Thursday, May 20, 2010

الحياة بين جدران المتاحف

العمل اليومى فى متحف مصطفى كامل أو أحمد شوقى، قد يجعلك تعيش رغما عنك فى جوار هؤلاء وعلى ذكرياتهم، وقد يغير مجرى حياتك إلى الأبد.. فوجودك اليومى فى المكان نفسه يجعلك تكتشف الكثير عن تاريخ هؤلاء وتاريخك الشخصى.
ضريح السياسيين
تصوير - هبة خليفة
أمام غابة من المآذن فى مواجهة قلعة صلاح الدين، قد يظن المار للوهلة الأولى، أنها قبة متوارية جوار الطريق الرئيسية، لا تتضح معالم المكان سوى بعد قراءة اللافتة الكبيرة «متحف مصطفى كامل». «فى مرة جاء أحدهم ظانا أنه مسجد للصلاة، وبمجرد علمه أنه متحف تاريخى وضريح للزعيم مصطفى كامل حتى بدأ فى التجول داخل أروقة المتحف بعد قراءة الفاتحة على روح الزعيم». العبارة لرشدى فاضل ــ مدير متحف مصطفى كامل الذى احتفظ بابتسامته التقليدية التى يواجه بها الزوار على اختلاف أنواعهم. تحت هذه القبة يجلس فى مكتبه محترما هيبة أصحاب الضريح، يرى اليوم أن وجوده فى هذا المكان هو نتيجة طبيعية لحبه القديم للمتاحف منذ أن كان طفلا يرافق والده الذى كان يعمل أيضا فى وزارة الثقافة، أما الآن فيشاركه العمل داخل المتحف نفسه بعض أفراد عائلته. بمجرد أن بدأ شرحه لمكونات المتحف حتى تحولت ملامحه إلى الجدية، مظهرا اعتزازه بأن هذا المتحف تحديدا يجمع بين كونه متحفا تقليديا وضريحا لعدد من الزعماء والسياسيين. يشير إلى مقبرة مزينة بأسماء أربعة سياسيين هم: الزعيمان مصطفى كامل ومحمد فريد، والسياسى المؤرخ عبدالرحمن الرافعى، ثم المفكر فتحى رضوان وزير الإرشاد القومى الأسبق فى بداية عهد الثورة. من هذا الموقع تحديدا تبدأ جولته التى لم يمل تكرارها منذ أن عمل هنا فى العام 1998، هدوء المكان انطبع على شخصيته المحافظة ووفر له فرصة التركيز الشديد أثناء سرده للمعلومات برصانة ووقار. يبدأ بذكر هذه المعلومة عن قصة إنشاء المتحف: «فى جلسة مجلس النواب عام 1944 نادى البرلمانى عبدالرحمن الرافعى باكتتاب لإنشاء ضريح للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد. كان الرافعى غيورا من ضخامة ضريح سعد زغلول فى مقابل بساطة مقبرتى مصطفى كامل فى منطقة الإمام الشافعى ومحمد فريد فى حى السيدة نفيسة». يحفظ رشدى فاضل أماكن ميلاد وسكن أصحاب الضريح التى لم تبتعد عن منطقتى القلعة والسيدة زينب، أما هو فينتمى إلى منطقة مجاورة فى حى الإمام الشافعى، لا يخفى أمين المتحف الذى جاوز الخامسة والخمسين انحيازه لسيرة كل من مصطفى كامل ومحمد فريد تحديدا. قرب باب المتحف صمم ملصقا أنيقا يحمل كلمات رثاء وتكريم أهداها إلى الزعيمين. عمل رشدى فاضل قبل مجيئه إلى هنا فى متحف محمود خليل لمدة سبع عشرة سنة قضاها بين اللوحات والأعمال الفنية المختلفة، وهو يروى: «كنت أحفظ أماكن ومواضع كل لوحة وتاريخها، أما اليوم فقد اختلف الوضع قليلا»، اليوم يشعر بالرضا عن وجوده فى أحد المتاحف القومية لشخصيات يعرفها أغلب الناس. قلة عدد الزوار لا تقلقه، لكنها تشعل غيرته وتدفعه إلى الحديث بحماس عن رحلات المدارس والأفواج السياحية التى تمر من هنا أثناء زيارتها للقلعة، أمام لوحة تسجل فظائع الإنجليز فى مذبحة دنشواى عام 1906، يتحدث عن بعض ما يراه من الزوار: «فى إحدى الرحلات المدرسية تحدث المشرف الذى كان مدرسا للغة العربية عن دور مصطفى كامل فى فضح جرائم الإنجليز مضيفا أن دنشواى كانت قرية بجوار المنصورة.. استوقفته وحزنت أن يكون مدرسا فى هذه السن ولم يسمع عن دنشواى أو يعرف موقعها فى المنوفية». بعض زوار المتحف من نوع آخر وهم طلبة الفنون الجميلة الذين أتوا لدراسة عمارة المكان، حسب تعبيره «بعضهم لا يعرف عن مصطفى كامل سوى أنه كان زعيما وطنيا.. فقط». فى درج مكتبه ملزمة جمع فيها مادة علمية عن الزعيم الراحل والمتحف يقدمها إلى الزوار كى يصوروها على أمل أن يكون ذلك «فى ميزان حسناته». إلى جوار الملزمة كتاب عبدالرحمن الرافعى الذى ألفه عن «مصطفى كامل» وكتب أخرى فى تاريخ الشخصيات. المفارقة التى جمعت كل هؤلاء فى مقبرة واحدة هى أن مبادرة المؤرخ والسياسى عبدالرحمن الرافعى قد لاقت قبولا، وتم نقل رفات مصطفى كامل ومحمد فريد إلى الموقع الجديد وافتتح المتحف فى عام 1956 بواسطة وزير الإرشاد القومى آنذاك فتحى رضوان، ودفن الرافعى فى الموقع نفسه حسب وصيته عام 1966، ومن بعده فتحى رضوان عام 1988. لا يخفى رشدى فاضل أن الحياة بين جدران المتاحف أمام اللوحات والمقتنيات قد غيرت بعض طباعه ونظرته إلى الأشياء، يقول معلقا: «أصبحت أكثر حساسية فى التعامل مع أى لوحة معلقة على الجدران، حتى إن كانت لوحة عابرة فى عيادة أسنان!!». أمام تمثال الزعيم يكشف رشدى فاضل عن مهارات أخرى أجادها منذ الصغر: «كانت إحدى مواهبى صنع التماثيل وتخليت عنها بسبب الجدل الدينى المثار حولها، لكننى ما زلت متمسكا بفن الخط العربى». حاول استغلال هذه المهارة الأخيرة فى تنظيم ورشة تدريبية لإجادة الخط العربى فى حديقة المتحف، أما بعيدا عن جدران المتحف فيدير عملا خاصا فى مجال الدعاية والإعلان استغل فيه مهاراته الفنية، لكنه أعاد استغلال تلك المهارة الجديدة فى عمل آخر من أجل أصحاب الضريح موضحا ذلك بمثال حى حيث أخرج بامفليت (ورقة دعائية) عن المتحف وضع عليها لمساته الخاصة فى الإخراج الفنى، مشيرا إلى صورة الزعيم مصطفى كامل التى احتلت مساحة كبيرة منها، قائلا: «هذا أقل تكريم لزعيم مثل مصطفى كامل أفنى عمره من أجل الوطن».
محطة فى طريق الركاب
تصوير - أحمد عبداللطيف تبدأ الجولة من مدخل ينقل زائر «محطة مصر» من عالم صاخب بأصوات النداء على المسافرين للحاق برحلاتهم إلى عالم آخر يعرض تاريخ السكك الحديدية وقاطرات قديمة لن يراها أحد سوى هنا فى «متحف السكة الحديد». إلى جوار المدخل الرئيسى تجلس حكمت إبراهيم ــ أمينة المتحف ــ فى حجرة متواضعة أمام حجرة أخرى تضم زميلتيها. لا يزعجهن نفير القطارات ولا يختلف الحال عن كل يوم حين يجلس الجميع فى انتظار ضيف جديد يستحق الاهتمام، أغلب الزوار من السائحين الأجانب إلى جانب من جاءوا هربا من ملل انتظار القطار. قبل أكثر من عشرين سنة انضمت هذه الدفعة من العاملين إلى المتحف، إحداهن هى مديرة المتحف الحالية وموظفتان لإرشاد الزوار، جميعهن ينتمين إلى عائلات خدمت فى هيئة السكك الحديدية. هذه الصورة الهادئة لا تخفى خلفية كل منهن، فبينما تذكر ناهد الخطيب أنها عشقت الحياة داخل هيئة السكك الحديدية منذ أن كانت طفلة تحضر مع والدها إلى مكتبه فى الهيئة، يبدو الأمر مختلفا لدى حكمت التى لم تكن مولعة بحياة السكك الحديدية والمتاحف، لكنها متعلقة بأمر آخر: «أفضل ما فى هذه المهنة هو رؤية أشخاص جدد كل يوم، رغم الطابع الهادىء للمكان». لا تشعر أمينة المتحف بأن المكان مظلوم بحكم قلة الدعاية أو اهتمام الناس بزيارة المتاحف، بل لها رأى آخر: «لا يمكن مقارنة العمل هنا بمتاحف أخرى مثل المتحف المصرى، حيث يدخل متحف السكة الحديد ضمن المتاحف المتخصصة كالمتحف الزراعى ومتحف البريد الذين تجمعهم ظروف واحدة». أثناء حديثها يمر زائران قررا كسر ملل انتظار القطار بالتجول داخل المتحف، تعلق ناهد الخطيب: «يتغير طابع المكان أثناء الرحلات المدرسية التى قلت هذا العام بسبب إنفلوانزا الخنازير، وربما أثر ارتفاع سعر التذكرة للمصريين إلى خمسة جنيهات وهو ما تفكر الإدارة فى تخفيضه». تتجول ناهد مع الزوار بين أروقة المتحف مستعرضة كمًا لا بأس به من المعلومات، تتغير اللغة أحيانا مع الزوار الصغار حين تقص عليهم تطور فكرة السكك الحديدية بشكل قصصى. على الجدران صور قديمة لمحطات القطار وافتتاح المتحف فى عام 1933 فى عهد الملك فؤاد، لكن أكثر ما يلفت نظر الزوار هما العربتان الكبيرتان فى نهاية المتحف: الأولى هى هيكل قاطرة قديمة تكشف تفاصيل عملها ميكانيكيا، أما الأخرى فهى عربة فخمة تعود إلى عهد سعيد باشا حاكم مصر (1854ــ1863)، بإمكان الجالس فيها استعادة الأجواء الملكية لذلك العصر. كانت حكمت إبراهيم ــ مديرة المتحف ــ تقوم هى الأخرى بالجولات الإرشادية نفسها ولا تخفى أن الفضول كان يحركها أحيانا لمعرفة المزيد عما كانت تشرحه للزوار، أشهر الأمثلة حديثها عن «قطار فرغلى باشا» الموجود فى صالة العرض تحت الصيانة وهو عبارة عن قطار صغير يكاد يحاكى القطار الحقيقى فى رحلته، كان يملكه أحد ملوك تجارة القطن الكبار فى عهد ما قبل الثورة، تقول حكمت: «أحيانا ما يدفعك وجودك اليومى هنا إلى جمع معلومات من مصادر أخرى، وهو ما فعلته مع فرغلى باشا الذى سألت عنه أحد معارفه الذين حكوا عنه تفاصيل طريفة تؤكد صورة المليونير المترف». الحياة داخل هذا المكان الهادىء تجعل بعض الزيارات بمثابة حدث مهم، الجميع هنا يتذكر زيارة مسئول اليونسكو التى جرت مؤخرا والتى وعد فيها بدعم تطوير المتحف مهنيا، أما الأستاذة ناهد فتتذكر وجوها تأتى للزيارة على فترات متباعدة، وتقول: «يأتى بعض الأجداد أحيانا مع أحفادهم، ويؤكدون أن زيارتهم للمكان فى الصغر هى السبب فى تكرار الزيارة بعد كل هذه السنوات، مثل هذه المواقف المتكررة أكدت لى أن زيارة المتاحف كانت أمرا أكثر انتشارا عن اليوم»، تكمل حكمت إبراهيم حديث زميلتها: «اليوم هناك ألف وسيلة ترفيه، كل هذا يسحب زوار المتاحف إلى اتجاه آخر». لم تجد كل منهما وسيلة للدعاية للمتحف سوى ما حدث قبل سنوات حين جاء سؤال فى امتحان الثانوية العامة للغة الفرنسية عن متحف السكة الحديد، وهو ما دفع بعض الطلبة فى السنة التالية إلى محاولة التعرف على المكان بدافع الفضول. الانتماء إلى أسر عملت فى هيئة السكك الحديدية ثم الحياة العملية وسط جدران متحف السكة الحديد جعلت فكرة القطار مطروحة فى حياتهم. على مكتب مديرة المتحف قطار خشبى صغير، لم يكن مجرد اكسسوار للمكتب، بل أكثر من ذلك، فهى توضح: «أولى الألعاب التى يرتبط بها الطفل الصغير هى القطار، وهى الشكل الأول لوسائل النقل الحديثة، وبالنسبة لى أجد الحياة نفسها لا تختلف عن رحلة قطار له مجموعة من المحطات».

فى منزل أمير الشعراء

تصوير - هبة خليفة يختلف الحال بين زائر عابر لمتحف أحمد شوقى بالجيزة والعاملين الذين قضوا سنوات فى ضيافة أمير الشعراء بين أركان منزله الذى تحول إلى متحف فى العام 1977، داخل المنزل الذى سماه «كرمة بن هانئ » يشير المرشد إلى الأماكن التى أبدع فيها أحمد شوقى أشعاره وإلى أماكن أخرى استقبل فيها مشاهير عصره، وحسب العبارة التى استخدمها على عمران، أمين المتحف فإن «صاحب البيت قد فرض ثقافته على العاملين هنا». كان هذا واضحا بشدة لدى أمين المتحف الذى حرص فى حديثه على استخدام اللغة العربية الفصحى مشيرا إلى خلفيته كدارس للغة العربية فى كلية دار العلوم وأن له تجارب فى الكتابة الشعرية. يعمل على عمران فى متحف أحمد شوقى منذ العام 2000، لكنه يكاد يكون أقرب العاملين إلى أجواء الشعر والأدب، ويعلق على ذلك قائلا: «هناك نسبة من العاملين فى المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة من خريجى كليات التربية الفنية والفنون الجميلة إلى جانب خريجى الكليات الأخرى، ولأن هذا المتحف له خصوصية الشعر والأدب، فأنا أقرب العاملين هنا إلى هذا المجال، لذا أدير النشاط الثقافى بمساعدة زملائى». يترك على عمران مهمة إرشاد الزوار إلى فريق من الشباب يعمل فى المتحف لهذا الغرض فقط، حيث يستقبل المرشد الزوار ويتجول معهم بين غرف المنزل. منال أنور وآية طه هما من أفراد هذا الفريق، لم تكن منال تعتقد أثناء دراستها فى كلية الزراعة أنها ستعمل فى يوم من الأيام فى مجال المتاحف، رغم أن أختها الكبرى تعمل فى هذا المجال بالفعل، وهى تعلق: «فى السنوات الأولى من عملى تعجبت من فكرة بقائى بين الجدران نفسها وتكرار الكلام نفسه يوميا، لكن بعد سبع سنوات من العمل أجد الأمور قد تغيرت تماما». تذكر منال أن ما يجعلها اليوم تشعر بالسعادة أثناء عملها هو تقدير بعض الزوار لفكرة أن تعمل فى مكان راق من الناحية المعمارية والتاريخية، كذلك فإن ما تراه أحيانا من نظرات إعجاب الزوار لأحمد شوقى خاصة من العرب يجعلها تشعر بشىء من الفخر لم تخفه فى حديثها. أما زميلتها آية طه فقد عملت لأكثر من إحدى عشرة سنة فى المكان نفسه، اعتادت على مواجهة الزيارات الكثيفة المفاجئة والصبر على قلة الزوار فى أوقات أخرى، تقول: «فى أوقات نضع أيدينا على خدنا فى انتظار زائر، وفى أوقات أخرى لا نلاحق على كم الزوار، وذلك دون أسباب واضحة». كلتاهما لا تنسى زيارات بعينها، إذ تقول آية: «بعض الزوار يأتون هنا وهم حافظون لشعر أحمد شوقى، ولديهم معلومات مبهرة عن حياته تفاجئنا نحن شخصيا، ومن أكثر الجنسيات التى ألمس فيها هذا الحس هم السوريون بسبب سعة اطلاعهم وحبهم لأحمد شوقى». تحتم قواعد العمل على آية ومنال أن تنقلا المعلومة بوضوح ودون إبداء انطباعات أو آراء شخصية، أحيانا ما يأتى إليهما من كان يظن أن أحمد شوقى رجل شارب للخمر وليس له مواقف وطنية، وهو ما يجب توضيحه بحياد، تعلق منال: «كرمة بن هانئ هو الاسم الذى اختاره شوقى لمنزله الأول فى ضاحية المطرية، وحين انتقل إلى الجيزة حرص على الإبقاء على الاسم نفسه الذى قد يوحى للبعض بالترف أو عن وجود كرمة عنب يعصر منها النبيذ، لكن الواقع لم يكن كذلك». هذا الاسم قد جذب بعض الزوار الذين أصابهم الفضول كلما مروا من أمام اللافتة المعلقة فى واجهة المتحف. وتنقسم «كرمة بن هانئ » إلى طابقين، الأرضى به صالون الضيافة الذى استضاف الموسيقار محمد عبدالوهاب فى الفترة التى تبناه فيها أمير الشعراء فنيا، وإلى جواره مكتبة الشاعر الخاصة، أما الطابق العلوى فهو الأكثر حميمية حيث حجرة نوم أحمد شوقى التى كان يكتب فيها أشعاره. فى أوقات الزيارات الكثيفة لطلبة المدارس تبدأ أجواء الحذر فى الازدياد حرصا على مقتنيات المتحف التى تزين جدران المتحف إضافة إلى محتويات المنزل التقليدية، وهو ما يستدعى بعض أفراد الأمن للحماية، وتقول آية طه: «من أصعب الفئات فى التعامل هم طلبة الثانوى، وأحيانا ما أحزن حين أجد بينهم من لا يبدى اهتمامه بقيمة المكان على عكس ما نراه من رحلات من هم أصغر سنا». وسط هذه الأجواء يظل انطباع المرشد عن أمير الشعراء خفيا إلى حد كبير ولا ينقله إلى الزائر بينما يختلف الأمر تماما عند على عمران، أمين المتحف والمسئول عن النشاط الثقافى، فلا يخفى انحيازه التام لأحمد شوقى. حسب حديثه، فالنشاط يمثل التيارات والمدارس المختلفة فى الشعر، وفى شهر أكتوبر من كل عام تقام احتفالية ثقافية وفنية فى ذكرى أمير الشعراء، يقول: «بحكم دراستى وحبى للشعر أعرف كيف أثر هذا الرجل فى لغة كثير من الشعراء، وبحكم انتمائى لهذا المكان وبقائى ضيفا على أمير الشعراء لسنوات طويلة فكرت أن تكون شهادة الماجستير عن دراسة تأثيره فى الشعراء من بعده، وهو ما أفكر فيه جديا الآن».

PDF

Thursday, April 29, 2010

الكابتن غزالي .. ذاكرة مدينة

لم تختلف حياته وحياة رجال المقاومة كثيرا عن حياة مدينتهم السويس، ورغم اشتباكهم مع الهموم الحالية فإن بعضهم سقط سهوا من ذاكرة الشباب، فأصبح مجرد اسم على لافتة شارع لا يعرف أحد من يكون، بل ويجهل سبب التسمية.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
تصوير : أحمد عبداللطيف

الكابتن غزالى.. ذاكرة مدينة
قد لا يفهم الزائر الجديد طبيعة المكان أثناء الزيارة الأولى، متجر صغير مكدس بالكتب والرسومات، وعنوان كبير على الواجهة «الكابتن غزالى»، الجميع هنا فى هذه الناحية من مدينة السويس يعرف هذا الاسم جيدا.. فى الداخل يجلس الكابتن مطمئن البال، يتلقى التحيات المستمرة من المارة ولا يخلو الأمر من قفشة أو تعليق لرسم ابتسامات وضحكات من حوله، لم يبد انشغالا بتكريمه الأخير من محافظة السويس وقرارها إطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية بالمحافظة وإعادة طبع ديوانه الشعرى من هيئة قصور الثقافة، كان مشغولا بمن حوله.
«فى هذا المكان جلس مراسلون عسكريون بعضهم يقود اليوم صحفا كبيرة، ونام على هذه الأريكة الشاعر أمل دنقل أثناء تضامنه معنا فى السويس فى زمن الحرب.. هذا مرسمى القديم، آتى إليه بعد صلاة الظهر وأبقى مع الأصدقاء قليلا ثم أكمل يومى».
يشير الكابتن غزالى ــ أحد أعلام المدينة ورمز من رموز المقاومة الشعبية ــ إلى أرفف الكتب من حوله، موضحا أنه يعير بعضها لمن يحتاج دون حساب، كنوع من الخدمة العامة.. قد تخفى بساطته أحداث 82 سنة عاشها مشتبكا مع هموم السويس، بدءا من مشاكسة قوات الاحتلال البريطانى مع الفدائيين منذ عام 1946، ثم مع المقاومة الشعبية بعد حرب 67 مستخدما الشعر تارة والمواجهة المباشرة مع العدو تارة أخرى.. محافظا على روحه المتمردة حتى اليوم.
بعد ثورة 52 أصبح الكابتن غزالى ضمن تنظيمات الثورة كأمين للشباب، وهى المرحلة التى يصفها: «كنا نقول مصر أم الدنيا ولم نر سوى مصر.. بعد الثورة علمنا بأننا نستطيع أن نواجه الدنيا كلها». بعد هزيمة يونيو 67 كان ضمن قيادات المقاومة الشعبية، وتصدى لطرح فكرة «ولاد الأرض» التى تكونت من المشاركين فى العمل الحربى الميدانى، لنقل أجواء المقاومة وآمال النصر إلى بقية انحاء البلاد، ولم تختلف حياته وحياة رجال المقاومة كثيرا عن حياة مدينتهم السويس التى يولد فيها الأبطال وسط الحروب والمقاومة، مستمدين المدد من ذكرى البطل الأقدم سيدى الغريب صاحب المقام الأشهر فى المدينة الذى هلك غريبا فى حروب الفاطميين ضد القرامطة بعيدا عن بلده الأصلى.
«نشأت جوار الغريب حيث كانت السويس بمثابة عتبة من عتبات الرسول يفد إليها القادمون إلى الحجاز للحج، هناك سمعت فنونا متنوعة من مصريين وعرب وعجم.. وكثيرا ما شغلت نفسى بأصل موسيقانا فى السويس، وبالسر الذى يمكن أحد الأميين من حفظ قصائد فصحى. ولم أجد إجابة سوى أننا أبناء هذا المزيج الفريد».
رغم ذلك لا يخفى فى حديثه مزاجه الصعيدى الذى ورثه عن «أبنود» المدينة التى ولد بها عام 1928 بمحافظة قنا، وهو المزاج نفسه الذى انتقل إلى مدينة السويس عبر المهاجرين الجنوبيين الذين يمثلون نسبة غير هينة من السكان.. لتجربة السويسية مر بها أيضا الكابتن غزالى بصورة شخصية، فبعد حرب 67 كان يجتمع حوله الفدائيون، يغنون ويقترحون أفكارا يعبر عنها بالشعر، أما الألحان فهى مزيج من ثقافات هؤلاء الذين جمعتهم السويس.
يقول: «اخترنا اسم ولاد الأرض لهذه الفرقة الوليدة لترسيخ الحميمة التى جمعتنا». كانت تلك هى لحظات تأسيس أغانى المقاومة التى تحولت اليوم إلى جزء من تراث المدينة، أو حسب تعبيره «تحول ولاد الأرض إلى قصة لا تختلف عن قصة بهية ويس وسيرة أدهم الشرقاوى». اليوم تصدح فرقة بالاسم نفسه فى السويس يرعاها بعض ولاد الأرض القدامى من رفاق الكابتن غزالى.
«عين على الشباب»
فى مقره الحالى يلتقى الزائرون، أمامه شاب عشرينى يدعى عبد الرحمن، يعرض على الكابتن قصصا قصيرة يكتبها ويوجهه الكابتن دون مجاملة، يأتيه عامل المقهى المجاور مستأذنا فى استعارة كتاب يقرأه.. بعدها يدخل الكابتن فى جدال مع عبد الحميد يونس ــ أحد قدامى أعضاء حزب الوفد.. هذه الحياة المزدحمة تجعله يتقبل أى تكريم رسمى بهدوء وثقة، حتى إن كان التكريم بإطلاق اسمه على شارع رئيسى، يقول: «تهمنى العلاقة مع الناس والاحساس الحقيقى بالامتنان، أحيانا ما ألبى دعوة تكريم على بعد مئات الكيلومترات، فقط لأنها صادقة».
منذ الخمسينيات وهو يعمل فى مجال التثقيف السياسى للشباب، ولم يفقد هذا الحس حتى الآن «أثناء الحرب اتجهت إلى التعبير عن واقعنا كمقاومين وسوايسة بالغناء، وذلك لمحاولة إذابة العلاقة بينى وبين من حولى فى المعسكرات، وتلقى أفكارهم ومناقشتها وتحويلها إلى جملة موسيقية نتغنى بها».
بعيدا عن مهاراته المتعددة فى الشعر والرسم والخط العربى والموسيقى كان لقب كابتن هو ما يصاحبه حتى اليوم، حسب وصفه «كان للرياضيين تميزا فى المجتمع السويسى». وحتى الآن يفخر بهذا اللقب منذ أن حقق بطولة المملكة المصرية فى المصارعة قبل الثورة. يشير: «حين انظر اليوم إلى الشباب أحزن.. فرغم أنهم أكثر تعليما وأفضل صلة بالعالم عبر الانترنت إلى ما غير ذلك، بدأت ممارسة الرياضة فى الشارع وعيناى على الأندية الأجنبية التى احتكرت الرياضة فى مدينتنا، لم يكن لدى ملابس تدريب مثل التى تملأ مخازن الأندية الآن، وحين انتقلت إلى مجال التدريب فى الأندية المصرية التى أنشئت فيما بعد كان هؤلاء الأبطال الرياضيون هم نخبة المقاومة.. اليوم نفتقد الشخصية القيادية التى تحفز الشباب». أحد هؤلاء الشباب الذين يصفهم الكابتن غزالى سجل سؤالا: «من أفضل قيادى فى السويس؟» وذلك من خلال مجموعة على الفيس بوك بعنوان «السويس فقط Only Suez»، وأجاب غالبية الشباب بأن هذه الشخصية غائبة تماما اليوم!
فى تحركاته لا ينسى الكابتن غزالى دوره القديم وقلقه على مدينته، أحيانا يميل على بعض شباب الحى ويسألهم «لماذا تقفون هكذا على النواصى دون فائدة؟» وتأتيه الإجابة كالتالى: «شوف لنا شغل يا كابتن». يشعر بالغيرة تجاه أبناء بلده ويتذكر حين كان البحار يجد عملا بشهادة الابتدائية القديمة ويسافر بها إلى أنحاء العالم على ظهر سفينة.. لم يكن يعكر تلك الأيام سوى الاحتلال وسيطرة الأجانب على كل شىء. تقدر نسبة البطالة فى محافظة السويس بـ8.11% حسب تقرير التنمية البشرية الذى أعدته وزارة التنمية المحلية بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى عام 2008، كما يقع 10% من سكان المحافظة تحت خط الفقر. يضيف الكابتن غزالى: «فى الماضى لم يجلس على المقاهى وقت النهار سوى الغرباء، لكن الحال تغير، فى ظل هذه الحالة ليس فى سلطتى أن أنصح شابا سوى فى أمور مثل ترك السيجارة من يده، بحكم سنى». لفترة دامت سنوات بعد حرب 73 حوصر الكابتن غزالى فى مدينته، لم يتعامل مع الصحافة، ولم يشارك بفاعلية فى العمل العام نتيجة مواقفه المتعارضة مع سياسة عصر السادات خاصة بعد قرار فض تشكيلات المقاومة فى مارس 1973، وحين رفض تم إبعاده عن المدينة إلى بنها. بعدها اتخذ عمله طريقا آخر عبر لقاءات حرة مع محبيه، ومشاركات فى إعداد برنامج عن فنون القناة. ويذكر معلقا على فترة ما بعد الحرب: «المقاوم والفدائى لا يلقى بنفسه تحت عجلات الدبابة، بل يناور حتى يظل محافظا على نفسه». أشعاره لم تقتصر على الدعم المعنوى للجبهة الداخلية أو تقوية عزم المصريين، بل تعرضت لبعض الظواهر فى مصر، فرد على فيلم «خلى بالك من زوزو» الذى رأى فيه «ولاد الأرض» إلهاء عن المعركة، وكتب: «خلى بالك من زوزو.. واحكى حكاية مرمر، واللى يجيب سيرة الخلاص.. على بوزه يتجرجر»، وانتقد فى إحدى قصائده ظهور «شارع شواربى» وانتشار البضائع المهربة رغم سياسات التقشف قبل الحرب. ورغم مرور عقود طويلة على تلك الفترة لكنه ما زال يقاوم ما لا يوافق قناعاته. لم يكن الكابتن يعرف بماذا يجيب رفاقه حين يسألونه عن مستقبلهم بعد الحرب، تذكر ما قاله فى رثاء صديقه ــ مصطفى أبو هاشم ــ الذى ناضل ضد الانجليز وكان بطلا فى رياضة كمال الأجسام واختير عضوا فى منظمة سيناء العربية التى نفذت العديد من العمليات الفدائية خلف خطوط العدو فى سيناء، يقول الكابتن غزالى مجيبا بالشعر: «وكان لما يحكى لى أحلامه.. أو اللى شافه فى منامه، أضحك أنا.. وأقول إن شاء الله بعد النصر، يا هل ترى حتكونى فاكرانا يا مصر؟».
أثناء حديثه يتوقف ثم يجرى اتصالا بعبد المنعم قناوى ــ بطل قديم فى رياضتى الدراجات والرماية وأحد فدائيى منظمة سيناء العربية. يعمل الأخير منذ سنوات كسائق ميكروباص.. الواقع تغير تماما بعد أن عاد الجميع إلى قواعده، ولم يعد للأهالى ذلك الدور الذى مارسوه من قبل فى إدارة شئون المدينة والدفاع عن أرضهم تحت رعاية الدولة، واندمج المقاومون فى حياة تقليدية لا يميزها سوى طبيعتهم الخاصة التى لم يتنازلوا عنها. يقول كابتن غزالى: «الحديث عن الماضى ليس حنينا، بل أظن أن أبناء السويس القدامى تجمعهم رابطة واحدة وأظن أنهم أكثر حساسية لشأن مدينتهم عن غيرهم». لا تكفى زيارة واحدة لمعرفة ما شهده الكابتن غزالى من أحداث، ولا يكفى تكريم لتخليد ذاكرته، قد تلفت اللافتة التى تنوى محافظة السويس رفعها فى أحد الشوارع الرئيسية نظر شاب صغير أو مهاجر حديث وتدفعه إلى تتبع تجربة الكابتن غزالى، لكنها بالقطع لا توازى تجربة من عاشوا وغنوا لولاد الأرض، ومن تعلقوا بأشعاره.
يقول المقاوم الثمانينى: «أنا هنا فى مكانى لن أرحل، وأراهن على أن مصر ستكون أفضل فى المستقبل». ثم يكمل مازحا: «ستأتون بعد أربعين سنة إلىّ هنا وستعلمون أننى كنت على حق».

شوارع الأبطال.. غرباء في بلد الغريب
إلى جوار السوق الكبير في حي الأربعين بمدينة السويس لم تعرف الشابة ذات اللهجة الريفية اسم الكابتن غزالي، بدت مقطوعة الصلة تماما بهذه بحقبة المقاومة الشعبية أثناء الحرب، تساءلت : "هو لاعب كورة ؟!"، بدت إجابتها مثيرة للإستهجان لأي مواطن سويسي أصيل، لكن مبرر هذه الشابة الوحيد في نقص معلوماتها كان أنها ليست من مواليد السويس إذ انتقلت إليها قبل سنوات مع زوجها. وهي واحدة من سكان حي الأربعين الذي يمثل 50% من عدد سكان المدينة، بينما يقارب عدد سكان محافظة السويس نصف مليون مواطن.
محاولات الحديث معها حول قادة المقاومة الشعبية تبدو مثيرة للحرج، وتدفع إلى إعادة التفكير في جدوى تسمية الشوارع بأسماء الأبطال دون وسيلة تعريف بهم.
المشهد كان مختلفا حول جامع سيدي الغريب الأشهر في السويس، حيث محال تجارية قديمة تخصص أغلبها في بيع مخلفات السفن الراسية وأدوات الصيد، استهجن بعضهم بمرارة ألا يعرف سويسي رجلا مثل الكابتن غزالي، و أمام بوابة المسجد جلس عبدالعال منسي أمام متجره معلقا "فكرة التكريم وإطلاق إسم الكابتن غزالي على شارع فكرة جديرة بالاحترام، خاصة أنها جرت في حياته". كان عبدالعال طفلا حين اضطرت اسرته إلى ترك السويس في ذلك الوقت، لكن جاره الحاج أحمد حلمي بدر الذي شهد فترات الحرب والتهجير كان أحد العاملين الذين بقوا في المدينة لتسيير أمورها، أبدى حماسه قائلا : "كنت موظفا في التوكيلات البحرية ضمن من بقوا لإدارة المدينة، أحيانا كانت تأتي الغارات فنخرج بملابس النوم إلى القطار هروبا من القصف، لم يدعمنا أحد سوى رجال أمثال حافظ سلامة شيخ المقاومة، وغيرهم". يعود جاره عبدالعال ليوضح : "لا يدرك أهمية الكابتن غزالي وفرقة ولاد الأرض سوى من عاش تلك الفترة، حين كانت كلماتهم معبرة عما نريد قوله".
كلاهما اليوم يجلس في استرخاء تام في حي السويس الذي ينتمي إليه الكابتن غزالي، تفهما أن يكون هناك من ليس له صلة بهذه الحقبة من سكان المدينة، يقول الحاج أحمد حلمي بدر وهو يشير إلى مئذنة مسجد الغريب: "السويس لم تسمى بمدينة الغريب نسبة إلى سيدي الغريب فقط، بل لأنها مدينة الغرباء التي تحتضن القادمين وراء ارزاقهم".
سائق التاكسي الشاب الذي بدأ رحلته من أمام مسجد الغريب متوجها إلى أطراف حي السويس، لم يعرف اسم "الشهيد مصطفى أبو هاشم" أحد شهداء المقاومة الشعبية، تساءل : "من هو؟! هل تبحث عن أهله؟"، المفارقة انه أطلق مؤخرا اسم هذا الشهيد على شارع البرج المتفرع من شارع الجيش الرئيسي في المدينة. العاملون في مبان مجاورة للشارع لم يعرفوا تلك المعلومة، ولم يعرفوا هوية صاحب الشارع، وآخرون خلطوا بينه وبين أخيه عضو المجلس المحلي السابق إبراهيم أبو هاشم. و حتى اليوم يستخدم الاسم القديم للشارع "شارع البرج".
داخل أحد محلات الفيديوجيم في الشارع لم يعرف مدير المحل الشاب من هو صاحب الشارع، قال : "ليس لدي فكرة عن قصة مصطفى أبوهاشم، ربما يعرفه أحد كبار الحي". أشار إلى الحاج رضا العطيفي في محل مجاور لبيع الهدايا.. رجل أنهكه المرض رغم نجاته من شظايا دانات الاسرائيليين أثناء سنوات الحرب.
يقول الحاج العطيفي : "الشباب مشغولون عن تلك الشخصيات، وليس من سمع كمن رآى"، كان الحديث معه عن تجربة ولاد الأرض وذكرى شهداء المقاومة دافعا لأن يردد بعض أشعار الكابتن غزالي التي كانت شائعة وقتها بين من بقوا في السويس، واستمر في سرد تفاصيل سير الشهداء و عمليات يوم 24 أكتوبر حين اقتحمت القوات الاسرائيلية المدينة ونجحت المقاومة مع الأهالي في إفشال مخططهم.
يجلس الحاج العطيفي اليوم في متجره الصغير لقضاء وقته مستمتعا بتاريخ عائلته القديم في المدينة إلى جوار جاره الجديد "الشهيد مصطفى أبو هاشم" الذي زين اسمه لافتة على جدران عمارة مجاورة، حيث يمر العابرون فلا يرفعون أعينهم لتأمل الإسم أو البحث عن سيرة صاحبه.
حسب مصادر في محافظة السويس فإن المدينة تتميز بنشاط لجنة تسمية الشوارع التي تراعي تخليد أسماء شهداء الشرطة والجيش وشهداء المقاومة الشعبية وغيرهم من الشخصيات الوطنية الهامة إلى جانب أن المحافظة تنظم جولات لأبطال المقاومة الباقين بين المدارس أثناء احتفالات المدينة.
السمسمية في مساكن السوايسة
وسط مساكن شعبية ذات طراز واحد في حي كوبري القبة بالقاهرة هناك أحد عشر "بلوكا" سكنيا يحملون اسما مميزا عن بقية المساكن هو "مساكن السوايسة"، جاء هذا الاسم نتيجة استضافة هذه المساكن للمهاجرين من مدن قناة السويس فرارا من حرب 67، تلك المساكن ما هي إلا أحد الأماكن التي انتقل إليها المهجّرون مثل أماكن أخرى في شبرا الخيمة وإمبابة ومدينة نصر، وغيرها من المدن المصرية خارج العاصمة. في داخل واحد من هذه المساكن مكتب يحمل اسم "الجهيني للسيارات والعقارات" يديره محمود القط الذي يضع خلفه صورة تتصدر مكتبه وهو يعزف على آلة السمسمية الشهيرة، تبدو الصورة للوهلة الأولى مختلفة عن السياق من حوله، لكن أصل هذه المساكن قد يبرر هذا المشهد. يقول: "بعد الحرب تشتت السوايسة كل حسب اتجاه القطار الذي لحق به وقتها، جئنا إلى هنا قبل أكثر من أربعين سنة، وسكنا تلك المساكن التي لم تكن معدة لاستقبالنا ورفضنا تركها أثناء الحرب لعدم وجود البديل، أما اليوم فلم يتبق من كافة هذه الأسر المهجّرة سوى عدد قليل جدا يعد على أصابع اليدين ارتبطت أرزاقه بالمكان ولم يعودوا إلى السويس وتبدلت المساكن بسكان آخرين".
على بعد أمتار منه "سوبر ماركت أولاد يوسف السويسي" حيث استمر الجيل الثاني من المهاجرين السوايسة في القاهرة متابعا حياته، وفي الناحية الأخرى جمعية خدمات لأبناء مدينة السويس تأسست عام 1973 و تعمل اليوم في أنشطة خدمية مختلفة أهمها تعليم الكبار. في تلك الفترة التي ترك فيها أهالي السويس مدينتهم لم يكن البقاء خيارا مفضلا حتى من جانب الدولة، كانت الخطة الحكومية آنذاك تتجه نحو تهجير أغلب سكان المدينة وإبقاء حوالي 15 ألف مواطن لإدارة شؤونها الأساسية، وفي تلك الأثناء هاجر عشرات الآلاف إلى أماكن متفرقة في محافظات مصر منهم تلك المجموعة التي سكنت في كوبري القبة، يقول محمود الذي قارب اليوم على الخمسين: "حين أراد والدي العودة بعد الحرب إلى عمله السابق في الميناء لم توافق جهة عمله في قسم شرطة حدائق القبة رغم عودة أعمامي وبعض إخوتي وتعمير منازلنا هناك، لكن هذا لم يقطع صلتي بالمدينة".
محمود القط الذي نشأ في القاهرة اختار اليوم أن يجلس في أوقات السمر بين رفاقه وبيده السمسمية، لم يخف تأثره بتجربة "ولاد الأرض" وعشقه للكابتن غزالي وأغاني المقاومة، وفي جلسات خاصة مع الرفاق يحاول أن يحاكي أجواء السويس على أرض القاهرة. ويعلق على هذا : "بعيدا عن عملي أصدرت ألبوما متواضعا منذ فترة شاركت فيه مع مطربين شعبيين بالعزف على السمسمية". وعلى استحياء يشير إلى آلة السمسمية في غرفة مجاورة لمكتبه معتبرا إياها العلامة الوحيدة التي تعبر عن هويته الآن، وسط مساكن لم يعد للسوايسة فيها سوى حضور رمزي.

Wednesday, April 14, 2010

الدراسة بعد الـ 60.. متعة التعلم مدى الحياة

خيط واحد يكاد يجمعهم. الهدف الواضح، والحماس الشاب. توزعت أنشطتهم الدراسية بين من اهتم بتحقيق رغبة قديمة ومن سعى لخدمة قضية حياته ومن وجد المتعة فى المعرفة للمعرفة، جميعهم اخترقوا مجال الدراسات العليا الجامعية فى سن متقدمة تحقيقا لهدف يوقنون أنه قد حان موعد تنفيذه

متعة التعلم
تحتار سهام عبدالسلام بأى مجال دراسى تبدأ، كانت تخشى سرد كل مشوارها الدراسى الذى تراكم على مدار سنوات عمرها الواحدة والستين.. تشغلها الآن بروفات مسرحية جديدة موضحة أنها لم تبدأ فى مجال التمثيل إلا بعد الدراسة فى ورشة تدريبية اجتازتها قبل خمس سنوات.
بالنسبة إليها فالتعلم على مدار الحياة ليس مجرد متعة تعيشها فى كل تجربة، بل هو أيضا محاولة للتواصل مع المجتمع وخدمته بوسائل مختلفة، فى كل وسيلة اختارت مجالا دراسيا جديدا.. كان أولها الطب.
«لم يكن التفوق الدراسى هو الهاجس الأساسى أثناء نشأتى منذ الصغر، بل كان التعود على القراءة فى سن مبكرة، وحين أنهيت الدراسات العليا فى مجال طب الصناعات فى السبعينيات كان هذا ما يحركنى، إلى جانب دافع أهم هو خدمة المجتمع، لذا كانت الصدمة عنيفة حين تحولت إلى موظفة حكومية بشهادة الطب أؤدى مهام إدارية حسب قواعد التعيين».
مفارقات عديدة مرت بها خلال تلك الفترة، فبعد سنوات من المشاركة فى النشاط الثقافى والفنى الجامعى اقتصر بعضها على مشاركات خجولة، تقابل اليوم زملاء تلك المرحلة أثناء العروض المستقلة التى تشارك فيها فيندهشون من هذا التحول الجرىء. وبعد تجربة اضطرتها إلى ترك الطب فى المجال الحكومى احتراما لما تؤمن به عادت إلى الطب بعد سنوات بشكل جديد. «كان علىّ الرحيل عن الطب إلى حين.. بعيدا عن الإحباط».
فى تلك الأثناء اتجهت إلى أكاديمية الفنون فى منتصف الثمانينيات مستهدفة دبلومة النقد الفنى للطواف حول عشقها القديم للفن.
يحيط جدران شقتها الفسيحة كم هائل من الكتب، بعضها فى الفن والباقى فى جميع الفروع التى درستها ومجالات أخرى كثيرة. تقول: «عشق الكتاب والقراءة منذ الصغر أنمى بداخلى حب المعرفة بشكل عام، أتذكر فى عيد ميلادى السادس أنه قد أهدتنى والدتى مجموعة قصصية للأطفال لتنمية حب القراءة، أما الصحف فكانت ضيفا رئيسيا فى منزلنا، منذ ذلك الوقت كونت مكتبتى التى تحوى اليوم مئات الكتب».
تكمل بحماس كيف انتقلت إلى مجال آخر ينتصر لفكرة خدمة المجتمع من خلال تخصصها الأصلى كطبيبة، «فى التسعينيات شغلتنى قضية الختان، بالمصادفة قرأت إعلانا عن منحة لإحدى الجامعات الأمريكية، ولم يكن لدى استعدادا أن أترك مصر، والمفارقة أنه بعد مناقشة مع مسئولى المنحة أتاحوا لى الحصول على المنحة فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى سابقة لا تتكرر كثيرا، واخترت تخصص الأنثروبولوجيا الطبية حيث يختلط الطب ــ تخصصى الأصلى ــ بالعلوم الإنسانية، ونتيجة تميز بحث الماجستير أجريت دراسة أخرى بمنحة حول وعى المثقفين وعلاقته بقضية الختان».
لا تعتبر شهادة الماجستير التى نالتها فى الجامعة الأمريكية انتصارا للطب الذى أحبته أو انتقاما من تجربة بائسة مرت بها أثناء عملها كطبيبة فى القطاع الحكومى، كان ذلك مرتبطا بتنوع اهتماماتها وانخراطها فى منظمات حقوقية. أما حالة الرضا التى تعيشها اليوم فتضعها تحت عنوان «متعة التعلم».
وهو السبب الذى دفعها قبل سنوات قليلة إلى الحصول على دبلومة فى مجال الترجمة من قسم اللغة الإنجليزية فى جامعة القاهرة، كان الحصول على تلك الدبلومة بعد سنوات مارست فيها الترجمة بشكل محترف، تقول: «بعض المجالات تعتمد على المهارة والموهبة بشكل أساسى، وأنا خضت مجال الترجمة لسنوات طويلة، لكن لا أستطيع أن أنكر أن التعلم يضيف حرفية أعلى، ولن أنكر أيضا أن أحد أهم دوافعى هو أن أتتلمذ على يد الدكتور محمد عنانى الذى أعتبره مرجعا فى مجال الترجمة».
شهادات فى الطب والنقد الفنى والترجمة والتمثيل قد يعتبرها البعض كافية.. هى نفسها ذكرت فى بداية حديثها عبارة واضحة: «خلاص تبت». لكن تلك العبارة الضاحكة أتبعتها باستطراد يكشف عن أن المشوار لم ينته، إذ تقول: «ضمن أمنياتى تعلم اللغة الفرنسية والموسيقى». قد تكمل رحلة التعلم، وقد تنمى مهاراتها بشكل شخصى مثلما حدث حين تعلمت السباحة بعد الخمسين معاندة من يظن أنها أمور مقتصرة على الصغار.
تقول: «طوال تلك الخبرات مع التعلم فى مجالات مختلفة، كونت علاقات كانت بمثابة الكنز الذى ربحته».

أكبر باحث دكتوراه
فى نوفمبر من العام الماضى 2009 توجهت الكاميرات ووسائل الإعلام ناحية شيخ مسن فى الرابعة والتسعين من عمره وتابعت حركته البطيئة فى أثناء اعتلائه منصة إحدى قاعات كلية الحقوق بجامعة القاهرة لمناقشة رسالة دكتوراه تحت عنوان «الاحتساب على ذوى الجاه والسلطان».
كل العوامل كانت مثيرة للاهتمام، فإلى جانب أهمية الباحث ــ محمد فريد عبدالخالق ــ كأحد القيادات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، وإلى جانب جاذبية الموضوع الذى يدرس موقف الإسلام من العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فقد كانت تجربة الحصول على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز فى هذه السن أمرا جديرا بالمتابعة. أما البحث الذى تعطل لأكثر من ثلاثة عقود حين سجلها فى منتصف الستينات فقد توقف لأسباب عديدة على رأسها تكرار اعتقال الدكتور عبدالخالق والسفر إلى الخارج.
فى أثناء المناقشة لفت الدكتور محمد سليم العوا ــ أستاذ القانون وأحد المناقشين للرسالة ــ نظر الحضور إلى أن أكبر من حصل على الدكتوراه على مستوى العالم كان طالبا فى جامعة كمبردج فى سن 91، إلا أن البحث يكشف عن باحث آخر نالها من مدرسة لندن للدراسات اللاهوتية عن عمر يناهز 93 عاما، وهو ما يجعل محمد فريد عبدالخالق فى المرتبة الأعلى. تناقلت وسائل الإعلام أن هذه الخصوصية تدخله موسوعة جينيس للأرقام القياسية، بعد سنوات طويلة من التعطل.
يقول عادل عبدالباقى ــ سكرتير الدكتور محمد فريد عبدالخالق ــ إنه لم تكن هناك معوقات من جهة الجامعة فى أى وقت، مضيفا: «كان تكرار الاعتقال هو السبب الرئيسى، وظروفه السياسية الخاصة». ورغم إجماع الصحف على أن شيخ حاملى درجة الدكتوراه قد دخل موسوعة جينيس للأرقام السياسية إلا أن السكرتير الشخصى يوضح: «حتى الآن لم تتم إجراءات فعلية بهذا الخصوص».
رغم صعوبة التواصل مع الدكتور عبدالخالق نتيجة تقدم السن، إلا أن الحديث عن مشروع عمره أعاد إليه حماسه سريعا، لم يهتم بالأرقام القياسية بل ركز على موضوع بحثه، ملخصا إياه فى عبارة جامعة: «هذه القضية شغلتنى منذ سنوات طويلة، عن حق الرعية فى مراجعة الحاكم واحترام الإرادة السياسية لأفراد المجتمع، وفى الإسلام معالجة لهذه المسألة».
الرجل الذى قضى جل عمره ناشطا فى مجال الدعوة مشغولا بالشأن السياسى لم يخف طموحه فى إعادة طبع الرسالة لنشر نتائج بحثه، وعدم الاكتفاء بتوصية الجامعة طبع الرسالة على نفقتها وتبادلها مع جامعات العالم، سعيا وراء نشر جهده الذى تعطل لعقود.

العودة إلى الفلسفة
خلف مكتب مزدحم بالأوراق اختار اللواء منير شريف أن تكون جلسته المفضلة فى هذه المساحة من المنزل، حيث يعود بعد أداء الرياضة الصباحية إلى أوراقه وقراءاته التى زاد عليها مؤخرا أعباء الدراسة، يشير بيده إلى رزمة أوراق أمامه موضحا: «هذا آخر كتاب قمت بترجمته»، ثم يشير إلى دفاتر أخرى جواره قائلا: «أما هذه فهى كشاكيل المحاضرات الجامعية، مرتبة ومكتوبة بنظام ودقة». هذه الدفاتر شاهدة على التزامه وانضباطه فى حضور محاضرات السنة التمهيدية بقسم الفلسفة فى جامعة القاهرة، أما الآن فكل ما يحتاجه هو تجاوز هذه السنة لاستعادة حلمه القديم فى الحصول على دكتوراه فى الفلسفة.
«نشأت فى بيت يهتم بالشعر والموسيقى والقراءة، ومنذ مرحلة الدراسة الإعدادية وأنا حريص على قراءة المقالات الصحفية الرصينة، وبدأ ينمو بداخلى هذا السؤال الجدلى: لماذا تأخرنا وتقدم الغرب؟ ووجدت ضالتى فى دراسة الفلسفة، لكن كان علىّ أن أؤجل تلك الرغبة إلى حين».
لم تقبل الأسرة أن يلتحق ابنها بدراسة الفلسفة لأنها حسب تصورهم قد لا تؤمن مستقبله المهنى، وكان البديل هو الالتحاق بكلية الشرطة. اليوم يشعر الضابط المتقاعد بالرضا عن حياته الوظيفية التى أداها، وعلى جدار غرفة المكتب وسام ناله أثناء عمله فى الشرطة تجاوره شهادة أهم، هى ليسانس الآداب من قسم الفلسفة لعام 1970.
ويوضح: «بعد عملى فى الشرطة اخترت العودة إلى الجامعة والدراسة فى قسم الفلسفة، وكان يلح علىّ السؤال القديم نفسه: لماذا نتأخر ويتقدم الآخرون؟ وعرضت على الدكتور إبراهيم بيومى مدكور بعد تخرجى مباشرة موضوعا لرسالة الماجستير عن نقد العقل العربى، وبعد مناقشات توصلنا إلى اختيار موضوع آخر يمهد له».
منذ تلك الفترة قبل أربعة عقود صدرت العديد من الكتابات حول «نقد العقل العربى» بعضها يحتفظ به فى مكتبته التى عمل على فهرستها بشكل احترافى، لكن تفاصيل حياة ضابط الشرطة خاصة حين ينتقل إلى أجهزة ذات طابع خاص قد تعيق تفرغه للبحث والدراسة، يعترف أنها حياة أكسبته اهتماما بتفاصيل الواقع والمجتمع، لكن الحقيقة الأخرى أنها تسببت فى منعه من دراسة الماجستير لوقت طويل!
أمام مكتبه شهادة أخرى نالها من أكاديمية الفنون فى النقد الفنى تحقيقا لشغف آخر بالسينما وولع مستمر بفكرة النقد، يقول: «بعد أن تركت الشرطة فى الثمانينيات انتقلت لعمل إدارى منهك فى إحدى الشركات،
هذه الدبلومة حصلت عليها فى المسافة الطويلة بين ترك رسالة الماجستير فى السبعينيات والعودة اليوم إلى الجامعة».
لم يدفعه فى هذا الطريق فقط الشغف العلمى بل زوجة رافقته لأكثر من ثلاثين سنة، ما زالت صورتها حتى اليوم معلقة فى المنزل رغم رحيلها وارتباطه بزوجة جديدة متفهمة، ورغم ذلك يقول: «أبنائى ليسوا على الدرجة نفسها من الاهتمام، ربما تكون ابنتى هى الأقرب إلى هذا الطريق».
مع العام 2005 كانت استراحة من الأعباء الوظيفية بعد تجربة العمل فى الشرطة وسنوات من العمل الإدارى التقليدى، عاد بعدها بقوة إلى مكتبته، فحسب قوله «الجلوس فى هذا الركن مع القراءة أفضل من تضييع الوقت فى جلسات النميمة بين المسنين». لم يكتف بهذا النشاط المحدود بل بدأ الدخول إلى مجال الترجمة، وأصدر ثلاث ترجمات عن المركز القومى للترجمة لكتب علمية مهتمة بنشأة الكون وفلسفة العلم، وبدأ فى عقد لقاءات أقرب إلى الصالون الثقافى فى منزله ليلتقى بأدباء وإعلاميين وعلماء.
وحين عاد مؤخرا إلى الجامعة فى سن السبعين، رأى عالما آخر غير الذى تركه فى السبعينيات: «المشهد كان صادما بالنسبة لى بين بؤس الطلبة، وتشتت أغلبهم فى طرقات المبانى وممرات الجامعة، الحياة الأكاديمية بشكل عام أصبحت أكثر ترهلا، لم تكن تلك هى الصورة نفسها التى أردت الالتحاق بها فى الماضى».
بين زملائه الصغار يجلس الطالب السبعينى مرتديا الجينز وقبعته الرياضية منصتا إلى محاضرات الأساتذة، يستطيع بمهارة الاندماج وسطهم بل الاطمئنان عليهم، متابعا تفاصيل عالمهم المختلف.
أحد الأبحاث التى يعمل عليها ضمن بحوث السنة التمهيدية يطمح أن يكون نواة أطروحة الماجستير حول حق الرعية فى مقاومة الاستبداد. وبين ازدحام مكتبه بالصور والشهادات والكتب لم تكن هناك لوحات كثيرة تحمل حكمة أو مقولة، ربما لو كان هناك مكان لمثل تلك اللوحة المفترضة، ستكون لوحة تحمل الحديث الشريف الذى ردده فى جلسته: «إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها».

كلمة السر: النوبة
يكاد يكون ملما بجميع تفاصيل المكان داخل النادى النوبى العام بميدان التحرير فى القاهرة، بدأ حديثه بعرض سريع للأنشطة ودور الجمعيات النوبية الفرعية المنتشرة فى أحياء العاصمة، لم تنجح ملامحه المسنة فى إخفاء روحه الشابة، كانت كلمة السر التى توقظ حماسه هى «النوبة».. حيث تنتمى الجذور والأصول، وهى الكلمة نفسها التى دفعته إلى استكمال دراسته فى سن السبعين.
قبل أربع سنوات انضم مصطفى عبدالقادر إلى طلبة المعهد العالى للفنون الشعبية التابع لأكاديمية الفنون، حسب تأكيداته لم يجد أى عوائق أو حرج فى تواجده وسط طلبة الدراسات العليا آنذاك، يعلق على ذلك مبتسما: «كنا دفعة مكونة من 12 طالبا كلهم من سن أولادى، مازلنا نتبادل علاقات الود والصداقة حتى الآن، لكن كان اختلافى عنهم هو هدفى الواضح منذ البداية، ففى كل بحث نقدمه كنت اختار موضوعا عن النوبة.. كنت ألعب فى ملعب لا ينافسنى فيه أحد».
فارق السن لم يمنع «الأستاذ» مصطفى من تبادل الكتب والملخصات الدراسية مع بقية زملائه من الشباب، قد تكون هيبة الزميل الأكبر سنا عاملا مساعدا فى صنع تلك الحالة من التوازن أو ربما هى جديته الواضحة.
طوال السنوات الماضية منذ تأسيس المعهد العالى للفنون الشعبية عام 1981 اعتمد على تقديم خدمة تعليمية تقتصر على طلبة الدراسات العليا مدتها عامان، حتى تبدل الموقف مؤخرا فى العام 2008، حين بدأ فى استقبال طلبة المرحلة الجامعية الأولى.. تلك الطبيعة أوجدت طلبة فى أعمار كبيرة. يوضح الدكتور ــ سميح شعلان ــ عميد المعهد وأحد الأساتذة المشرفين على رسالة الماجستير للباحث مصطفى عبدالقادر: «كان المعهد يقتصر على حملة المؤهلات الجامعية، أنا نفسى تخرجت فى كلية الآثار وعملت فى هيئة قصور الثقافة لأكثر من 11 سنة انتقلت بعدها إلى الكادر الأكاديمى فى المعهد، لذلك كبر السن لم يكن أبدا أمرا مستغربا لدينا».
لم يخف الدكتور شعلان أن كبر السن أحيانا ما يكون ميزة فى طلابه، إذ لا يشغل الباحث وقتها سوى موضوعه، فلا يتسرع أو يندفع لإنجازه ولا يشغله الطموح الأكاديمى».
فى حالة الأستاذ مصطفى تحديدا كان هناك عامل آخر يوضحه الدكتور شعلان: «تمسكت به لجديته وقربه من الموضوع الذى يعمل به».
فى حديثه لا يشغل مصطفى عبدالقادر نفسه بانطباعات الآخرين، بل يرى فى رسالة الماجستير تتويجا لاهتمام دام عقودا طويلة، من خلال نشاطه الثقافى فى جمعية أدندان ــ اسم القرية النوبية التى ينتمى إليها ــ حيث كان يفد عليه الباحثون العرب والأجانب كأحد حافظى التراث النوبى وأحد الذين شهدوا بأعينهم تجربة تهجير القرى النوبية عام 1964 قبيل افتتاح السد العالى جنوب أسوان.
بذاكرة واعية يعدد أسماء الباحثين العاملين فى تخصصه، ويعلق: «كل الباحثين الأجانب الذين مروا علينا فى الجمعيات النوبية ألاحظ بعد قراءة أعمالهم فجوة ما، سببها صعوبة توصيل المعانى عبر الترجمة. فهل لأن الباحث دكتور علينا أن نسلم بجميع أعماله؟ لو أعطانى الله عمرا سأعمل على الدكتوراه».
يستطيع الآن مصطفى عبدالقادر أن يشعر بالرضا، فرسالته ستحوى جزءا توثيقيا لهذا التراث، كما أسهم فى السابق من خلال جمعية أدندان النوبية فى حفظ هذا التراث عبر نقله إلى الفرق الغنائية التى تجد متنفسا لها الأفراح النوبية.
بعد تخرجه فى كلية التجارة عام 1967 اندمج داخل الحياة الوظيفية بدءا من مبنى ماسبيرو فى إدارة شئون الأفراد ثم أسفار إلى السعودية والإمارات، لكنه استغل وجوده داخل ماسبيرو فى المشاركة فى فقرة «من وحى النوبة» أثناء حقبتى الستينيات والسبعينيات من خلال راديو «صوت العرب».
وألف أغان نوبية عدا تلك التى يحفظها عن ظهر قلب، وفى العام 1988 حاول الالتحاق بنفس المعهد لكنه لم يكمل دراسته، ولا يخفى مرارته إذ يقول: «فى النهاية أنت مضطر إلى السعى وراء رزقك، وتأجيل طموحك قليلا». أحد خريجى هذه الدفعة التى تركها مصطفى عبدالقادر هو أستاذ مشرف على رسالته الحالية التى ينتظر مناقشتها خلال أيام.
يصعب تجاهل حماسه وهو يتحدث عن استكمال مشروعه، فبعد عامين من الدراسة الميدانية فى قرى التهجير التى نشأ بها بحثا عن «اختلاف مظاهر الزواج بين قبيلتى الكنوز والفاديجا النوبيتين» يخطط من الآن لفكرة الدكتوراه التى يشرحها: « تحدثت مع أساتذتى عن مشروعى البحثى الجديد حول تأثير التهجير على عادات النوبيين». الموضوع هو جزء من حياته، فقد عاش طفلا فى النوبة، وانتقل بعدها إلى الصعيد، ذلك الجزء الذى لا يفارقه رغم إقامته فى القاهرة.

تعريف
يتشابك مصطلح التعلم مدى الحياة
Lifelong learning
مع مفاهيم أخرى متعلقة بتعليم الكبار فى مجال محو الأمية أو تنمية المهارات أثناء الحياة العملية، لكن يظل أهم ما يميز هذا المصطلح هو البعد عن التعليم النظامى التقليدى ليمتد على مدى عمر الفرد، وبدأت الكثير من الدول فى تنمية هذا الاتجاه، وفى اجتماع هيئة المجتمعات الأوروبية ببروكسل عام 2006 أعلنت الهيئة تعريفا للتعلم مدى الحياة على النحو التالى: «كل أشكال التعلم التى يمارسها البالغون بعد ترك مراحل التعليم الأولى وما يصاحبه من تدريب». وفى كتابه «تطوير المدرسين: تحدى التعلم مدى الحياة» دعا مؤلفه كريستوفر داى إلى أن ينمى المعلمون ذلك الحس لدى طلبتهم وإقناعهم بعدم الاكتفاء بدراساتهم التقليدية.
وفى ظل قواعد التنافسية التى تسيطر على سوق العمل بدأ هذا التيار يتسلل إلى داخل المؤسسات التعليمية المصرية فى مراكز التعليم المفتوح إلى جانب نشر مشروعات تنمية مهارات العاملين فى أماكن عملهم. ورغم أن المصطلح قد يبتعد عن صورة الطالب الكبير الذى يعود دارسا إلى الحياة الجامعية تحديدا لأسباب شخصية أو مهنية لكنه يطرح صورة أشمل، فالتعلم ليس مجرد شهادة بقدر ما هو تنمية للفرد.

Thursday, April 1, 2010

السلطان أبو العلا ينادي أبناءه

من بولاق إلى النهضة والعكس
كتب – عبدالرحمن مصطفى
إلى جوار مسجد صغير في منطقة ماسبيرو على أطراف حي بولاق أبو العلا، يسند الحاج عبد العال غانم كرسيه إلى الحائط مستمتعا بوجوده بين الأهل والجيران، بيده عصا غليظة تدعم موقفه كرجل سبعيني ليس في قدرته تحمل المفاجآت، بإمكانه اليوم أن يرى من موقعه هذا أطلال منزله القديم وخرائب أخرى كانت منازل جيرانه القدامى.
"عدت إلى بولاق لأني لم أحتمل الإقامة في مدينة النهضة بعيدا عن عائلتي وجيراني، فلا أعرف أحد هناك، ولم آمن على نفسي من البلطجية ".
الحاج عبدالعال هو واحد من عشرات الأسر التي أعلنت محافظة القاهرة قبل أسابيع عن أنها استلمت شققها في مدينة النهضة عوضا عن هدم منازلهم الآيلة للسقوط، تلك المساكن يصنفها مسئولو الحي تحت بند "الخطورة الداهمة"، و ما زالت هناك المئات من الشقق التي وفرتها المحافظة في انتظار انتقال سكان هذه الناحية من بولاق إليها تمهيدا لإزالة منازلهم البائسة وتحويلها إلى أطلال مثلما تم مع من قبلهم.
قد تبدو الأمور بسيطة وتقليدية للوهلة الأولى، وأن هذه المساكن البديلة ستلقى قبولا لدى الأهالي، وانه من السهل أن يطووا صفحة بولاق من ذاكرتهم ويفتحوا صفحة جديدة مع مدينة النهضة القابعة على أطراف القاهرة. لكن الواقع مختلف تماما، تكفي جولة بين شوارع وحواري منطقة مثلث ماسبيرو المطلوب إزالتها ناحية ميدان الشهيد عبدالمنعم رياض كي تكشف عن وجه آخر للمسألة.. الجالسون هناك بين المنازل المتردية انفعلوا وتصدى بعضهم لاقتراح عناوين صحفية عن حالتهم : "لن نترك بولاق إلا جثثا هامدة"، "لا لهدم بولاق"، "حياتنا هنا.. فإلى أين نذهب؟"، هذه العبارات المتنوعة ذكرها الذين لم ينتقلوا بعد إلى مدينة النهضة وما زالوا في انتظار الإزالة، كان الرفض واضحا لفكرة الابتعاد عن الترابط العائلي ومصادر أرزاقهم التي استقروا فيها هنا.. الخطة البديلة للهروب من البقاء في مدينة النهضة هي التي فعلها الحاج عبدالعال، باع شقة المحافظة، وتحمل الرجل السبعيني تجربة الانتقال لسكن آخر على أمل أن يكون قريبا من أبنائه في بولاق، يقول : "بعت شقة المحافظة بمبلغ أقل من قيمتها، وانتقلت في البداية إلى بولاق الدكرور، ثم إلى كفر طهرمس ناحية شارع فيصل بحثا عن سكن أفضل، لكن معاشي الشهري لا يتجاوز الثمانين جنيها، واحتاج أنا وزوجتي إلى الخدمة، لذا آتي هنا للمبيت في منزل ابنتي الضيق في بولاق، وأستأنس بأهلي وأقربائي".
قصص من تركوا بولاق وانتقلوا إلى مدينة النهضة زادت الباقين في بولاق تمسكا بموقفهم في رفض أي شقة بديلة حتى إن كانت منازلهم آيلة للسقوط.. أبو وليد أحد القاطنين في بيت بدائي بنفس شارع محمد قاسم المطل على ميدان الشهيد عبدالمنعم رياض، يشير بيده إلى إحدى الخرائب التي تتوسط منزلين من نفس النمط البسيط، ويقول : " حين استلم أصحاب هذا المنزل المتهدم شقتهم في مدينة النهضة اكتشفوا أن عليهم أن يبدؤوا رحلة جديدة من إتمام السباكة والكهرباء والدهان وأمورا لا يقدرون عليها ماليا، واكتشفوا حياة أخرى غير التي في بولاق، وما زالوا يعانون".
في حالة أبو وليد لم يكن الاهتمام منصبا على الأمور المادية فقط، بل بفكرة التواصل الإنساني التي سيفقدها حين يترك منزله الآيل للسقوط، يضرب مثلا بحالة ابنه المعاق ذهنيا الذي جاوز الثلاثين حيث يساعده جيرانه في رعايته حتى أنهم يعيدونه إليه إذا ما ضل الطريق، يقول أبو وليد : "لن أجد هذا الدعم إذا ما انتقلت إلى النهضة.. في الصحراء".
الانتقال إلى سكن المحافظة في مدينة النهضة تحول إلى غول في أذهان بعض السكان هنا، خاصة مع الروايات التي يتبادلها المنتقلون حديثا وزوارهم من أهالي الحي، أحد سكان نفس الشارع يقسم أنه تعرض للسرقة أثناء زيارة والدته في مدينة النهضة.. ويرفض ترك بولاق وميزة السكن وسط القاهرة. بل وصل الحال بشخص مثل أبو وليد أن وقع تعهدا على نفسه بتحمل المسؤولية في حالة ما إذا تهدم العقار وتأذى أحد سكانه.. خاصة أن قبول الانتقال - حسب قوله - قد يدفعه إلى أن يبقى فترة بلا مأوى حتى يستلم شقته الجديدة وينهي إجراءاته.
في الأسابيع الماضية تبنت بعض الكتابات الصحفية حملة عن "بولاق التي تنهار"، و"أهالي العشوائيات الذين يقفون ضد تطوير منطقة ماسبيرو"، وهو ما يجعل تواجد أي صحفي داخل الحي أمرا مثيرا لخيبة الأمل لأنه يذكرهم بمصيرهم المحتوم، فمنذ أكثر من ثلاثة عقود طويلة والجميع يعرف أن المستقبل سيكون لإزالة هذه المنطقة الغنية التي يصل المتر فيها إلى حوالي 30 ألف جنيه، الخطة هي تطوير المنطقة كي تتواءم مع مشهد تبرز فيه مباني هيلتون رمسيس و ماسبيرو و وزارة الخارجية. ومنطقة مثلث ماسبيرو هي واحدة من عدة مناطق في حي بولاق من المتوقع إزالتها عاجلا أم آجلا، وذلك ضمن خطة تطوير القاهرة الكبري حتي 2050، التي يسعى أحد مشروعاتها إلى تطوير "الواجهة النيلية" و تحويل هذه المناطق إلى مركز سياحي وترفيهي وإداري وإنشاء أبراج إدارية وخدمية وسياحية بنسبة بناء لا تزيد عن 20% والباقي حدائق ومتنزهات. هذه القصص يعلمها جيدا بعض السكان، وتشعرهم بالمرارة، وما يزيد إحباطهم أن المنطقة في الأصل هي "أراضي حكر"، أي أن الساكن ليس مالكا للأرض، وإذا ما تهدم المنزل انتزعت منه الأرض، لذا لم يبتعد السكان كثيرا عن الحقيقة في تكرارهم الملح على عبارة "المنطقة متباعة"، فهناك شركات تعاقدت على تطوير المنطقة وإنشاء المشروعات بعد إزالة المساكن الآيلة للسقوط.
يعلم اللواء علي صدقي رئيس حي بولاق أبو العلا أن لهذه المنطقة خصوصية، وحسبما أكد هو فهو يعلم أيضا طموحات بعض السكان يقول : "بعض السكان يطمح في إنشاء مساكن على نفس الأرض مثل مساكن زينهم، لكن المتاح لي الآن هو مساكن النهضة".
سياسات الحي مع تزايد تسليط الأضواء على المنطقة أصابت البعض بالربكة، البعض بدا موافقا على فكرة الانتقال، وآخرون رفضوا رفضا عنيفا، وهناك من يطرح اقتراحات بديلة، لكن الحملة الإعلامية التي بدأت تضع بولاق داخل واجهة الإحداث والتركيز على أخبار نقل السكان و انهيار عقارات أصبحت تزيد البعض حنقا خاصة مع نشر الصحف مؤخرا دراسة أنهتها محافظة القاهرة مؤخرا في أعقاب انهيار أحد العقارات المجاورة لقسم الشرطة - انتقل سكانه أيضا إلى مساكن النهضة - ونشرت الدراسة في الصحف تحت عنوان : 29% من سكان بولاق أبوالعلا يستخدمون دورات مياه «مشتركة».. و35% يسكنون في شقق 10 أمتار. لكن رغم ذلك مازال هناك من يرفض الانتقال إلى مساكن مدينة النهضة التي أصبح من الواجب استطلاع أجوائها هناك.

الطريق إلى النهضة
تأخذ الرحلة من موقف عبدالمنعم رياض على بعد أمتار قليلة من أطراف بولاق ما بين الساعة والساعتين، قد تزيد حسب الحالة المرورية، وحين يستلم المهاجرون حديثا مساكنهم الجديدة يسيرون في موكب تحميه سيارات الشرطة وجنود الأمن حماية لمتاعهم من السرقة وتنفيذا للإجراءات الإدارية، المشهد مثير للفضول في مدينة نهضة حين وقفت السيارات أمام مكتب التسكين لإنهاء إجراءاتهم.. أما على أرض الواقع الجديد فلا شيء هنا يشبه المزاج البولاقي، الشوارع فسيحة وتفرق بين البلوكات على عكس الحواري الضيقة، بعض المساكن تحيط بها مساحات واسعة من الصحاري، كل شيء يدعو إلى القطيعة مع من حولك، قد ينتقل البولاقي إلى "بلوك" فيجاوره القادم من باب الشعرية أو الزاوية الحمراء أو الشرابية أو الدرب الأحمر.. تلك هي المناطق التي يتولاها مكتب تسكين (3) بمدينة النهضة الذي يستقبل البولاقيون أيضا.
لم تتضح معالم مدينة النهضة بشكل واضح حتى الآن، تعبير "المفارق" هو أشهر التعبيرات هنا في الإشارة إلى تقاطعات الشوارع، وبعيدا عن الميكروباصات التي تنقل ساكن النهضة إلى خارج المدينة، فقد غابت التاكسيات مفسحة المجال إلى السيارات النقل المغطاة التي تحولت إلى عربات نقل جماعي، بعضها حمل لافتات مرورية "نقل أسيوط"، وأخرى "نقل الشرقية".. وبعض السيارات الملاكي احتلت محل التاكسيات في المدينة.
"الحال الآن في النهضة أفضل بكثير عن 17 سنة مضت حين انتقلت إلى هنا من بولاق، اليوم حياتي استقرت عن ذي قبل" لم يعرف خالد السني من أين يبدأ قصة انتقاله من منطقة ماسبيرو قبل 17 سنة بعد الزلزال الشهير إلى مدينة النهضة، لم يخف المرارة أثناء حديثه، فما زال أهله يقطنون شارع الشيخ علي قرب ماسبيرو، أما هو فمشغول في عمله الحالي كسائق ميكروباص بين موقفي بولاق الدكرور في شارع السودان و مدينة النهضة، بعيدا عن بولاق وشارع الشيخ علي.
"كنت مجرد عريس جديد يستعد للاستقرار ويعمل في ورشة بنفس الشارع، وطلب الحي بعد الزلزال إزالة الدورين الثالث والرابع في منزلنا، وكان البديل هو شقة النهضة". لم يسانده أحد في هذه الرحلة، في البلوك الذي يسكن فيه تبدل السكان عدة مرات وبيعت الشقق، وأحيانا ما يجاوره الخبيث أو الطيب، أما المهمة الأصعب فكانت إعادة تجهيز شقته من سباكة وطلاء وكهرباء وغير ذلك، يقول : "على مدار كل تلك السنوات كنت أجهز الشقة مرحلة مرحلة".
لم تكن معارك خالد فقط مع تفاصيل الحياة الجديدة، بل مع ما حوله من غربة، دخل صراع ومعارك لمدة ثلاث سنوات مع من أرادوا إعلاء المسجد المجاور عدة أدوار وهو ما سيكشف حرمة منزله، تعرض لصراعات وتهديدات من الأعراب المجاورين، وهي أمور لم يكن ليراها في بولاق، ويصف ذلك : "في بولاق أعرف تاريخ كل شخص وأهله، وهناك مراعاة للكبير الذي يتدخل ليحسم الكثير من المشاكل، لكن هنا لم أجد سوى الاحتماء ببيتي، والبعد عن الجميع إلا في حدود العمل".
يعلم خالد أن ما قام به الآن ربما ما كان ينجزه لولا أنه بدأ في العشرينات حتى بدا اليوم مستقرا كرجل أربعيني يعمل من أجل أسرته. على عكس الحاج عبدالعال الذي كان مؤذن مسجد أل البيت في بولاق و يأتي بشكل شبه يومي كضيف للاستئناس بأهله وعشيرته الأقربين.
بيت أم أمينة
على عتبة بيت الحاجة أم أمينة خلف الوحدة الحزبية بشياخة شركس ببولاق تجمع بعض الأهالي للحديث عن جانب آخر لا يراه الداعون إلى تهجير السكان من الحي، محمد ياسر كان أكثرهم اندفاعا وصلابة، استعان بإشارات يده كثيرا أثناء تأكيداته أنه لن يرحل حتى إذا مات أمام منزله، ويوضح جانبا آخر : "لن أترك عملي من أجل شقة جديدة، وأؤكد لك أن سبب تمسك الناس هنا بالمكان أنهم يجدون الدعم المادي من أهل الخير والجمعيات.. فلا أحد ينام جائعا، وهناك تعاون وتقدير لحالة الفقير، ولا ينام أحد جوعانا، لن تجد هذا في مدينة مثل النهضة".
أثناء حديثه حاول رجل في جلباب بسيط أن يشاركهم الحديث، لكن الجميع حاول منعه بقوة، هو الحاج عبدالمحسن غريب من سكان شارع محمد قاسم.. اتضح أن السبب أنه أعلن رغبته في ترك بولاق، لكنه أجل خطة انتقاله لأن الحي يرغب في التنفيذ فورا، بينما هو لا يستطيع تشتيت أبناؤه أثناء الدراسة.
في تلك الحالة من التخبط بين من استسلم لشقة جديدة، ومن يريد البقاء حيث مصادر الخير، يتاجر السماسرة بهذه الأحلام، حيث يأتي السمسار الذي ينهي إجراءات تسلم الشقة مع الحي، مستغلا أن البولاقي لن يسكن في النهضة فيبيعها له السمسار بأي ثمن، ويعطيه نقدية، يعلق محمد ياسر : "الناس هنا غلابة، بعضهم أمسك آلاف الجنيهات لأول مرة في حياته، هذه هي نقطة الضعف".
ليست منطقة مثلث ماسبيرو فقط هي التي تعتمد شريحة من سكانها على تلقى المساعدات الخيرية، بل منازل أخرى تنتظر الازالة منها "سنتو" في رملة بولاق، على الجانب الآخر من مئذنة السلطان أبو العلا وعلى بعد مئات الأمتار من ميدان التحرير وماسبيرو، هناك مساكن أسوا حالا تستقر خلف برجي أركيديا والنايل تاورز، أحد معالم المكان هو "جمعية الخدمات الاجتماعية ببولاق" التي أسستها السيدة السويسرية إلزا ثابت في الأربعينات لتنمية حي بولاق، ثم انتقلت في عام 1975 إلى مقرها الحالي في رملة بولاق، وأصبح اسمها الشعبي هو "نادي جيهان" نسبة إلى السيدة جيهان السادات.
داخل الجمعية تظهر مفارقة واضحة، طابور طويل من الأطفال خرجوا لتوهم من الحضانة المجانية لسكان المنطقة، على عكس مشهد آخر لأطفال في الخارج من العاملين في الورش يفتقدون الإحساس بالطفولة، محاولات السيدة إلزا ثابت التي توفيت قبل عدة أعوام لم تضع هباء حسبما ترى برلنتي عبدالعزيز مديرة الجمعية، وتقول : "بعض الأهالي من تلك المناطق تعلموا حرف، إضافة إلى ما تقدمه الجمعية من دعم مباشر للأسر الفقيرة وكفالة اليتيم وغيرها".
أمام المبنى الرئيسي سيدات في جلاليب سوداء أتوا لنيل هذه المساعدات، كانت الحاجة نادية واحدة منهن قبل عدة سنوات فقط، لكنها اليوم ترتدي زي "الدادة" وتعمل داخل الجمعية، وهي إحدى سكان منطقة سنتو في بولاق التي تتشارك مع ماسبيرو في أن مبانيها تنتظر الإزالة، حيث يحيطها أقربائها من كل جانب.. تقول : "هنا عملي وعمل أبني، في الماضي كانت هناك عشش ودفع أحد رجال الأعمال مبالغ مالية لتشجيع الناس على الرحيل واختيار سكنهم، لكن فكرة التهجير إلى النهضة أو غيرها ليست واردة في ذهني أبدا، هنا ناس وطنت حياتهم وطوروا أنفسهم ووصل ببعضهم أن عمل في مشروعات صغيرة بالتعاون مع الجمعية من منزله.".
فكرة دفع التعويضات المباشرة ليست جديدة، وكانت مطروحة في منطقة مثلث ماسبيرو، لكن السكان لديهم اقتراحات أخرى، كمال عبدالوهاب الصحفي و أاحد سكان منطقة ماسبيرو، يسكن في منزل أفضل حالا يطل منه على شارع الجلاء قرب موقف الشهيد عبدالمنعم رياض، كان اقتراحه : "اعطوا الناس أموالا ودعوهم يختاروا السكن الذي يريدونه"، أما الحل الذي طرحه عدد من السكان أثناء تقديمهم عريضة ضد أي أعمال إزالة هو بناء مساكن في نفس الحي على غرار مساكن زينهم التي قامت واحتوت سكان العشش القدامى في السيدة زينب، لكن طموحات أهالي بولاق تبدو بعيدة جدا عن خطط الحكومة، وهو ما يصيبهم بالحنق خاصة حين يقارنون أنفسهم بالرأسمالية البولاقية المتمثلة في تجار سوق العصر ووكالة البلح الذين لا يصبهم شيء من هذا القلق، يسأل كمال عبدالوهاب : "وماذا إذا ما أزالوا منطقتنا المطلة على موقف عبد المنعم رياض، أليس هناك مساكن بسيطة أخرى داخل بولاق؟ لماذا لا يتحدث عنها أحد؟"، الاجابة تكمن في أن منطقتهم أرضي حكر قديمة، ولا يملكونها.
كل الطرق تشير إلى أن الانتماء البولاقي لا يزول بسهولة، سواء كان عند الحاج عبدالعال السبعيني الذي عاد بعد رحلة من الانتقالات إلى مجلسه في بولاق، أو لدى خالد السنى الذي اندمج في مدينة النهضة ولم تفارقه صورة الحي القديم الذي نشأ فيه، أو لدى أولئك الذين يدافعون عن موقفهم بعدم التنازل عن تواجدهم في بولاق، مستمدين المدد من السطان أبو العلا صاحب الجامع الشهير في بولاق الذي ظل في موقعه منذ مئات السنين يتلقى شكايا الأهالي، ويعاند الزمان.
ملحوظة: هناك اختلافات بسيطة بين المادة هنا والموضوع المنشور في الجريدة لأسباب تحريرية

Thursday, March 25, 2010

روافد متعددة لنهر واحد

عبدالرحمن مصطفى
تصوير: محمد حسن

البحث داخل ملفات الحوادث الطائفية دائما ما يبرز عبارات من نوعية: «نزاع حول أراض بسبب بناء كنيسة»، أو «شجار تحول إلى معركة طائفية». بينما تأتى الملاحظات بصورة هامشية عن ثقافة من ارتكبوا هذه الحوادث أو المتعاطفين معهم، إلا أنه قد أطلت مؤخرا مفردات واضحة فى سلسلة الحوادث الأخيرة تحمل سمات تلك الثقافة وتقدم وجها آخر لأسباب وقوع تلك الحوادث منها: «الثأر»، و«جرائم الشرف»، وكأن الذهن الطائفى لم يعد يقدم نفسه عن طريق الدين فقط، بل عن طريق المفردات الشعبية مخفيا مشكلات اجتماعية أعمق.
فى عام 1981 وقف الرئيس الراحل محمد أنور السادات أمام مجلسى الشعب والشورى وتناول فى خطابه الأحداث الطائفية التى عرفت فيما بعد بــ «أحداث الزاوية الحمراء» ووضعها فى سياق فهم شعبى، حين ذكر بالنص أن الحادثة: «لا هى طائفية ولاحاجة أبدا.. ناس عايشين فى حتة واحدة.. وفى مرة اتخانقوا واتصالحوا».
وذكر أن التحريض الدينى من المتشددين هو السبب وراء تصاعد هذه الحادثة، وهو ما استغله معتادو الإجرام فى النهب وممارسة العنف. لم يكتف فى خطابه بذلك بل أضاف أن مثل تلك الحوادث تجرى «كل يوم داخل العائلة الواحدة وداخل البيت الواحد وداخل القرية الواحدة».
وكأن هذا الحادث جزء من ثقافة الشجار التى تنشب بين الجيران وما يصاحبها من تحالفات.. قد تبدو هذه الفقرات للوهلة الأولى بسيطة وساذجة، إلا أنها لم تبتعد كثيرا عن الواقع السائد فى تلك الفترة حين بدأ نمو المناطق العشوائية المتحولة من الطابع الريفى إلى الطابع الحضرى، وكانت منطقة الزاوية الحمراء إحدى هذه المناطق.. فى تزامن مع الترويج لمفاهيم استخدمتها القيادة السياسية مثل العيب، وتشبيه الرئيس بعمدة القرية!
فى كتابه «سياسات الأديان» (دار ميريت، 2003) يتجاوز نبيل عبدالفتاح ــ الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ــ هذه الحقبة وما بعدها فى الثمانينيات والتسعينيات لارتباط أكثر حوادثها بالجماعات الإسلامية المتطرفة، حتى وصل إلى أحداث الكشح فى عامى 1999 و2000 بمحافظة سوهاج، حيث ما اعتبره نقطة مفصلية فى الحوادث الطائفية بالعودة إلى العنف الجماهيرى ذى الروح الطائفية. ولم يستبعد المؤلف عنصر الثقافة الشعبية كأحد أسباب ذلك التحول، فذكر أنه «قد شاع نمط من التدين الشعبى ركز على الطقوس والشكليات بعيدا عن الدين، وغابت فيه صورة الطرف الآخر». وهو ما استمر فى عدد من الحوادث التالية للكشح سيطرت عليها الروح العائلية وأديرت بشكل عشائرى.
المفارقة أنه بعد حادث الكشح بعامين شهدت المحافظة نفسها حادث قتل جماعى (ثأر) داخل قبيلة واحدة جميع أفرادها من المسلمين، تلك الجريمة لم تختلف بشاعتها عن الحوادث الطائفية الكبرى، وهو ما يدفع إلى تساؤل حول كون ثقافة الثأر والعشائرية أحد روافد تكرار تلك الحوادث الطائفية!؟.
يعارض هذا الرأى الدكتور عبدالرءوف الضبع ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة سوهاج ــ ويرفض تحديدا أن تكون الطائفية الدينية قد حلت محل القبيلة بما يتبع ذلك من ظهور الثأر أثناء النزاع والخضوع للعرف بدلا من القانون، ويوضح: «المشكلة أبعد من هذا نظرا لغياب مفهوم الوطنية، فقديما كانت هناك نماذج وطنية فى الصعيد مثل مكرم عبيد وويصا واصف وغيرهما، وكان القائد يستمد شرعيته من الشرعية الوطنية، وليس من مداعبة الحس الدينى وسط تراجع الفكر المستنير».
فى جريمة نجع حمادى التى جرت فى بداية هذا العام عشية عيد الميلاد المجيد وأطلق فيها النار على كنيسة المدينة، تبنت عناوين الصحف رأيا مفاده أن الجريمة حادث (ثأر) مبنى على فكرة الانتقام للشرف، حيث راجت قبل الحادث قصة اغتصاب فتاة مسلمة على يد مسيحى، لكن الدكتور عبدالرءوف الضبع يعود مرة أخرى لينفى العلاقة المباشرة بين الشكل الطائفى والخلفية المرتبطة بالثأر للشرف حسبما أشيع، بل هناك أبعاد أخرى يذكرها: «هذه النوعية من الجرائم تنمو مع سوء الحالة الاقتصادية، ويكون السعى لفرض السيطرة على فئة من المجتمع هو تمهيد لنيل مكاسب اقتصادية أيا كانت الطرق، سواء بالابتزاز أو النهب أو غيرهما»، يدعم وجهة نظره أن حوادث أخرى طائفية من نفس الشكل جرت فى مدن مثل الإسكندرية بعيدة عن الفكر العشائرى القبلى وعن الثأر.
كانت مدينة الإسكندرية قد شهدت حوادث صادمة فى الأعوام 2005 فى حى محرم بك على خلفية بث مسرحية اعتبرها البعض مسيئة للإسلام، ووقعت حوادث أخرى فى عام 2006 سجل تفاصيلها أحد المدونين فى مدونته «جار القمر»، وذكر تفاصيل عن المشاركين فى تلك الأحداث الذين لم تحركهم الحماسة الدينية بقدر ما حركتهم النزعة الفوضوية ومحاولات فرض السيطرة والتخريب.

ابحث عن المرأة
من ضمن العناصر المتكررة فى الحوادث الطائفية مؤخرا هو استخدام المرأة كمبرر لتصعيد نزاع طائفى. كانت أشهر الاحتقانات قد بدأت عام 2004 مع انتشار نبأ اختفاء زوجة قس وتحولها إلى الإسلام، ثم توالت الحوادث التى يرتبط بطلاها بعلاقة آثمة أو زواج مع تحول دينى، مثل حادث قتل مسلم وإصابة زوجته المتحولة إلى الإسلام وابنها على يد أخيها بدافع الانتقام وذلك قبل عامين فى حى الأميرية الشعبى بالقاهرة. ولم تختف أخبار القلق الطائفى عند غياب فتاة وإشاعة أخبار عن هروبها أو تحولها إلى ديانة أخرى، وهو ما يتبعه الطمأنة الأمنية والمتابعة الصحفية حتى تنتهى بسلام.
الدكتورة سامية خضر ــ أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس ــ ترى استخدام المرأة بهذا الشكل الطائفى كجزء من سياق وثقافة عامة تروج للتدنى على جميع المستويات، وتقول: «فى مجال الإعلام هناك حالة من التدنى ترسخ المفاهيم المتخلفة فى المجتمع، منها وضع الريفيين والمرأة فى المجتمع، فبعد أن كنا نرى أعمالا تنويرية مثل أفلام دعاء الكروان والزوجة الثانية، أصبحت المرأة مهمشة فى ثقافتنا، خاصة فى الريف رغم المجهودات التى تسعى لرفع مكانتها، وهنا نسأل أين دور الدولة من الظواهر الجديدة على المجتمع؟ لماذا يتم التعامل معها متأخرا مثلما حدث مع ظاهرة النقاب وما صاحب ذلك من قرارات؟» .
تشير دراسة أعدتها الدكتورة نسمة البطريق ــ أستاذة كلية الإعلام بجامعة القاهرة ــ إلى جزئية التأثير الإعلامى السلبى من خلال الفضائيات الدينية الخاصة على الرأى العام، وكذلك دور الخطب الدينية ووصول أئمة غير مؤهلين إلى مجال الدعوة فى تنمية مناخ التعصب.
هذه الإشارات حول إسهام قادة الفكر الدينى فى الحوادث الطائفية ليست جديدة ففى عام 1972 صدر قرار كان الأول من نوعه بعد وقوع أحداث طائفية فى منطقة الخانكة على أطراف القاهرة بتشكيل لجنة تقصى الحقائق التى عرفت باسم رئيسها الدكتور جمال العطيفى، وأشارت اللجنة إلى نمو دور الجمعيات والمؤسسات الدينية فى هذه المنطقة بالشكل الذى زاد من الحدة الدينية هناك. ورغم المفارقة فى أن توصيات هذه اللجنة ما زالت متكررة حول إصدار قانون موحد لبناء دور العبادة وتفعيل دور الدولة فى هذا الشأن، إلا أن الأبعاد الثقافية فى مثل تلك الحوادث ما زالت بعيدة عن النقاش.
يرى أحمد سميح ــ مدير مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف المهتم بالملف الطائفى فى مصر ــ أن الثقافة الشعبية قد أصبحت إحدى أدوات التبرير لمثل هذه الحوادث، ويوضح: «يستعين الجناة ببعض المفردات التى تحظى بقبول شعبى مثل الدفاع عن الشرف أو حتى الثأر لمجرد تبرير تصرفاتهم، والكارثة أن يكرر البعض مثل هذه التبريرات، وهنا نتساءل عن دور الدولة فيما يتردد دائما عن تجديد الخطاب الدينى وتطوير الدعاة، رغم ما نلمسه من زيادة الشحن الطائفى داخل المساجد».
يكاد يجمع كل من الدكتور عبدالرءوف الضبع ــ أستاذ الاجتماع بجامعة سوهاج ــ والدكتورة سامية خضر بجامعة عين شمس على أن كل شىء فى هذا الملف لابد أن يعود إلى الدولة وأن تعمل على إعادة تشكيل الثقافة بشكل أرقى.
لكن بعيدا عن كل هذا فهناك من اختار حلا وقائيا لمثل تلك المشكلات بإعلاء قيمة التعاون التى تحمى مصالح جميع الأطراف وتدمجهم فى المستقبل. أحد هذه النماذج الحية تألقت الأسبوع الماضى داخل جمعية الصعيد للتنمية والتربية، حيث أقيم المعرض السنوى للوحات ومنسوجات وأعمال خشبية تعلوها أسماء من الديانتين لأصحاب المنتجات اليدوية من مركزى أخميم وحجازة بالصعيد.
يراهن المهندس نادر حسنى ــ مدير قطاع التنمية فى الجمعية ــ على أن مثل هذا العمل التنموى هو الذى يعدل ثقافة الإنسان، لأن الهدف أهم، ويقول: «فى الماضى كان اسم الجمعية هو الصعيد المسيحية، وخضعنا لإجراءات تسجيل الجمعيات حسب لوائح الدولة بإزالة الهوية الدينية، لكن بقى الهدف واحد وهو إقامة مشروعات تنموية لا تفرق بين الأديان».
داخل ورش إنتاج السجاد اليدوى فى أخميم التى بدأت نشاطها قبل عقود، من الصعب تمييز العاملين على أساس الدين، ففى المصنع الصغير غرفة مقسمة إلى قسمين للصلاة، يرتادها المسلم والمسيحي.
يشرح المهندس نادر بحماس أن الإنتاج والعمل هو ما يصنع الوحدة، وهو ما تحاول الجمعية تنشيطه داخل مدارسها أيضا، عن طريق المناهج المتطورة للطلبة، يقول: «فى فترة الثمانينيات بمدينة أبى قرقاص فى المنيا أثناء هجمات الجماعات الإسلامية على ممتلكات المسيحيين حاول بعضهم الهجوم على مدرسة تابعة للجمعية رغم أن نصف طلبتها من المسلمين، المفاجأة أن من تصدى لهم كان أولياء الأمور المسلمين، لأننا حين نتورط فى عمل واحد، وتتشابك مصالحنا ومصائرنا تتبدل ثقافتنا تدريجيا نحو الأفضل».

Sunday, March 21, 2010

مثلث كنتاكي

خلطة سرية من البشر
كتب – عبد الرحمن مصطفى
بإمكان أحمد شاكر أن يرى عالما مصغرا في تلك المساحة المثلثة جوار ميدان التحرير بين نهاية شارعي طلعت حرب و التحرير، فأثناء جلوسه جوار كابل الكهرباء العملاق يتابع تنوعا غريبا من البشر، الصاعدون درجات سلم مترو الأنفاق يسلمون مهمة النزول لغيرهم، والجلابيب الريفية تتجاور مع الجينز الضيق، بينما يطل آكلو الفول بأعين فضولية على الجالسين داخل مطعم كنتاكي، السائحون والصعاليك متساوون في هذه المساحة الديمقراطية.. الجميع وقوف في انتظار شيء ما.. بالنسبة لأحمد فالأمر بسيط، لخصه في جملة: "متابعة البشر هنا تحرق الوقت".. وهو ما يسعى إليه أثناء انتظار بقية زملائه في كورس اللغة الانجليزية منخفض التكلفة الذي لا يبعد عن هذه المساحة سوى أمتار قليلة .
"هل سمعت عن مقهى إيزافيتش ؟" هذا السؤال وجب تكراره عدة مرات على أسماع أحمد وزملائه حتى يستوعبها أحدهم، ولم يعرف إجابته أحد، اليوم.. يكاد يكون مقهى إيزافيتش أحد مفردات الحنين لدى شريحة من المثقفين المفتونين بهذا المقهى حيث اجتمع الشعراء والأدباء تحت لافتة خواجة أجنبي ذو أصل يوغسلافي وميول يسارية، في نفس المقهى قيل أن الشاعر الراحل "أمل دنقل" قد ألقى أشعاره في العام 1971 على الطلبة المعتصمين في ميدان التحرير احتجاجا على سياسات الرئيس السادات.. "مين أمل دنقل؟" لم يكن لدى أحمد وأصدقائه فكرة عن هذه الذكريات البائدة، فالواقع أشد وضوحا أمامهم في هذا المثلث الأقرب إلى لوحة عجيبة تجمع الشواذ جنسيا والصم والبكم والسائحين وأولاد الشوارع وأولاد الذوات في مكان واحد دون سبب واضح سوى أنه ميدان التحرير أشهر ميادين القاهرة.
البناية التي تمثل أحد أضلاع هذا المثلث يحرسها بواب شاب ذي أصول جنوبية، استهجن اسم "إيزافيتش" ولم يعرف هو الآخر سوى الواقع الحالي، أما على أطراف البناية فهناك فئة مميزة من مواطني مثلث كنتاكي، هم مجموعة من الصم والبكم يديرون أحاديثهم الحماسية بلغة الإشارة في ركن خاص، صاحب الكشك المجاور داخل أحد ممرات العمارة لم يجد إجابة واضحة على سبب تواجدهم الدائم في هذا المكان، توجه إليهم ونقل إليهم مجموعة من الأسئلة بلغة الإشارة بدت ركيكة بالنسبة إليهم : "هل هناك مقهى قريب يجمعهم؟"، "هل هناك مركز أو جمعية هي السبب في تواجدهم في نفس المكان يوميا؟"، أجاب أحدهم وكان ذو قدرة على النطق البسيط، أنه لا يوجد سبب لتجمعهم سوى شهرة المكان واتساعه، واضاف بثقة: "هذا التجمع عفوي وغير مقصود، نتعرف فيه على أصدقاء جدد ونتحدث بصورة شبه يومية.. هذا كل شيء".
على بعد أمتار من دائرة الصم والبكم في نهاية مثلث كنتاكي، يقع مقهى وادي النيل، جار إيزافيتش القديم.. أمام المقهى يطل الحاج حسن عثمان - مدير المقهي - على عالم جديد لم يكن موجودا حين بدأ هذا المقهى عمله قبل أكثر من نصف قرن، يقول : "بإمكاني الآن أن أشير إلى كل شركة سياحة وإلى كل مطعم هنا في هذا المثلث وأخبرك بأصله وماذا كان وكيف أصبح !". هذه شركة للسياحة كانت محلا للأحذية، وأخرى كانت محل بقالة، أما كنتاكي فكان مطعما يملكه إيزافيتش بينما تحول مقهاه القديم حاليا إلى شركة سياحة، وأشار الحاج حسن إلى أبعد من هذا ناحية الجامعة الأمريكية حيث محلات الوجبات السريعة التي كانت محلات أسترا وعلى بابا الشهيرة.. كل شيء تغير منذ نهاية السبعينات بعد عصر الانفتاح، ومع دخول الثمانينات حدث تحول جذري انتعشت فيه شركات السياحة التي احتلت الميدان، وبعدها انتعشت مطاعم الوجبات السريعة، وتغيرت المعالم.
أمام كل شركة سياحة شاب ينادي على عروض شركته، يكاد يخطف المارة على أمل الحصول على مكافأة من الشركة، أما داخل مقهى وادي النيل فيكاد يكون المكان محافظا على تقاليد المقهى القديمة، المشروبات الروحية ممنوعة، و المشروبات الغازية ليس لها مكان.. ترك الحاج حسن المهمة للمقاهي والمطاعم المجاورة، وأمام جاره كنتاكي يجلس أبناء الشوارع في تقليد شبه رسمي يطلون عبر الزجاج على صدور الدجاج المتبلة وصدور الفتيات الجالسات بصحبة أصدقائهن بالداخل، يمسكون بأيدي المارة طلبا للطعام.. هكذا يحصلون على قوت يومهم.
يقول الحاج حسن: "كل شيء تغير حتى الزبائن.. المجتمع كله تغير"، ما زال يذكر زيارة نجيب محفوظ إلى مقهاه، وغيره من المثقفين، لكنه يقر أن أهم زبائنه منذ أن أنشئ المقهى هم السياح المتجولين بين المتحف وفنادقهم في وسط المدينة، يجلسون أمام الشيشة، ويطالعون قائمة المشروبات المكتوبة بالعربية والانجليزية على أمل تسهيل مهمة عمال المقهى، في الخارج ضيوف ثقال على مثلث كنتاكي، البعض يتعرض لهم بالعنف اللفظي والزجر على أمل رحيلهم، هم الشواذ جنسيا، في كتابه "بلد الولاد" الذي يتعرض لعالمهم، يشير المؤلف مصطفى فتحي من طرف بعيد إلى تجمعهم في مثلث كنتاكي، وبعيدا عن كتاب بلد الولاد، فهذه الفئة من سكان المثلث لا تهجر مكانها إلا حسب مزاجها، يتعرضون لمضايقات أثناء وقوفهم، وهو ما لم يخفيه أحمد شاكر وأصدقائه زوار ميدان التحرير، إذ أنهم لا يمانعون أبدا في إلقاء التعليقات الخفيفة على أبناء هذه الفئة، لكن الحاج حسن لم يخف ضيقه من وجودهم كواحد من أصحاب المحال التجارية هناك، واعتبرها إساءة للمكان، ويعلق : "في الماضي كان من يمر بميدان التحرير يعدل ملابسه تماشيا مع أناقة المكان وفخامته، أما اليوم فأصبح يجمع من هب ودب"، يتوقف قليلا ثم يكمل : " كانت هناك فئة تسمى الخرتية من النصابين يصطادون السائحين ويضللوهم، لكن انتهى وجودهم من الميدان بسبب نشاط الشرطة ضدهم، أما الشواذ فما زالوا يمرحون هنا".

Monday, March 15, 2010

صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي



حارس الوثائق المصرية ينفي حجبها عن الباحثين
صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي

تحوي دار الوثائق القومية ملايين الوثائق التاريخية التي تفيد الباحثين في مجالات البحث المختلفة وهو ما حدد قواعد للتعامل مع هذه المؤسسة العريقة، إلا أن هذا لم يمنع شكوى بعض الباحثين من أن دار الوثائق تحولت إلى دار احتجاز للوثائق نظرا لصعوبة إجراءات التعامل. الأستاذ الدكتور محمد صابر عرب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية يرد على هذه التساؤلات.
حوار : عبدالرحمن مصطفى

ـ هناك مشكلة يتعرض لها بعض الطلبة في مرحلة ما قبل التسجيل رسالة الماجستير وأثناء الدراسة الجامعية، حين يجد الطالب نفسه على غير دراية بمحتويات الدار أو شكل الوثيقة، بل يمنع من دخول قاعة الوثائق تماما؟
الوثائق والمخطوطات المودعة في دار الوثائق مقصورة على من هم فوق المرحلة الجامعية، سواء من الباحثين الأكاديميين أو من العاملين في الصحافة و العاملين في مجال البحث الحر، وهذا لأسباب كثيرة أهمها الحرص على الوثيقة من التداول المتكرر الذي قد يعرضها للتلف. أما بالنسبة للطلبة الذين لم يسجلوا موضوعا للبحث فيتاح لهم الاطلاع على الوثائق التي سيحتاجوها بمجرد تحديد موضوع البحث. وتصدر في 15 يوما وهي مدة بسيطة مقارنة بالفترة التي يقضيها الباحث في فترة إنهاء بحثه.

ـ أليس من حق الطالب العادي التعرف على دار الوثائق ومحتوياتها؟
نحن نفترض أن الباحث الملائم للتعامل مع الوثائق الأصلية هو طالب الدراسات العاليا، كذلك فليس مطلوبا من الطلبة في المرحلة الجامعية الرجوع إلى الوثائق الأصلية.. فأقصى ما يطلب منهم هو الاطلاع على الدوريات والوثائق المنشورة في كتب. الهدف هو تنظيم التعامل مع الوثائق، لأننا إذا ما فتحنا قاعة الاطلاع على الوثائق التاريخية مثلما نفتح قاعة الاطلاع على الكتب، قد لا نضمن ما سيحدث للوثيقة القديمة.

ـ بعض الأساتذة الأكاديميين كانت لهم مشاكل أعلنوها صراحة في الصحف والمحافل العلمية من التضييق عليهم في الحصول على الوثائق.. ومنهم الدكتور مجدي جرجس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة؟
ضربت مثالا بمجدي جرجس، والحقيقة أن كل بحوثة اعتمد فيها وثائق محفوظة بدار الوثائق القومية، كذلك من المهم أن أشير هنا إلى أنه في كل أرشيف من أرشيفات دول العالم، هناك بعض الوثائق غير المتاحة، وذلك لدواعي الحفاظ على الأمن القومي للدولة، وهذا لا تحدده لنا أي جهة أمنية، ولكن بإدراكنا الانساني والثقافي والوطني من أن هناك بعض الوثائق قد يساء استخدامها ضد المصالح الوطنية القومية.

ـ ما المعايير التي تحدد لنا خطورة الوثيقة أو أنه قد يساء استخدامها؟
لا توجد قواعد مانعة للوثائق بشكل مباشر، لكن هناك قواعد تستند إلى الخبرة و الحس الثقافي لدينا، فنحن من يحدد في دار الوثائق أن الملف الفلاني قد يشكل خطورة في عرضه الآن، و أنه يجب حجبه لخمسين سنة أو أكثر، ولعلمك ان هناك ملفات يتم حجبها لمدة مئة سنة في بعض الدول، و مسؤولي المؤسسة هم من يحددون الملفات التي قد تهدد الأمن القومي، وكلنا أكاديميون وباحثون واعون. كما أن الوثائق كلها متاحة، والمحجوب منها لا يتعدى نسبة نصف في المئة ويمكن الاستعاضة عنه بمصادر بديلة.

ـ لماذا يتم حجب هذه الوثائق؟ هل لتخوفات طائفية مثلا..؟
تاريخنا ليس فيه ما نخجل منه، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين، فالوثائق تشير إلى أن كلا الطرفين كان متساويا أمام القانون في فترة تاريخنا الحديث، وكذلك تشير إلى علاقات اجتماعية جيدة.

ـ إذن.. فما هو المحجوب؟
ليس هناك تحديد معين، على سبيل المثال الوثائق المتصلة بقضايا الحدود نتحفظ على إظهارها، ولا بد من خبراء يحددوا ذلك، وكما ذكرت انها لا تتعدى النصف في المئة، وأغلبها موضوعات سياسية ومرتبطة بالأمن القومي أكثر من أن تكون موضوعات بحث تاريخي.

ـ هناك اتهام موجه إلى موظفي الدار بالتعسف في التعامل مع بعض المترددين قاعة الوثائق واعاقة وصولهم إلى الوثيقة؟
قد يكون لدينا بعض المشاكل المتعلقة بالوظيفة وأداء بعض العاملين على خدمة الاطلاع على الوثائق، لكننا الآن في مرحلة تطوير العاملين وانا بنفسي أقول بتسهيل المهمة على المترددين والتواصل معهم لحل أي مشكلة قد تحدث، فالإساءة لأي باحث أعتبرها إساءة لشخصي.

ـ في داخل سيمنارات التاريخ العلمية تحديدا شكا بعض الأساتذة الأكاديميين من أن باحثي دار الوثائق القومية لهم الأفضلية في الوصول إلى الوثائق والاطلاع عليها عن بقية الباحثين؟
كل باحث لديه تصريح يحق له الاطلاع، وليس من حق الباحث الاطلاع على الوثائق البعيدة عن موضوع بحثه، لأنه ليس بباحث من يريد الاطلاع على الوثائق دون خطة بحثية محددة.

ـ لكن أحيانا يكون الباحث بصدد التحضير لمؤتمر أو مهمة بحثية محدودة المدة، وعلى فترات متكررة، أيجب عليه إصدار تصاريح في كل مرة؟
أود أن أقول في هذا الصدد أن هناك من الأساتذة من تنقطع صلتهم بالتعامل مع الوثائق والدار بأكملها بمجرد وصولهم إلى درجة الدكتوراه، وحتى في بحوث ترقيتهم لا يستخدمون الوثائق الأصلية ويعتمدون على الدوريات، ورغم هذا يذكر بعضهم دعاية سيئة عن الدار رغم ابتعاده عنها.. في مرة سمعت تعليقا في أحد المناسبات العلمية ينتقد الدار رغم أني أعلم جيدا أنه لم يزر دار الوثائق منذ أكثر من عشر سنوات، بعض هذه المشاكل تكون مفتعلة.

ـ مشروع رقمنة الوثائق واتاحة نماذج منها على الانترنت، هل الهدف منه إتاحة الوثائق للباحثين عبر وسيط آخر؟
الحقيقة أنه لا توجد دولة في العالم تتيح أرشيفها بشكل كامل على الانترنت، وليس الهدف من هذا المشروع هو إتاحة الوثائق ولكن، التعريف بمحتوى الدار وما داخل ملفاتها من وثائق، مع نماذج معروضة لمجرد التعريف، وفي شهر إبريل سيكون المشروع قد انتهى بالفعل.

ـ هناك مشكلة تتعرض لها دار الوثائق نفسها تؤثر بشكل مباشر على إتاحة المعرفة للباحثين، وهي عن عدم إمداد الدار بالوثائق من الجهات المختلفة.. ما سبب ذلك؟
دار الوثائق هي وريثة دار الوثائق العمومية، والأوقاف، والعدل ووزارة الحربية التي تحولت فيما بعد إلى وزارة الدفاع، ومن هذه الجهات وغيرها تكون الأرشيف الأول، وحين تأسست دار الوثائق القومية عام 54 خضعت لقانون الوثائق لسنة 54 وهو غير ملزم لأي جهة بتقديم وثائقها إلى دار الوثائق، وقد أنهينا مشروع قانون جديد نأمل أن يتم تمريره بخصوص الوثائق بحيث يتم إلزام الجهات بإرسال وثائقها إلى الدار بدلا من ان تكون خاضعة لمزاجية الموظفين، خاصة مع النظرة السلبية لفكرة الأرشيف الموجودة في ثقافتنا.

ـ على أي أساس يتم إختيار الوثائق التي يتم توريدها للدار؟
هذه الوثائق قد لا تمثل أكثر من 8% من القوائم التي ترسلها الوزارات والمؤسسات للتخلص منها، ويحدد خبراؤنا ما يمكن أن تحتفظ به هذه الجهات لأغراضها الإدارية و تحديد ما تحتاجه الدار، وهناك لجنة موجودة بالفعل تتعامل مع وزارات العدل والخارجية وباقي الوزارات التي تمدنا بالوثائق.. لكن هناك مشاكل أغفلها الكثيرون.

ـ مثل ماذا؟
دار المحفوظات بالقلعة هي الوارث الحقيقي للدفترخانة، وتحوي وثائق تستخدم في أغراض معرفة الأطيان، وأسماء العائلات، لكن بعض هذه الوثائق وقد تقدر بنسبة 10% من المهم أن تنتقل إلى الدار كي تفيد الباحثين في الجوانب السياسية والتاريخية المختلفة.



ـ ألا ترى أن غياب وثائق مثل وثائق الحروب قد أضعف قدرة الباحثين في إعادة كتابة التاريخ في مصر وهو التيار الذي بدأ في عديد من الدول؟
التاريخ لا يكتب مرة واحدة، بل يكتب عدة مرات وفقا لكفاءة الباحث والمصادر المتاحة. من المؤكد أنه من الصعب أن تكتب عن حرب مثل حرب 56 في ظل غياب الوثائق المصرية مما يجعل الكتابات أقرب للانطباعية، وكذلك يتم الاعتماد على الوثائق الأجنبية، وأنا أدعو إلى الإفراج عن هذه الوثائق وأنها خدمة قومية وليست خدمة للبحث فقط .

Thursday, March 11, 2010

كرباج في اليد


تصوير ــ مجدى إبراهيم
فى بدايات القرن الماضى كتب اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى كتابه (مصر الحديثة) هذه العبارة: «ومن ثمار الوجود البريطانى أن تم إيقاف استخدام الكرباج والتعذيب فى مصر»، تلك الحجة كانت ضمن حجج أخرى حاول بها تجميل صورة الاحتلال البريطانى لمصر، وكان اختياره ذكيا لأنه اختار ممارسة كانت ذات حضور فى حياة المصريين، إذ تمارس العقوبة البدنية بما يصاحبها من تشهير.
اليوم وبعد أكثر من مائة عام على ادعاءات السيد كرومر، لم تختف أخبار الضرب والعقاب البدنى من الصحف اليومية وشاشات الفضائيات، وعلى أرض الواقع يصعب الوقوف ضد مجموعة اختارت العقوبة البدنية السريعة ضد لص مشتبه به أو شاب تحرش بفتاة، أو حتى فى اختيار مدرس لهذا العقاب ضد تلميذ.. ورغم أن هذه المواقف قد تنته فى الغالب دون خسائر كبيرة ولا يلتفت إليها أحد، لكنها أحيانا ما تسفر عن تحويل حياة الآخرين إلى مأساة.
فى أحد فصول مدرسة الطبرى الابتدائية بالقاهرة حيث قد لا تختلف كثيرا العلاقة بين الطالب والأستاذ عن بقية المدارس، أثيرت قضية الطالب ــ سيف الدين أحمد ــ الذى لم يكن مستعدا لتلقى ضربات أستاذ الرياضيات حسبما صرحت والدته نظرا لسوء حالته الصحية، لم تحتمل الأم الأستاذة بالمدرسة نفسها أن يضرب ابنها وحررت محضرا ضد المدرس، لكن الأمر اتخذ طريقا آخر.. القضية جذبت اهتمام وزير التعليم شخصيا الذى ظهر بصورة مباشرة على الفضائيات ليعلن بنفسه أن شكوى الأستاذة سمية عبدالرحمن ــ ولية أمر الطالب سيف ــ هى شكوى كيدية وتفاصيلها غير حقيقية.
تقول سمية والدة الطالب سيف: «مشكلتى أننى مدرسة فى المدرسة نفسها، لذا لم يقبل الأساتذة أن أحرر محضرا لزميل، حتى إن كان ابنى مريضا ولا يحتمل الضرب، ولذلك حرروا ضدى محضرا اتهمتنى فيه إدارة المدرسة بالتزوير، وأننى لست مدرسة لديهم وتم إيقاف راتبى، وحتى الآن لا أعرف ما هو مصيرى أو مصير ابنى بعد هذه الأزمة». تخشى سمية أن يتعرض ابنها للاضطهاد فى المدرسة بعد عودته، خاصة أن هناك حالة من النفور واجهتها حين حررت محضرا فى الشرطة، إذ ظن البعض أنه من المفترض أن تكون أكثر تفهما لزملائها وألا تتعامل كولية أمر تقليدية فى مسألة الضرب.
الكرباج الذى لوح به كرومر فى ذكر فضائل الاحتلال فيما يبدو لم يختف تماما، فخلال الأسبوع نفسه حرر ولى أمر آخر محضرا بقسم الشرطة لمدرس لغة عربية بمدرسة النوبارية الثانوية الصناعية، قام بإذلال نجله وسط المدرسة بأن وضع المدرس قدمه على رأسه بعد جلده بحجة تأخره عن حضور الطابور.. وبعيدا عما يصل إلى الصحف تخفى المدارس داخلها تفاصيل أخرى لا تصل إلى أقسام الشرطة مثل مشاركة عمال المدرسة وحراسها أحيانا فى معاقبة الطلبة المشاغبين.
منى عبدالواحد (تم تغيير الاسم بناء على طلبها) مدرسة اللغة الانجليزية بإحدى مدارس شبين الكوم فى محافظة المنوفية، هى أيضا أم أرملة قد لا تختلف ظروفها كثيرا عن سمية والدة الطالب سيف، لكنها تتفهم فكرة استخدام العقوبة البدنية، وتقول: «نحن فى مدينة متصلة بالريف، أعمار الطلبة فى بعض الفصول المتأخرة دراسيا أحيانا ما تكون كبيرة، وهؤلاء الطلبة يتعرضون للضرب فى الشارع والمنزل والعمل.. بعضهم يكمل فى المدرسة الإعدادية ليصبح فى وضع أفضل أثناء الخدمة العسكرية، كيف نتعامل مع طلبة بهذا الشكل؟» تعتبر منى أن العصا هى سلاحها فى مواجهة طلبة لا يهتمون بالانجليزية التى تدرسها، حتى إن لم تستخدم هذا السلاح على أجسادهم، فهو إشارة لما يمكن أن يحدث لهم.. تتساءل: «علينا أن نطرح سؤالا لماذا يأتى الأهالى بالمدرسين الخصوصيين الذين يتعمدون ضرب أبنائهم؟ هذه ملحوظة حقيقية ألاحظها، بل وحين يزهد المدرس الخصوصى فى طالب كسول، يستخدم الأهل العنف ضد ابنهم كى يلتزم».
لم تبتعد منى عن الواقع الذى قفز إلى ساحة الانترنت على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، حيث لقطة بعنوان: «Private English Tutoring in Egypt» أو درس إنجليزى خصوصى فى مصر سجله أحد الطلبة من حصة درس خصوصى، يظهر فيه طالب يتعرض لعدد من الصفعات وسط ابتسامات من حوله ودون أن يبدى أى امتعاض، من رفع اللقطة على الموقع لم يجد إلا كلمة «مسخرة» كى يكتبها فى خانة التوصيف.
أما منى ففى خارج قاعات الدرس لا تخفى أنها قد تلجأ أحيانا إلى استخدام الضرب مع ابنها وهو ما يدفعه إلى التهديد بأنه سيشتكيها فى قسم الشرطة، تعلق: «اللجوء للضرب ليس الحل، لكن فى ظل الضغوط التى تحيط بالإنسان يصبح هو الحل، وحين يستخدم ابنى تهديده بأنه سيشتكينى ويبحث عن ولى أمر آخر أخبره أنه لن يقف معه أحد، لأن ما أفعله هو من حق ولى الأمر والجميع يقبله». فى هذا السياق تشير دراسة للدكتور عدلى السمرى ــ أستاذ الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ــ أن 96% من الآباء الذين يضربون أبناءهم تعرضوا للضرب وهم صغار، وهو ما يعطى قبولا لهذه الممارسة.

ليس عرفا!
الاستعانة بالضرب كوسيلة للضبط الاجتماعى ليست فقط داخل المدرسة بل تحيط بأسوار المدرسة إلى الخارج. أحمد ــ الطالب بالمرحلة الثانوية ــ لا يخفى لغة الفخر وهو يتحدث عن مدرس التربية الرياضية بمدرسته. رغم أنه لم يسلم من ضربه فى سياق المزاح، لكنه يحكى أن معلمه أحيانا ما لجأ إلى الضرب والتهديد خارج المدرسة فى مواجهة بعض المتسربين أو أبناء الحى المجاور.
ويروى: «أبناء الحى يعتدون على الطلبة بعد انتهاء الدراسة ويسرقون أموالهم فى الشوارع الخلفية التى لا تصل إليها عربات الشرطة الموجودة فى الجوار، فيتصدى لهم المدرس بمعاونتنا ونلقنهم درسا». هذه السلطة التى يمارسها مدرس التربية الرياضية تجرى على مسئوليته الشخصية، فبعض الجهات الموكل إليها مهمة الضبط والتصدى لهذا النوع من المواجهات لا تكتفى أحيانا بمواجهات تقليدية، بل تعيد أمجاد كرباج كرومر المفقود، ففى الأسبوع الماضى نقلت الصحف أن ضرب «حرامى جزم» على أيدى أربع أفراد أمن فى موقف الترجمان بالقاهرة قد أدى إلى وفاته.
الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع القانونى والجنائى بجامعة عين شمس ــ يرى أن تسليط الأضواء على مثل هذه الحوادث إعلاميا هو ما يجعلنا نفترض أن هناك اتجاها لقبول الضرب كوسيلة من وسائل الضبط الاجتماعى أو العقوبة، فى حين أن الناس ترفض هذه الممارسة، وهو يوضح: «سواء الضرب فى المدارس أو المخالفات داخل أقسام الشرطة كل هذا هو إساءة استخدام للسلطة، وليس هناك قبول اجتماعى لها بقدر ما هو خوف يجعل الناس تصمت من تبعات رد الفعل، ورغم هذا فهناك من يتخذ إجراءاته القانونية ضد هذه المخالفات مما يمثل علامة ودليلا على عدم قبول الناس لهذا المسلك، فهو ليس عرفا مقبولا».


فى مقال مرجعى عن استخدام السلطات المصرية للعقوبة البدنية يشير الدكتور خالد فهمى ــ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة نيويورك ــ إلى تطورات تشريعية حدثت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر لاستبدال عقوبة الضرب بالحبس، وكانت تحديدا ضد استخدام الكرباج فى العقوبة، لكن هذه الممارسة لم تنه عقوبة الضرب تماما.
ورغم مزاعم حقبة الاحتلال البريطانى فى أنها قضت على استخدام الكرباج فإن الاحتلال نفسه استعان بها فى حادثة دنشواى، وظلت موجودة فى مرحلة تالية.. لكن قبل هذه الفترة كان هناك ميراث ثقيل من أشكال متنوعة من العقوبات البدنية أثناء عصور المماليك والعثمانيين وصلت إلى حد بقر البطن والسلخ والتمثيل بالجثث، إضافة إلى عقوبات مسيئة مثل الطواف بالشخص على حمار واستخدام الجرس للتشهير به فيما عرف بالتجريس.. وتسجل جدران المقابر المصرية القديمة كيف كان يلجأ موظفو الضرائب إلى ضرب الفلاح اللئيم الذى يخفى محصوله عن الدولة.
الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ الاجتماع ــ لا يعتقد أن لهذا الميراث البائس دورا فى تبرير الضرب أو جعله سلوكا مقبولا فى المجتمع، ويؤكد أن فلسفة العقاب اختلفت فى العالم من العقوبات البدنية إلى الحبس، بل حتى داخل الأسرة فإن وسيلة الضبط ارتقت مع ارتفاع مستوى التعليم والوعى من الضرب كوسيلة لتأديب الأبناء وأحيانا الزوجة إلى الضبط المعنوى والتأثير النفسى على الطرف الآخر. ويضيف: «ما نراه أحيانا فى الشارع من قيام الناس بمعاقبة لص وضربه هو ضبط اجتماعى غير مشروع نتيجة إحباط الناس من اللجوء للطرق القانونية التقليدية التى قد لا تحقق آمالهم، وهنا علينا أن نفرق بين هذا الأمر وبين مخالفات يقوم بها معلمون أو رجال أمن فليس كل هذا فى سياق واحد، فلنكن متفائلين بأن المجتمعات تتقدم بعيدا عن استخدام الضرب، فلا نجعل أحدا يسحبنا إلى الوراء، ونتذرع بأن استخدام الضرب جزء من ثقافتنا».
وبين هذه المفارقة التى تستبعد أن يكون الضرب مقبولا فى ثقافة المصريين واستمرار وجوده على أرض الواقع كوسيلة للضبط الاجتماعى يعود كرباج كرومر إلى الصورة حائرا بين أيدى مخالفى القانون، حتى لو استبدلوه بصفعة رجل أمن مخالف أو عصا أستاذ متهور أو تمادى رجل شارع أراد أخذ حقه بعيدا عن القانون.

Monday, March 1, 2010

الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية




عميد أداب القاهرة السابق ينفى تدخل الدولة في الجامعة
الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية


من خلال خبرته الأكاديمية داخل كلية الأداب بجامعة القاهرة وتوليه منصب العمادة في فترة سابقة يبدو الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع قريبا من معوقات الحرية البحثية في الجامعة، أرجع تلك المعوقات إلى الرقابة الذاتية التي يمارسها الأكاديميون على أنفسهم إلى جانب تمسك المجتمع داخل وخارج الجامعة بتقاليد تعيق التطور، نافيا أن يكون الانتماء للحزب الوطني الحاكم أفضلية، أو أن تكون هناك تدخلات مباشرة من الدولة في الأداء الأكاديمي. وطرح حلولا أخرى للهروب من القيود الفكرية على الطلاب والأكاديميين.
حوار: عبدالرحمن مصطفى

• هناك سقف يضعه بعض الأكاديميين أمام أفكار الرسائل الجامعية في مرحلة ما قبل التسجيل، ما أسباب هذا النوع من الرقابة؟
- المفترض في الجامعة أن تعمل ضمن خطة بحثية، بحيث يتم التعامل مع الموضوعات في إطار هذه الخطة، وأن يتاح لكل أستاذ قبول الموضوعات المتفقة مع اتجاهاته البحثية وتراكم معرفته إلى جانب مع تفرضه حاجات المجتمع، وهذا ما يجب أن يعلمه الباحث قبل اختيار مشكلة بحثه ومناقشتها مع اساتذته، لكن المشكلة أن بعض الأساتذة ليس لديهم هذه الأجندة البحثية، مما يعطي للصورة أبعاد أخرى.

• ألا توجد بعض المحاذير التي يراعيها الأستاذ عند التعامل مع أفكار الباحثين الشباب؟
- ليس هناك مثل هذه المحاذير إلا في بعض الحالات الصارخة في موضوعات متعلقة بالجنس والدين على سبيل المثال.

• هل ما زالت التابوهات الشهيرة (الدين، الجنس، السياسة) هي ما يحكم الحركة البحثية في مصر..؟
- نعم .. ما زالت هذه التابوهات الشهيرة مؤثرة على الحركة البحثية، لكن على الجانب الآخر يجب أن نذكر أن الباحثين أنفسهم لا يقدمون على التعامل مع الموضوعات الحساسة بشكل جاد، على سبيل المثال: سجل أحد الباحثين معي موضوعا عن "العنف الجنسي"، لكنه للأسف لم يكمل بحثه، ومثل هذا المثال يطرح فكرة أن الجامعة لا تمارس قيودا في هذه المناطق الحساسة من الموضوعات البحثية.

• لكن احيانا ما يكون هناك قيودا على تناول الموضوعات السياسية، وهو ما يدفع المؤسسة الأكاديمية إلى إعادة صياغة البحوث؟!
- لنتحدث بمثال واضح عن هذه الحالة، حين قمت بإعداد رسالتي للماجستير، تناولت موضوعات حرجة ومثيرة في هذا الوقت عن الحركة الطلابية في فرنسا عام 68 وتناولت فكر اليسار الجديد، وتأثير ذلك على الحركات الاجتماعية في الغرب، ولم أتعرض للتضييق عليّ في أي مرحلة من مراحل البحث، لكن.. لأذكر لك ما يحدث أحيانا لدينا في الجامعة، وهو أن يراجع أحد الأكاديميين عنوان البحث، وقد يصل الأمر إلى تصنيف الباحث بسبب اتجاهاته أو اختياراته، وهذا في النهاية يعود إلى الاستاذ وليست سياسة من الجامعة.

• ماذا عن بعض الموضوعات الحرجة التي أهملت دراستها مثل الجماعات الاسلامية، والمشاكل الطائفية، ويتم تغييرها بعد النقاش مع الأكاديميين قبل إعداد الرسائل الجامعية؟
- بعض الأساتذة في مثل هذه الموضوعات يقلقون من ردود أفعال المجتمع تجاههم، ويمارسون بدورهم رقابة ذاتية على أنفسهم تمنعهم من مناقشة بعض الموضوعات، هذه الموضوعات يجب أن تدرس في إطار نظري رصين، ولنقل بصراحة ان بعض الباحثين لا يهدفون من دراسة هذه الموضوعات تقديم بحث جاد بقدر ما يهدفون إلى إدخال السياسة إلى البحث في موضوعات صحافية لا بحثية. دعني أقول وأؤكد أنه لا توجد رقابة في الجامعة، بل نحن من يخلق هذه الرقابة على أنفسنا.


• لكن هناك ردود أفعال من الادارة الأكاديمية تمارس إرهابا فكريا على الباحثين أحيانا؟
- سأحدثك عن موقف حدث مؤخرا في جامعة حلوان حين أرسل عميد إحدى الكليات بحثا إلى الأزهر لمراجعته، وكان بحثا لأحد الاساتذة يتناول النصوص الاسلامية، ولما رفضه الأزهر أثير جدلا حول هذه الحادثة، في واقع الأمر أن مثل هذا عميد الكلية لم يمثل الجامعة، بل استهجنت الادارة هذا التصرف، لأن مثل هذه البحوث عليها أن تناقش داخل الجامعة في إطار بحثي محترم.

• وماذا عن التصاريح الأمنية التي يحتاجها الباحثون في بحوثهم الميدانية.. ألا تحدد مثل هذه الاجراءات شكل البحوث الاجتماعية في مصر.؟
- حسب القانون فإن دخول أي جهة أجنبية في اعداد البحوث الميدانية يستلزم موافقة من الدولة، وهذه الجهة بالمناسبة هي وزارة الخارجية، ولا أعلم إن كانت تراجع جهات أمنية أخرى أم لا، وهذا النظام موجود في أنحاء العالم، بالذات في العينات البحثية الكبيرة، وبشكل عام فإن الجهة الأساسية التي علينا استصدار موافقة منها هي الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء وذلك في كل البحوث ذات العينات الكبيرة، وانا مع اتخاذ هذه الاجراءات خاصة في حالة وجود جهة أجنبية مشاركة في البحوث لأننا لا نعرف إن كانت هذه المعلومات ستخدم أغراض استخباراتية أم لا.

• هل هذه الاجراءات ترسم ملامح البحوث الاجتماعية؟
- في رسائل الماجستير والدكتوراة الجامعية لا نأخذ تصريحات أو إذن، لأننا نتعامل مع عينات بسيطة من داخل الجامعة، وباستخدام مناهج كيفية.. أن طلاب الرسائل الجامعية ليس باستطاعتهم العمل على عينات كبيرة لافتقادهم للتكاليف اللازمة، أما موافقات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء فلا تتعدى مدتها 15 يوما، كما أن هناك قانون يتم مناقشته الآن عن تداول حرية المعلومات وأتمنى أن يحقق طفرة في هذا المجال، لكن بشكل عام فالقانون لا يصنع الأجندة البحثية.

• إذا عدنا إلى بعض الموضوعات ذات الطابع السياسي مثل العنف داخل السجون وأقسام الشرطة، والعنف الطائفي.. نجدها غير مطروحة للبحث..!!؟
كل أساليب السلوك يجب ان تكون مطروحة للبحث، وهناك دراسات تمت في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن السجون، وتناولت جانب العنف داخل السجون، في هذا المجال لا أذكر بحثا تم منعه سوى بحث شهير لدراسة "السلوك الجنسي"، وهو بحث عالمي، حين حاول أحد الباحثين تطبيقه قبل ثلاثين عاما تقريبا، وأثيرت ضجة ضده، والمفارقة أن المركز القومي وافق عليه إلا أن الصحافة هي التي وقفت ضد إجرائه.

• إذن ما الاطار العام لصورة الحرية الفكرية للباحثين في الجامعة..؟
- في هذا الاطار نحن لا نتحدث عن شكل منتظم لقضية حرية الفكرية في الجامعات بقدر ما أنها تخضع للصدفة، بالامكان أن يقدم باحث جريء على موضوع ولا تقف ضده أي عوائق، وقد يكون حظه عاثرا في توقيت مختلف، فيواجه بمعارضة أكاديمية ضد فكرته، لأسباب شخصية حتى إن كانت نوايا الباحث طيبة بالفعل.

• ألهذا الحد تمثل الأهواء الشخصية قيودا على فكر الباحث الأكاديمي؟
- بالتأكيد.. وهذا حدث معي شخصيا، في مرة كتبت عن أن الخطاب الديني يصنع "كهنوت" يقف حاجزا بين العبد وربه بما يخالف قواعد الاسلام الاصيلة، وجاءت الصحافة لتستخدم عناوين ساخنة ضد ما قلته، كذلك يحدث الأمر داخل الجامعة.

• هذا الحديث يقودنا إلى فكرة أخرى عن عدم قبول المنهجيات الحديثة في البحوث الاجتماعية والحفاظ على الموروث البحثي القديم ضد التجديد!!؟
- هذه نقطة مهمة.. أحيانا ما يحارب الباحث بسبب استخدامه مصطلحات حديثة فيواجه بمعارضة من غير المتابعين للمناهج الحديثة، على سبيل المثال اقترحت على أحد الطلاب العرب موضوع عن "الخطاب الخلدوني" في دراسة أعمال عبدالرحمن بن خلدون، وكان مصطلح "الخطاب" قبل 20 عاما حديثا نسبيا، واعترض رئيس القسم على الخطة البحثية وتم تعديلها تماما، بل أنني في رسالة الدكتوراه الخاصة بي كتبت في عنوانها "التحالف والصراع بين جماعات الصفوة في الريف المصري"، واقترح أكاديميو قسم الاجتماع استخدام تعبير "تفاعل" بدلا من "صراع" للابتعاد عن شبهة الانتماء الماركسي.
بل أحيانا ما يكون استخدام مصطلحات جديدة هو مادة للتهكم والتندر من التقليديين وهو ما يمثل قيدا على الباحث، فتكون الرقابة مزدوجة من المجتمع الأكاديمي ومن المجتمع خارج الجامعة.

• ألا تتفق مع أن هذا التوجه قد انعكس على حالة الجامعة، وتوفير مصادر معرفة حديثة داخل مكتبات كلية الأداب أو مكتبة الجامعة والاكتفاء بالمصادر القديمة؟
- هناك بدائل الآن، ممثلة في استخدام قواعد البيانات التي اشتركت بها الجامعة التي توفر بحوثا حديثة للباحثين، لكن المفارقة أن هناك حالة من الكسل لدى الباحثين و لا يستفيدون من مصدر كهذا متاح بين أيديهم.

• جانب آخر أرغب في تناوله بصفتك عميد كلية الأداب السابق.. ألا تجد انه من الغريب أنه ما زالت تجرى تحريات أمنية على المعيدين قبل تعيينهم في الجامعة؟
- لم يرفض أحد حتى الآن من المعيدين بسبب هذا الاجراء، ونحن نفخر بأن اختيار المعيدين مازال يتم وفقا لمعايير أكاديمية حسب درجاتهم وليس هناك أي تأثير في التعيينات بسبب مستواهم الاجتماعي أو الطبقى على عكس جهات أخرى، حتى الحالات التي كان يتم تعطيلها بسبب هذا الاجراء تدخلت فيها شخصيا، والأمر يعود في النهاية لشخصية عميد الكلية.

• ألا تمثل مثل هذه الاجراءات محاولات مبكرة لتدجين الأكاديميين؟
- ربما.. هي مجرد محاولات ، وقد تنجح مع البعض.

• انت عضو في الحزب الوطني الحاكم، هل تمثل عضوية الحزب أي أفضلية للأكاديمي؟
- الحزب لا يتدخل في الجامعة بأي شكل، والطريف أن بعض المتقدمين لمسابقات تعيين المعيدين بالجامعة يصدرون انتماءهم في اوراق الالتحاق، وهو ما يقابل بتهكم من اللجنة التي تستقبل طلباتهم. فكل شيء يخضع لقوانين الجامعة.

• بعيدا عن الجامعة.. كان لك تجربة في عمل حلقة قراءة مع مجموعة من الطلاب والباحثين لها قواعدها الخاصة، هل هذا هروب من قاعات الدرس التي تفرض قيودها على الأكاديمي والطالب سويا؟
- تجربة "منتدى القراءة" هي أحسن مشروع قمت به في حياتي، فاسلوب التعلم في مصر يقوم على التلقين، وفي قاعة الدرس يمارس الأكاديمي سلطته على الطلاب من خلال امتلاكه للمعرفة، وقد يصل استغلال هذه السلطة إلى استغلال الطلبة في أغراض خاصة، هذا المنتدى شعاره "العارفون يمتنعون"، ففي جلسات القراءة تتحقق المساواة بين الطالب والأستاذ والجميع يتساوى امام النصوص الكلاسيكية، وهو ما لم يتحمله بالمناسبة بعض الأكاديميين حين فقدوا سلطاتهم على الحضور، مثلما يمارسوها في الجامعة.

• هل تجد حال طالب اليوم أفضل في حريته البحثية عن حالك حين كنت طالبا في الجامعة؟
- المجتمع لم يختلف كثيرا في قيوده التي يفرضها على الباحثين وكذلك الجامعات لم تختلف، لكن ميزة هذا الجيل أنه يتوافر لديه مصادر معرفة متعددة، عبر الانترنت، والمكتبات الحالية، على عكس ما كنا قديما نشترى الكتب من بواسطة القادمين من الخارج، مشكلة طالب اليوم أن كلية الأداب حين أنشئت كان الهدف منها تخريج طالب موسوعي، ملم بكافة فروع المعرفة الانسانية الأخرى، في التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وربما هذا أحد أهداف "منتدى القراءة"، فما نحتاجه اليوم هو جامعة جديدة، وانسان أكاديمي جديد، خارج قيود التقاليد البالية، والقيود الأخرى مثل الشللية وغير ذلك من معوقات الفكر داخل الجامعة.