وزارتي الري والزراعة فإن حوالي 80% من المياه المستهلكة في مصر تذهب إلى الزراعة.. هذه الصورة يدركها الدكتور مصطفى عبدالعظيم فرماوي بحكم عمله أيضا كوكيل لشئون خدمه المجتمع وتنميه البيئة في كلية الحدمة الاجتماعية، معلقا على ذلك : "إذا ما أردنا أن نقدم أقتراحات عملية في هذا المجال فعلينا ألا نفوت فرصة القلق الذي حدث مؤخرا حول مستقبل المياه في مصر وأن نحوله إلى إجراءات تواجه الاستخدام غير الرشيد للمياه، أهمها نقل رسالة إعلامية مباشرة تواجه سلوكيات الإسراف، وتنشيط دور المجتمع المدنى في إدارة حملات لتغيير سلوك المواطن، كما يجب اتخاذ بعض الاجراءات القانونية مثل استصدار قرارات تجرم هدر المياه". يسجل الدكتور مصطفى ملاحظة هامة في هذا الشأن وهي أن المشكلة أكثر تفاقما في المناطق الريفية الزراعية نتيجة استمرار استخدام أساليب تقليدية في الري، وتحديدا أسلوب الري بالغمر. هذه الطريقة هي التي تسللت إلى سلوكيات ربيع وعمال الحدائق الخاصة تدفعهم إلى عدم الانشغال بكم المياه المستهلك في ري الحدائق فهي الطريقة الشعبية المعتمدة في مصر حتى الآن. رغم تلك الثقافة فهناك بعض من تمرد على هذا الوضع نتيجة تغير صورة المزارع في العقود الأخيرة، الدكتور أحمد عيسى الذي بدأ مبكرا في الثمانينات في استصلاح قطعة أرض ناحية وادي النطرون لم يكن اقتناعه بفكرة الري بالتنقيط لمجرد أنها أنسب وسيلة لتوفير المياه في مصر، بل لأن قواعد وزارة الزراعة كانت تفرض استخدام ميكنة حديثة في الزراعة والري، يصف هذا التطور بنفسه : "اليوم اعمل على ترويج الفكرة في مسقط رأسي في قلين بمحافظة كفر الشيخ، ونجحت في إقناع أبناء عائلتي في استخدام فكرة الري بالتنقيط لنفس الهدف". لم يكتفي أحمد عيسى بهذا بل بدأ في نشر مقالات على الانترنت عن فوائد استخدام الري بالتنقيط، والهدف الأسمى هو توفير مياه النيل، لكنه يذكر أسبابا أخرى : "أؤكد أن الري بالتنقيط بعد هذه الخبرة الطويلة هو الأفضل للمنتجات الزراعية في انتشار الكيماويات بشكل سليم". مشاكل استنزاف مياه النيل في الزراعة حسبما يراها أحمد عيسى الذي عاش في بيئتين زراعيتين مختلفتين، حيث الريف التقليدي ثم اراضي الاستصلاح الزراعي تتفاقم لأن الحياة في الريف تم تنظيمها وتخطيطها على الري بالغمر واستنزاف مواردنا من المياه منذ ألاف السنين. كما ان الصلة تكاد تكون مقطوعة بين من لا يشغلون بالهم بقضية إهدار المياه في تنظيف أو زراعة أو رش المياه وقت الظهيرة، وبين متخصصين لا يجدون المساحة الكافية لنشر دعوتهم في مواجهة هذه الظاهرة.
Monday, June 7, 2010
المذاكرة الجماعية
كتب – عبدالرحمن مصطفى
أمام كمبيوتر شخصي تجلس مجموعة من الشباب محدقين في الشاشة حيث تظهر صورة تمثال من العصر القديم، يبدأ الجميع في إطلاق تعبيرات من نوعية "انسيابية الشكل"، و"البؤرة البصرية" وذلك أثناء تعليقهم على صورة العمل الفني، جميعهم من طلبة السنة الأولى في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، في فترة الامتحانات يديرون يوميا مجموعة للمذاكرة استعدادا لكل امتحان. في داخل المشهد الذي يضم الجميع في كافيتيريا معهد الفنون الشعبية المجاور يطرح أحمد طارق الجالس إلى جوار الكمبيوتر سؤالا.. "شايفه إيه يا مصرية؟؟" موجها سؤاله إلى زميلته مصرية بكر، ثم يدور السؤال بين أفراد الدائرة بهدف التحريض الذهني على النقد وإبداء الآراء، وهكذا الحال مع كل مادة. توضح مصرية بكر طريقة مذاكرتهم بقولها: "كلنا خضنا تجربة الدراسة في كليات من قبل، أنا على سبيل المثال كنت أكتفي بالملازم وحضور محاضرات في مراكز خاصة قبل امتحاناتي في كلية التجارة، لكن الواقع هنا مختلف.. نحن ندرس 18 مادة تعتمد على النقد وعرض وجهة نظرك، وعلى حضور ذهنك". تكونت هذه الجلسة قبل امتحانات الترم الأول وآتت ثمارها ما دفعهم إلى استكمالها في الترم الثاني خاصة مع توطد علاقات الصداقة طوال الأشهر الماضية، تلوح مصرية بذراعيها في أداء استعراضي انتزع ابتسامات زملائها "أنا على سبيل المثال محبة للباليه والرقص، هذا هو دوري في التحدث عن هذا الفرع قبل امتحان المادة، بينما يقوم أحمد اليوم بتناول أعمال تشكيلية بحكم اهتمامه الصارخ بهذا المجال".
الاختلاف الذي يميز هذه المجموعة في أكاديمية الفنون عن أي مجموعة دراسية أخرى في مراحل التعليم المختلفة أن أغلبهم حاصلين على شهادات جامعية بالفعل من جامعات مختلفة، بل وخاص بعضهم تجربة المذاكرة الجامعية من قبل. "ريّان" حسبما يناديه أصدقاؤه هنا كان طالبا أزهريا لسنوات وانتقل من جامعة الأزهر إلى المعهد مؤخرا وحسب تعبيره : "لم أعرف وسيلة للمذاكرة طوال حياتي قبل الامتحانات سوى المذاكرة الجماعية، كنا نقسم المنهج علينا ويشرح كل واحد جزء، لكن الآن الوضع مختلف، نحن نتبادل الآراء، ولا نحاضر لبعضنا البعض". زميله حسن سعيد الذي خاض تجربة أكثر تميزا في الحصول على شهادته الجامعية من خارج مصر ألقى بتعليق متهكم قائلا :"أنا عن نفسي دي أول سنة أذاكر فيها أصلا"، لا يخفي حسن لغته الساخرة أثناء المذاكرة تخفيفا من حدة توتر الامتحانات المتلاحقة، حيث يمتحن الطلبة يوميا عدا يوم الجمعة . أثناء الجلوس بين أفراد المجموعة وأثناء طرح تحليلاتهم النقدية وتبادل الآراء والمعلومات يمكن ملاحظة تقسيم الأدوار التي تبناها كل فرد في هذه "الشلة" بدء من شراء "الكشري" وقت الغداء، مرورا بالدعم النفسي لمن يمر بالضيق، انتهاء بكتابة المادة العلمية على الكمبيوتر، هذا التآلف يخفي تفاصيل أخرى حول تجربة المذاكرة في مجموعة كهذه، فبين صخب المجموعة تجلس هداية في ركن مبدية بعض التحفظ قليلا والمشاركة الجادة في فترات أخرى، قبل انضمامها إل المعهد حصلت على ليسانس الآداب في اللغة الانجليزية بعد أربع سنوات دراسية لم تعرف فيها فكرة الدراسة في مجموعات، وتعلق هداية على ذلك بقولها : "بصراحة.. كنت أفكر في عدم إكمال الدراسة مع المجموعة، لأني لم أكن معتادة على الفكرة، كما أن كل شخص منا في النهاية سيكتب رأيه هو، لا أجد ميزة سوى تبادل المعلومات، والتدريب الذهني الذي نمارسه هنا، وهو أهم جزء في دراستنا".
المذاكرة في مجموعة حسبما ترى الدكتورة سهير الجيار- أستاذ أصول التربية بكلية البنات جامعة عين شمس – فكرة لا تصلح إلا في فترات التحصيل النهائي للمراجعة وتبادل وجهات النظر والمعلومات، وتضع الدكتورة سهير الجيار بعض القواعد التي قد تسهم في إنجاح المذاكرة الجماعية، تقول : "يجب ألا يزيد عدد أفراد المجموعة عن أربع أفراد منعا للتشتت، كذلك فهي ممارسة قد لا تصلح في كافة التخصصات حيث لا بد أن يكون التخصص الدراسي معتمدا على فكرة النقاش وعرض وجهات نظر مختلفة". أما النقطة التي رأت أنها قد تعيق عمل المجموعة بشكل مباشر فهي اختلاف سمات الشخصية لدى المشاركين حيث توضح : "قد تضم المجموعة الكسول، والانطوائي والأناني، كل هذا قد يعرقل عمل المجموعة، خاصة أننا لسنا هنا تحت إدارة شخص تربوي متخصص يقيس هذه الأمور ويحاول علاجها". هذه الملحوظة الأخيرة أكدها أعضاء مجموعة معهد النقد الفني فإلى جانب وجود عوامل تجمعهم، فهناك من لم تعجبه الفكرة وهناك من كان يطمح في تحضير ملخصات جاهزة، وهو ما حاول "ريّان" شرحه: "لاحظت شيء مؤسف بين الطلبة الآن، وهي .. النفسنة، بصراحة هناك من يحاول إحباطك والتقليل من محاولاتك في الاجتهاد، بل وتدمير نفسيتك قبل الامتحانات، ولا أعرف ما سبب هذا؟" بعض الطلبة يمرون حول المجموعة ليستمعوا دون أن يشاركوا، والمشاكل الأخرى تذكرها هداية التي تكتشف أن البعض يحاول تبديل أماكن الكتب في المكتبة كي يضلل زملاؤه، هنا تتحول هذه المجموعة إلى ما يشبه مجموعة الدعم وليست فقط مجموعة مذاكرة تجتمع في الامتحانات، توضح مصرية ذلك : "احنا في النهاية أصحاب، بنروح سينما مع بعض، وناكل، ونخرج، ونذاكر مع بعض". أحيانا ما تنتقل جلسات المذاكرة إلى منزل حسن سعيد حيث يستضيف "ريّان"، وأحمد طارق، بينما يتواصلون مع مصرية وهداية على الانترنت، حيث يسمح الماسنجر بصنع اجتماع افتراضي على الانترنت، وهنا تظهر مهارة حسن في عرض ملفات موسيقية على الجميع عبر الانترنت، ويبدأ في تحليلها معهم، لأنه الأكثر اتصالا بعالم الموسيقى.
هذه المجموعة التي جمعتها الامتحانات أصبحت حاضنة لمجموعة من محبي المسرح والأدب والموسيقى والفن التشكيلي، تركوا شهادتهم التقليدية وأصروا على البحث عما يحبونه في معهد النقد الفني.
"ممكن أشرب خمس كوبايات قهوة في يوم واحد" الجملة لفاروق عادل طالب الفرقة الأولى بقسم الإعلام في جامعة حلوان، لا يخفي أن أسرته تقف ضد فكرة تعمد السهر بشرب القهوة والمنبهات لكنه يقول : "لم يعد لدى بدائل". قبل عام واحد فقط كان فاروق عادل طالبا في الثانوية العامة ودشن مدونة تحمل تفاصيل حياة طالب ثانوي، يقول اليوم : "ورثت عن هذه الفترة فكرة الانقطاع عن النوم لعدة أيام وأتذكر أنني خسرت الكثير من الدرجات في امتحان الرياضيات بسبب عدم التركيز وقلة النوم"، اليوم الوضع مختلف عن المرحلة الثانوية، حيث لا يعرف كثيرا عن المنهج و"الأجزاء المحذوفة" و"الأجزاء المهمة" سوى قبل الامتحانات بأسبوعين وهو ما يراه أصعب قليلا عن وضوح المرحلة الثانوية، لا يخفي فاروق أن هذه الأجواء القلقة قد تدفعه إلى القهوة والمنبهات رغم تجربته المؤلمة في الثانوي.
الملخصات هي الحل
إبراهيم محمد طالب الفرقة الثالثة بحقوق عين شمس تختلف عاداته بحكم اختلاف نمط حياته حيث يعمل في متجر أسرته طوال السنة، لا يظهر حول الجامعة سوى قبل الامتحانات بأسابيع قليلة، يقول : "أحصل على المذاكرات، وأعرف المنهج، وأجلس مع أصدقائي للمذاكرة سويا"، في أوقات الامتحانات يكون حسب تعبيره "أكثر هدوءا عن بقية الطلبة حيث أن متحقق بالفعل في عمله" حتى مع قلة النوم، بل يكون أكثر ثباتا و"شياكة".. لأنه لا يجد داعي للقلق
المذاكرة في السرير
من الصعب الوصول إلى تفاصيل عادات المذاكرة إلى الدرجة التي حققتها شبكة فيسبوك الاجتماعية حيث كانت متنفسا لهؤلاء الذين أرادوا أن يشاركوا الآخرين هذه الجزئية من حياتهم، في إحدى صفحات الإعجاب في الفيسبوك انضم أكثر من 2700 شخص تحت هذا العنوان: المذاكرة في السرير ♥ I Love Studying In Bed ♥، الصفحة التي دشنت قبل ثلاثة أشهر فقط اعتمدت على توجيه رسائل ساخرة في فضل المذاكرة في السرير، وصور على نفس النمط اجتذبت تعليقات المجهدين من المذاكرة، أحدهم يقول ساخرا : "فعلا المذاكرة كأن فيها تنويم مغناطيسي"، ومع قرب الامتحانات أصبح مدير الصفحة المجهول أكثر جدية حيث كتب في واجهة الصفحة دعاء تقربا إلى الله.. وفيما يبدو أن تجربة المذاكرة في السرير لم تكن مجدية معه ولم يعد يجوز عليه الآن سوى الدعاء
حلاقة الشعر
قبل أسابيع قليلة فقط كان أيمن طالب الصف الثالث الثانوي - في إحدى المدارس الخاصة - محافظا على قصة شعره التقليدية "سبايكي"، لكن على مدار الأسابيع الماضية تحولت القصة التي أهمل العناية بها إلى كرة شعر كبيرة يحملها على رأسه في حاجة إلى حلاقتها، يقول بوضوح : "مش هحلق إلا بعد الامتحانات"، المفارقة أن بعض أصدقائه لم يختلف مظهرهم، ومنهم من احتفظ بطريقة حلاقة شعره نمرة 1 دون أي تأثر بالامتحانات.
الأكل الكتير
في صفحة "لكل اللى بياكلو كتير أيام المذاكرة" كانت رسالة مؤسس الصفحة واضحة في الآتي : " احنا لاحظنا إن أيام المذاكرة بناكل كتير.. فقولنا نعمل البيدج دى نشوف كام واحد زينا... انت بتاكل كتير ايام المذاكرة؟". الحصيلة النهائية لهذه الصفحة هي حوالي 230 مشترك، بعضهم سجل تعليقاته على الفكرة وعلى عادة "الأكل المفرط" أثناء المذاكرة، تعلق إحداهن "أنا بفش خلقي في الشيبس والشوكولا"، ولا تخفي صورتها ملامح البدانة، بينما يدخل بعض المرور لتسجيل حالته الآن وماذا يأكل
Thursday, May 27, 2010
الإعلام الجديد والتحديات الناجمة عن المناخ الثقافي والاجتماعي
وفي النهاية أجد إن أهم ما قد يحتاجه الإعلام الجديد في هذه المرحلة هو الوعي من جانب الإعلام التقليدي برصد ظواهر جديدة ومتنوعة لدى المستخدمين، وهو ما قد يوجد حالة من الطمأنة لدى المجتمع، ويوفر لنا منتجا جديدا ومتنوعا من خلال تقديم نماذج مختلفة من مستخدمي الإعلام الجديد، وهو ما يعيد إلى الأذهان عددا من الظواهر المغايرة للصور النمطية الرائجة التي قد تعيق نشاطهم الحر الذي يعد من أهم سمات الإعلام الجديد.
[1] http://news.bbc.co.uk/2/hi/technology/6178611.stm
Wednesday, May 26, 2010
الغيط الأخير في القاهرة
تلك الأرض الزراعية يمر من أمامها الآلاف يوميا منشغلين بزحام الشارع دون الاهتمام بتلك المساحة الخضراء ذات الأسوار العالية إلى جوار شركة المطاحن على شارع فيصل، لكن موقعها المتميز دفع البعض إلى السؤال عن سبب بقائها حتى اليوم، خصوصا من يطمحون فى البناء على هذا الموقع المتميز الذى يقع على مسافة معقولة من ميدان الجيزة. بين السور المتهدم واللافتات العظيمة ممر ضيق يخترق المساحات الخضراء يستخدمه هواة اختصار الطرق، وفى نهاية تلك المشّاية عشة تجلس فيها الحاجة صباح عواض (63 سنة) حيث تبيع الخضراوات لزبائنها من أهالى الحى.أدوات عمل الشاى ــ وطهى الطعام أحيانا ــ جاهزة للعمل، ولا يقلقها سوى مصير تلك الأرض الزراعية. وتروى القصة كاملة: «كانت تلك الأرض ملكا لأحد الإنجليز فى فترة ما قبل الثورة، وكان والد زوجى يعمل بها حتى تحولت إلى تبعية الإصلاح الزراعى، وظللنا موجودين بها حتى أجرتها مدرسة الزراعة الثانوية بشارع الهرم، وظللنا كما نحن فى جوارها».يشير ابنها سيد إلى عمارة مجاورة حيث كان يسكن قائلا: «فى تلك الناحية ولد والدى قبل سبعين عاما، وكنا نضع أيدينا على مساحة تساوى أضعاف مساحة الأرض الزراعية المتبقية الآن». ما زالت الأم محتفظة فى ذاكرتها بأسماء عائلات الطالبية ــ حيث تقع الأرض حاليا ــ وقد تحولت أراضيهم اليوم إلى مساكن وعمارات تقليدية بعد نشوء حى فيصل كفرصة للاستثمار العقارى، تعلق على ذلك: «شارع فيصل نفسه كان ترعة تروى تلك المنطقة»، بينما يكمل ابنها سيد: «بعد ذلك أعد جدى طريقة أخرى للرى»، مشيرا إلى طلمبة المياه المجاورة لعشتهم.لا أحد منهما يعتقد أنه بالإمكان أن تذهب تلك الأرض بعيدا عن أيديهم، فالسائر على تلك المشاية يلاحظ عبارات كتبها سيد بالطلاء على السور المجاور للأرض حيث شركة المطاحن.. «احذر النصابين.. الأرض خاضعة لوضع اليد وتابعة للاصلاح الزراعى ومدرسة الزراعة».
وسط تلك الصورة المشوشة اختفت المعلومة التى أكدها مصدر فى هيئة الإصلاح الزراعى حين ذكر باقتضاب: «الأرض تابعة للإصلاح الزراعى وتم سحبها من مدرسة الزراعة التى كان يتدرب طلبتها فى تلك المساحة الخضراء، وتم تأجيرها مؤخرا لمدة 25 سنة قادمة لإحدى الشركات». أما الفقرة الأهم فهى عن أن تلك المساحة الخضراء لن تبقى كما هى، بل ستتحول إلى مشروع تجارى ملائم لما حولها من مساكن.هذه المعلومات يغفلها سيد وعائلته ويشكك فيها تماما وتصيبه بالذعر، فهم لم يتزحزحوا من مكانهم منذ عقود طويلة، كل ما هناك أن أشار سيد إلى مساحة فدان داخل تلك الأرض ذكر أنها تابعة له متراجعا عن تمسكه بها كلها، بينما جاور المساحات الأخرى طلاء آخر باسم جديد. «حتى لو عرضت علىّ أموال لترك الأرض لن أقبل».
ملكة.. كفر.. ملكة
خلف هذا الغيط الذى ينتج مزروعات بسيطة يقع «شارع العمدة» الذى لا يخفى الأصل القروى لتلك المنطقة المجاورة لكفر طهرمس. قرية الطالبية تحولت إلى محطة ومنطقة سكنية وكذلك كفر طهرمس. يدير سائق الميكروباص ظهره لشارعى فيصل والطالبية حيث الغيط الأخير، مناديا «ملكة.. كفر.. ملكة» متجها إلى شارع الملكة فى كفر طهرمس، هناك تعلو العمارات الحديثة لافتات من نوعية «شقة إيجار جديد»، ولم يبرر بهاء بعض تلك العمارات حالة الطريق السيئة.. حركة البناء لا يعطلها شىء، تتخللها بعض المساحات الخضراء الغامضة، الأسطى مصطفى «الميكانيكى» يشرف على إحداها. ذكر قصة مؤثرة عن وصية والده بأن يتمسك أبناؤه بهذه الأرض وألا يفرطوا فيها، وقال: «لسنا فى حاجة للمال، ونحن ورثة كثيرون»، وأشار إلى ساحة ركن السيارات المجاورة قائلا: «هذه الأرض كانت لخالى، لكنها بارت فحولها إلى ساحة سيارات»، ثم عاد إلى السيارة التى كان منكبا عليها مع صبيته. سخونة الأسعار فى متر الأرض هنا لا تصل بأى حال من الأحوال إلى سخونتها قرب شارع فيصل. هنا وصل متر الأرض فى بعض الأماكن إلى أكثر من 8 آلاف جنيه، بينما تصل إلى أربعة أضعافها فى شارع فيصل حسبما يردد السكان. أحد قدامى الساكنين فى كفر طهرمس شكك فى نية جاره الأسطى مصطفى الاحتفاظ بالأرض، وقال: «من المؤكد أنه سيبيعها، من سيزرع الآن وسط هذا العمران؟!».
بعض المساحات الأخرى كانت تابعة هى الأخرى لهيئة الإصلاح الزراعى التى حافظت عليها حتى الآن، أشار الرجل إلى بعض المبانى تحت الانشاء قائلا: «هذه العمارات أنشئت على أرض الإصلاح الزراعى، لكن فى يوم من الأيام أتى أحد الأشخاص مع الشرطة لتسلمها، وانتهى الأمر دون حسم». حسب قواعد وزارة الزراعة وهيئة الإصلاح الزراعى فبإمكان أحدهم أن يسترد أرضا كانت تملكها عائلته إن أثبت ذلك بحكم من المحكمة، أو أن ينال تعويضا ماليا عنها.. أما على أرض الواقع فلم يعد أحد هنا يتحدث عن الزراعة، لم تعد مطلبا لأحد، الكفر انتهى، وبيت العمدة أصبح ذكرى، وتحول كل شىء إلى جزء من العاصمة.كلما توغل السائر فى اتجاه شارع فيصل موليا ظهره لكفر طهرمس ومن خلفها صفط اللبن انعدمت المساحات الخضراء، عدا ذلك الغيط الأخير فى شارع فيصل حيث يجلس سيد عثمان فى ورشته متحفزا بعد أن زارت الشرطة الموقع قبل أسابيع قليلة فقط. وتحول الوضع إلى مزيد من التحفز بينه وبين حارس آخر يتبع الآن المستأجر الجديد.
الخواجة الإنجليزى الذى كان مالكا للأرض فى يوم من الأيام لم يتبق من زمنه سوى أهل سيد عثمان الباقين جوار الغيط الأخير فى شارع فيصل.. رغبات سيد الذى يطمح فى أن يكون له نصيب من تلك الأرض التى ارتبط بها أبيه رغم أنها تحت سلطة الإصلاح الزراعى فى الغالب لن تتحقق، حتى إن ظل متمسكا بذكرى جده وسلطته القديمة.
على الإنترنت يشير موقع «الزاوية الحمراء» إلى تلك المساحة الزراعية المتبقية بشكل لافت موضحا موقعها كأحد معالم الحى وجذوره كمنطقة زراعية كان أغلبها يقع تحت أملاك السيدة زينب هانم خاتون التى حولت الكثير من أملاكها إلى أوقاف، ووزعت كثيرا من أراضى المنطقة بعد الثورة على فلاحيها ضمن الإصلاح الزراعى.الأرض التى يشرف عليها الحاج محمد اليوم هى مربع صغير تجاوره قطع أخرى اختلفت ملكيتها بين ملكية خاصة، وأراضى الإصلاح الزراعى، وأراضٍ تابعة للمدرسة العبيدية التى أسستها أسرة يونانية الأصل اتخذت اسم «عبيد» وأوقفت الكثير من أملاكها وأراضيها على هذه المدرسة.على بعد عشرات الأمتار فى الطرف الآخر من «الغيط» عامل زراعى أكثر تحفظا، ليس مالكا ولكنه مزارع تنتمى جذوره هو الآخر إلى منطقة الزاوية القديمة. يأتيه البعض لشراء خضراوات زهيدة الثمن، يقول: «كان الحى قديما مقسما إلى ملكيات خاصة وأراضى أوقاف وكنا جميعا نعمل بالزراعة، لم تكن المنطقة قرية تحولت إلى جزء من العاصمة، بل أراض يزرعها مزارعو المنطقة». اكتفى المزارع المتحفظ بما قاله دون زيادة، ينتمى هو الآخر إلى منطقة «القصيرين» بالزاوية الحمراء تماما مثل الحاج محمد الذى يضيف: «الوضع كان مختلفا، كنا نعمل فى مزارع تكشف لنا المنطقة حتى حى الظاهر، وكان الإنجليز وقت الاحتلال يشترون مددهم من هذه المنطقة، وبعد حصولنا على الأراضى بعد الثورة ظللنا مزارعين، عائلتى كلها نشأت فى بيت ريفى بالزاوية يعمل أفراده فى الزراعة حتى تطور الحال، وكان انتقال أهالى عشش الترجمان فى نهاية السبعينيات إلى مساكن الزاوية إعلانا لنهاية طابعها الريفى إلى الأبد، حين كان الجميع قد باع أراضيه وتحولت المنطقة إلى حى شعبى».قد يقع الحاج محمد فى حيرة هو وجيرانه إذا ما تم تقرر لأى سبب السماح بالبناء فى تلك المساحة الخضراء حيث تفتت الملكية بين الورثة، ورغم استبعادهم حدوث هذا إلا أنهم يقدرون قيمة أراضيهم جيدا.يقول الحاج محمد: «هامش الربح من الأرض مرضى، لكنه ليس كبيرا»، يتحمل أيضا مسئولية المجىء بجرار زراعى من بهتيم فى موسم الحرث، وبعد اختفاء الترع التى تحولت إلى شوارع بنفس الاسم أصبح الاعتماد على مصدر مباشر من الماسورة العمومية.
قد يبدو مشهد الحاج محمد والذين معه كمشهد من عصر بائد ينعش ذاكرة القاهرة «الزراعية» التى اختفت اليوم، لكنهم لا يخفون فخرهم بقولهم «إحنا آخر جيل من مزارعى الزاوية!» .
مثل هذه الاقتراحات وغيرها من التوصيات التى تحذر من خطورة انحسار المساحات الخضراء فى مصر لم توقف الزحف العمرانى، إذ كشفت دراسة أجراها علماء الهيئة القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء فى العام الماضى عن احتمال اختفاء المساحة الكلية للأراضى الزراعية المصرية بعد حوالى 60 عاما، وذلك إذا استمر التوسع العمرانى العشوائى بمعدلاته الحالية المرتفعة. حسب قواعد وزارة الزراعة فإنه من المحظور البناء خارج «الأحوزة العمرانية» المعتمدة للقرى والمدن.
Thursday, May 20, 2010
الحياة بين جدران المتاحف
فى منزل أمير الشعراء
تصوير - هبة خليفة يختلف الحال بين زائر عابر لمتحف أحمد شوقى بالجيزة والعاملين الذين قضوا سنوات فى ضيافة أمير الشعراء بين أركان منزله الذى تحول إلى متحف فى العام 1977، داخل المنزل الذى سماه «كرمة بن هانئ » يشير المرشد إلى الأماكن التى أبدع فيها أحمد شوقى أشعاره وإلى أماكن أخرى استقبل فيها مشاهير عصره، وحسب العبارة التى استخدمها على عمران، أمين المتحف فإن «صاحب البيت قد فرض ثقافته على العاملين هنا». كان هذا واضحا بشدة لدى أمين المتحف الذى حرص فى حديثه على استخدام اللغة العربية الفصحى مشيرا إلى خلفيته كدارس للغة العربية فى كلية دار العلوم وأن له تجارب فى الكتابة الشعرية. يعمل على عمران فى متحف أحمد شوقى منذ العام 2000، لكنه يكاد يكون أقرب العاملين إلى أجواء الشعر والأدب، ويعلق على ذلك قائلا: «هناك نسبة من العاملين فى المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة من خريجى كليات التربية الفنية والفنون الجميلة إلى جانب خريجى الكليات الأخرى، ولأن هذا المتحف له خصوصية الشعر والأدب، فأنا أقرب العاملين هنا إلى هذا المجال، لذا أدير النشاط الثقافى بمساعدة زملائى». يترك على عمران مهمة إرشاد الزوار إلى فريق من الشباب يعمل فى المتحف لهذا الغرض فقط، حيث يستقبل المرشد الزوار ويتجول معهم بين غرف المنزل. منال أنور وآية طه هما من أفراد هذا الفريق، لم تكن منال تعتقد أثناء دراستها فى كلية الزراعة أنها ستعمل فى يوم من الأيام فى مجال المتاحف، رغم أن أختها الكبرى تعمل فى هذا المجال بالفعل، وهى تعلق: «فى السنوات الأولى من عملى تعجبت من فكرة بقائى بين الجدران نفسها وتكرار الكلام نفسه يوميا، لكن بعد سبع سنوات من العمل أجد الأمور قد تغيرت تماما». تذكر منال أن ما يجعلها اليوم تشعر بالسعادة أثناء عملها هو تقدير بعض الزوار لفكرة أن تعمل فى مكان راق من الناحية المعمارية والتاريخية، كذلك فإن ما تراه أحيانا من نظرات إعجاب الزوار لأحمد شوقى خاصة من العرب يجعلها تشعر بشىء من الفخر لم تخفه فى حديثها. أما زميلتها آية طه فقد عملت لأكثر من إحدى عشرة سنة فى المكان نفسه، اعتادت على مواجهة الزيارات الكثيفة المفاجئة والصبر على قلة الزوار فى أوقات أخرى، تقول: «فى أوقات نضع أيدينا على خدنا فى انتظار زائر، وفى أوقات أخرى لا نلاحق على كم الزوار، وذلك دون أسباب واضحة». كلتاهما لا تنسى زيارات بعينها، إذ تقول آية: «بعض الزوار يأتون هنا وهم حافظون لشعر أحمد شوقى، ولديهم معلومات مبهرة عن حياته تفاجئنا نحن شخصيا، ومن أكثر الجنسيات التى ألمس فيها هذا الحس هم السوريون بسبب سعة اطلاعهم وحبهم لأحمد شوقى». تحتم قواعد العمل على آية ومنال أن تنقلا المعلومة بوضوح ودون إبداء انطباعات أو آراء شخصية، أحيانا ما يأتى إليهما من كان يظن أن أحمد شوقى رجل شارب للخمر وليس له مواقف وطنية، وهو ما يجب توضيحه بحياد، تعلق منال: «كرمة بن هانئ هو الاسم الذى اختاره شوقى لمنزله الأول فى ضاحية المطرية، وحين انتقل إلى الجيزة حرص على الإبقاء على الاسم نفسه الذى قد يوحى للبعض بالترف أو عن وجود كرمة عنب يعصر منها النبيذ، لكن الواقع لم يكن كذلك». هذا الاسم قد جذب بعض الزوار الذين أصابهم الفضول كلما مروا من أمام اللافتة المعلقة فى واجهة المتحف. وتنقسم «كرمة بن هانئ » إلى طابقين، الأرضى به صالون الضيافة الذى استضاف الموسيقار محمد عبدالوهاب فى الفترة التى تبناه فيها أمير الشعراء فنيا، وإلى جواره مكتبة الشاعر الخاصة، أما الطابق العلوى فهو الأكثر حميمية حيث حجرة نوم أحمد شوقى التى كان يكتب فيها أشعاره. فى أوقات الزيارات الكثيفة لطلبة المدارس تبدأ أجواء الحذر فى الازدياد حرصا على مقتنيات المتحف التى تزين جدران المتحف إضافة إلى محتويات المنزل التقليدية، وهو ما يستدعى بعض أفراد الأمن للحماية، وتقول آية طه: «من أصعب الفئات فى التعامل هم طلبة الثانوى، وأحيانا ما أحزن حين أجد بينهم من لا يبدى اهتمامه بقيمة المكان على عكس ما نراه من رحلات من هم أصغر سنا». وسط هذه الأجواء يظل انطباع المرشد عن أمير الشعراء خفيا إلى حد كبير ولا ينقله إلى الزائر بينما يختلف الأمر تماما عند على عمران، أمين المتحف والمسئول عن النشاط الثقافى، فلا يخفى انحيازه التام لأحمد شوقى. حسب حديثه، فالنشاط يمثل التيارات والمدارس المختلفة فى الشعر، وفى شهر أكتوبر من كل عام تقام احتفالية ثقافية وفنية فى ذكرى أمير الشعراء، يقول: «بحكم دراستى وحبى للشعر أعرف كيف أثر هذا الرجل فى لغة كثير من الشعراء، وبحكم انتمائى لهذا المكان وبقائى ضيفا على أمير الشعراء لسنوات طويلة فكرت أن تكون شهادة الماجستير عن دراسة تأثيره فى الشعراء من بعده، وهو ما أفكر فيه جديا الآن».