Sunday, November 22, 2009

عصام.. البائع الصغير

الاحد 22 نوفمبر 2009
عبد الرحمن مصطفى
أمام مجموعة من لعب الأطفال المتراصة فوق ملاءة قديمة يقف عصام محاولا إعادة تنظيم لعبه فى حركات قلقة، يبيع المسدس الرشاش والعربات البلاستيكية رديئة الصنع، لكنه استبقى لعبة واحدة أعلن بها عن نشاطه الصغير.
يشد الخيط القصير فينطلق الطوق البلاستيكى المضىء إلى أعلى عدة أمتار فيخطف أبصار المارة ويكررها دون ملل حتى إن قذفت الريح بطوقه بعيدا. لا ينادى ولا يزعق للفت الانتباه، فقط يقول لمن يسأله من المارة «دى بسبعة جنيه».
ملامحه الجادة ونبرة صوته القوية لم تمنعه من أن يرسم ابتسامة بريئة فى أثناء لعبه أمام «فرشته» فى ميدان العتبة. لكنه مجبر فى نفس الوقت على الانصياع لمجتمع الرجال من الباعة الجائلين الذى فرض قواعده عليه وعلى أقرانه من السن نفسها وأكسبهم أداء واحدا حين يقلدون جدية ورعونة من حولهم.
«أغلب اللى بيعدوا عليا بيسألوا ومش عايزين يشتروا، عشان كده المفروض السعر مينزلش إلا للزبون الجد اللى هيشترى، مش اللى جاى يعمل ناصح»، هكذا استعار نبرة التاجر المحترف حين يتحدث عن زبائنه. تقف أمامه امرأة فى جلباب أسود مع طفل صغير لم يتجاوز الرابعة فيتعامل معها بحسم مستعيرا صوتا غليظا كى يبرهن على أنه ليس مجرد طفل فى الثالثة عشرة من عمره، بل بائع لا يختلف كثيرا عن الذين من حوله.
عصام واحد من 2.8 مليون طفل عامل فى مصر توزعوا على الأقاليم المختلفة، لا يشغله ما صرح به قانون الطفل من «حظر تعريض الطفل عمدا لأى إيذاء بدنى ضار أو ممارسة ضارة أو غير مشروعة»، فقد رتب أولوياته بشكل حاسم منذ البداية.
«أهم حاجة لازم آخذ بالى منها هى الفرشة والحاجات اللى عليها وإنها متنقصش حاجة أو تأخذها البلدية، وكمان إنى أعرف أبيع الحاجة للزبون». فى سبيل ذلك كان عليه أن يواجه يوميا رجال شرطة المرافق حين ينظمون غاراتهم على الصفوف الأمامية من الباعة الجائلين، ويشير إلى الشوارع الجانبية من الميدان ويبدأ فى وصف الموقف «ما بيدخلوش جوا عشان البياعين هناك متفقين مع المحلات، بيخنقوا بس على اللى زيى أنا وبتاع الذرة والناس اللى بره على الشارع».
ما الذى قذف به إلى الشارع؟ حتى العام الماضى كان عصام مسجلا فى الصف الأول الإعدادى بمدرسة فى قريته التى تقع على أطراف محافظة الجيزة، لكنه تركها وقرر البقاء فى القاهرة «ماكنتش ماشى فى المدرسة وبعدين كان لازم اشتغل عشان أساعد فى البيت، ومفيش شغل عندنا».
يتدخل فى الحديث شاب فى أوائل العشرينيات أحاط عصام بذراعه وأوضح فيما بعد أنه «ماهر» ابن خالته الحاصل على دبلوم التجارة ويعمل على فرشة مجاورة على بعد أمتار من المكان، يعلق على سبب وجود عصام بعيدا عن الدراسة بقوله: «كان بيهرب من المدرسة ولما سقط أمه قالت ينزل يشتغل أحسن ما يبوظ».
كانت تجربة ماهر فى العمل نموذجا حاول عصام تقليده، فكان الخيار الوحيد أمام عصام أن يرافق ابن خالته فى عمله فى بيع الملابس لحساب أحد تجار العتبة، أما لعب الأطفال التى كانت أمامه فى ذلك اليوم فكانت محاولة من ابن خالته الذى استطاع إقناع تاجر للعب الأطفال من أن يساعد عصام فى أن يبيعها لحسابه..
وكلما رضى التاجر أن يعطيه بضاعة ضئيلة الحجم كالتى أمامه تكون تلك فرصة كى ينفرد عصام بعمله بعيدا عن ماهر.
لكن أجواء التحفظ كانت تحكم حديث كل منهما عن الأجر و طرق البيع إلا أن المشهد أبرز طفلا فى الثالثة عشرة يعمل تابعا لزميل أكبر سنا هو الذى يضمن له القدرة على الوجود فى هذا المكان. حيث لا يحتاج عصام إلى إعطاء ضمانات للتجار مقابل ترويج سلعهم أو التعامل المباشر معهم، فتعامله الوحيد مع ابن خالته الذى تكفل بهذه المهمة عنه، وذلك فى مقابل بعض الخشونة فى التعامل التى قد يوجهها ماهر إلى التاجر الصغير حتى إن كان ذلك بدافع «الهزار».
«اشتغلت قبل كده فى محل كشرى لمدة ست أشهر وكنت باخد 200 جنيه وبعدين واحد معايا طفشنى من الشغل بحجة إنى مليش لازمة فى المكان وأنه بيعمل شغلى، رغم إنى كنت بشتغل طول اليوم».
أعاد هذا الموقف عصام إلى العتبة مرة أخرى التى سيبقى فيها حتى حين.
وأصبح عليه أن يكون موجودا بدءا من العاشرة صباحا فى مكانه حتى غروب الشمس فى انتظار بيع ما لديه من لعب أو الوقوف إلى جوار ماهر ومساعدته فى البيع دون مكسب حقيقى، وهناك لا يجد متنفسا للتعبير عن طفولته إلا فى لحظة قصيرة يطير فيها طوقا بلاستيكيا أو لحظات مرح مع صديق من نفس سنه حينما ينزعان قناع الرجولة المصطنعة ليعودا إلى سنهما الحقيقية.
PDF

Thursday, November 19, 2009

صحفيون أون لاين .. الكيبورد قلمي والشاشة دفتري

الخميس 19 نوفمبر 2009
عبدالرحمن مصطفى
فى تمام التاسعة بتوقيت جرينيتش كان على الجميع أن يجلس خلف شاشة الكمبيوتر فى وقت واحد، أحدهم يجلس فى باريس خلف جهازه الخاص (اللابتوب)، أما زميلته الشابة ففى منزلها بإحدى ضواحى بيروت، فى حين يسجل زميلهما الثالث حضوره عبر هاتفه المحمول المتصل بالإنترنت، لينضموا إلى زملائهم المنتشرين بين البلدان والقارات المختلفة. أما الميعاد فهو اجتماع التحرير اليومى فى صحيفة إلكترونية، والمكان هو الإنترنت حيث يلتقون يوميا رغم بعد المسافات.
«فى مرة حضرت هذا الاجتماع عبر جهازى الشخصى من إحدى عربات القطار»، العبارة السابقة للكاتب الصحفى نبيل شرف الدين، أحد كهنة الصحافة الإلكترونية وصناعها، الذين عاشوا نمو التجربة منذ بدايتها فى التسعينيات. هو يفتخر اليوم بأنه هجر القلم والنوتة الصحفية التقليدية بعد أن اعتادت أصابعه على أزرار الكيبورد (لوحة المفاتيح) والتواصل عبر الشاشات. لا تخلو عباراته من زهو الانتصار حين يؤكد: «راهنت على الصحافة الإلكترونية فى فترة مبكرة منذ أكثر من عشر سنوات، فى تلك الفترة كان يولد أمامى أول مشروع حقيقى لصحيفة إلكترونية عربية ممثلا فى موقع «إيلاف الإخبارى»، ورغم أنى كنت أعرف السيد عثمان العمير كرئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط اللندنية فإن علاقتى الحقيقية به بدأت عبر الإنترنت مع بداية تأسيسه «إيلاف»، كنت أقامر وقتها على تجربة غير مسبوقة ومنتج لم يتم اختباره من قبل».
أنتجت الصحافة الإلكترونية فى ذلك الوقت الأدوات والوسائل، التى تدير العمل داخلها، واعتمد التواصل بين المحررين والمراسلين لسنوات طويلة على برنامج المحادثة عبر الإنترنت (الماسنجر). فى تلك الفترة كان الإنترنت يعيش ازدهار مواقع من نوعية المنتديات وغرف الدردشة والمواقع الثابتة قليلة التحديث، فكان تقديم عمل صحفى محترف بمثابة خدمة مثيرة للاهتمام. اليوم يرى نبيل شرف الدين أن مغامرته الأولى حققت له مكاسب عديدة. يذكرها: «قبل هذه التجربة لم يكن من السهل أن يعرفنى جمهور واسع من القراء داخل مصر وخارجها عبر الكتابة التقليدية فى الصحف الورقية التى عملت بها، الإنترنت والصحافة الإلكترونية اسهما فى صنع اسمى وتاريخى المهنى، كما صنعت جيلا كاملا سيظهر بقوة فيما بعد».
قد تبدو الصورة وردية للوهلة الأولى حسب حديث نبيل شرف الدين، إلا أن خلف العمل داخل مواقع الأخبار أعباء وجهد لا يشعر به فى الغالب قراء الإنترنت، أو حسب تعبيره «حرب الاستنزاف، التى يعيشها الصحفى فى هذا المجال». على سبيل المثال فقد موقع إيلاف اثنين من مديرى تحريره فى أثناء أداء عملهما، الذى يمتد لساعات طويلة من اليوم. ففى عام 2005 نعى وفائى دياب ــ اللبنانى الأصل ــ زميله المصرى محمود عطا الله، الذى توفى بعد ساعة واحدة من اجتماع التحرير اليومى، ولم يعلم السيد وفائى أنه بعد عام واحد من هذا الموقف سيلحق بزميله بعد أن يؤدى واجبه بإخلاص للتأكد من سير الأمور على ما يرام بين المحررين عبر الإنترنت.. كلاهما يكاد يكون قد توفى «أون لاين» حسب مصطلحات المهنة.
يقول شرف الدين: «منذ أن دخلت هذه الحياة تغير إيقاع حياتى تماما، لم أسلم من أمراض الجلوس خلف شاشة الكمبيوتر وزيادة الوزن الذى تغلبت عليها فيما بعد، وفى بدايات عهدى بالإنترنت لم أسلم أيضا من التكلفة الاقتصادية العالية حين كان الإنترنت ذا انتشار محدود وتكلفة عالية.. وبعض المصادر الصحفية لم تكن تتفهم طبيعة أن تكون الجريدة على الإنترنت، فكان البعض يبدى انزعاجه من هذا الأمر، وتغلبنا على هذا مع الوقت حتى إن بعضهم تواصل معنا بعد ذلك عبر الإنترنت».
أجواء العزلة التى تفرضها مراقبة شاشات الكمبيوتر ونشر الأخبار بعد الحصول عليها وتصوير أحداثها كانت منهكة للكثير من العاملين فى هذا المجال خاصة فى جريدة غير مصرية مقرها العاصمة اللندنية. حتى الآن يرى نبيل شرف الدين أننا لم نقدم تجربة مصرية رائدة فى مجال الصحافة الإلكترونية موضحا: «رغم ظهور بعض الصحف الإلكترونية الاحترافية، فإننى ما أزال أطمح إلى أبعد من هذا، خصوصا أن بعض الصحف الورقية اقتحمت المجال من منطلق يتعامل مع الموقع الإلكترونى للجريدة الورقية وكأنه دبوس الكرافته أو شىء من قبيل الكماليات».

ولع المواقع
الجيل الذى ارتبط بالإنترنت فى تلك الفترة هو الجيل الذى كان يودع دراسته الجامعية، إذ تحول إلى متنفس يرى منه العالم بعيون مختلفة.. وائل الغزاوى كان أحد هؤلاء الذين جذبهم صعود نجم الصحافة الإلكترونية وقرر فى العام 2004 أن ينتقل إليها بعد أن نال تدريبا فى مكتب إحدى الصحف الخليجية «الورقية» بالقاهرة. أجواء العمل كانت ذات طابع مؤسسى لأن الموقع الإخبارى، الذى عمل فيه كان تابعا لشركة كبيرة وتفاصيل العمل اعتمدت على مهاراته التحريرية أكثر من العمل الميدانى، لكنه فى العام التالى قرر الدخول إلى مجال الصحافة الورقية بالتوازى مع عمله فى الموقع الإخبارى، يقول: «كنت أبحث وقتها عن الوجود داخل صحفية ورقية تنقلنى إلى أجواء الوسط الصحفى التقليدى وخباياه، لكن بعد فترة اكتشفت أن ما أحصل عليه من أجر هو فى حقيقة الأمر.. أجر رمزى». يبتسم وائل حين يتذكر العبارة، التى قالها لمديرته تعليقا على ضعف أجره، ويضيف: «أصبح العمل غير مجد، وذلك فى الوقت الذى أتاحت فيه المواقع، التى كتبت بها مساحة أكبر وأفضل من الجريدة الورقية، فتحمست وسعيت إلى عمل تغطيات مصورة لحساب مواقع صحفية أتاحت لى الفرصة».
لا يخفى وائل تعرضه فى تلك المرحلة للرفض من بعض الفنانين حين كان يجرى تغطيات فنية لحساب أحد المواقع فحسب تعبيره «كان بعض الفنانين يرون فى المواقع الإلكترونية مرادفا للفضائحية والإباحية».
الاعتماد على الذات فى الصحافة الإلكترونية ربما يكون الشعار الأهم فى حياة من اختار هذا الطريق، خاصة حين لا يجد جريدة ذات سمعة تسانده فى عمله الميدانى أو حين يجد نفسه مضطرا إلى القيام بأدوار المراسل والمحرر والمصور والمراجع فى نفس الوقت، مر وائل بهذه التجربة حين عمل محررا لموقع إخبارى صغير تأسس على يديه، يقول: «بعض المواقع الإخبارية تؤسسها شركات تملك مساحات على الإنترنت، وبالتالى فهى ليست مؤسسات صحفية بالمعنى التقليدى، وهنا تكون مهمة الصحفى هى خلق موقع بإمكاناته الذاتية إلى جانب مجهود المتعاونين معه من الخارج، وهو ما يعوق الصحفى أحيانا حين لا يتفهم من حوله أهمية استخدام الهاتف بالنسبة إليه، أو ضرورة أن يكون حر الحركة بعيدا عن مواعيد العمل الرسمية، وما إلى ذلك من تفاصيل عمله».

المكتب المتحرك
تلك القيود دفعت به إلى فضاء الإنترنت بحثا عن زملائه من نفس المجال خارج الحدود، فكانت تجربة جديدة لم يعشها الكثيرون من العاملين فى الصحافة الإلكترونية، وهى العمل محررا دون مكتب، حين يتحول جهاز الكمبيوتر إلى مكتب متحرك، مقر العمل فى أى مكان، فى المنزل أو فى المطعم أو خارج القاهرة، لكن عليه أن يتواجد لعدد محدد من الساعات «أون لاين» كى يتواصل مع مديره القابع فى أمستردام بهولندا فى إدارة موقع متخصص فى الصحافة الفنية.
«العمل الحر من المنزل بعيدا عن المكاتب ليس مفهوما فى بلادنا، و دائما ما يلاحق بنظرات الريبة من الأصدقاء والجيران، قد تبدو فكرة عدم التقيد بمكتب والبعد عن الاحتكاك المباشر بالزملاء فكرة مبهرة فى البداية، إلا أن واقع الأمر أن مثل هذه الوظيفة تغير نمط الحياة تماما، فأداء العمل يصبح مسئولية الصحفى، التى لن يتحملها سواه، على عكس وجوده فى شركة أو مكتب لجريدة إلكترونية، حيث تتوزع المهام، ويتم تقدير الظروف فى حالة حدوث أعطال أو مشكلات فنية.. إدارة العمل ببيجامة النوم أو من المطعم قد تبدو طريفة، لكنها تخرج الصحفى من روح العمل التقليدية وتحتاج إلى نوع خاص من الأشخاص يستطيع أن يفصل بحدة بين وقت العمل وحياته الخاصة».
أمور أخرى قد تشتت ذهن الصحفى فى مثل هذه المواقف، لعل أهمها غموض هوية من يتعامل معه الصحفى من زملاء أو مديرين خارج مصر، ومدى جدية صاحب الموقع الإخبارى و التزامه بأداء المرتبات بشكل منتظم. قد لا يرى القراء كل هذه الضغوط خلف ما يقرأونه من أخبار، خاصة حين يجد الصحفى فى هذا المجال نفسه دون مؤسسة أو نقابة تدافع عنه، تلك النقطة يكاد يكون وائل قد نسيها من ذاكرته، فنقابة الصحفيين ما زالت لا تسمح بدخول العاملين فى مجال الصحافة الإلكترونية عبر مؤسساتهم، ويقول: «الاتحادات التى أقيمت لضم كتاب الإنترنت، ووحدة الصحافة الإلكترونية، التى ظهرت ثم اختفت فى النقابة، كلها مشروعات غير واقعية، لكن دخول العاملين بالصحافة الإلكترونية إلى النقابة سيكون علامة فارقة فى تاريخها وفرصة لجيل مارس فنون الصحافة فى فضاء الإنترنت دون تقدير حقيقى». فى الوقت الذى وصل إليه وائل الغزاوى إلى تلك القناعات كان محمد غفارى قد قرر أن يبدأ حياته المهنية فى مجال الصحافة الإلكترونية بعد أن أنهى دراسته هذا العام.
ويبدو ولعه بالصحافة واضحا على حسابه فى موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة، حيث يظهر مشغولا بمقارنات يعقدها بصورة مستمرة بين الصحف المختلفة فى تعاملها مع الأحداث، يعمل الآن فى جزء ذى صلة بأنشطة الكثير من المواقع الإلكترونية وهو مراقبة التعليقات، ويقول: «ليست تلك هى وظيفة أحلامى، أرغب فى التطور إلى ما هو أبعد من ذلك». يعمل محمد فى النسخة الانجليزية من موقع «إسلام أون لاين» حيث يراقب ساحات الحوار التى يفد إليها الغربيون والمتحدثون بالإنجليزية ويعمل على تفعيل وتنشيط الحوار إلى جانب مراقبة التعليقات، هذا إلى جانب تجربة خاضها فى موقع «الجزيرة توك»، الذى يستقطب المراسلين الهواة من العالم العربى. ويضيف: «ما زلت فى حاجة إلى أستاذ له خبرة يناقش أدائى، وهو ما افتقدته طوال الفترة الماضية».
محمد الذى يطمح فى فى العمل فى مجال الأخبار لا يشغل باله كثيرا بفكرة الانضمام إلى كيان نقابى يضم هذا المجتمع المتفرق بين ساحات الإنترنت، بل رأى أنه لن يجبر نفسه على الدخول إلى صحيفة ورقية لمجرد التمسح فى كيان مؤسسى تقليدى: «الاحتكاك بمراسلين وزملاء من خارج مصر، ومتابعة الصحف الغربية يوميا عبر الإنترنت أصبحت هوايتى المفضلة، وهى أمور جعلتنى أزهد فى الانضمام لجريدة ورقية لمجرد الاسم دون التفكير فى محتواها التحريرى».

قص ولصق
يرى الدكتور محمود علم الدين ــ رئيس قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة ــ أن التفكير فى مجتمع العاملين فى الصحافة الإلكترونية يجب أن ينصب أولا على المحتوى، الذى يقدمونه قبل التفكير فى كيان يضمهم ويقول: «ما زلنا فى مرحلة التعرف على مجال جديد هو الصحافة الإلكترونية، وعلى مدار السنوات العشر الماضية حدث تطور كبير أنتج صحفا إلكترونية ليست ذات أصل ورقى، لكن هذا لم يمنع من وجود ظواهر فى هذا المجال تجعل بعض المواقع الإخبارية غير خاضعة للشكل العلمى للصحيفة الإلكترونية، فنرى مساحات على الإنترنت تعتمد على القص واللصق من المواقع الأخرى دون وجود إدارة صحفية حقيقية».
ويضيف الدكتور محمود علم الدين أنه يجب التفريق بين نوعين من ممارسى الصحافة الإلكترونية، الأول يمثله العاملون فى صحف ورقية تقليدية يديرون مواقع هذه الصحف، أما النوع الثانى فهم العاملون فى صحف ومواقع لا تعمل سوى فى الصحافة الإلكترونية، وهؤلاء بإمكانهم تشكيل نواة اتحاد للصحافة الإلكترونية مع مراعاة أن كثيرا منهم ليس متفرغا فقط للعمل بالصحافة، وهذه مشكلة لأن التعريف الذى ارتضيناه فى مصر وتتفق معنا فيه دولة فرنسا يعرف الصحفى بأنه «شخص مهنته الأصلية والوحيدة هى الصحافة»، وذلك لضمان ألا يكون له مصالح أخرى تتعارض مع عمله الصحفى، وهى أمور قد تغيب عن فئات من العاملين فى الصحافة الإلكترونية، وكذلك المدونون، الذى أدى منهم كثيرون دورا مهما فيما عرف بالصحافة الشعبية وتغطياتهم لأحداث مهمة عبر الإنترنت، إلا أنهم غير متفرغين للصحافة.
قد لا يبدى بعض العاملين فى الصحافة الإلكترونية اهتماما كبيرا بفكرة الانتماء إلى الكيانات المؤسسية الكبيرة بقدر اهتمامهم بتفاصيل عملهم الشخصى، فانتماؤهم الأكبر الذى لا يخفى على أحد للإنترنت، التى فتحت أمامهم بابا لم يكن ليفتح من قبل، وكونوا من خلاله علاقات من نوع جديد فى عالم افتراضى ولمسوا التفاعل المباشر مع القراء، حتى وصل بعضهم إلى اعتبار الصحافة الإلكترونية خطرا حقيقيا على الصحافة التقليدية، أو حسب كلمات الكاتب الصحفى نبيل شرف الدين «الحصول على الأخبار بضربة على لوحة مفاتيح الكمبيوتر أسهل وأرخص بكثير من شراء الصحف الورقية يوميا».
-------
الصحافة الإلكترونية Online Journalism
فى شكلها الأبسط هى إنتاج المواد الصحافية ونشرها عبر الإنترنت، وظهرت البدايات الأولى للصحف الإلكترونية فى الولايات المتحدة الأمريكية مع نمو استخدام الإنترنت فى أوائل التسعينيات، وذلك من خلال مواقع مبكرة مثل سى. إن. إن، وشيكاجو أون لاين الصادرة عن شيكاجو تريبيون. وفى العالم العربى كانت جريدة «إيلاف» هى أول جريدة إلكترونية صادرة بالعربية تراعى قواعد الإدارة الصحفية، وصدرت رسميا فى عام 2001 من لندن بعد أعداد تجريبية قبلها بسنوات.
وفى مصر كانت البوابات الإلكترونية هى المدخل لاحتضان العمل الصحفى الإخبارى فى فترة مبكرة على الإنترنت فى مواقع مثل «مصراوى» و«محيط» و«إسلام أون لاين».

الصحافة الشعبيةCitizen Journalism
ارتبط مفهوم الصحافة الشعبية فى مصر بالمدونات الإلكترونية وقدرتها على اختراق مواقع الحدث واستخدام آلياتها الحديثة من كاميرات رقمية مع عدم التقيد بحواجز العمل الصحفى التقليدى، ونجحت فى الكشف عن قضايا لم تصل إليها الصحافة التقليدية مثل حوادث التعذيب فى أقسام الشرطة وتغطية أحداث الفتنة الطائفية فى الإسكندرية بمحرم بك عام 2005، والعديد من المظاهرات السياسية. أمدت أيضا الصحافة الشعبية العديد من الفضائيات ووكالات الأنباء بصور ولقطات التقطها مدونون ونشطاء على الإنترنت. ويصنف البعض الصحافة الشعبية (التى تشمل الفيس بوك والمنتديات) كأحد وجوه الإعلام البديل بعيدا عن الإعلام التقليدى الذى ترعاه المؤسسات التقليدية.
مواطن الإنترنت Netizen
هو الشخص المشترك فى أنشطة لا تتوافر إلا فى بيئة الإنترنت وتجمعاتها الخاصة، حيث يتفاعل داخل هذه المجموعات الاجتماعية ويتلقى وجهات النظر ويعيد إنتاجها. ومن أهم الوسائط التى يستخدمها مواطنو الإنترنت هى المدونات، ومواقع تحميل الملفات الإلكترونية والبريد الإلكترونى ومواقع الدردشة.

Thursday, October 29, 2009

الصور النمطية عن الأقاليم والمدن المصرية

الخميس 29 اكتوبر 2009
عبدالرحمن مصطفى

قبل أكثر من 3000 عام جلس أحد التلاميذ الصغار يدون ما أمره أستاذه أن يكتبه من تدريبات، وكان أحد هذه التدريبات مجموعة من العبارات التى تصور بؤس حياة الفلاح المصرى فى مقابل ميزات مهنة الكاتب، حين يحيطه الحرس وقت جمع الضريبة من الفلاحين الذين يتعرضون للضرب والمهانة.

تلك الصورة التى حاول أن يرسخها الأستاذ منذ آلاف السنين فى عقل تلميذه عن حياة أهل الريف لم تكن حقيقية تماما، حيث لم تكن كل حياة الفلاح بؤسا وشقاء، وتطورت تلك الصورة بعد آلاف السنين
وأصبحت أكثر عمقا حتى نجدها فى العصر العثمانى واضحة فى كتاب مثل «هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف» فى القرن السابع عشر (ليوسف الشربينى) الذى تعرض لنمط حياة أهل الريف بصورة لم تخل من السخرية والتعميمات القاسية وقصص وحكايات ترسخ صور مسيئة عن سذاجة الريفى وبدائيته وفقر حياته.

تطورت اليوم تلك الصور النمطية عن الأقاليم والمدن المصرية إلى أنماط مختلفة فأصبحت وسيلة للمدح فى أوقات ووسيلة ذم فى أوقات أخرى، فالحديث عن «كرم الشرقاوى»، أو «حرص الدمياطى»، أو «دهاء المنوفى»، أو «شجاعة الصعيدى» قد تتحول فى نفس الوقت إلى أدوات وصم وذم لأصحابها فيتحول الكرم إلى سذاجة والحرص إلى بخل، والدهاء إلى لؤم، والشجاعة إلى اندفاع.
وتطورت هذه الصور إلى عبارات ومأثورات شعبية مثل «المنوفى لا يلوفى»، أو « الإسكندرانية وشوش كالحة ومية مالحة»، مستندة فى بعض الأحيان إلى حوادث بعينها. فعلى سبيل المثال ارتبط تعبير «بلديات اللى اشتروا الترماى» بحادثة نصب بيع فيها الترماى القديم لأحد الوافدين إلى القاهرة من قبلى وتم تعميم هذه الحادثة على القادمين من الصعيد. هناك أيضا قصة شائعة تروى استضافة بعض أبناء محافظة الشرقية لركاب قطار معطل وتم تعميم الموقف ليصف أهل الشرقية بأنهم «اللى عزموا القطر».

تلك المأثورات الشعبية على الرغم من أنها تبدو ظاهريا مستندة إلى أحداث واقعية فإن الكثير من القصص الأخرى التى ترسخ صورة عن إقليم أو بلد معين ليس لها أصل حقيقى. فهل يجيب الفلكلور المصرى على أصول هذه الصورة المرسومة عن الأقاليم المصرية المختلفة؟
يقول الدكتور عبدالحميد حواس ــ أستاذ الفلكلور الشعبى بأكاديمية الفنون ــ: «كثير من الناس يحمل أوهاما عن الفلكلور وكأن داخله إجابات عن كل الأسئلة، لكن حقيقة الأمر أن المأثورات الشعبية المتداولة عن بعض المحافظات ما هى إلا عبارات تهدف إلى ترسيخ وتبرير فكرة ما عن إقليم معين».
يرى الدكتور حواس أن أصول فكرة التنميط فى الثقافة الشعبية عن أقاليم بعينها هى جزء طبيعى من الثقافات الشعبية ولها وظيفتها، ويقول: «كل سكان إقليم أو عصبية يضعون صورا نمطية عن الطرف الآخر لأن ذلك يؤدى وظيفة بالنسبة إليهم، فرصد الاختلافات لدى الآخر هو وسيلة للتعرف على الذات، إلى جانب أنه يعطى نوعا من الرابط الداخلى بينهم، ومن ناحية أخرى فهذا التنميط يعطى سهولة فى التعرف على الطابع العام للآخر فى التعاملات».
ويوضح الدكتور حواس أنه على سبيل المثال حين يستخدم أهل القرى حول مدينة دمنهور عبارة «ميت نورى ولا دمنهورى» تصبح العبارة كأنها تحذير يساعد القروى على تفهم ما هو مقبل عليه حين يتجه إلى دمنهور، وحين يتعامل مع تجارها فى الأسواق.

وقد حاول بعض أبناء الأقاليم والمدن المصرية المختلفة أن يرسموا صورا عن أنفسهم وأن يفسروا الصور النمطية التى أشيعت عنهم، الشاعر محمود بيرم التونسى كتب أبياتا فى القرن الماضى يعرض فيها نفسية السكندرى وما يشاع عنه من صور، فقال:
الإسكندرانى إذا صافح
يغلط ساعات ويروح ناطح
وارثها عن جده الفاتح
فحل الملوك اللى حماها

الإسكندرانى إذا اتحذلق
جلنف لكن له مبدأ

يغواه لحد ما يتزحلق
فى نايبة عمره ما ينساها

يحاول بيرم التونسى من خلال هذه الأبيات تبرير إحساس السكندرى بالزهو وحماسه الشديد وما يحمله من تحذلق أبناء المدينة فى مواجهة أبناء الأقاليم والمدن الأخرى، رابطا تلك الأحاسيس بخصوصية الإسكندرية وارتباط المواطن العادى بالإسكندر الأكبر.
تلك الصورة التى حاول بيرم التونسى مداعبتها لم تكن واحدة على جميع أبناء السواحل، ففى مدينة دمياط ذات التاريخ العريق شاعت صورة عن بخل سكانها وهو ما تعرض له الكاتب الصحفى عباس الطرابيلى ــ أحد أبناء المدينة ــ فى محاولة لتفسير تلك الصورة موضحا أن الدمياطى بطبعه رجل عملى يقدر قيمة الوقت بحكم اشتغال كثير من أبناء المدينة فى الصناعة، لذا يدرك الدمياطى قيمة الثروة التى بين يديه، وهو متصالح مع هذا على عكس بعض الأقاليم الأخرى التى تدعى الكرم وتتكلف دون مصداقية، وهكذا أكد الطرابيلى أن الروح العملية الجادة لدى الدمياطى لم يتفهمها كثيرون ممن لا يقدرون قيمة الوقت أو المال.
تلك المحاولات لم يوازِها عمل بحثى شامل يقدم تفسيرات لأصل تلك الصور النمطية ومحاولة تفسيرها، لكن تلك الصور يتم التعرض إليها فى سياق دراسات أخرى.
ويوضح الدكتور شعبان جاب الله ــ أستاذ علم النفس الاجتماعى بكلية الآداب جامعة القاهرة ــ أن هناك صورا نمطية ترسم عن مجتمعات بأكملها مثل أن يقال عن الشخصية المصرية أنها شخصية «فهلوية»، لكن هناك أيضا صورا نمطية stereotypes عن ثقافات فرعية، سواء كانت على أساس مهنى يرتبط بثقافة سائدة فى مهنة ما أو على أساس جغرافى.
ويضيف: «التنميط هو تعميمات يصدرها الناس عن شيوع أنماط سلوكية داخل ثقافة معينة تنتج لدى الناس معتقدات وتصورات عن سمات والصفات تلك الثقافة».
يوضح الدكتور شعبان أن وقوع القاهرة بعيدا عن تلك الصور النمطية الشهيرة سببه هو أنها مدينة ليست ذات مجتمع متجانس، بل خليط سكانى يجب البحث داخله عن القاهريين الذين عاشوا وولدوا داخلها وتشبعوا بسمات أهل المدينة بحيث يكون الاختلاف واضحا بينهم وبين الشخصيات الريفية أو الساحلية أو غيرها.
ويلخص أسباب ظهور التنميط داخل المجتمعات فى قوله : «يظهر التنميط بسبب وجود ميزات وخصائص كثيرة التكرار بين أفراد مجتمع بعينه، فينتج ذلك لدينا ملمحا عن الصفات الأكثر شيوعا داخل الثقافات، لكن البعض يبنى على ذلك تعميمات فى أغلبها خاطئة».

محاولات بعض الكتاب التعرض للأنماط الأكثر شيوعا فى أقاليم محددة لا تمر دائما بسلام، ففى العام الماضى جرت مناوشات بين الكاتبين نبيل شرف الدين وحمدى رزق بعد أن كتب الأول مقالا فى جريدة «المصرى اليوم» تحت عنوان «المنايفة» جمع فيه بعض الصور التى ارتبطت بأبناء المنوفية وارتباط كثير منهم بالجهاز الإدارى والسلطة فى الدولة، وهو ما دفع الصحفى حمدى رزق إلى التعرض للمقال ( بالجريدة نفسها) والدفاع عن أبناء محافظته واستخدام إشارات إلى الأصل الصعيدى للكاتب نبيل شرف الدين.
لكن تلك المناوشات الخفيفة تجاوزت فى بعض الأحيان هذا الحد إلى عناوين أكثر مباشرة، مثل انتقاد بعض العناوين الصحفية لإجراءات تمت فى العام 2002 من محافظ القاهرة أشيع وقتها أنها استهدفت ذوى الأصل الصعيدى لمنع الهجرة إلى القاهرة، وكان عنوان صحيفة الميدان فى ذلك الوقت هو «هل يأمر محافظ القاهرة بترحيل شيخ الأزهر والبابا شنودة؟» فى إشارة إلى جذورهما الصعيدية.
تلك المواقف الغاضبة تربط بين الصورة النمطية والإحساس بالظلم، حتى إنها قد تصيب عملا كوميديا مثل فيلم «أبو العربى» الذى تم وقفه فى مدينة بورسعيد وقت عرضه بسبب استخدامه شخصية أبو العربى التى تمثل صورة نمطية عن السواحلى البورسعيدى، ولم تتوقف المواقف عند هذا الحد حيث شهدت الأعوام الماضية دعوى قضائية من نوع خاص تقدم بها المحامى نبيه الوحش احتجاجا على عدم تمثيل «الصعايدة» داخل حكومة الدكتور أحمد نظيف..!

فى تلك اللحظات القلقة أحيانا ما تتدخل السلطة إذا ما شعرت بأن الصور النمطية الرائجة عن ثقافات بعينها فى المجتمع بدأت تهدد السلم الاجتماعى، ويروى المونولوجست حمادة سلطان عن ذلك أنه فى منتصف السبعينيات كان قد تلقى توجيهات من الرئاسة فى فترة حكم الرئيس السادات بتهدئة حدة النكات التى يطلقها على الصعايدة مع ظهور حالات عنف واشتباكات بين الصعايدة والفلاحين بسبب هذه النكات، فاستغنى حمادة سلطان عن تعبير «مرة واحد صعيدى» واستخدم تعبير «واحد بلدياتنا». وإن كان ذلك لم يلغ استخدام النكات كوسيلة لترسيخ الصور النمطية عن الأقاليم المصرية.

أسرى في فيلاتهم ..

لا بيع ولا شراء

كتب ـ عبد الرحمن مصطفى
في شرفته المطلة على تقاطع شارعي مصر والسودان والدويدار في منطقة حدائق القبة القاهرية يستمتع غزالي الصادق بمطالعة المارة من شرفته وتأمل التغييرات التي طرأت على الحي الذي عاش فيه لأكثر من 59 عاما، لا يفسد متعته سوى تذكر قيمة الفيلا التي يقيم بها الآن التي تجاوز الأربعة عشر مليون جنيه لا يستطيع الحصول على جنيه واحد منها رغم موافقة ورثة الفيلا على البيع.
يعمل غزالي الصادق مديرا عاما في تموين القاهرة ويقترب من سن المعاش، ورغم تواجده في فيلا عريقة في منطقة حدائق القبة إلا أنه يعيش مع عائلته في مستوى مادي متوسط.
يقول غزالي : "وجودي في هذه الفيلا ليس من قبيل الوفاء أو التمسك بمبنى قديم لكن الفيلا خضعت مثل غيرها مبكرا لأمر رئيس مجلس الوزراء ونائب الحاكم العسكري العام الذي كان يحظر هدم أو التصريح بهدم القصور والفيلات، والآن هي مصنفة على أنها ذات طابع معماري متميز مما أعاق عملية البيع ."
الأمر العسكري الذي أشار إليه غزالي كانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت بعدم دستوريته، وهو ما أعطى الحق لأصحاب بعض الفيلات في إخراج تصريحات هدم وبيع لفيلاتهم . لكن أصحاب الفيلات القديمة الأخرى ما زالوا عاجزين عن استصدار مثل هذا القرار، ويتساءل غزالي عن شروط تقييم الفيلات وإدراجها على أنها ذات طابع أثري مميز قائلا: " يجب أن تراجع الفيلات الخاضعة لهذا التصنيف، فعلى أي أساس يتم التقييم؟".
يرجع تأسيس هذه الفيلا إلى العام 1926 على يد اللواء أحمد عبدالرحيم حجازي، لكن الزائر الآن قد يظن للوهلة الأولى أنها بيت تقليدي يتكون من طابقين. يسكنها الآن حفيدتا مؤسس الفيلا وتقيم الأسرتين كحراس على أملاكهم دون القدرة على الفكاك من أسر المكان.
في بداية القرن الماضي تأسست حدائق القبة جوار قصر القبة بعدد قليل من الفيلات، وظل الحي محافظا على طابعه في سكن النخبة حتى انتهت فكرة بناء الفيلات في الحي إلى الأبد ، وبدأت الفيلات تتساقط واحدة تلو الأخرى وأقيمت مكانها أبراج حديثة وهو ما زال يحدث حتى الآن.
بعض الفيلات القديمة الآن هجرها أصحابها وتحولت إلى بيوت أشباح مهجورة، بينما ظل بعض الورثة في فيلات أخرى.. وهناك أبدى كثير منهم الحرج في الحديث عن أسباب تمسكه بالبقاء في تلك الفيلات نظرا لأن بعضهم لديه مشكلات مع بقية الورثة والبعض الآخر يتحفظ على الحديث عن مستقبل الفيلا وطموحه في بيعها ومدى إمكانيته حصوله على تصريح هدم.
ما زالت بعض قصور وفيلات حدائق القبة تشير إلى حقبة قديمة حيث سكنها اللواء محمد نجيب والسياسي البارز إبراهيم شكري الذي تحول قصره إلى مؤسسة خيرية بعد وفاته العام الماضي، و في نفس الحي ما زال هناك قصر الفنان نجيب الريحاني الذي تحول إلى قصر ثقافة، وقصر السياسي أحمد ماهر الذي تحول إلى مدرسة. لكن السمة العامة المسيطرة اليوم هي أن الفيلات أصبحت على وشك الانقراض، وأصبحت غريبة على الطابع العام للحي.
يرى الدكتور عصام الدين محروس أستاذ الهندسة المعمارية في كلية الهندسة بجامعة أسيوط أن منع هدم الفيلات ذات الطابع المعماري المتميز جاء متأخرا بعد أن تغيرت معالم المنطقة تماما، وأصبحت مزيجا من غابات العمارات العملاقة والمساكن الشعبية. ورغم انه واحد الذين تملكوا منذ سنوات فيلا عريقة في منطقة حدائق القبة إلا أنه يقول: "يجب إعادة النظر في جدوى بقاء بعض الفيلات القديمة والمهجورة بواسطة لجنة من أساتذة العمارة والآثار وتحديد قيمتها المعمارية، وتعويض أصحابها في حالة تضررهم.. فليس ذنب المالك أنه امتلك منزلا جميلا ".
وحسب رؤيته المعمارية يرى الدكتور عصام أن منطقة حدائق القبة لا يمكن مقارنتها بمناطق مثل الكوربة في مصر الجديدة أو منطقة مثل جاردن سيتي التي يطغى عليها طابع واحد، مضيفا : "رغم إقامتي بين أسيوط والقاهرة إلا إنه يمكنني القول بأن منطقة حدائق القبة لم تعد مناسبة أبدا لفكرة الفيلا، فمن خلال ما لمسته في السنوات السابقة فقد أصبحت العمارات العملاقة كاشفة لتفاصيل الفيلات، و أوجدت المناطق الخلفية الشعبية تناقضا بحيث لم تعد الفيلا سكنا عمليا في هذا الحي الذي اعتمد في بدايته على سكن الفيلات".

Thursday, October 22, 2009

الحنين إلى المدرسة في الزمن الصعب

أجواء الخوف من أنفلونزا الخنازير داخل المدارس، وانتشار الدروس الخصوصية في مراحل التعليم المختلفة، لم تمنع البعض من أن يرتمي في أحضان مدرسة المتفوقين الثانوية بعين شمس، وما زال خريجوها تحت تأثير الحنين إليها.. زيارة إلى مجتمع المتفوقين

كتب ـ عبدالرحمن مصطفى

أمام مدرسة المتفوقين الثانوية بمنطقة عين شمس ما زالت هناك لافتة قماشية تعلن عن استضافة مركز تعليمي بالمنطقة لدورات تأهيل الدخول لاختبارات مدرسة المتفوقين وأعلنت اللافتة المتهرئة عن انفراد المركز بما اسماه كتاب "اختبارات المتفوقين". بعض اتجهوا بالفعل إلى هذا المركز في يوليو الماضي فيما تعفف طلاب آخرون عن ذلك واعتمدوا على أنفسهم. محمد محمود طه (15 سنة) كان أحد من تقدموا هذا العام للالتحاق بالمدرسة وتم قبوله في الصف الأول الثانوي، لم تنجح المخاوف السائدة حول انتشار وباء أنفلونزا الخنازير بين المدارس في منعه من التمسك بفكرة الالتحاق بمدرسة المتفوقين الثانوية حيث المبيت والدراسة داخل أسوار المدرسة، وحسبما أوضح فقد كان هدفه البحث عن تعليم متميز وظروف أفضل للدراسة. سمع من زميله في مدرسة شبرا الإعدادية عن المدرسة وطابعها الخاص فقرر التقدم لامتحاناتها التي عقدت قبل بدء الدراسة، الآن هو أحد طلبة المدرسة.
"جئت هنا بحثا عن شرح أفضل من الأساتذة، وأجواء تتيح لي التفرغ الكامل للدراسة، وأردت أن أختبر قدرتي على الاعتماد على نفسي تماما بعيدا عن المنزل". تلك الأسباب الموجزة هي التي دفعت محمود إلى محاولة إقناع أسرته بقبول الفكرة، و الآن أمامه وقت طويل حتى يحكم على صواب اختياره. كما أن عليه أن يثبت تفوقه هذا العام أمام إدارة المدرسة بأن يحصل على تقدير يتجاوز 80% حتى يستمر ضمن طلابها.
حسب تقديرات إدارة المدرسة يتقدم إلى اختبارات الالتحاق بالمدرسة حوالي 1500 طالب يؤدون اختبارات تحريرية في الذكاء والمهارات الخاصة، ويتم اختيار 96 طالب هم الأعلى تقديرا للالتحاق بالصف الأول الثانوي، لكن في هذا العام الدراسي كانت الإدارة تراهن على أن حالة الهلع التي أصابت بعض أولياء الأمور من ذهاب أبنائهم إلى المدارس قد تمتد إلى مدرسة المتفوقين، خاصة وأنها تعتمد على مبيت الطالب والتغذية داخل المدرسة، فاقترحت الإدارة تخيير الطلاب بين المبيت الداخلي أو الإقامة في المنزل على عكس كل سنة دراسية وتوزيع الأماكن بين الطلاب الأبعد سكنا، بحيث يتوافر لكل طالب غرفة خاصة، إلا أن المفاجأة أن أولياء الأمور لم يتأثروا بالمخاوف السائدة حول انتشار وباء الأنفلونزا، وتمسكوا بحق أبنائهم في المبيت الداخلي. وأبدوا حرصا على إدماجهم في نمط حياة جديد.

"التعليم المتميز وتفرغ المدرسين للطلبة هو ما يدفع الطلبة إلى الارتباط بالمدرسة، حتى بعد تخرجهم". هكذا يرى الأستاذ محمد حامد مدير مدرسة المتفوقين أهم أسباب الارتباط بالمدرسة، ويوضح أنه منذ عمله في المدرسة في عام 95 لم يجد عاما دراسيا في خصوصية هذا العام، فالصف الثالث الثانوي به طالبان فقط محولان من الدول العربية لأن هذه الدفعة فارغة بسبب إضافة السنة السادسة الابتدائية منذ ست سنوات، ومع انتشار المخاوف من وباء أنفلونزا الخنازير أصبح كل فصل دراسي يضم 19 طالبا على عكس السنوات السابقة حين كان يصل إلى 24 طالبا.
يضيف : "كل هذا أعطى ميزة أكبر للطالب، خاصة أن نظام المدرسة يعطي مساحة للدراسة المسائية مع المدرسين خارج وقت الدراسة الصباحي." كل هذه التفاصيل التي تركز على التعلم تعمق الصلة بين الطالب والأستاذ حين يصبح بديلا عن الأسرة، وهو ما يعيد بعضهم إلى المدرسة بعد التخرج. فأحيانا ما يمر على مكتب الأستاذ محمد حامد طالب من خريجي المدرسة لمجرد إلقاء تحية صباحية على أستاذه السابق أو استنشاق هواء المدرسة الذي افتقده في حياته الجامعية الجديدة.
من أهم الأدوار في حياة الطالب داخل المدرسة هو دور المشرفين الذي يعززون صلته بالمكان ويعمقون ولاءه، وهم أخصائيون اجتماعيون يتبادلون التواجد طوال اليوم في ثلاث نوبات للرقابة على الطلبة. وداخل المباني التي يبدو عليها القدم والتصميم ذو الطابع العسكري يتوافر مشرف لكل عنبر، وفي داخل أحد هذه العنابر يقيم الدكتور رضا محمد مع الطلبة في غرفة مجاورة لهم، يتابعهم في غرف نومهم، ويدرس مدى تآلفهم، ويعطي الإذن بالخروج والدخول، ويقول : "المشاكل التي تواجه المشرف غالبا تتركز في الفترة الأولى حين يتم نزع الطالب من الاعتمادية على والديه وأسرته والاعتماد على نفسه والانصهار وسط زملائه ونظام المدرسة".
بدأ الدكتور رضا عمله في الإشراف داخل المدرسة من العام 92 وأثر تواجده بين المراهقين على حياته الشخصية، فاختار أن تكون موضوعات الماجستير والدكتوراه التي أجراها حول حياة المراهقين، ويرى أن تدخلات أولياء الأمور أحيانا ما تفسد عمله لأنها تلغى الهدف من اعتماد الطالب على نفسه ويوضح: "نظام المدرسة كفيل بإيجاد الألفة بين الطلاب فهم يفطرون سويا ، ويخدم كل طالب نفسه ويتعاون مع زملائه في الدراسة والسكن، و نحاول التغلب صعوبات العام الأول بالتوفيق بين الطلاب أثناء تسكينهم في الغرف، ورغم أن المدرسة تقدم خدمة التعليم المسائي حسب احتياجات الطلبة إلا أن بعض أولياء الأمور يحاول ربط الطالب بالدروس الخصوصية في فترة الأجازة وهو ما تحاول المدرسة الوقوف ضده تماما ".
منذ عام 92 حتى الآن تطورت مشاكل المراهقين وأصبحت الرقابة على أجهزة المحمول تطورا جديدا على عمل مشرف الغرف إلى جانب دوره التقليدي في تشجيع الملتزم وتقييم الطلاب وملاحظة سلوكياتهم وكتابة تقارير عنها.

مجتمع المدرسة

هذه الأجواء القريبة من الأجواء العسكرية فيما يبدو أنها عززت حس الولاء لدى بعض الخريجين، المهندس أسامة جمال 24 سنة، والطبيب الشاب أحمد عوض 23 سنة كلاهما من خريجي المدرسة ورغم مرور سنوات طويلة إلا أنه ما زالت تجمعهما الذكريات الطيبة بالمدرسة. وهو ما ظهر واضحا في لقائهما مع مشرفهما الدكتور رضا.
يعمل أسامة جمال مهندسا في شركة إنشاءات بينما ينهى زميلة أحمد عوض سنة الامتياز كطبيب بشري.
يقول أسامة "ما زالت أعتبر حتى اليوم أن دخول مدرسة المتفوقين هو طفرة في حياتي، وتغيير شامل في نظام حياتي، يكفي إحساسي بالفخر حين أتحدث مع زملائي عن أني من خريجي مدرسة المتفوقين وكيف اشرح تاريخها لمن لا يعرفه". لم يكن قرب سكن أسامة من المدرسة هو السبب الوحيد في الالتحاق بها قبل تسع سنوات بقدر ما كان قرار مجموعة أصدقاء كان واحدا منهم اختاروا الدخول في تجربة مدرسة المتفوقين.

لم يتذكر أسامة من سلبيات المدرسة سوى "رهبة بعض المشرفين في قلوب الطلبة" وان كان قد ذكر انه يتفهم هذا الآن، أما زميله الطبيب الشاب أحمد عوض قد جمعتهما زمالة منذ أيام الدراسة، ومناسبات أخرى أثناء زيارتهم إلى المدرسة خاصة أنهما في سكن مجاور للمدرسة، وكانت لقاءاتهما مع خريجين المدرسة في مناسبات مثل رمضان، أو في رحلات محدودة العدد سببا في التفكير في إمكانية إيجاد كيان يجمع هؤلاء الخريجين ويحافظ على علاقاتهم وصداقاتهم. ولأن أغلب خريجي المدرسة يلتحقون بكليات الصيدلة والطب والهندسة لأنها لا تحوي فصولا أدبية، فكانت مهمة الصديقان في تنفيذ هذا الهدف .

ومع البدء في استخدام شبكة فيسبوك الاجتماعية على نطاق واسع، بدأ خريجو المدرسة من أمثال أسامة جمال وأحمد عوض في البحث عن زملائهما من خلال فيسبوك، خاصة أن هذا هو الهدف الرئيسي من الموقع، وهناك عدد لا بأس به من مجموعات فيسبوك تضم خريجي المدرسة وطلبتها الحاليين، أحدهم من دفعة العام 2007 جمع صور الذكريات وأضاف إليها موسيقى ووضعها كلقطات فيديو اجتذبت عشرات التعليقات من أبناء دفعته، وفي مجموعة أخرى أحد طلبة الإعدادي يسال عن كتاب الأسئلة الخاص بالتقدم للمدرسة، وآخرون يعرفون أنفسهم على أمل إعادة العلاقات مع زملائهم وتوطيدها. كل تلك الأمور كانت تجري أمام أسامة وزميله أحمد عوض فاختارا أن يتجها إلى أبعد من إنشاء مجموعة على الفيسبوك إلى تأسيس جمعية للخريجين.
يقول أحمد عوض : "ما زلت حتى الآن افتقد المناقشات الجميلة التي كنا نديرها في دفعتنا حول قراءاتنا، وآراءنا فيما يحدث حولنا.. وفي العام 2008 قرأت إعلانا يدعو أبناء دفعة عام 58 إلى حفل في فندق كبير بمناسبة اليوبيل الذهبي، فألهمتنا هذه الخطوة كي نعمل على تأسيس جمعية اصدقاء وخريجي مدرسه المتفوقين الثانويه التي ما زالت تحت الاشهار ".

تاريخ تجربة

يعود تأسيس مدرسة المتفوقين إلى العام الدراسي 54/55 حين كانت عبارة عن فصول ملحقة بمدرسة المعادي الثانوية، أحد أبناء الدفعة التالية لهذه الدفعة هو الدكتور أحمد فرحات الأستاذ بمعهد التخطيط القومي يقول : "كانت المدرسة ترسل الخطابات إلى الخمسة الأوائل على مستوى المحافظات كي يلتحقوا بالمدرسة، فكنا وقتها نمثل أطيافا مختلفة من المجتمع بكل فئاته".
الدكتور أحمد فرحات هو نفسه الذي بادر مع أحد زملائه القدامى بالاحتفال باليوبيل الذهبي لتخرج هذه الدفعة في العام الماضي داخل أحد الفنادق الكبرى. ويرى أن المدرسة إلى حد ما نجحت في إيجاد نخبة منهم الوزير الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي ومحافظ الفيوم الحالي وعدد من العلماء والأكاديميين في مجالات الطب والهندسة وغيرها، إلا أنه يعيب على المدرسة أنها لم توجد ما يحافظ على التواصل بين خريجيها. ورغم أن الدفعات الأولى عاشت حفاوة خاصة وصلت إلى حد زيارة كمال الدين حسين وزير التعليم وعضو مجلس قيادة الثورة إلى المدرسة في زيارات خاصة لتقييم أدائهم كما يذكر الدكتور فرحات. إلا أن الحفاوة الأكبر كانت في انتقال المدرسة إلى مكانها الحالي في منطقة عين شمس في العام الدراسي 60/61 . الدكتور عادل بلال أستاذ متفرغ بقسم الأشعة بطب القصر العيني كان ضمن أول دفعة تلتحق بالمدرسة في هذا العام. وما زال حتى اليوم مخلصا للمكان رغم ما يصفه بعدم حدوث تطوير على المدرسة منذ أن أنشئت.

حاول الدكتور بلال إنشاء رابطة لخريجي المدرسة في السبعينات لكن التجربة لم تستمر، أما اليوم فيرى المدرسة بعيون أخرى يقول "الأجواء الحميمة والتلاصق في السكن يوجد رابطة ومجتمع خاص بالمدرسة، يستطيع هضم الفروق الثقافية والاختلافات بين المحافظات، ومع ذلك كانت هناك عوامل تميز نستطيع أن نلمسها بين أبناء الريف والمدينة أو مدن القناة والصعيد، كانت طبيعة المدرسة تدمج الجميع في هدف واحد".
كانت المدرسة في ذلك العام ما زالت تختار الأوائل من المحافظات، على عكس ما يحدث اليوم في اختبار المتفوقين. ويصف الدكتور بلال التجربة بأنها كانت ذات طابع سوفيتي (!) يعتمد على فكرة إعداد النخب في طابع ملتزم وعسكري و كانت المنح الدراسية توجه إلى الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة.

محاولات تقييم المدرسة لم تكن حصرا فقط على الخريجين القدامى بل حاولت بعض الدراسات القليلة تناول جدوى المدرسة وتقييم التجربة، وفي العام 90 ذكرت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية بعض الجوانب السلبية المتعلقة بالتجربة، منها أن حدة التنافس بين المتفوقين قد تؤدي إلى مشاكل نفسية نتيجة ضغط المنافسة، وأن قدرة طلاب المدرسة على الحفظ والاستدعاء قد تعبر عن تفوق ظاهري، كما أن البعد عن الأهل في النظام الداخلي قد يدفع إلى ضعف الصلات مع الأسرة وتعزيز حس التعالي عليهم، أما النقطة الأهم فكانت أن عزل المتفوقين في مكان واحد يؤدي إلى حرمانهم من خبرات حياتية ضرورية.

تلك الآراء كانت قد أعيد طرحها في العام 2007 حول جدوى تجربة مدرسة المتفوقين حين أعلن السيد وزير التربية والتعليم عن اقتراح تعميم التجربة في المحافظات، خاصة حين انتقد بعض الخبراء الفكرة مشيرين إلى أن بعض خريجين المدرسة تحولوا إلى طلبة عاديين في كلياتهم. وهو ما ترد عليه إدارة المدرسة الآن بأن هدفها هو "الحفاظ على التفوق، لأن المتقدمين إليهم هم من المتفوقين وليسوا من الأوائل".
تلك الانتقادات لم تكسر رابطة بعض الخريجين بالمدرسة وولاءهم إليها، كما لم تحبط الطلاب الجدد الذين بحثوا عن تجربة خاصة توفر لهم أجواء الدراسة بعيدا عن زحام المواصلات وتضييع الأوقات والأجواء العامة التي دور المدرسة خوفا من الأوبئة أو لتنامي الدروس الخصوصية
.

PDF

Thursday, October 15, 2009

الحياة في ظل الهرم

قد يبدو سؤالا ساذجا حين تسأل أحد زوار الأهرامات إن كان هذا البناء الحجرى العملاق يمثل لديه أى مكانة أو خصوصية، من وجهة نظر محمد رمضان ورفاقه فإن وجودهم فى منطقة الأهرامات الأثرية بالجيزة كان مجرد «خروجة»، حيث وجدوا فى منطقة الأهرامات طابعا مميزا ونزهة رخيصة لا تتجاوز قيمة تذكرتها جنيهين، جميعهم من طلاب الفرقة الأولى فى جامعة القاهرة ومغتربون من محافظة الدقهلية. يقول محمد: «لم أزر منطقة الأهرامات سوى مرتين فى أثناء الطفولة وهذه هى الزيارة الثانية مع أصدقائى منذ مجيئى القاهرة».

الرحلة لم تكن طويلة من محطة مترو أنفاق الجيزة إلى الأهرامات، فسائق الميكروباص يعرف أقصر الطرق إلى هدفه، أما الثلاثة جنيهات قيمة الأجرة فكانت مناسبة لنزهة رخيصة. أما الانطباع الأسوأ فكان فى رد فعلهم على أسئلة أخرى من نوعية ماذا يمثل الهرم لديهم؟ أو هل يجدون فى الهرم مصدر جاذبية أو طاقة؟ علامات الاستغراب والدهشة كانت كافية لتفهم أن الهرم لا يمثل أبعد من مكان مناسب للنزهة. سيد ــ أحد أفراد المجموعة ــ كان قد أبدى قبلها إعجابه بمعالم أخرى متواضعة مثل «كوبرى قصر النيل أو حديقة الأورمان» لم يخف فرحه بمشهد السائحين واستهجانه قلة عدد الزوار المصريين.
«فى الزيارة الأولى لمنطقة الأهرامات وقعت تحت تأثير المفاجأة حين شاهدت حجم الهرم المذهل على عكس المتوقع، وهو ما جذبنى إلى إقناع المجموعة لتكرار الزيارة».
هكذا يصف انبهاره بحجم البنيان، لكن الأمر لم يتعد هذا الحد معبرا عن وجهة نظر شريحة من الزوار لا تمثل لديهم الأهرامات أكثر من مكان مبهر، وقيمة كبيرة لمصر. لكنهم بمجرد أن يولوا ظهورهم لمنطقة نزلة السمان المجاورة لبوابة أبى الهول يصبح خلفهم عالم آخر تتخذ فيه الأهرامات مكانة أكبر من مجرد مكان للتنزه. فمنذ بداية الشارع المؤدى إلى منطقة الآثار يحاول بعضهم اقتناص أصحاب السيارات الفخمة وجذبهم إلى بازارات بعينها وخدمات أوسع. فالأغلبية هنا ارتبطت أرزاقها بتلك الأهرامات العملاقة وليسوا مجرد أصحاب متاجر أو عمال فى المنطقة، بل أصحاب مكان ورثوا فيه علاقتهم مع الأهرامات والسياحة عن أبائهم.

على العمدة أحد هؤلاء.. يدير متجرا لبيع العطور وبازارا لبيع التحف المصرية، ومنذ الصغر وهو محتفظ بعادته فى إلقاء نظرة تحية صباحية على الأهرامات لأنها «سبب رزقه» حسب وجهة نظره، حتى إن لم يمر عليه زبائن من نوعية محمد رمضان وأصدقائه الزوار.

كان سؤاله عم يمثل هذا البناء الحجرى بالنسبة إليه سؤالا غير واقعيا، إذ كان أكثر اهتماما بتفاصيل عمله اليومى، يستخدم العبارات الانجليزية خلال حديثه كدليل على توحده مع مهنته التى يتحدث فيها بالإنجليزية طوال اليوم مع السائحين، لكنه كان على صلة بآخرين يرون أن لديهم علما كافيا بعالم الأهرامات وما حولها من طاقة. وما إن تحول الحديث إلى مصطلح طاقة الهرم وعمليات التأمل التى يسعى إليها الزوار خصيصا إيمانا بوجودها حتى انتقل على العمدة إلى مدخل متجره مشيرا إلى قصاصات صحف ذات حجم كبير تزيَّن الجدران وتتناول شخصية من أعلام المنطقة على حد تعبيره، تحدث عنه بفخر.. هو الشيخ «عبدالحكيم عويان» الذى عمل دليلا سياحيا لأكثر من نصف قرن، ينتمى لعائلة استقرت فى هذا المكان منذ سنوات بعيدة: «كان يلقى ترحيبا عاليا من الكثير من الأجانب وزوار الهرم، وكذلك فى أثناء أسفاره إلى الخارج» هكذا يصف على العمدة الشيخ عويان الذى رحل العام الماضى تاركا خلفه ذرية اختار لهم أسماء فريدة تيمنا بالحقبة المصرية القديمة مثل: يوسف، وهامان ويعقوب وموسى.

...على خطى السيد عويان

تشير قصاصات الصحف إلى رحلة سياحية قام بها السيد عويان إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى العام 1986 أطل فيها بجلباب مصرى تقليدى داعيا للسلام العالمى مع مجموعة محبة للسلام تحت أعين السفارة المصرية. لكن الاطلاع على كتابات أخرى لبعض الباحثين الهواة والمهووسين بمنطقة الهرم تكشف أن بعضهم اتخذه مرجعا فى نقل بعض الاجتهادات الشفاهية عن تاريخ الهرم. إحدى المدربات الروحانيات استندت إليه فى اعتبار منطقة هضبة الهرم مركز تدفق الطاقات الكونية استنادا إلى هندسة الهرم وموقعه المتوافق مع الجهات الأربع الأصلية، وهو ما أعطى للهرم الأكبر على وجه التحديد مكانة كبيرة لدى الراغبين فى التأمل بحثا عن هذه الطاقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان للشيخ الراحل آراء خاصة تتعارض تماما مع كتب التاريخ الأكاديمية، مثل حديثه عن أن تاريخ بناء أهرامات الجيزة أبعد من تاريخ بنائها الحالى فى فترة ما قبل الفراعين، وهى آراء يعتنقها بعض الغربيين من المؤمنين بطاقة الهرم وغير معترف بها على المستوى الرسمى.

«كانت مجرد اجتهادات من الوالد الذى عاش فى المنطقة وعمل دليلا سياحيا فيها» هكذا يعلق يوسف عويان على آراء والده، وهو يعمل فى متجر مجاور لزميله على العمدة بين تماثيل على النمط المصرى القديم نحتها بيديه هو وأخوه موسى. وبدأ فى شرح رؤية أخرى عن هذا البناء الهرمى الفريد تجاوز فيها عين تاجر البازار القاطن فى رحاب الأثر إلى أبعاد أخرى، إذ يعتقد يوسف وكثيرون حول العالم فى إمكانية الاستفادة من طاقة الهرم من خلال عدة مجالات.
هناك زوار يؤمنون أن البناء الهندسى للهرم الأكبر وموقعه يجعله بمثابة مركز استقبال فيض كبير من طاقة الكون، وهو ما يفيد المتأملين ويزيد من تركيزهم ويسمو بأرواحهم على صعيد رحلات التأمل، ويرفع قدراتهم الروحية إذ إن لكل إنسان مجال طاقة خاصا به. وهو ما يجعل هذا البناء ذا خصوصية فريدة لديهم، وكان تواجد يوسف وإخوته منذ الصغر إلى جانب الهرم سببا فى أن يروا تجارب من أتوا خصيصا بهدف التأمل وإجراء تدريبات روحية.

«هناك من يأت إلى الهرم فقط بهدف ركوب الجمال والتصوير لكن هناك فئات جاءت خصيصا للهرم من أجل الاستشفاء الروحى واكتساب طاقة الهرم، لكل منا طاقة خاصة والتواجد فى الهرم وفى محيطه يزيد من طاقة الفرد ويعيد تنظيمها».

اليوم منعت السلطات «جماعات الهرم» من الدخول إلى منطقة أهرامات الجيزة لأسباب تتعلق بطقوسهم الغريبة، ويطلق العاملون فى المنطقة السياحية المجاورة للهرم على هذه الفئة من الزوار لقب «العبـَّادة» إشارة إلى ما يعتقده البعض فى أن هؤلاء الزوار هم من الوثنيين وأصحاب الديانات الغريبة، يوضح يوسف: «يجب التفريق بين نوعين من الزوار، الأول ينتمى إلى عقائد خاصة ذات طابع وثنى، والثانى هم فئة لا تهدف من المجىء إلى الهرم سوى التأمل الروحى».
يرافق يوسف بعض الأفواج القادمة إلى مصر فى زيارات روحية بعيدا عن منطقة أهرامات الجيزة، يقول: «بعضهم يأتى مع أحجار وكريستالات على أمل أن يحتفظ داخلها بجزء من طاقة الأماكن التى يزورها، ويؤدون طقوسا مثل إطلاق أصواتهم فى فضاء المكان لإبعاد الطاقات الدخيلة أو بتشابك الأيدى أو تلاوة عبارات بعينها. وهناك أرى مشاهد تفيض بالمشاعر تصل ببعضهم إلى البكاء والانهيار». أخته الكبرى شهرزاد سجلت تجربتها منذ سنوات فى لقاء مع إذاعة أمريكية عن موقف تعرضت له حين دخلت غرفة الملك فى الهرم فى سن السادسة، وشعرت بعدها بأنها حازت على «تجربة وخبرة روحية خاصة بها». هذا الطريق دفعها إلى تعلم العلاج بالطاقة وباللمس، ولمع نجمها منذ سنوات حتى صدر ضدهما قرار بإغلاق المركز الذى كانا يديرانه فى العام 2005 وواجها اتهامات بممارسة الدجل. يتفهم يوسف هذه الاتهامات الآن، لكنه متصالح مع هذا ويقول: «هذه أشياء غير خاضعة للعقل، ومنطقها المشاعر.. وهى تحتاج إلى جهد بحثى أكبر لتفسيرها».

...علم الأهرام

كان الهرم بهندسته وطاقته التى آمن بها البعض سببا فى رواج مفهوم «علوم الأهرام» حيث تتم الاستفادة من هذا الشكل الهندسى فى الكثير من البحوث العلمية. الأستاذ الدكتور حامد رشدى القاضى ــ أستاذ البيولوجيا الإشعاعية فى عدد من الجامعات والرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الذرية ــ هو أحد هؤلاء الذين وجدوا فى منطقة أهرامات الجيزة ما هو أبعد من التأملات الروحية، والبحث عن إجابات علمية لبعض الظواهر مثل التوصل إلى أسباب تماسك مراكب الشمس التى اكتشفت جوار الأهرام نتيجة استخدام صخور تشع بغاز الرادون الذى يقضى على الكائنات الدقيقة. ويقول الدكتور حامد رشدى: «هناك أنشطة كهرومغناطيسية داخل الهرم يمكن الاستفادة منها فى استخدامات تقنية وصحية وطبية أو إعادة معالجة المياه. وهنا لا يتم التعامل معه كأثر بل كتشكيل هندسى».
ويرى الدكتور رشدى أن التوسع فى علوم الأهرام ونشرها قد يسهم فى تعزيز الانتماء لدى الشباب يشرح: «نشر العلم سيقضى على الدجل ويرسخ الحس العلمى، إلى جانب ارتباط هذا النوع من المعرفة بمصر وأهرامات مصر سيرسخ الانتماء الوطنى الذى نحتاج إليه الآن».

يشغل الدكتور حامد أيضا منصب الرئيس الفخرى لجمعية شمس النيل المصرية التى تكاد تكون الوحيدة المهتمة بهذا المجال من العلوم فى مقابل مئات الجمعيات الأجنبية التى تتعلق أنشطتها بالأهرامات المصرية. يقول أحمد نصار الرئيس التنفيذى للجمعية إن هناك دراسات على أرض الواقع فى مصر جرت على تأثير الفراغ الهندسى على الكائنات الحية، وأن دراسة فى جامعة المنوفية تناولت استخدامات طاقة الهرم الناتجة عن شكله الهندسى فى زيادة المحاصيل، من خلال ربط الفراغ المعمارى بالخلية الحيوية. وتابع: «تأثيرات تصميم الهرم يمكنها أن تفسر لنا بعض التأثيرات الروحية والنفسية المرتبطة بهذا المكان، وكان الهدف من إنشاء هذه الجمعية هو إعطاء قالب علمى بحت لكل الظواهر العلمية المتصلة بالهرم، من خلال مجموعة الباحثين من أعضاء الجمعية».
أبحاث الهرم حسب أحمد نصار تعد ضمن ملفات الأمن القومى فى كثير من البلدان وتوضع نتائجها فى قالب سرى لحصر الفائدة فى نطاق داخلى، وهو ما يعطى للهرم عدة تجليات سواء لدى زواره الذين لا يبحثون سوى عن نزهة ممتعة أو لدى من ترتبط أرزاقهم بوجوده، إلى جانب القادمين من أجل اكتناز طاقة يؤمنون بوجودها فى مجاله، ثم أخيرا لدى العاملين فى مجال بحوث الأهرام التى مازالت فى خطواتها الأولى فى مصر.

Sunday, October 11, 2009

متاجر يحرسها الشيوخ والزعماء

فى بعض الأحيان تتحول الصور المعلقة على جدران بعض
المحال والأماكن العامة إلى أيقونات تضفى قدسية على أصحابها وتعطى من يراها إحساسًا
بالأمان.

فى منتصف شارع محمود بسيونى ــ الأنتكخانة سابقا ــ بمنطقة وسط البلد القاهرية تقف الدكتورة فاطمة بدوى داخل صيدليتها لصرف الروشتات وإعطاء الحقن الطبية وإلقاء الأمنيات الطيبة بالشفاء العاجل لزوارها فى أجواء قد تبدو تقليدية للوهلة الأولى، لكن التقدم خطوات قليلة ناحية الباب يكشف عن روح أخرى تسيطر على المكان حيث يبرز الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى مدخل الصيدلية ليجذب أعين الزوار لا إراديا وكأن إطلاعهم على صورته طقس يؤدونه بمجرد دخول المكان.

«أنا من جيل الستينيات الذى رأى عبدالناصر وأفكاره وآمن بمبادئه كما شاهد انحيازه للفقراء والعمال والفلاحين»، لم تكن تلك هى الجملة الوحيدة التى وصفت بها الدكتورة فاطمة عصر عبدالناصر بل كانت مجرد مقدمة بسيطة فى حوار طويل عن عصر الزعيم الراحل اعتبرته نقطة تحول على العديد من المستويات بدءا من إتاحة التعليم لجميع الطبقات الاجتماعية حتى سياساته الخارجية. ولم تجد حرجا فى عقد مقارنات بين الزمن الحالى وزمن المجد الغابر.

كانت صورة الزعيم هى ما يوضح موقفها بشكل مباشر وقاطع فلم تبالغ حين وصفت جمال عبدالناصر بأنه أب روحى لها، ففى مدخل الصيدلية إلى جوار صور الزعيم وضعت صورة والدها بالأبيض والأسود وكأن جمال عبدالناصر فرد من أفراد العائلة.
وتضيف: «والدى كان يحبه أيضا.. رأينا فى تلك الفترة العديد من الأسباب التى تجعلنا نرتبط به حتى الآن، ففى مجال الصناعات الدوائية كانت الصناعة المصرية هى الأساس وكان الوكيل التجارى مصريا انصياعا لنظام اقتصاد هذه الفترة، وما إن ينته الشاب من تعليمه حتى يتلقى خطاب التعيين فور تخرجه، وضعى لهذه الصورة ليس ارتباطا بشخصه.. إنما بمبادئه التى أوجدت كل تلك الأمور».
يعمل فى الصيدلية مع الدكتورة فاطمة ابنها الشاب فى سن الثلاثين، لم يكن غريبا أن يحمل هو الآخر اسم جمال تيمنا باسم الرئيس الراحل.. جمال الدفترار نجل الدكتورة فاطمة متصالح مع ذكرى الزعيم ومع أسباب وجود صوره البارزة فى الصيدلية...
«وأما بنعمة ربك فحدث» بهذه الآية التى ذكرها جمال حاول توضيح أن الشخصيات والزعماء قد يكونون نعمة على بلدانهم، ويضيف: «ليس لدينا انتماءات سياسية ولسنا ناصريين بالمعنى التقليدى.. لكننا نعرف قدر هذا الرجل. فحين نرى الآن من كانوا مختلفين معه فى فترة حكمه وهم يشهدون له ولقراراته الآن، فهذا خير دليل على مكانة هذا الرجل».

فى وجود صور عبدالناصر مع إطلالته الجادة على زوار الصيدلية والمارة فى الشارع ترسل الصورة رسالة معلنة وإن كانت غير مباشرة إلى زوار المكان، ويرى الدكتور شاكر عبدالحميد ــ أستاذ علم النفس وصاحب الدراسات حول «العملية الإبداعية فى فن التصوير» و«عصر الصورة» ــ أن الصورة وظروف وجودها قد تخرج خارج إطار علاقتها بالسلطة وتوجد لأسباب أخرى، ويقول: «الصورة تجسد المعنى والرسالة أكثر من الكلمات العادية، كما تعبر الصورة عن أحلام اليقظة الشاردة التى لا تجد متنفسا لها، فيتم ابتعاث حلم اليقظة ويتجسد فى صورة الزعيم».

فى حديثها عن عبدالناصر لم تخف الدكتورة فاطمة ارتباطها بعصر الرئيس الراحل، ولعل رسالتها من وجود هذه الصورة قد وصلت إلى كثيرين مروا من هذا المكان فحسبما ذكرت «صور عبدالناصر فى مكانها هنا منذ أن بدأت عملى فى عام 1975، وكثيرا ما تأتينى تعليقات مشجعة خاصة من الزوار من الدول العربية من لبنان وسوريا واليمن، وتلقيت الكثير من التحيات على استمرار هذا الوفاء للزعيم الراحل صاحب الشعبية فى البلدان العربية». تتذكر واقعة طريفة عن زائر من اليمن فتن بصورة لعبدالناصر كانت جوار الصور الحالية فى نفس المكان، لكنها كانت أكبر حجما، وبعد مفاوضات وجدل اضطررت إلى إهدائه الصورة حين شعرت صدقه وحرصه على اقتناء صورة الزعيم الراحل.

يتدخل نجلها جمال «لسنا من هواة اقتناء الصور.. لكن شخصية الفرد هى ما تفرض وجوده، فوالدى على سبيل المثال يضع صورة الأنبا شنودة فى مكتبه رغم أننا مسلمون، فقط لأنه يقدر قيمة هذا الرجل ومكانته فى مصر». تؤيده فى ذلك والدته وتضيف: «المسألة كلها متعلقة بالانتماء إلى المبادئ وليس للأشخاص».

شعور بالأمان
المفارقة أن صيدلية الأنتكخانة ليست وحدها المفتونة بصور الرؤساء فإلى جوارها مقهى شعبى رفع صورة الرئيس الأمريكى باراك أوباما فوق نتيجة العام، وفى متاجر أخرى أبعد مسافة رفع أحدهم صورة الرئيس الراحل محمد أنور السادات وهو ما لم يبد أى من الدكتورة فاطمة أو نجلها جمال أى تحفظ عليه بل قالا فى أداء واحد «كل واحد حر».

أحد هؤلاء الذين رفعوا صورة الرئيس الراحل أنور السادات كان «وليد على» الذى ظل فترة رافعا الصورة التى رسمها بيده فى متجره ناحية منطقة لاظوغلى، ولم يكن ذلك إعلانا عن موقف بقدر ما كانت صورة ضمن مجموعة من صور الزعماء والشخصيات المشهورة التى يرسمها لزبائنه من محبى اقتناء صور المشاهير، لكن اختياره صورة الرئيس الراحل السادات تحديدا لم يكن من قبيل الصدفة ولا لأسباب فنية متعلقة بالصورة يقول: «اختيار السادات تحديدا كان نتيجة حبى له، فأنا عشت أيامه وفى تقديرى الشخصى أراه عقلية جبارة.. أنا عاشق لهذا الرجل».

كانت صورة السادات هى واجهة متجره حين عمل فترة مستقلا فى متجر خاص، أما فى المكان الذى يعمل فيه منذ سنوات طويلة فتحمل واجهة المحل صورا أخرى لا تنتمى لنمط واحد من الشخصيات، حيث تتجاور صور العائلة الملكية مع صور الرؤساء وتحيطها صور فوتوغرافية أخرى لمشاهير الفنانين، ويعتبر وليد رسم هذه الصور فى النهاية مجرد عمل يؤديه إلى زبون، فرغم عشقه للسادات فإنه يرسم بيديه صورا للعائلة الملكية، يقول: «تأتينى طلبات لهذا النوع من صور الشخصيات الملكية والفنية من عهد ما قبل الثورة، وهو ما لم يظهر إلا منذ عدة سنوات فقط، عدا هذا فلا يوجد نمط معين من الزبائن يطلب صور الزعماء، فقد جاءنى فى إحدى المرات شخص بسيط الحال يطلب صورة الرئيس جمال عبدالناصر، دون أن يبدو عليه مظاهر حب اقتناء الصور، أو أى انتماء.. فقط نتيجة حبه هذا الزعيم».
لا يخفى وليد على الذى يقدم نفسه كفنان تشكيلى ولعه بصور عبدالناصر وتحديدا صور مصوره الخاص حسين بكر وقدرته الفذة على التقاط كادرات مميزة، وهو ما لم يتناف مع افتتانه بسياسة السادات.

أما الطلب الرئيسى لدى وليد فهو على البورتريهات الشخصية للأفراد، وهذا هو عمله الأصلى الملحق باستوديو التصوير الذى يستضيف موهبته فى رسم البورتريه الشخصى. أما فى واجهة المتجر فليست كل الصور لزعماء أو فنانين فمن أكثر اللوحات قيمة لديه واحدة للشيخ محمد متولى الشعراوى ولوحة للسيدة العذراء سماها الأمومة، لا يبيع نسخها الأصلية بل يستنسخها. ورغم الأجواء الاحترافية التى أدار بها حديثه عن الصور فإن الحديث عن صورة الشيخ الشعراوى وصورة العذراء كان أشبه بحديث عن أيقونات دينية مقدسة.
يؤكد الدكتور شاكر عبدالحميد على وظيفة أخرى للصورة وعلاقتها بالإنسان وما توصله من رسائل للفرد «أحيانا ما يكون الهدف من الصورة هو بث الإحساس بالأمان فى مقابل الخوف وانعدام الأمن خارج إطار هذه الصورة». يضيف الدكتور شاكر بعدا آخر فى علاقة الفرد بالصورة حين تتحول شخصية صاحب الصورة إلى رمز «فى هذه الحالة تعمل الذاكرة الفردية على استدعاء ما بداخل الإنسان من حب وتقدير لصاحب الصورة وما له من صفات إيجابية تستدعيها الصورة».

الشيخ والمريد

هذه الحالة الأخيرة توضحها علاقة البعض مع صور الرموز الدينية حين يضعونها فى متاجرهم كقدوة حاضرة معهم فى نشاطهم اليومى تراقب أفعالهم بابتسامة راضية لن ينالوها فى الواقع إما لوفاة صاحب الصورة أو صعوبة التقائه. الحاجة نادية إبراهيم المصرى (68 سنة) تقيم أغلب يومها فى متجرها البسيط بمنطقة الدراسة جوار مسجد الشيخ صالح الجعفرى، داخل المتجر صور متنوعة للشيخ الجعفرى المتوفى عام 1979، أغلبها التقطت فى مكان إلقاء دروسه على مريديه من كل الأقطار فى رواق المغاربة بالجامع الأزهر..
وللسيدة نادية إبراهيم صلة أعمق بالشيخ الجعفرى، فزوجها الراحل أبوالعلا أحمد هنداوى كان من أتباع الشيخ ومريديه، ترك وظيفته بعد أن وصل إلى منصب مدير وظل ملازما للشيخ صالح فى خلوته وفى مجالس العلم وفى تحضير موائد الطعام للمحتاجين.

«كان الشيخ داعية للإسلام وعالما قدم للناس الصوفية الحقيقية بعيدا عن الابتذال» هذه الكلمات كانت مقدمة تعريفية تلقيها السيدة نادية أحيانا على بعض الزبائن الواقفين فى متجرها لتصوير مستنداتهم أو شراء سلعة سريعة حين يسأل أحدهم عن صاحب الصورة. نفس هذه الصور المعلقة فى متجرها توفرها مكتبة مجاورة فى رحاب المسجد تبيع كتب الشيخ وأوراده.

ويشترى المريدون الصور للتبرك بها والاحتفاظ بذكرى شيخهم مؤسس الطريقة الجعفرية.
لدى الحاجة نادية القدرة على الرد على من قد يتهمونها بإضفاء مظاهر التقديس على شيخها بوضع صورته داخل المتجر تقول: «هل وضع الابن صورة أبيه المتوفى ما يضفى قداسة على والده؟ إنه الوفاء لرجل ساعدنى بشكل شخصى على الهداية، وولاء من مريديه الذين تحلقوا حوله سنوات فى مجالس العلم وما زالوا متصلين بأوراده وأذكاره وعلمه».
لدى السيدة نادية وعى كامل بما يسدد إلى الصوفية من انتقادات وتحديدا فى علاقة الشيخ بالمريد وما قد يصل إلى البعض من أن صور شيوخ الصوفية امتداد لعلاقة الخضوع بين الطرفين، لكنها تقدم جانبا آخر لم تخف فيه اعتزازها بشيخها الجعفرى «الشيخ صالح تحديدا كان رجل علم، يلقى دروسه فى الحضرة، له دور عظيم فى حياة الكثيرين، فبعد أخذ العهد من مريديه ينال التابع التكليفات الروحية بحيث تتناسب مع حياته وظروفها، وتوفر لمريديه القدرة على النجاح فى حياتهم، وليس لى صلة بمن قد يتطرف من المتصوفة، لكن الاعتدال هو ما يضبط هذه العلاقة، والاحتفاظ بهذه الصور ليس إلا فى نطاق هذه العلاقة الصحية بيننا وبين الشيخ رحمه الله».
قد تختلف سياسة الرئيس الراحل السادات مع سياسة الرئيس جمال عبدالناصر، وقد تختلف ديانة الشيخ صالح الجعفرى عن الأنبا شنودة، إلا أن الخيط الوحيد الذى يجمع هذه الصور هو اقترابها من درجة الأيقونات حين تعلق فوق جدران متاجر المحبين والمريدين وأن لكل منها رسالة أراد صاحب المتجر أن يوصلها إلى نفسه فيطمئن، وإلى الآخرين فيتذكروا.

Sunday, October 4, 2009

نبش فى ذاكرة محارب قديم

الاحد 4 اكتوبر 2009

عبد الرحمن مصطفى
..........روح أكتوبر تسكن القلوب، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين خاضوا هذه الحرب و يخشون أن تتلاشى هذه الروح من الذاكرة. شهادات.

لا يجد الدكتور أحمد نوار الفنان التشكيلى والأستاذ بكلية الفنون الجميلة (جامعة حلوان)، أى عناء فى استعادة أجواء نصر أكتوبر أثناء عمله الحالى على مشروعه الفنى الأخير «العبور». تكفى نظرات متأملة داخل مرسمه الخاص للكشف عن لمسات محارب قديم بدت واضحة على أغلب أعماله الفنية هناك، ورغم أنه لم يكن فى مصر وقت نصر أكتوبر 1973 فإنه ما زال محتفظا بقناعته فى أن «الطريق إلى النصر بدأ فى حرب الاستنزاف».

كان المجند والفنان الشاب أحمد نوار ضمن صفوف القوات المسلحة فى حرب الاستنزاف بين عامى 1968 و1970، قناصا محترفا نجح فى اقتناص خمسة عشر إسرائيليا بينهم قناصون محترفون، ونفذ عمليات خلف خطوط العدو.
هناك رأى ساحة الحرب مثل لوحة يدرس ظلالها وألوانها، ولم يجد للسؤال الذى دار برأسه «كيف يقتل الإنسان إنسانا آخر؟» سوى إجابة واحدة تحققت فى عام 1973 وهى دفع الظلم عن المظلوم. تلك الخبرة التى سجلها فى كتابه «نوار.. عين الصقر»، ونقلها إلى أعماله الفنية، يصفها قائلا: «مازالت مشاهد الطلقات الحارقة والصواريخ التى تخترق ظلام الليل بأنوارها وألوانها حاضرة فى الخطوط الدقيقة فى أعمالى الفنية».

بعيدا عن التأثيرات الفنية يدين الفنان أحمد نوار إلى تجربة الحرب التى زرعت داخل من مروا بها روح المقاتل الباحث عن النصر. حتى إن لم تكن هى السائدة الآن.. يصف هذا قائلا: «لم أعد أتعجب حين أرى فنانا يسخر من الحديث عن الحرب.
فهو لم يجد المنظومة الكاملة التى تنقل له أهمية التجربة، اليوم نرى أطفالا صغارا يحفظون الإعلانات المكررة دون أن نتساءل كم قيمة فنية أو حدثا وطنيا أدركه هؤلاء الأطفال؟ لا أدعو إلى تحويل الوطنية إلى قيد على الناس بل إلى جعلها إطارا لحركتهم، وتكفى نظرة إلى الأفلام السينمائية الأمريكية وكيف يحتفى صناع السينما بالعلم الأمريكى حتى فى مشاهد الخراب، ونتساءل: أين نحن من هذا!؟».

حرب الاستنزاف أضفت خبرة خاصة فى أذهان من عاشوها ويقول الدكتور نوار: «تعلمت من تجربة الحرب أنه لا يوجد مستحيل، رأيت بطولات وعبقريات من الجنود المصريين، وتعلمت كيف يمكن للمصريين أن يجتمعوا حول هدف ومشروع إذا تم التخطيط المناسب له، وهو ما حاولت تطبيقه فى حياتى العملية من خلال المناصب التى توليتها».
وبكل اعتزاز يتحدث عن تجربة المقاتل الناجح فى الحرب، وهو ما حاول نقله أيضا من خلال عمله الأكاديمى ، ويقول: «لا أتلو قصصا مسلية عن الحرب بل للتحفيز على الابتكار وتحقيق الذات، وأثناء إلقائى المحاضرات على آلاف الشباب أجد رد فعل طيبا، خاصة حين أبرز لهم بطولات شباب كانوا فى مثل سنهم استردوا أراضينا المحتلة، لكن تبقى مهمة استثمار هذه الروح هى المهمة الأكبر».

العبور أحمد
الدكتور أحمد عبد العال- أستاذ الجغرافيا البشرية فى كلية الآداب بجامعة الفيوم- هو أحد هؤلاء الذين مروا بتلك المرحلة أيضا وما زالوا فى شوق إليها و يردد بفخر: «يكفينى اليوم أن السلام الذى عاشته مصر كان بسببنا وخاصة على أيدى الشهداء العظام».

مازال يتذكر يوم الاثنين 22 أكتوبر عام 1973حين لم تلتزم إسرائيل بقرار وقف إطلاق النار وشنت هجمات كانت إحداها على المجموعة التى كان ضمها المجند أحمد عبد العال قرب معسكر الجلاء فاستشهد من حوله وأصيب هو بإصابات خطيرة فى الظهر والذراع والركبة، وانتقل بين المستشفيات العسكرية يتابع علاجه حتى شهر مايو من عام 1975، احتفظ بعدها بآثار المعركة على جسده وفى ذاكرة لا تنسى روح الحرب والانتصار.
يقول : «لا يعرف حلاوة انتصار أكتوبر إلا من عاش مرارة هزيمة يونيو، وكنت بعد الحرب آمل أن تنطلق مصر إلى فضاء واسع فى مجالات أكبر، لكن لم تتحقق التوقعات». لا يخفى الدكتور أحمد عبد العال مرارة حين يجد روح أكتوبر قد تلاشت من ذاكرة البعض وابتعدت عن شباب اليوم، وهو ما حاول بجهد فردى أن ينقله إلى طلبته ويوضح : «استثمر كل مناسبة فى الندوات والتجمعات بالطلبة كى أشير إلى نصر أكتوبر حتى إن جاءت الاستجابة ضعيفة أو حين لا تتجاوز حد التعاطف».

يروى أحد المواقف الدالة أثناء رحلة علمية إلى سيناء، حيث واجه طلبته صورة المحارب القديم مستترة وراء الملمح الأكاديمى ويقول: «لم أتمالك نفسى من البكاء وانهرت حين وصلنا طابا، وتذكرت تاريخ العمليات التى جرت فى الحرب والشهداء الذين فقدتهم ودفنتهم بنفسى، وقتها تفهم الطلاب علاقتنا الخاصة بالوطن وكيف يجب الحفاظ عليه، بعد أن كانوا قد أبدوا قبلها بقليل اعتراضهم على استماعى لأغانى الذكريات الوطنية أثناء الرحلة».
يرى الدكتور أحمد عبد العال أن للعابرين ــ وهو الوصف الذى أطلقه على أبطال الحرب ــ سمات نفسية واحدة، لاحتفاظهم حتى اليوم بجزء من إصرار وعزيمة حققت هذا الانجاز وعمقت الولاء للوطن، هذه الروح المتميزة لم يكن التعبير عنها فقط محصورا لديه فى علاقته مع طلبته، بل عبر عنه فى إنتاج إبداعى عبر عشرات القصص القصيرة والقصائد التى حمل كثير منها ذكريات الحرب، ورواية كتبها تحت عنوان «العبور أحمد» التى مزج فيها سيرته الذاتية وتجربة الحرب مع الخيال إلى جانب قصص أخرى سمعها من محاربين آخرين..

إحدى هذه القصص الحقيقية خصص لها مساحة فى روايته.. بطلها الحقيقى هو سيد إبراهيم أحد جنود حرب أكتوبر، نشرت قصته منذ سنوات فى جريدة الأهرام ونال تكريما عسكريا، ورغم أنهما لم يلتقيا فى ساحة الحرب فإنهما يشتركان فى نفس الذاكرة.

سيد إبراهيم هو الآخر نال إصابة أثناء اشتباك مباشر مع الجنود الإسرائيليين فى يوم السابع من أكتوبر أثناء عملية للقوات الخاصة، بدأ التحضير لها مبكرا فى ليل الخامس من أكتوبر، ويصف الروح السائدة بين الجنود آنذاك: «حماسنا للعملية لم يشعرنا بجوع أو عطش الصيام، كنا خلف خطوط العدو لتعطيل عمليات الاحتياطى الاستراتيجى الإسرائيلى. وخرجنا فى مجموعة تضم 25 جنديا، استشهد منهم 14 شهيدا فى اشتباك أثناء تغيير موقعنا، وفى فجر السابع من أكتوبر تعرض لنا كمين إسرائيلى واستشهد من معى عدا ثلاثة جنود كنت واحدا منهم مع إصابات بالغة».
قضى المقاتل سيد إبراهيم وقتها قرابة العام بين غرف العمليات الجراحية وسرير المستشفى محتفظا بآثار الحرب على جسده، وحاملا روح أكتوبر داخله، ما زال يتذكر كلمات القائد الشهيد إبراهيم الرفاعى «أسطورة العمليات الخاصة» فى محاضراته أن «الوطن يعيش بداخلنا». لا يصيبه الأسى كمحارب قديم سوى حين يقرأ أو يسمع كلمات تشكك فى الحرب وجدواها، أو حوادث طائفية لم يرها بين حاملى روح أكتوبر، حيث اجتمع الجميع فى هدف واحد هو تحقيق النصر، ولا يقلل من حزنه النبيل سوى اطمئنانه لحال العسكرية المصرية اليوم.

روح أكتوبر يرى البعض أنها فى خطر مع رحيل من خاضوا الحرب وعدم وجود قناة توصلها إلى الواقع، وهو ما عبر عنه الدكتور أحمد نوار فى تجديد دعوته القديمة لمشروع سلسلة وثائقية تسجل تاريخ الإنسان المصرى فى حرب أكتوبر 1973، وتكشف عن أبطال لم تصل إليهم الشهرة لتسجيل شهاداتهم قبل رحيلهم.

Sunday, September 27, 2009

دنيا الألعاب

فى أحياء القاهرة الشعبية، كانت تنتشر أساليب ترفيه تقليدية، أصبحت فى طريقها إلى الزوال مثل السيجا والبلى، فهذه الألعاب ذات الأصول الفرعونية تجاور أخرى أكثر حداثة مثل البلياردو، وتشكل جميعا طرقا مثلى للهروب من الواقع، أو على الأقل تساعد على مواجهته وأحيانا احتماله.

على رصيف لا يخلو من التراب جلس الحاج محمد أبومرزوق ــ القادم من أشمون فى محافظة المنوفية ــ أمام زميله الحاج رزق ذى الأصل الصعيدى، حيث اتخذ كل منهما موقعه على أرض مغطاة بالرمال، وما أن استقر الحال حتى بدأ الحاج رزق فى رسم 25 مربعا فى التراب، رص فوقها نوعين من الأحجار باللونين الأبيض والأحمر، وبدآ سويا فى إحياء أمجاد لعبة السيجا المصرية دون صخب. وعلى بعد خطوات من مجلسهما فى شارع أحمد حلمى ناحية مساكن فيكتوريا الشعبية يستقبل المكان الكثير من الزوار المسنين الذين جاءوا فقط للجلوس والحديث سويا، ولا يخلو الأمر من نظرات تعال إلى أولئك الجالسين على الأرض للعب السيجا والتندر على ملابسهم المتواضعة وفرحتهم الساذجة.
من ناحيتهم لا يهتم لاعبو السيجا بهذه النظرات المتعالية، بل يصرون على استعادة أمجاد هذه البقعة من الشارع حين كانت تستضيف أعدادا أكبر من الهواة، يقول الحاج محمد أبومرزوق: «كنا نلتقى هنا منذ سنوات بأعداد أكبر ويجتمع يوميا ما بين 10 و15 شخصا».

الحديث والتواصل مع اللاعبين المسنين ليس بهذه البساطة، فما أن تبدأ المباراة يصبح على الجميع أن يلتزم الصمت والإنصات فقط إلى عبارات المنافسة بين اللاعبين، يصف الحاج محمد أبومرزوق ذلك: «نأتى هنا لقضاء وقت مسل فى لعبة لا تضر، نضيع فيها وقتنا هروبا من همومنا اليومية، ولا نفكر سوى فى السيجا، كما أنها أرخص بكثير من الجلوس على المقهى أو لعب القمار..!». بعد فوزه على منافسه سدد الحاج محمد أبومرزوق عبارات تهكمية إلى خصمه المهزوم وطالبه بتعويض 10 آلاف جنيه بسبب تضييع وقته فى مباراة مع خصم ضعيف مثله.. هذه العبارات التهكمية المريرة تخفى وراءها أحوالا اقتصادية متردية وحياة تعيسة للرجلين.. فالحاج رزق المهزوم انتقل قبل خمسين عاما إلى القاهرة من مركز صدفة فى محافظة أسيوط، وعمل لفترة جاوزت النصف قرن فى بيع الأسماك داخل سوق فيكتوريا المجاور لمقر هوايته المفضلة، لكنه يعيش الآن عامه الخامس والسبعين دون معاش حقيقى أو عمل يقضى فيه وقته، ويزيد من انكساره أنه مضطر إلى أداء واجبه تجاه أسرته فى أسيوط، وهو ما لم يعد يستطيعه الآن. أما الحاج محمد أبومرزوق الذى جاوز السابعة والستين فهو فلاح قديم من أشمون، يترك بلدته بصورة يومية كى يأتى إلى القاهرة التى عمل فيها فترة من حياته على أمل أن يحصل على فرصة عمل جديدة.

فى هذه الأجواء يجلس الاثنان فى شارع أحمد حلمى بصحبة المتعطلين على أمل أن يطل عليهم «مقاول أنفار» يلتقطهم من الشارع. هذه الفرصة لم تعد متوافرة كما كان الحال سابقا.. ففى نفس هذه البقعة منذ أكثر من عشرين عاما كانت تقام بطولات السيجا بين فرق مكونة من هواة اللعبة، وفى فترات أقدم حين كان حى الشرابية المجاور أقرب إلى الطابع الزراعى الريفى وشارع أحمد حلمى أكثر بساطة، انتقلت لعبة السيجا إلى هذه المنطقة بالذات. أما اليوم فيكفى ما يلاحظه الجالس إلى جوار محمد أبومرزوق وزميله رزق حين يمر بهما الناس ويلقون عليهما عبارات التهكم أثناء لعبهما السيجا. أحد الأطفال الذين يطيرون الطائرات الورقية من حولهما وقف قليلا يشاهد لعب المسنين وذكر أن هذه اللعبة موجودة على جهاز الكمبيوتر الخاص به، فى حين ألقت فتاتان عبارة ساخرة على الشيخين «انتو لسه قاعدين هنا؟؟» وهو ما تفاعل معه جيدا الحاج محمد أبومرزوق بعبارة غزل تهكمية ألقاها فى وجه فتاة فى عمر أحفاده.

هذه الجلسة المريرة تحت أشعة الشمس العنيفة والأحوال الاقتصادية السيئة لا يتجاوز المعاش الشهرى فيها مائة جنيه أوجدت وظيفة جديدة للسيجا، حين تحولت إلى مهرب من الحياة وضغوطها وإسقاط الغضب على المنافسين. لكن هذه الوظيفة الجديدة لم تقلل من مكانتها لدى أى منهما، فالحاج رزق الأسيوطى يعى أنه يمارس لعبة قديمة قدم الحياة العربية، وأسهب فى وصف القدرات الذهنية الفذة لذوى الأصول العربية وأدائهم القوى فى السيجا السباعية التى تتكون من 49 مربعا. لكن واقع الأمر أن لعبة السيجا المصرية تعود إلى أصول أقدم.. حيث ما زالت جدران معبد سيتى الأول فى منطقة القرنة الأثرية دليلا على وجود هذه اللعبة العتيقة وانتشارها آنذاك. ويدرك هواة السيجا الباقون أنها تلعب بعدة طرق إما فى شكلها المبسط الثلاثى أو أن تتسع إلى الخماسية بعد أن تتحول إلى خمسة صفوف وخمسة أعمدة مكونة من 25 مربعا، أو سبعة صفوف وسبعة أعمدة بمجموع 49 مربعا، فيطلق عليها السباعية، أما الأكثر انتشارا فهى الخماسية التى تحتفظ الأرض أحيانا بتخطيطاتها فى نفس الموقع بشارع أحمد حلمى بشبرا.

الطريقة التقليدية فى لعب كل هذه الأنواع هى وضع جميع القطع من النوعين فى المربعات مع ترك مربع وحيد فى الوسط، هو الذى يبدأ منه اللعب، وكلما حاصرت قطعتان قطعة أخرى للمنافس يتم إزالتها، أما الفائز فهو من يزيل قطع منافسه من اللعبة. وقد أوجد قدم اللعبة مفارقة طريفة، حيث كانت قطع اللعب على عهد المصريين القدماء تتخذ شكل الكلاب والذئاب، واليوم يستخدم هواة السيجا كلمة «الكلبة» فى وصف قطعة اللعب. وحتى وقتنا هذا كانت المحاولة التى جرت فى عام 1962 هى الأجرأ فى التشجيع على هذه اللعبة حين أقرت لجنة التربية الاجتماعية فى المجلس الأعلى لرعاية الشباب تنظيم البطولات فى السيجا على مستوى الأندية والمراكز.

أما عن ثنائى السيجا القادمين من الصعيد والدلتا القابعين فى منطقة فيكتوريا بشبرا فيكادا أن يكونا ضمن فئة قليلة ما زالت متمسكة بلعبة موروثة عن الأجداد وعن نمط الحياة الريفية. ويكاد أيضا أن ينطبق عليهم بشكل واضح قول الشاعر والمسرحى الألمانى شيللر «الإنسان يصبح إنسانا حين يلعب»، ففى تفاصيل أدائهم وفى مكان وجودهم تعبير صادق عن تفاصيل حياتهم التى حولت لعبة مصرية تقليدية من رياضة ذهنية إلى مهرب من الواقع.

يتعمد مصطفى سعيد (12 سنة) أن يبرز مهاراته بصورة شبه يومية بين أقرانه حول طاولة البلياردو المستقرة فى إحدى حارات حى شبرا القاهرى، ليس مضطرا إلى الوجود فى صالة بلياردو فخمة أو الاشتراك فى ناد راق لممارسة لعبته المفضلة.. يكفيه الاستقرار وسط أصدقائه أمام إحدى طاولات البلياردو المنتشرة حول شارع شيبان بشبرا لتحقيق رغبته فى التنافس. «منذ أن كنت فى الصف الأول الابتدائى وأنا أمارس نفس اللعبة على نفس الطاولات». قال عبارته بفخر متناسيا طول عصا البلياردو الذى أبرز قصر قامته وصغر سنه. وفى الوقت الذى استعرض فيه مصطفى مهاراته أمام أقرانه كانت إحدى السيدات تراقبه من شباك الدور الأول وتستلم النصف جنيه قيمة المباراة أو «الجيم» كلما بدأ. وبكل إصرار امتنعت عن الحديث عن طاولة البلياردو التى تملكها مفصحة عن مخاوفها من لفت أنظار البلدية تجاه طاولتها الوحيدة. «رغم قلة الربح من هذا المشروع إلا أننى أحرص بكل الطرق على استمراره، فامتنع عن استضافة نوعية الشباب الذين قد يثيرون مشكلات مع الجيران أو إزعاجهم». ورغم هذه المشقة اليومية، فإنها تؤمن بعبارة أوضحت هدفها من استمرار هذه الطاولة: «القرش اللى ييجى أحسن من مفيش». أما مصطفى فلديه بدائل أخرى غير هذه الطاولة.. فعلى الجانب الآخر من الشارع، يمكنه أن يلعب مباراة أو «جيم» بنفس القيمة الزهيدة وفى نفس محيط سكنه.

خالد بسيونى (35سنة) الذى يعمل فى محل الجزارة المجاور هو مالك هذه الطاولة، وكان أكثر جرأة فى الحديث عن مشروعه الذى بدأه منذ أكثر من 12 سنة. بدأ بطاولة بينج بونج ثم اشترى قبل ثمانية أعوام طاولة بلياردو ثمنها 1600 جنيه، ليضفى على نشاطه فى الشارع مزيدا من الأناقة ويواكب هوس البلياردو الذى ضرب مصر فى النصف الثانى من التسعينيات واستمر سنوات بعدها حين بدأ خالد نشاطه مع البلياردو. يقول: «فى تلك الفترة كان سعر الجيم الواحد جنيه، ومع انتشار الطاولات فى المنطقة انخفضت القيمة إلى نصف جنيه». ويضيف: «ليس لدى مواسم عمل بشكل واضح، لكن أثناء فترة المدارس يكون الحال أكثر رواجا».
يمتد عمل طاولة خالد بسيونى حتى منتصف الليل تقريبا، ويضىء المكان عن طريق وصلة كهرباء إلى كشاف إنارة كبير فوق الطاولة يمكنه أن يحافظ على زوار الليل، عدا هذا فعليه واجب نظافة الطاولة بصورة شبه يومية. ويقول: «بعد كل هذه الفترة توصلت إلى أسلوب تعامل ابتعد به عن المشكلات المتوقعة بزرع الثقة لدى السكان، والتعامل الحاسم مع الشباب حول الطاولة». حول خالد بسيونى العديد من الطاولات فى الشوارع والحوارى الجانبية، كلهم اجتمعوا على تكرار تجارب نجاح سابقة حين ظهرت أولى الطاولات فى نفس المنطقة قبل 15 سنة فى منطقة فيكتوريا بشبرا. فى تلك الفترة نزلت لعبة البلياردو إلى الشارع بعد أن كانت لعبة يمارسها ذوو الدخل المرتفع مستمدة رقيها من أصلها النبيل، إذ تبناها الملك لويس السادس عشر فى منتصف القرن السابع عشر.

اللعب بفلوس

وبعيدا عن طاولات البلياردو المكشوفة وانتقال اللعبة إلى الشوارع والحوارى فهناك عالم آخر فى دنيا البلياردو داخل المحال المتخصصة.. وعلى بعد عشرات الأمتار من منطقة الطاولات المكشوفة والانتقال إلى شارع المتنزه ناحية شارع شبرا، هناك نمط آخر من طاولات البلياردو داخل المحال المغلقة. فى أحد هذه المحال يقف فادى ــ طالب الصف الأول الثانوى ــ فى محل مستقل عمره 8 أشهر فقط. هناك حيث البعد تماما عن الطاولات المكشوفة يبدأ فادى فى تكوين صداقاته مع زبائنه الشباب. لكن فى حقيقة الأمر فإن والدته السيدة إيمان هى المدير الحقيقى للمكان بما لها من خبرة سابقة فى إدارة كافتيريا سابقة فى شبرا. وتكشف إيمان عن وجه آخر لعالم محال البلياردو الذى أوضحت أنها تقف خارجه تماما، موضحة: «بعض الشباب يلعب الجيم المباراة بمنطق القمار، بمعنى أن يضع كل شاب من المتنافسين مبلغا ما والفائز تذهب إليه النقود مع نسبة إلى صاحب المحل، وهو ما لا أستطيع التنافس فيه». ليس هذا فقط، فبعض المحال تسمح بالتدخين واستخدام الألفاظ الحادة فى أجواء الموسيقى الصاخبة، ويستمر العمل حتى الصباح الباكر دون توقف.

تواجه إيمان مشكلات من نوعية أخرى مع السكان، فرغم حرصها على خلو المكان من السب والتدخين فإن أحد الآباء تقدم ضدها بشكوى بعد أن رأى ابنه وهو يدخن بجوار المحل، ولم تفلح محاولاتها فى نفى التهمة عن المكان حتى اضطرت إلى وضع لافتة ورقية مطبوعة بالكمبيوتر تحمل عنوان «ممنوع التدخين».
وتضيف: «مشكلاتى أحيانا تتجاوز ما يحدث حول (البولة) طاولة اللعب فمن زوارى أيضا المصنفات الفنية التى احتجت فى مرة على وجود أجهزة البلايستيشن جوار طاولة البلياردو، وهو ما قلل جزءا من نشاطى، خاصة حين تتعامل السلطات مع المحل على أنه مكان ترفيهى».

تصف إيمان الأشهر الماضية من عمل المحل بأنها أشبه بسنوات طويلة. ولا تخفى ابتسامتها الساخرة وهى تشرح الحل الأخير الذى توصلت إليه للبعد عن المشكلات : «فى بعض الأحيان يبدو المحل كأنه دار حضانة، حين تمر إحدى الأمهات لترك ابنها لدينا إلى جوار زبائننا الأطفال الأقل إثارة للمشكلات».
يكاد يجمع هواة اللعبة القدامى وأصحاب أندية البلياردو على أن اللعبة شهدت صعودا كبيرا فى فترة التسعينيات حتى أصبحت فى وقت من الأوقات الهواية الأشهر بين الشباب وتحولت أندية البلياردو إلى ملتقيات تجمعهم، لكن هذه الصحوة لم تستمر طويلا رغم انتشار اللعبة حتى الآن داخل الشوارع والحوارى.
يقول محمد القماح، رئيس الاتحاد المصرى لألعاب البلياردو: «بعد ازدهار اللعبة حدث هبوط مفاجىء فى شعبيتها نتيجة عدم تفهم الجهات الرسمية وقتها للانتشار المخيف لأندية البلياردو، وكان عدم وجود شكل شرعى للكثير من الأنشطة سببا فى انهيار هذه الموجة».
ورغم هذا الانسحاب فإنه يؤكد أن اللعبة متاحة من خلال الأندية ومراكز الشباب المجتمعة تحت لواء الاتحاد، ويقدر عدد المشاركين فى هذه التجمعات بعشرين مليون مصرى. أما عن عضوية الاتحاد فلا تتجاوز 1500 عضو فى ألعاب البلياردو المختلفة مثل السنوكر والبول والكاروم.
.

الوقوف فى وضع الاستعداد مع ميل خفيف إلى الأمام ثم إطلاق قذيفة قوية نحو الهدف مباشرة، ليست بوادر حرب أو معركة حقيقية، بل محاولة من أحد أطفال الحى تسديد «بلية» صغيرة نحو زميلتها على أمل إسقاطها فى حفرة غير عميقة. تلك اللعبة التى ما زال يلعبها بعض أطفال الأحياء الشعبية والقرى الريفية فى مصر لا يعرف أغلبهم أنها ذات أصول مصرية ملوكية ترجع إلى آلاف السنين، حين كانت لعبة فى يد أطفال مصر القديمة وأداة تسلية محببة لدى الفرعون الصغير توت عنخ آمون. ورغم هذا التاريخ فإنها آخذة فى الانسحاب من الشوارع المصرية على عكس ما كانت عليه منذ عقود قليلة.
«لم يعد هناك اهتمام بشراء البلى من أجل بيعه للصغار، فالأطفال أصبحوا أكثر انشغالا بألعاب الكمبيوتر»، هذه الجملة كانت محاولة من الحاج عصام التاجر بحارة اليهود فى منطقة الموسكى لتوضيح مدى الإقبال على شراء البلى الزجاجى من متجره المتواضع حيث يفد عليه الزوار للاستفسار عن أشياء مثل ثمن حصان بلاستيكى أو جودة مجموعة من الولاعات، لكن أسفل هذه المنتجات يتوارى كيس شبكى مملوء بالبلى الزجاجى ما زال ينتظر زبونه النادر.
الحاج عصام ما زال هو الآخر متمسكا ببيع البلى من منطلق التخصص الذى فرضه عليه وجوده فى حارة اليهود حيث محال بيع الألعاب والأدوات المنزلية، ويوضح قائلا: «قديما كانت نفس اللعبة تلعب بأغطية المياه الغازية ونواة البلح، بعض الزبائن يشترون البلى الزجاجى لأغراض أخرى مثل زينة أحواض السمك وغيرها».

الكيس الشبكى الذى يحتوى على 100 بلية زجاجية كان يباع لدى تجار حارة اليهود قبل عشرين سنة مقابل 60 قرشا، بينما سعره الحالى هو جنيهان فقط، أما لدى باعة الخردوات خارج الموسكى فتباع البلية الواحدة بخمسة وعشرين قرشا، أى ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف سعرها الأصلى.

قد لا يهتم الأطفال بقصة حياة البلية التى تدور بين أيديهم وتصطدم بأسفلت الشارع وترابه، خاصة أن بعض طرق لعب «البلى» يحصل فيها الفائز على ما لدى الخاسر من بلى، حيث يرص البلى فى شكل مثلث أو دائرة على أرضية محددة الأطراف بشكل واضح، ثم يضربها أحدهم ببلية كبيرة، وكل بلية تخرج خارج الإطار المرسوم هى من نصيب صاحب الضربة الموفقة، وهى طريقة تقترب فى فكرتها من لعبة البولينج. وأغلب «البلى» الذى يباع فى السوق المصرية من صنع الصين حسبما ذكر تجار حارة اليهود، فيستورده التجار الكبار ثم يتم توزيعه فى كميات بسيطة على أصحاب المتاجر من نوعية الحاج عصام. وبجولة على مواقع شركات صناعة «البلى الزجاجى» الصينية الكبرى على الإنترنت نفاجأ بأنها صناعة ضخمة ذات تجارة مزدهرة حول العالم. أحد أكبر مصانع الزجاج والرخام فى الصين أعلن على موقعه أن البلى الزجاجى من أهم منتجاته، بينما تختلف شروط المصدرين فى البيع كأن تكون طلبية فى حدود 2 طن أو أن يكون الحد الأدنى للطلبية هو 45 ألف كيس يتسلمها المستورد خلال ثلاثين يوما.

وهناك نظرة متدنية لهذه اللعبة نظرا لاعتمادها على المراهنات واقتصارها على الشارع وارتباطها بالأطفال دون البالغين، إلى جانب مشاركة الحرفيين الصغار فى ممارستها، وهو ما أوجد التسمية الأشهر «بلية» على مساعدى أصحاب الورش من الصغار. حيث يتوافر «البلى النيكل» فى ورش الميكانيكا التى تتعامل مع «رولمان البلى» فى صيانة السيارات، وهو نوع البلى الذى طالما طمح فى حيازته الأطفال لتميز شكله.

قد لا تكون لعبة البلى أو «الترونجيلة» حسبما كانت تعرف قديما فى مصر ضمن أولويات الكثيرين على عكس ما حدث فى مواقع أخرى من العالم، «فالبلى» الذى كان يصنع من الطين والحجارة والزجاج دخل مجال الصناعة الحديثة فى بدايات القرن العشرين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتحديدا فى ولاية أوهايو الأمريكية. ومنذ العام 2005 أصبح هناك ما يعرف ببطولة العالم فى «ألعاب البلى» تقام فى دولة التشيك برعاية اتحاد البلى العالمى World Marbles Federation الذى تأسس من المتحمسين لهذا النوع من الألعاب، وعلى موقع glassmarbles.com يعرض تاريخ ألعاب البلى وأنواعها. ومن أغرب ما يقدمه الموقع هو عرض دعاية عن الكتب المتخصصة فى لعب البلى وعلى رأسها كتاب تحت عنوان 101 طريقة للعب البلى..!
.

يصنف عدد من الباحثين الألعاب الشعبية المصرية إلى عدد من التصنيفات أشهرها تصنيف اللعبة على أساس وظيفتها فى المجتمع حين تتحول إلى ما هو أقرب إلى التدريبات أو محاكاة الواقع، ومن ضمن المحاولات التى جرت لرصد الألعاب الشعبية فى مصر محاولة للباحث ماهر صالح فى دراسته «ألعاب الأطفال وأغانيهم» المنشورة عام 1967 فى مجلة الفنون الشعبية، حين رصد 76 لعبة شعبية تنوعت أساليبها وطرق أدائها، وكان على رأس هذه الألعاب لعبة السيجا.

ويرى الدكتور صلاح الراوى ــ أستاذ الأدب الشعبى بأكاديمية الفنون ــ أن ما يجب التحفظ عليه فعلا فى تناول هذا الموضوع هو الإفراط فى استخدام كلمة «شعبية» على كل ظاهرة ترتبط بمستوى اقتصادى معين أو بكثرة عددية فى المجتمع. ويوضح بشكل أكثر تفصيلا: «حين نتحدث على سبيل المثال عن لعبة السيجا فيجب أن نفهم نشأتها ووظيفتها والمواد التى تستخدم فيها وعلاقتها بالبيئة المحيطة وكأنها لعبة تعبر عن موقف شعبى، ومستمدة من نمط حياتهم، على عكس ما يظنه البعض من أن الشعبية ترتبط بكثرة الجمهور المؤيد للعبة».
وينتقل الدكتور الراوى إلى التطبيق على ألعاب أخرى يطلق عليها لفظ «شعبية»: «الأكثر دقة هو استخدام كلمة جماهيرية على لعبة مثل كرة القدم، فهى فى النهاية لعبة لم ينتجها الشعب، وكذلك الحال مع الألعاب التى تبزغ فى فترات معينة وتنتشر فى الشوارع مثل البلياردو أو البينج بونج وغيرهما، فهى ألعاب جماهيرية وليست شعبية».
ويوضح الدكتور الراوى أن الأصل المصرى القديم لبعض الألعاب أو وجودها فى مقابر ملوك قدماء المصريين ليس شرطا فى اعتبارها ألعابا شعبية، فلعبة مثل الشطرنج ارتبطت ببلاط الملوك، لكن وصف اللعبة الشعبية الأجدر به أن يطلق على ما أنتجته بيئة وأسلوب حياة الشعب.

PDF

Thursday, September 17, 2009

صلاة بروح الاعتكاف

في جامع عمرو بن العاص
الخميس 17 سبتمبر 2009 2:36 م

عبد الرحمن مصطفى

براءة الأطفال ولهوهم داخل صحن جامع عمرو بن العاص لم يخفيا الأجواء الرجالية التى برزت داخل المسجد منذ بداية العشر الأواخر من شهر رمضان حيث تحولت جدران المسجد إلى «شماعات» تحمل جلابيب وملابس من أتوا للاعتكاف، وحيث تعلو صيحات الآباء على أبنائهم، لكن يظل البطل الرئيسى هو صلاة التراويح التى جذبت الجميع بلا تمييز. تظهر بوادر التراويح فى فترة مبكرة قبل صلاة المغرب بقليل حين تتزايد أعداد من قرروا المجئ والبقاء فى المسجد حتى بدء الصلاة، وهو الوقت الذى تبدأ فيه «وجبات الخير» فى الظهور علنا والانتشار بين صفوف الجالسين.
فى تلك الأثناء يسند أحمد رأفت المهندس الشاب ظهره إلى أحد أعمدة المسجد، حيث وضع حقائبه وبطانية وإفطار بسيط هو زاد يوم واحد فقط، يعمل أحمد فى شركة لتطوير البرمجيات منحته فرصة الحصول على إجازة حتى نهاية العيد، يقول: «حاولت العام الماضى أن أخوض تجربة الاعتكاف والمبيت فى المسجد هنا ولم أنجح بسبب ظروف العمل، فكنت آتى إلى المسجد بعد انتهاء العمل مباشرة واعتكف حتى وقت صلاة التراويح فقط». يرى أحمد الذى جرب الاعتكاف الكامل منذ سنوات فى مسجد مجاور لمنزله فى حى المعادى أن جامع عمرو بن العاص له طابع خاص يساعد على الاعتكاف بسبب اتساعه. ولم يكن هو وحده من شد رحاله إلى جامع عمرو بن العاص، فهناك من أتى من محافظات مجاورة مثل الجيزة والقليوبية لنفس الهدف، وكأنه «موسم» لابد من اللحاق به خاصة مع سمعة جامع عمرو، التى نالها منذ سنوات مع انتظام حضور الآلاف إلى صلاة التراويح للاستماع إلى تلاوة الشيخ محمد جبريل. وكان التقاء أصحاب اللهجة الريفية والحضور المكثف من سكان حى مصر القديمة المجاور للمسجد إلى جانب من أتوا من أحياء قاهرية سببا فى إيجاد حالة خاصة كانت صلاة التراويح هى السبب فى إيجادها.
بعد صلاة المغرب تمتزج رائحة الأكلات المشوية وأطباق الأرز مع رائحة الطعام البسيط من الطعمية والخضار، الغالبية فى وضع استعداد جيد لتناول إفطار مناسب يؤازرهم أثناء صلاة التراويح، التى تدوم أحيانا لأكثر من ساعتين، أما الفترة بين صلاة المغرب والعشاء فمن السهل على الزائر أن يلاحظ تمدد أجساد المتأملين والباحثين عن الراحة إلى جوار من بدأوا تناول المشروبات بعد الإفطار، بينما انتهز البعض الفرصة لتغيير ملابسه وسط جيرانه الرجال دون حرج، فالحواجز بين مصلى الرجال والنساء منيعة بحيث لا تنفذ نظرات طرف إلى آخر.
تبدأ صلاة التراويح بعد صلاة العشاء بقليل ويسأل البعض أصدقاءهم عن الذين سيكملون الإحدى عشرة ركعة حتى النهاية، ومع بدء التلاوة يجلس بعض المصلين على الأرض أثناء الصلاة من التعب على أمل المواصلة حتى النهاية.
روح الاعتكاف التى غطت على ساحات جامع عمرو بن العاص كانت السمة المميزة لصلاة التراويح هناك، إلا أن تلك الروح قد غابت عن مساجد أخرى، ففى مسجد مصطفى محمود المطل على شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين الذى طالما استضافت ساحته الفسيحة صلوات العيد واستقبال جنائز المشاهير لا تتوافر فرصة الاعتكاف والمبيت بالمسجد وإن كان هذا لم يمنع تزايد أعداد المصلين، يقول الأستاذ الدكتور محمد قاسم المنسى أستاذ الشريعة والفقه بجامعة القاهرة ومدير لجنة الدعوة بمسجد مصطفى محمود: «المسجد لا يسمح بمبيت المعتكفين نظرا لضيق مساحته الداخلية وخشية أن يعيق ذلك أداء الصلاة، وأرى أنه لا ضرورة فى التكلف والتوسع فى الاعتكاف ومراعاة ظروف العصر وتعقيداته خاصة مع انتشار الأوبئة والأمراض واختلاف الظروف الاجتماعية عن الماضى». وحسب الدكتور محمد المنسى فقرار إدارة المسجد لم يكن نتيجة ضغوط أو أسباب أمنية، وأوضح أنه على المساجد أن تنصاع لقرار «ولى الأمر» فى حالة إذا ما حدد مساجد بعينها لممارسة الاعتكاف والمبيت بها. ومثلما أثر غياب الاعتكاف على أجواء المسجد الداخلية كذلك أثر اختلاف نوعية زوار المسجد من سكان حى المهندسين على المشهد العام للمصلين، حيث وقف بينهم من ارتدى الكمامات الواقية خوفا من انتشار عدوى الإنفلونزا أثناء صلاة التراويح على عكس المشهد فى جامع عمرو، الذى لم يجد فيه رجال الإسعاف الموجودون جوار بوابات المسجد من يتواصل معهم للحصول على كمامات الوقاية أو الكشف الطبى.
اختلاف المساجد وثقافة المصلين امتد تأثيرهما إلى تفاصيل صلاة التراويح نفسها، فبينما اختار مسجد محمود أداء 23 ركعة، كان جامع عمرو أكثر حرصا على أدائها فى 11ركعة فقط كأغلب المساجد. إلا أن زيارة إلى مسجد آخر ذى ملمح سلفى مثل مسجد العزيز بالله فى حى الزيتون بالقاهرة تكشف عن تفاصيل جديدة، فبعيدا عن التزام أغلب رواد المسجد بالملمح السلفى من الجلباب القصير واللحية الطويلة، افتقدت صلاة التراويح الدرس الذى يفصل بين كل أربع ركعات من الصلاة، وكذلك الدعاء فى آخر ركعة من صلاة الوتر، وهو ما تعذر معرفة رأى إدارة المسجد حوله لامتناعها عن التواصل الإعلامى. لكن هذه الممارسة تتفق مع آراء دينية ترفض الالتزام «الدائم» بأداء الموعظة بين الصلوات وأداء الدعاء فى الركعة الأخيرة. وكغيره من المساجد الشهيرة اضطر المصلون نتيجة الزحام إلى إكمال صفوفهم خارج المسجد على الرصيف
.

Sunday, September 13, 2009

مدرسة التلاوة المصرية في عصر الهبوط

لا وقت للتجويد
الذوق يتجه للخليجى السريع ومدرسة التلاوة المصرية تتراجع

أمام جامع النور بالعباسية تلاوة قرآنية تنطلق من جهاز كاسيت قديم لا يتوقف عن تكرار تلاوة للقارئ السعودى عبدالرحمن السديس، يتلوها من مقام موسيقى واحد لا يتغير، وحوله مجموعة من شرائط القرآن والأدعية من نفس النمط، عدا مجموعة قليلة من شرائط التجويد ذات الإيقاع الأبطأ والتنوع فى المقامات الموسيقية لشيوخ مثل محمد الطبلاوى وأحمد نعينع وغيرهما.

وعلى الرغم من أن سعر بيع الشريط الواحد من هذه الفئة الأخيرة لا يتجاوز الجنيهات الثلاثة ونصف الجنيه إلا أن الإقبال الأكبر يظل على شرائط الترتيل خصوصا من مقرئى الخليج. وهى الحالة التى لم يجد لها سيد صاحب الفرشة تفسيرا سوى فى عبارة حاسمة «لا يشترى شرائط المصحف المجود إلا السميعة». ويكاد يكون الحال أوضح بجوار مساجد أخرى ذات طابع سلفى، ليكشف هذا التنافس عن صراع بين طريقتين فى التلاوة: الأولى هى تلاوة التجويد التى يفضلها «السميعة» وتلاوة الترتيل الشبيهة بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة.

ازدادت سخونة هذه المعركة الهادئة مع بزوغ نجم الشيخين عبدالرحمن السديس وسعود الشريم فى الحرم المكى، والشيخ على الحذيفى فى المسجد النبوى، حين اندفعت شرائطهم بقوة فى عقد التسعينيات إلى السوق المصرى فى الوقت الذى انكمشت فيه جلسات «سميعة» القرآن فى مجالسهم الطبيعية فى مصر، حيث الليالى الدينية والمناسبات الخاصة. وبدأ الترتيل الشبيه بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة يأخذ مساحة أكبر فى كاسيتات محبى القرآن، وظهرت إصدارات خاصة للرقية الشرعية تركز على تكرار آيات بعينها، كما ظهرت استخدامات جديدة لتلاوة القرآن فى حفلات افتتاح المحال حيث يبدأ «الدى جيه» ذو السماعات الصاخبة بالقرآن وأسماء الله الحسنى ثم ينتقل إلى الأغانى الراقصة. كل تلك العوامل صبت فى مصلحة التلاوة ذات الإيقاع السريع وصنعت رواجا لشرائط قراء الخليج إلى جانب القراء المصريين الذين ركزوا على إصدار المصحف المرتل.

أما التنافس بين شرائط المصحف المرتل التى تم تسجيل أغلبها فى أثناء صلاة التراويح فى رمضان وتلاوة المصحف المجود الأبطأ إيقاعا، فهو فى واقع الأمر ليس تنافسا جديدا، فمنذ القرون الأولى للإسلام، هناك صراع بين من يدعو إلى قراءة رصينة جافة ضد التطريب بالقرآن خوفا من أن يقع تحريف أو مد زائد على ضوء حديث نبوى وضع غناء القرآن ضمن علامات الساعة. وعلى الجانب الآخر هناك فريق يدافع عن نفسه مستندا إلى الحديث النبوى «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وتأتى لحظة التوفيق بينهما فى رأى يفضل التغنى بالقرآن فى حلاوة الصوت مع الالتزام بأحكام التلاوة.

ومنذ قرون طويلة تعرض القراء المصريون للنقد لنفس السبب وكان أشهر من سدد كلمات النقد الإمام القرطبى فى تفسيره الشهير «الجامع لأحكام القرآن» حين انتقد بعض القراء المصريين فى عصره الذين مالوا إلى اللحن على حساب النطق السليم ووصفهم قائلا: الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز؛ ضل سعيهم وخاب وهو ما يوضح أن مجالس المستمعين فى رحاب موسيقى التلاوة كانت مستهدفة من الغيورين أمثال القرطبى الذى هاجر من الأندلس إلى مصر وتوفى بأسيوط فى القرن الثالث عشر الميلادى. وبعد القرطبى بقرون لاتزال جلسات التلاوة المصرية عرضة للهجوم على الرغم من احترافية المقرئين المصريين على مستوى العالم. ففى فتوى صدرت عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فى السعودية وُصفت بعض الحركات التى يمارسها الشيوخ من وضع اليدين على الآذان والتمايل عند القراءة بأنها من البدع وهى الحركات التى تكون مرتبطة بجلسات تجويد القرآن بين القراء المصريين. فقد ارتبط بعضها مثل وضع اليد على الأذن فى أثناء التلاوة بعادات قديمة لدى المصرين سجلتها الآثار المصرية القديمة لمغنين مصريين قبل آلاف السنين. وفى العام 2002 توجه أحدهم بسؤال إلى مركز الفتوى لموقع إسلام ويب السعودى «ما حكم التغنى بالقرآن.. وإتباعه بكلمة (الله) كما هو الشأن فى بعض أشرطة عبدالباسط عبدالصمد». وجاء الرد من لجنة الفتوى منكرا لذكر كلمة «الله» الدالة على الاستحسان فى أثناء الاستماع إلى التلاوة وقالت الفتوى:«أما بالنسبة لقول الناس بعد المقرئ (الله) فإنه ليس من هدى السلف، بل فيه عدم تعظيم للقرآن».

تلك الصورة بين تيارين يتعاملان بشكل متعارض مع تلاوة القرآن لا تنفى علاقات واضحة بين المقرئين فى الخليج، فمازالت جملة منسوبة إلى الملك السعودى الراحل خالد بن عبدالعزيز تتردد كل فترة حاملة معها الثناء على المقرئين المصريين نقلها عنه الشيخ القارئ محمد الطبلاوى تقول: «القرآن الكريم نزل فى الجزيرة‏،‏ وطبع فى إسطنبول‏،‏ وقرئ فى مصر»‏. وتحمل سير بعض القراء فى الخليج إشارات إلى أن بعض مشاهيرهم قد أجيزوا فى القراءة على يد شيوخ مصريين منهم الشيخ على الحذيفى إمام الحرم النبوى السابق، وكذلك القارئ الكويتى مشارى راشد العفاسى الذى سجل فى مناسبات عديدة حبه للمدرسة المصرية فى التلاوة. ورغم اعتماده فى تلاوته ومحطته الفضائية على التنوع فى المقامات الموسيقية أثناء الترتيل فإنه تجنب طريقة التجويد التى أصبحت أكثر ارتباطا بالمقرئين المصريين.
--
الشيخ أبو العينين شعيشع.. نقيب المقرئين وآخر رموز عصر التلاوة
قرأت القرآن فى قصر فخرى عبد النور .. ومجالس التلاوة أفرزت عشرات المواهب

مجلس الذكر والنغم
هكذا استفادت المدرسة المصرية فى التلاوة من المقامات الموسيقية

Thursday, September 10, 2009

طريقة مبتكرة للتبرع : مزاد الرحمن

الخميس 10 سبتمبر 2009 2:02 م
عبدالرحمن مصطفى

خطوات بسيطة يعرفها الداعية الدكتور أمير صالح تمكنه من جمع آلاف الجنيهات فى جلسة تبرع واحدة، فبمجرد أن يقف وبيده الميكروفون معلنا على رواد المسجد هدف التبرع حتى تتوالى التبرعات بكل بساطة، أطلق على هذه الطريقة اسم «مزاد الرحمن» وتم اختبارها فى عدد من المساجد تلقى خلالها تبرعات لتزويج الفقراء والتبرع من أجل تجهيز المساجد.
يقول: «لابد من أن أؤمن بالهدف الذى أسعى إليه أولا وأن أنقل هذا الإيمان إلى المتبرعين.. والأهم أن يقتصر دورى على تحفيز الناس على التبرع دون مشاركتى فى مجلس إدارة المسجد أو جمع تبرعات». يبدأ الداعية بعرض الحالة وقيمة المبلغ المطلوب عارضا ميراث الصحابة فى عمل الخير مع توجيه العبارات المشجعة على التبرع إلى الجالسين أمامه. ويدير الجلسة كأنه مدير صالة مزادات محترف. فيستخدم عبارة «من يدخل مزادا مع الله؟؟!»، ويكرر عددا من الآيات فى فضل أهل الخير حتى يبدأ الجالسون فى التبرع، ويذكر كل متبرع اسمه وقيمة تبرعه، فيتلقى عبارات الاستحسان من الداعية القابض على الميكروفون. وتتنوع التبرعات بدءا من خمسمائة جنيه حتى 20 ألف جنيه فى المرة الواحدة للمتبرع، كل حسب طاقته. ولا يتوقف الداعية إلا بعد أن يستنفد جميع محاولاته لإثارة حماس رواد المسجد على أمل أن يوفى كل متبرع قيمة تبرعه فيما بعد إلى لجنة الزكاة بالمسجد.

يؤكد الدكتور أمير صالح أنه يحاول قدر الإمكان البعد عن إحراج رواد المسجد، ويقول «نرفع الحرج عن الحضور إذا ما أراد أحدهم أن يخفى مبلغ تبرعه، وعن نفسى لا أتعمد النظر فى عيون الجالسين أو الإلحاح عليهم، يكفى أن أحدد لهم الهدف العام وتوضيح أن المساهمات البسيطة وكثرة عدد المتبرعين ستحقق هذا الهدف، وليس الهدف جمع الأموال أو تخزينها». وإلى جانب عمله فى مجال العلاج الطبيعى يرأس الدكتور أمير صالح الجمعية الأمريكية للعلوم التقليدية، كذلك هو أحد الوجوه المألوفة فى البرامج ذات الطابع الإسلامى، وجاءت فكرة مزاد الرحمن كأحد الأنشطة الخيرية التى يتصدرها. ورغم اعترافه بأن الفكرة موجودة بالفعل فى المجتمعات الغربية وتتم على الهواء مباشرة على الفضائيات مع وجود عداد للتبرع يحكم التبرعات بشفافية، وأنها انتقلت إلى الفضائيات العربية إلا أنه يؤكد أن الفكرة لم تنتشر بعد فى المساجد.

الشيخ رمضان فضل ــ إمام مسجد قباء بحى حدائق القبة ــ كان أحد من استقبلوا هذه «المزادات» حيث نجح من خلال مزاد واحد فى جمع 70 ألف جنيه مساهمة فى قيمة سيارة نقل الموتى التابعة للمسجد، إلا أنه انضم إلى قائمة المتحفظين بعد تكرار «المزاد» وظهور عيوب هذه الطريقة فى التبرع وهو يوضح: «يقع الناس فى حرج حين يجدون أنفسهم فى مواجهة طلب التبرع على الملأ ومراقبة الآخرين لقيمة تبرعاتهم والتزامهم السداد أمام رواد المسجد».
أحد المزادات التى أدارها الدكتور أمير صالح استخدم فيها مقارنات بين رواد المسجد الذى بدأ فيه مزاده ومسجد آخر فى حى ذى مستوى اقتصادى منخفض على أمل تشجيعهم على دخول «المزاد»، وهو ما أثار كبرياء بعض الحضور. يعلق الشيخ رمضان: «أغلب رواد المسجد استحسنوا الفكرة، لكن رأيى الشخصى أنه من الأفضل ألا تتكرر فى نفس المسجد منعا للحرج، وأن تدور بين المساجد الأخرى». ولا يرى الشيخ رمضان فى هذه الممارسة نوعا من التباهى بسبب التبرع العلنى. ويشرح: «لا حرج من التبرع العلنى، وقد كان فى سيرة الرسول والصحابة ما يؤيد ذلك ومن أشهر هذه الحوادث استجابة الخليفة عثمان بن عفان لدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أجل تجهيز جيش العسرة الذى واجه متاعب كبيرة فى إعداده، والإسلام لا يمنع التبرع العلنى حيث يقول الله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

أما الدكتور أمير صالح فإلى جانب اعتزازه بكونه على إحاطة بعلوم التنمية البشرية والقدرة على التأثير فى الآخرين فقد أرجع فكرة المزاد أيضا إلى أصل إسلامى قديم فى واقعة محددة حين شجع الرسول محمد، (صلى الله عليه وسلم)، الأنصار من أهل المدينة فى المسجد على دعم فقراء المهاجرين حين قال: «من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر ــ أى ركوبة ــ فليعد به على من لا ظهر له». بهذا النص اعتمد الداعية أمير صالح طريقته المبتكرة فى الدخول إلى المساجد وبدأ مزاده الذى يجريه على فترات حسب طلب مجالس إدارات المساجد التى يزورها على أمل أن يتحمس الناس لدعوته على اعتباره طرفا محايدا يزور المسجد لهذا الغرض.