Thursday, October 22, 2009

الحنين إلى المدرسة في الزمن الصعب

أجواء الخوف من أنفلونزا الخنازير داخل المدارس، وانتشار الدروس الخصوصية في مراحل التعليم المختلفة، لم تمنع البعض من أن يرتمي في أحضان مدرسة المتفوقين الثانوية بعين شمس، وما زال خريجوها تحت تأثير الحنين إليها.. زيارة إلى مجتمع المتفوقين

كتب ـ عبدالرحمن مصطفى

أمام مدرسة المتفوقين الثانوية بمنطقة عين شمس ما زالت هناك لافتة قماشية تعلن عن استضافة مركز تعليمي بالمنطقة لدورات تأهيل الدخول لاختبارات مدرسة المتفوقين وأعلنت اللافتة المتهرئة عن انفراد المركز بما اسماه كتاب "اختبارات المتفوقين". بعض اتجهوا بالفعل إلى هذا المركز في يوليو الماضي فيما تعفف طلاب آخرون عن ذلك واعتمدوا على أنفسهم. محمد محمود طه (15 سنة) كان أحد من تقدموا هذا العام للالتحاق بالمدرسة وتم قبوله في الصف الأول الثانوي، لم تنجح المخاوف السائدة حول انتشار وباء أنفلونزا الخنازير بين المدارس في منعه من التمسك بفكرة الالتحاق بمدرسة المتفوقين الثانوية حيث المبيت والدراسة داخل أسوار المدرسة، وحسبما أوضح فقد كان هدفه البحث عن تعليم متميز وظروف أفضل للدراسة. سمع من زميله في مدرسة شبرا الإعدادية عن المدرسة وطابعها الخاص فقرر التقدم لامتحاناتها التي عقدت قبل بدء الدراسة، الآن هو أحد طلبة المدرسة.
"جئت هنا بحثا عن شرح أفضل من الأساتذة، وأجواء تتيح لي التفرغ الكامل للدراسة، وأردت أن أختبر قدرتي على الاعتماد على نفسي تماما بعيدا عن المنزل". تلك الأسباب الموجزة هي التي دفعت محمود إلى محاولة إقناع أسرته بقبول الفكرة، و الآن أمامه وقت طويل حتى يحكم على صواب اختياره. كما أن عليه أن يثبت تفوقه هذا العام أمام إدارة المدرسة بأن يحصل على تقدير يتجاوز 80% حتى يستمر ضمن طلابها.
حسب تقديرات إدارة المدرسة يتقدم إلى اختبارات الالتحاق بالمدرسة حوالي 1500 طالب يؤدون اختبارات تحريرية في الذكاء والمهارات الخاصة، ويتم اختيار 96 طالب هم الأعلى تقديرا للالتحاق بالصف الأول الثانوي، لكن في هذا العام الدراسي كانت الإدارة تراهن على أن حالة الهلع التي أصابت بعض أولياء الأمور من ذهاب أبنائهم إلى المدارس قد تمتد إلى مدرسة المتفوقين، خاصة وأنها تعتمد على مبيت الطالب والتغذية داخل المدرسة، فاقترحت الإدارة تخيير الطلاب بين المبيت الداخلي أو الإقامة في المنزل على عكس كل سنة دراسية وتوزيع الأماكن بين الطلاب الأبعد سكنا، بحيث يتوافر لكل طالب غرفة خاصة، إلا أن المفاجأة أن أولياء الأمور لم يتأثروا بالمخاوف السائدة حول انتشار وباء الأنفلونزا، وتمسكوا بحق أبنائهم في المبيت الداخلي. وأبدوا حرصا على إدماجهم في نمط حياة جديد.

"التعليم المتميز وتفرغ المدرسين للطلبة هو ما يدفع الطلبة إلى الارتباط بالمدرسة، حتى بعد تخرجهم". هكذا يرى الأستاذ محمد حامد مدير مدرسة المتفوقين أهم أسباب الارتباط بالمدرسة، ويوضح أنه منذ عمله في المدرسة في عام 95 لم يجد عاما دراسيا في خصوصية هذا العام، فالصف الثالث الثانوي به طالبان فقط محولان من الدول العربية لأن هذه الدفعة فارغة بسبب إضافة السنة السادسة الابتدائية منذ ست سنوات، ومع انتشار المخاوف من وباء أنفلونزا الخنازير أصبح كل فصل دراسي يضم 19 طالبا على عكس السنوات السابقة حين كان يصل إلى 24 طالبا.
يضيف : "كل هذا أعطى ميزة أكبر للطالب، خاصة أن نظام المدرسة يعطي مساحة للدراسة المسائية مع المدرسين خارج وقت الدراسة الصباحي." كل هذه التفاصيل التي تركز على التعلم تعمق الصلة بين الطالب والأستاذ حين يصبح بديلا عن الأسرة، وهو ما يعيد بعضهم إلى المدرسة بعد التخرج. فأحيانا ما يمر على مكتب الأستاذ محمد حامد طالب من خريجي المدرسة لمجرد إلقاء تحية صباحية على أستاذه السابق أو استنشاق هواء المدرسة الذي افتقده في حياته الجامعية الجديدة.
من أهم الأدوار في حياة الطالب داخل المدرسة هو دور المشرفين الذي يعززون صلته بالمكان ويعمقون ولاءه، وهم أخصائيون اجتماعيون يتبادلون التواجد طوال اليوم في ثلاث نوبات للرقابة على الطلبة. وداخل المباني التي يبدو عليها القدم والتصميم ذو الطابع العسكري يتوافر مشرف لكل عنبر، وفي داخل أحد هذه العنابر يقيم الدكتور رضا محمد مع الطلبة في غرفة مجاورة لهم، يتابعهم في غرف نومهم، ويدرس مدى تآلفهم، ويعطي الإذن بالخروج والدخول، ويقول : "المشاكل التي تواجه المشرف غالبا تتركز في الفترة الأولى حين يتم نزع الطالب من الاعتمادية على والديه وأسرته والاعتماد على نفسه والانصهار وسط زملائه ونظام المدرسة".
بدأ الدكتور رضا عمله في الإشراف داخل المدرسة من العام 92 وأثر تواجده بين المراهقين على حياته الشخصية، فاختار أن تكون موضوعات الماجستير والدكتوراه التي أجراها حول حياة المراهقين، ويرى أن تدخلات أولياء الأمور أحيانا ما تفسد عمله لأنها تلغى الهدف من اعتماد الطالب على نفسه ويوضح: "نظام المدرسة كفيل بإيجاد الألفة بين الطلاب فهم يفطرون سويا ، ويخدم كل طالب نفسه ويتعاون مع زملائه في الدراسة والسكن، و نحاول التغلب صعوبات العام الأول بالتوفيق بين الطلاب أثناء تسكينهم في الغرف، ورغم أن المدرسة تقدم خدمة التعليم المسائي حسب احتياجات الطلبة إلا أن بعض أولياء الأمور يحاول ربط الطالب بالدروس الخصوصية في فترة الأجازة وهو ما تحاول المدرسة الوقوف ضده تماما ".
منذ عام 92 حتى الآن تطورت مشاكل المراهقين وأصبحت الرقابة على أجهزة المحمول تطورا جديدا على عمل مشرف الغرف إلى جانب دوره التقليدي في تشجيع الملتزم وتقييم الطلاب وملاحظة سلوكياتهم وكتابة تقارير عنها.

مجتمع المدرسة

هذه الأجواء القريبة من الأجواء العسكرية فيما يبدو أنها عززت حس الولاء لدى بعض الخريجين، المهندس أسامة جمال 24 سنة، والطبيب الشاب أحمد عوض 23 سنة كلاهما من خريجي المدرسة ورغم مرور سنوات طويلة إلا أنه ما زالت تجمعهما الذكريات الطيبة بالمدرسة. وهو ما ظهر واضحا في لقائهما مع مشرفهما الدكتور رضا.
يعمل أسامة جمال مهندسا في شركة إنشاءات بينما ينهى زميلة أحمد عوض سنة الامتياز كطبيب بشري.
يقول أسامة "ما زالت أعتبر حتى اليوم أن دخول مدرسة المتفوقين هو طفرة في حياتي، وتغيير شامل في نظام حياتي، يكفي إحساسي بالفخر حين أتحدث مع زملائي عن أني من خريجي مدرسة المتفوقين وكيف اشرح تاريخها لمن لا يعرفه". لم يكن قرب سكن أسامة من المدرسة هو السبب الوحيد في الالتحاق بها قبل تسع سنوات بقدر ما كان قرار مجموعة أصدقاء كان واحدا منهم اختاروا الدخول في تجربة مدرسة المتفوقين.

لم يتذكر أسامة من سلبيات المدرسة سوى "رهبة بعض المشرفين في قلوب الطلبة" وان كان قد ذكر انه يتفهم هذا الآن، أما زميله الطبيب الشاب أحمد عوض قد جمعتهما زمالة منذ أيام الدراسة، ومناسبات أخرى أثناء زيارتهم إلى المدرسة خاصة أنهما في سكن مجاور للمدرسة، وكانت لقاءاتهما مع خريجين المدرسة في مناسبات مثل رمضان، أو في رحلات محدودة العدد سببا في التفكير في إمكانية إيجاد كيان يجمع هؤلاء الخريجين ويحافظ على علاقاتهم وصداقاتهم. ولأن أغلب خريجي المدرسة يلتحقون بكليات الصيدلة والطب والهندسة لأنها لا تحوي فصولا أدبية، فكانت مهمة الصديقان في تنفيذ هذا الهدف .

ومع البدء في استخدام شبكة فيسبوك الاجتماعية على نطاق واسع، بدأ خريجو المدرسة من أمثال أسامة جمال وأحمد عوض في البحث عن زملائهما من خلال فيسبوك، خاصة أن هذا هو الهدف الرئيسي من الموقع، وهناك عدد لا بأس به من مجموعات فيسبوك تضم خريجي المدرسة وطلبتها الحاليين، أحدهم من دفعة العام 2007 جمع صور الذكريات وأضاف إليها موسيقى ووضعها كلقطات فيديو اجتذبت عشرات التعليقات من أبناء دفعته، وفي مجموعة أخرى أحد طلبة الإعدادي يسال عن كتاب الأسئلة الخاص بالتقدم للمدرسة، وآخرون يعرفون أنفسهم على أمل إعادة العلاقات مع زملائهم وتوطيدها. كل تلك الأمور كانت تجري أمام أسامة وزميله أحمد عوض فاختارا أن يتجها إلى أبعد من إنشاء مجموعة على الفيسبوك إلى تأسيس جمعية للخريجين.
يقول أحمد عوض : "ما زلت حتى الآن افتقد المناقشات الجميلة التي كنا نديرها في دفعتنا حول قراءاتنا، وآراءنا فيما يحدث حولنا.. وفي العام 2008 قرأت إعلانا يدعو أبناء دفعة عام 58 إلى حفل في فندق كبير بمناسبة اليوبيل الذهبي، فألهمتنا هذه الخطوة كي نعمل على تأسيس جمعية اصدقاء وخريجي مدرسه المتفوقين الثانويه التي ما زالت تحت الاشهار ".

تاريخ تجربة

يعود تأسيس مدرسة المتفوقين إلى العام الدراسي 54/55 حين كانت عبارة عن فصول ملحقة بمدرسة المعادي الثانوية، أحد أبناء الدفعة التالية لهذه الدفعة هو الدكتور أحمد فرحات الأستاذ بمعهد التخطيط القومي يقول : "كانت المدرسة ترسل الخطابات إلى الخمسة الأوائل على مستوى المحافظات كي يلتحقوا بالمدرسة، فكنا وقتها نمثل أطيافا مختلفة من المجتمع بكل فئاته".
الدكتور أحمد فرحات هو نفسه الذي بادر مع أحد زملائه القدامى بالاحتفال باليوبيل الذهبي لتخرج هذه الدفعة في العام الماضي داخل أحد الفنادق الكبرى. ويرى أن المدرسة إلى حد ما نجحت في إيجاد نخبة منهم الوزير الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي ومحافظ الفيوم الحالي وعدد من العلماء والأكاديميين في مجالات الطب والهندسة وغيرها، إلا أنه يعيب على المدرسة أنها لم توجد ما يحافظ على التواصل بين خريجيها. ورغم أن الدفعات الأولى عاشت حفاوة خاصة وصلت إلى حد زيارة كمال الدين حسين وزير التعليم وعضو مجلس قيادة الثورة إلى المدرسة في زيارات خاصة لتقييم أدائهم كما يذكر الدكتور فرحات. إلا أن الحفاوة الأكبر كانت في انتقال المدرسة إلى مكانها الحالي في منطقة عين شمس في العام الدراسي 60/61 . الدكتور عادل بلال أستاذ متفرغ بقسم الأشعة بطب القصر العيني كان ضمن أول دفعة تلتحق بالمدرسة في هذا العام. وما زال حتى اليوم مخلصا للمكان رغم ما يصفه بعدم حدوث تطوير على المدرسة منذ أن أنشئت.

حاول الدكتور بلال إنشاء رابطة لخريجي المدرسة في السبعينات لكن التجربة لم تستمر، أما اليوم فيرى المدرسة بعيون أخرى يقول "الأجواء الحميمة والتلاصق في السكن يوجد رابطة ومجتمع خاص بالمدرسة، يستطيع هضم الفروق الثقافية والاختلافات بين المحافظات، ومع ذلك كانت هناك عوامل تميز نستطيع أن نلمسها بين أبناء الريف والمدينة أو مدن القناة والصعيد، كانت طبيعة المدرسة تدمج الجميع في هدف واحد".
كانت المدرسة في ذلك العام ما زالت تختار الأوائل من المحافظات، على عكس ما يحدث اليوم في اختبار المتفوقين. ويصف الدكتور بلال التجربة بأنها كانت ذات طابع سوفيتي (!) يعتمد على فكرة إعداد النخب في طابع ملتزم وعسكري و كانت المنح الدراسية توجه إلى الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة.

محاولات تقييم المدرسة لم تكن حصرا فقط على الخريجين القدامى بل حاولت بعض الدراسات القليلة تناول جدوى المدرسة وتقييم التجربة، وفي العام 90 ذكرت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية بعض الجوانب السلبية المتعلقة بالتجربة، منها أن حدة التنافس بين المتفوقين قد تؤدي إلى مشاكل نفسية نتيجة ضغط المنافسة، وأن قدرة طلاب المدرسة على الحفظ والاستدعاء قد تعبر عن تفوق ظاهري، كما أن البعد عن الأهل في النظام الداخلي قد يدفع إلى ضعف الصلات مع الأسرة وتعزيز حس التعالي عليهم، أما النقطة الأهم فكانت أن عزل المتفوقين في مكان واحد يؤدي إلى حرمانهم من خبرات حياتية ضرورية.

تلك الآراء كانت قد أعيد طرحها في العام 2007 حول جدوى تجربة مدرسة المتفوقين حين أعلن السيد وزير التربية والتعليم عن اقتراح تعميم التجربة في المحافظات، خاصة حين انتقد بعض الخبراء الفكرة مشيرين إلى أن بعض خريجين المدرسة تحولوا إلى طلبة عاديين في كلياتهم. وهو ما ترد عليه إدارة المدرسة الآن بأن هدفها هو "الحفاظ على التفوق، لأن المتقدمين إليهم هم من المتفوقين وليسوا من الأوائل".
تلك الانتقادات لم تكسر رابطة بعض الخريجين بالمدرسة وولاءهم إليها، كما لم تحبط الطلاب الجدد الذين بحثوا عن تجربة خاصة توفر لهم أجواء الدراسة بعيدا عن زحام المواصلات وتضييع الأوقات والأجواء العامة التي دور المدرسة خوفا من الأوبئة أو لتنامي الدروس الخصوصية
.

PDF

Thursday, October 15, 2009

الحياة في ظل الهرم

قد يبدو سؤالا ساذجا حين تسأل أحد زوار الأهرامات إن كان هذا البناء الحجرى العملاق يمثل لديه أى مكانة أو خصوصية، من وجهة نظر محمد رمضان ورفاقه فإن وجودهم فى منطقة الأهرامات الأثرية بالجيزة كان مجرد «خروجة»، حيث وجدوا فى منطقة الأهرامات طابعا مميزا ونزهة رخيصة لا تتجاوز قيمة تذكرتها جنيهين، جميعهم من طلاب الفرقة الأولى فى جامعة القاهرة ومغتربون من محافظة الدقهلية. يقول محمد: «لم أزر منطقة الأهرامات سوى مرتين فى أثناء الطفولة وهذه هى الزيارة الثانية مع أصدقائى منذ مجيئى القاهرة».

الرحلة لم تكن طويلة من محطة مترو أنفاق الجيزة إلى الأهرامات، فسائق الميكروباص يعرف أقصر الطرق إلى هدفه، أما الثلاثة جنيهات قيمة الأجرة فكانت مناسبة لنزهة رخيصة. أما الانطباع الأسوأ فكان فى رد فعلهم على أسئلة أخرى من نوعية ماذا يمثل الهرم لديهم؟ أو هل يجدون فى الهرم مصدر جاذبية أو طاقة؟ علامات الاستغراب والدهشة كانت كافية لتفهم أن الهرم لا يمثل أبعد من مكان مناسب للنزهة. سيد ــ أحد أفراد المجموعة ــ كان قد أبدى قبلها إعجابه بمعالم أخرى متواضعة مثل «كوبرى قصر النيل أو حديقة الأورمان» لم يخف فرحه بمشهد السائحين واستهجانه قلة عدد الزوار المصريين.
«فى الزيارة الأولى لمنطقة الأهرامات وقعت تحت تأثير المفاجأة حين شاهدت حجم الهرم المذهل على عكس المتوقع، وهو ما جذبنى إلى إقناع المجموعة لتكرار الزيارة».
هكذا يصف انبهاره بحجم البنيان، لكن الأمر لم يتعد هذا الحد معبرا عن وجهة نظر شريحة من الزوار لا تمثل لديهم الأهرامات أكثر من مكان مبهر، وقيمة كبيرة لمصر. لكنهم بمجرد أن يولوا ظهورهم لمنطقة نزلة السمان المجاورة لبوابة أبى الهول يصبح خلفهم عالم آخر تتخذ فيه الأهرامات مكانة أكبر من مجرد مكان للتنزه. فمنذ بداية الشارع المؤدى إلى منطقة الآثار يحاول بعضهم اقتناص أصحاب السيارات الفخمة وجذبهم إلى بازارات بعينها وخدمات أوسع. فالأغلبية هنا ارتبطت أرزاقها بتلك الأهرامات العملاقة وليسوا مجرد أصحاب متاجر أو عمال فى المنطقة، بل أصحاب مكان ورثوا فيه علاقتهم مع الأهرامات والسياحة عن أبائهم.

على العمدة أحد هؤلاء.. يدير متجرا لبيع العطور وبازارا لبيع التحف المصرية، ومنذ الصغر وهو محتفظ بعادته فى إلقاء نظرة تحية صباحية على الأهرامات لأنها «سبب رزقه» حسب وجهة نظره، حتى إن لم يمر عليه زبائن من نوعية محمد رمضان وأصدقائه الزوار.

كان سؤاله عم يمثل هذا البناء الحجرى بالنسبة إليه سؤالا غير واقعيا، إذ كان أكثر اهتماما بتفاصيل عمله اليومى، يستخدم العبارات الانجليزية خلال حديثه كدليل على توحده مع مهنته التى يتحدث فيها بالإنجليزية طوال اليوم مع السائحين، لكنه كان على صلة بآخرين يرون أن لديهم علما كافيا بعالم الأهرامات وما حولها من طاقة. وما إن تحول الحديث إلى مصطلح طاقة الهرم وعمليات التأمل التى يسعى إليها الزوار خصيصا إيمانا بوجودها حتى انتقل على العمدة إلى مدخل متجره مشيرا إلى قصاصات صحف ذات حجم كبير تزيَّن الجدران وتتناول شخصية من أعلام المنطقة على حد تعبيره، تحدث عنه بفخر.. هو الشيخ «عبدالحكيم عويان» الذى عمل دليلا سياحيا لأكثر من نصف قرن، ينتمى لعائلة استقرت فى هذا المكان منذ سنوات بعيدة: «كان يلقى ترحيبا عاليا من الكثير من الأجانب وزوار الهرم، وكذلك فى أثناء أسفاره إلى الخارج» هكذا يصف على العمدة الشيخ عويان الذى رحل العام الماضى تاركا خلفه ذرية اختار لهم أسماء فريدة تيمنا بالحقبة المصرية القديمة مثل: يوسف، وهامان ويعقوب وموسى.

...على خطى السيد عويان

تشير قصاصات الصحف إلى رحلة سياحية قام بها السيد عويان إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى العام 1986 أطل فيها بجلباب مصرى تقليدى داعيا للسلام العالمى مع مجموعة محبة للسلام تحت أعين السفارة المصرية. لكن الاطلاع على كتابات أخرى لبعض الباحثين الهواة والمهووسين بمنطقة الهرم تكشف أن بعضهم اتخذه مرجعا فى نقل بعض الاجتهادات الشفاهية عن تاريخ الهرم. إحدى المدربات الروحانيات استندت إليه فى اعتبار منطقة هضبة الهرم مركز تدفق الطاقات الكونية استنادا إلى هندسة الهرم وموقعه المتوافق مع الجهات الأربع الأصلية، وهو ما أعطى للهرم الأكبر على وجه التحديد مكانة كبيرة لدى الراغبين فى التأمل بحثا عن هذه الطاقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان للشيخ الراحل آراء خاصة تتعارض تماما مع كتب التاريخ الأكاديمية، مثل حديثه عن أن تاريخ بناء أهرامات الجيزة أبعد من تاريخ بنائها الحالى فى فترة ما قبل الفراعين، وهى آراء يعتنقها بعض الغربيين من المؤمنين بطاقة الهرم وغير معترف بها على المستوى الرسمى.

«كانت مجرد اجتهادات من الوالد الذى عاش فى المنطقة وعمل دليلا سياحيا فيها» هكذا يعلق يوسف عويان على آراء والده، وهو يعمل فى متجر مجاور لزميله على العمدة بين تماثيل على النمط المصرى القديم نحتها بيديه هو وأخوه موسى. وبدأ فى شرح رؤية أخرى عن هذا البناء الهرمى الفريد تجاوز فيها عين تاجر البازار القاطن فى رحاب الأثر إلى أبعاد أخرى، إذ يعتقد يوسف وكثيرون حول العالم فى إمكانية الاستفادة من طاقة الهرم من خلال عدة مجالات.
هناك زوار يؤمنون أن البناء الهندسى للهرم الأكبر وموقعه يجعله بمثابة مركز استقبال فيض كبير من طاقة الكون، وهو ما يفيد المتأملين ويزيد من تركيزهم ويسمو بأرواحهم على صعيد رحلات التأمل، ويرفع قدراتهم الروحية إذ إن لكل إنسان مجال طاقة خاصا به. وهو ما يجعل هذا البناء ذا خصوصية فريدة لديهم، وكان تواجد يوسف وإخوته منذ الصغر إلى جانب الهرم سببا فى أن يروا تجارب من أتوا خصيصا بهدف التأمل وإجراء تدريبات روحية.

«هناك من يأت إلى الهرم فقط بهدف ركوب الجمال والتصوير لكن هناك فئات جاءت خصيصا للهرم من أجل الاستشفاء الروحى واكتساب طاقة الهرم، لكل منا طاقة خاصة والتواجد فى الهرم وفى محيطه يزيد من طاقة الفرد ويعيد تنظيمها».

اليوم منعت السلطات «جماعات الهرم» من الدخول إلى منطقة أهرامات الجيزة لأسباب تتعلق بطقوسهم الغريبة، ويطلق العاملون فى المنطقة السياحية المجاورة للهرم على هذه الفئة من الزوار لقب «العبـَّادة» إشارة إلى ما يعتقده البعض فى أن هؤلاء الزوار هم من الوثنيين وأصحاب الديانات الغريبة، يوضح يوسف: «يجب التفريق بين نوعين من الزوار، الأول ينتمى إلى عقائد خاصة ذات طابع وثنى، والثانى هم فئة لا تهدف من المجىء إلى الهرم سوى التأمل الروحى».
يرافق يوسف بعض الأفواج القادمة إلى مصر فى زيارات روحية بعيدا عن منطقة أهرامات الجيزة، يقول: «بعضهم يأتى مع أحجار وكريستالات على أمل أن يحتفظ داخلها بجزء من طاقة الأماكن التى يزورها، ويؤدون طقوسا مثل إطلاق أصواتهم فى فضاء المكان لإبعاد الطاقات الدخيلة أو بتشابك الأيدى أو تلاوة عبارات بعينها. وهناك أرى مشاهد تفيض بالمشاعر تصل ببعضهم إلى البكاء والانهيار». أخته الكبرى شهرزاد سجلت تجربتها منذ سنوات فى لقاء مع إذاعة أمريكية عن موقف تعرضت له حين دخلت غرفة الملك فى الهرم فى سن السادسة، وشعرت بعدها بأنها حازت على «تجربة وخبرة روحية خاصة بها». هذا الطريق دفعها إلى تعلم العلاج بالطاقة وباللمس، ولمع نجمها منذ سنوات حتى صدر ضدهما قرار بإغلاق المركز الذى كانا يديرانه فى العام 2005 وواجها اتهامات بممارسة الدجل. يتفهم يوسف هذه الاتهامات الآن، لكنه متصالح مع هذا ويقول: «هذه أشياء غير خاضعة للعقل، ومنطقها المشاعر.. وهى تحتاج إلى جهد بحثى أكبر لتفسيرها».

...علم الأهرام

كان الهرم بهندسته وطاقته التى آمن بها البعض سببا فى رواج مفهوم «علوم الأهرام» حيث تتم الاستفادة من هذا الشكل الهندسى فى الكثير من البحوث العلمية. الأستاذ الدكتور حامد رشدى القاضى ــ أستاذ البيولوجيا الإشعاعية فى عدد من الجامعات والرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الذرية ــ هو أحد هؤلاء الذين وجدوا فى منطقة أهرامات الجيزة ما هو أبعد من التأملات الروحية، والبحث عن إجابات علمية لبعض الظواهر مثل التوصل إلى أسباب تماسك مراكب الشمس التى اكتشفت جوار الأهرام نتيجة استخدام صخور تشع بغاز الرادون الذى يقضى على الكائنات الدقيقة. ويقول الدكتور حامد رشدى: «هناك أنشطة كهرومغناطيسية داخل الهرم يمكن الاستفادة منها فى استخدامات تقنية وصحية وطبية أو إعادة معالجة المياه. وهنا لا يتم التعامل معه كأثر بل كتشكيل هندسى».
ويرى الدكتور رشدى أن التوسع فى علوم الأهرام ونشرها قد يسهم فى تعزيز الانتماء لدى الشباب يشرح: «نشر العلم سيقضى على الدجل ويرسخ الحس العلمى، إلى جانب ارتباط هذا النوع من المعرفة بمصر وأهرامات مصر سيرسخ الانتماء الوطنى الذى نحتاج إليه الآن».

يشغل الدكتور حامد أيضا منصب الرئيس الفخرى لجمعية شمس النيل المصرية التى تكاد تكون الوحيدة المهتمة بهذا المجال من العلوم فى مقابل مئات الجمعيات الأجنبية التى تتعلق أنشطتها بالأهرامات المصرية. يقول أحمد نصار الرئيس التنفيذى للجمعية إن هناك دراسات على أرض الواقع فى مصر جرت على تأثير الفراغ الهندسى على الكائنات الحية، وأن دراسة فى جامعة المنوفية تناولت استخدامات طاقة الهرم الناتجة عن شكله الهندسى فى زيادة المحاصيل، من خلال ربط الفراغ المعمارى بالخلية الحيوية. وتابع: «تأثيرات تصميم الهرم يمكنها أن تفسر لنا بعض التأثيرات الروحية والنفسية المرتبطة بهذا المكان، وكان الهدف من إنشاء هذه الجمعية هو إعطاء قالب علمى بحت لكل الظواهر العلمية المتصلة بالهرم، من خلال مجموعة الباحثين من أعضاء الجمعية».
أبحاث الهرم حسب أحمد نصار تعد ضمن ملفات الأمن القومى فى كثير من البلدان وتوضع نتائجها فى قالب سرى لحصر الفائدة فى نطاق داخلى، وهو ما يعطى للهرم عدة تجليات سواء لدى زواره الذين لا يبحثون سوى عن نزهة ممتعة أو لدى من ترتبط أرزاقهم بوجوده، إلى جانب القادمين من أجل اكتناز طاقة يؤمنون بوجودها فى مجاله، ثم أخيرا لدى العاملين فى مجال بحوث الأهرام التى مازالت فى خطواتها الأولى فى مصر.

Sunday, October 11, 2009

متاجر يحرسها الشيوخ والزعماء

فى بعض الأحيان تتحول الصور المعلقة على جدران بعض
المحال والأماكن العامة إلى أيقونات تضفى قدسية على أصحابها وتعطى من يراها إحساسًا
بالأمان.

فى منتصف شارع محمود بسيونى ــ الأنتكخانة سابقا ــ بمنطقة وسط البلد القاهرية تقف الدكتورة فاطمة بدوى داخل صيدليتها لصرف الروشتات وإعطاء الحقن الطبية وإلقاء الأمنيات الطيبة بالشفاء العاجل لزوارها فى أجواء قد تبدو تقليدية للوهلة الأولى، لكن التقدم خطوات قليلة ناحية الباب يكشف عن روح أخرى تسيطر على المكان حيث يبرز الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى مدخل الصيدلية ليجذب أعين الزوار لا إراديا وكأن إطلاعهم على صورته طقس يؤدونه بمجرد دخول المكان.

«أنا من جيل الستينيات الذى رأى عبدالناصر وأفكاره وآمن بمبادئه كما شاهد انحيازه للفقراء والعمال والفلاحين»، لم تكن تلك هى الجملة الوحيدة التى وصفت بها الدكتورة فاطمة عصر عبدالناصر بل كانت مجرد مقدمة بسيطة فى حوار طويل عن عصر الزعيم الراحل اعتبرته نقطة تحول على العديد من المستويات بدءا من إتاحة التعليم لجميع الطبقات الاجتماعية حتى سياساته الخارجية. ولم تجد حرجا فى عقد مقارنات بين الزمن الحالى وزمن المجد الغابر.

كانت صورة الزعيم هى ما يوضح موقفها بشكل مباشر وقاطع فلم تبالغ حين وصفت جمال عبدالناصر بأنه أب روحى لها، ففى مدخل الصيدلية إلى جوار صور الزعيم وضعت صورة والدها بالأبيض والأسود وكأن جمال عبدالناصر فرد من أفراد العائلة.
وتضيف: «والدى كان يحبه أيضا.. رأينا فى تلك الفترة العديد من الأسباب التى تجعلنا نرتبط به حتى الآن، ففى مجال الصناعات الدوائية كانت الصناعة المصرية هى الأساس وكان الوكيل التجارى مصريا انصياعا لنظام اقتصاد هذه الفترة، وما إن ينته الشاب من تعليمه حتى يتلقى خطاب التعيين فور تخرجه، وضعى لهذه الصورة ليس ارتباطا بشخصه.. إنما بمبادئه التى أوجدت كل تلك الأمور».
يعمل فى الصيدلية مع الدكتورة فاطمة ابنها الشاب فى سن الثلاثين، لم يكن غريبا أن يحمل هو الآخر اسم جمال تيمنا باسم الرئيس الراحل.. جمال الدفترار نجل الدكتورة فاطمة متصالح مع ذكرى الزعيم ومع أسباب وجود صوره البارزة فى الصيدلية...
«وأما بنعمة ربك فحدث» بهذه الآية التى ذكرها جمال حاول توضيح أن الشخصيات والزعماء قد يكونون نعمة على بلدانهم، ويضيف: «ليس لدينا انتماءات سياسية ولسنا ناصريين بالمعنى التقليدى.. لكننا نعرف قدر هذا الرجل. فحين نرى الآن من كانوا مختلفين معه فى فترة حكمه وهم يشهدون له ولقراراته الآن، فهذا خير دليل على مكانة هذا الرجل».

فى وجود صور عبدالناصر مع إطلالته الجادة على زوار الصيدلية والمارة فى الشارع ترسل الصورة رسالة معلنة وإن كانت غير مباشرة إلى زوار المكان، ويرى الدكتور شاكر عبدالحميد ــ أستاذ علم النفس وصاحب الدراسات حول «العملية الإبداعية فى فن التصوير» و«عصر الصورة» ــ أن الصورة وظروف وجودها قد تخرج خارج إطار علاقتها بالسلطة وتوجد لأسباب أخرى، ويقول: «الصورة تجسد المعنى والرسالة أكثر من الكلمات العادية، كما تعبر الصورة عن أحلام اليقظة الشاردة التى لا تجد متنفسا لها، فيتم ابتعاث حلم اليقظة ويتجسد فى صورة الزعيم».

فى حديثها عن عبدالناصر لم تخف الدكتورة فاطمة ارتباطها بعصر الرئيس الراحل، ولعل رسالتها من وجود هذه الصورة قد وصلت إلى كثيرين مروا من هذا المكان فحسبما ذكرت «صور عبدالناصر فى مكانها هنا منذ أن بدأت عملى فى عام 1975، وكثيرا ما تأتينى تعليقات مشجعة خاصة من الزوار من الدول العربية من لبنان وسوريا واليمن، وتلقيت الكثير من التحيات على استمرار هذا الوفاء للزعيم الراحل صاحب الشعبية فى البلدان العربية». تتذكر واقعة طريفة عن زائر من اليمن فتن بصورة لعبدالناصر كانت جوار الصور الحالية فى نفس المكان، لكنها كانت أكبر حجما، وبعد مفاوضات وجدل اضطررت إلى إهدائه الصورة حين شعرت صدقه وحرصه على اقتناء صورة الزعيم الراحل.

يتدخل نجلها جمال «لسنا من هواة اقتناء الصور.. لكن شخصية الفرد هى ما تفرض وجوده، فوالدى على سبيل المثال يضع صورة الأنبا شنودة فى مكتبه رغم أننا مسلمون، فقط لأنه يقدر قيمة هذا الرجل ومكانته فى مصر». تؤيده فى ذلك والدته وتضيف: «المسألة كلها متعلقة بالانتماء إلى المبادئ وليس للأشخاص».

شعور بالأمان
المفارقة أن صيدلية الأنتكخانة ليست وحدها المفتونة بصور الرؤساء فإلى جوارها مقهى شعبى رفع صورة الرئيس الأمريكى باراك أوباما فوق نتيجة العام، وفى متاجر أخرى أبعد مسافة رفع أحدهم صورة الرئيس الراحل محمد أنور السادات وهو ما لم يبد أى من الدكتورة فاطمة أو نجلها جمال أى تحفظ عليه بل قالا فى أداء واحد «كل واحد حر».

أحد هؤلاء الذين رفعوا صورة الرئيس الراحل أنور السادات كان «وليد على» الذى ظل فترة رافعا الصورة التى رسمها بيده فى متجره ناحية منطقة لاظوغلى، ولم يكن ذلك إعلانا عن موقف بقدر ما كانت صورة ضمن مجموعة من صور الزعماء والشخصيات المشهورة التى يرسمها لزبائنه من محبى اقتناء صور المشاهير، لكن اختياره صورة الرئيس الراحل السادات تحديدا لم يكن من قبيل الصدفة ولا لأسباب فنية متعلقة بالصورة يقول: «اختيار السادات تحديدا كان نتيجة حبى له، فأنا عشت أيامه وفى تقديرى الشخصى أراه عقلية جبارة.. أنا عاشق لهذا الرجل».

كانت صورة السادات هى واجهة متجره حين عمل فترة مستقلا فى متجر خاص، أما فى المكان الذى يعمل فيه منذ سنوات طويلة فتحمل واجهة المحل صورا أخرى لا تنتمى لنمط واحد من الشخصيات، حيث تتجاور صور العائلة الملكية مع صور الرؤساء وتحيطها صور فوتوغرافية أخرى لمشاهير الفنانين، ويعتبر وليد رسم هذه الصور فى النهاية مجرد عمل يؤديه إلى زبون، فرغم عشقه للسادات فإنه يرسم بيديه صورا للعائلة الملكية، يقول: «تأتينى طلبات لهذا النوع من صور الشخصيات الملكية والفنية من عهد ما قبل الثورة، وهو ما لم يظهر إلا منذ عدة سنوات فقط، عدا هذا فلا يوجد نمط معين من الزبائن يطلب صور الزعماء، فقد جاءنى فى إحدى المرات شخص بسيط الحال يطلب صورة الرئيس جمال عبدالناصر، دون أن يبدو عليه مظاهر حب اقتناء الصور، أو أى انتماء.. فقط نتيجة حبه هذا الزعيم».
لا يخفى وليد على الذى يقدم نفسه كفنان تشكيلى ولعه بصور عبدالناصر وتحديدا صور مصوره الخاص حسين بكر وقدرته الفذة على التقاط كادرات مميزة، وهو ما لم يتناف مع افتتانه بسياسة السادات.

أما الطلب الرئيسى لدى وليد فهو على البورتريهات الشخصية للأفراد، وهذا هو عمله الأصلى الملحق باستوديو التصوير الذى يستضيف موهبته فى رسم البورتريه الشخصى. أما فى واجهة المتجر فليست كل الصور لزعماء أو فنانين فمن أكثر اللوحات قيمة لديه واحدة للشيخ محمد متولى الشعراوى ولوحة للسيدة العذراء سماها الأمومة، لا يبيع نسخها الأصلية بل يستنسخها. ورغم الأجواء الاحترافية التى أدار بها حديثه عن الصور فإن الحديث عن صورة الشيخ الشعراوى وصورة العذراء كان أشبه بحديث عن أيقونات دينية مقدسة.
يؤكد الدكتور شاكر عبدالحميد على وظيفة أخرى للصورة وعلاقتها بالإنسان وما توصله من رسائل للفرد «أحيانا ما يكون الهدف من الصورة هو بث الإحساس بالأمان فى مقابل الخوف وانعدام الأمن خارج إطار هذه الصورة». يضيف الدكتور شاكر بعدا آخر فى علاقة الفرد بالصورة حين تتحول شخصية صاحب الصورة إلى رمز «فى هذه الحالة تعمل الذاكرة الفردية على استدعاء ما بداخل الإنسان من حب وتقدير لصاحب الصورة وما له من صفات إيجابية تستدعيها الصورة».

الشيخ والمريد

هذه الحالة الأخيرة توضحها علاقة البعض مع صور الرموز الدينية حين يضعونها فى متاجرهم كقدوة حاضرة معهم فى نشاطهم اليومى تراقب أفعالهم بابتسامة راضية لن ينالوها فى الواقع إما لوفاة صاحب الصورة أو صعوبة التقائه. الحاجة نادية إبراهيم المصرى (68 سنة) تقيم أغلب يومها فى متجرها البسيط بمنطقة الدراسة جوار مسجد الشيخ صالح الجعفرى، داخل المتجر صور متنوعة للشيخ الجعفرى المتوفى عام 1979، أغلبها التقطت فى مكان إلقاء دروسه على مريديه من كل الأقطار فى رواق المغاربة بالجامع الأزهر..
وللسيدة نادية إبراهيم صلة أعمق بالشيخ الجعفرى، فزوجها الراحل أبوالعلا أحمد هنداوى كان من أتباع الشيخ ومريديه، ترك وظيفته بعد أن وصل إلى منصب مدير وظل ملازما للشيخ صالح فى خلوته وفى مجالس العلم وفى تحضير موائد الطعام للمحتاجين.

«كان الشيخ داعية للإسلام وعالما قدم للناس الصوفية الحقيقية بعيدا عن الابتذال» هذه الكلمات كانت مقدمة تعريفية تلقيها السيدة نادية أحيانا على بعض الزبائن الواقفين فى متجرها لتصوير مستنداتهم أو شراء سلعة سريعة حين يسأل أحدهم عن صاحب الصورة. نفس هذه الصور المعلقة فى متجرها توفرها مكتبة مجاورة فى رحاب المسجد تبيع كتب الشيخ وأوراده.

ويشترى المريدون الصور للتبرك بها والاحتفاظ بذكرى شيخهم مؤسس الطريقة الجعفرية.
لدى الحاجة نادية القدرة على الرد على من قد يتهمونها بإضفاء مظاهر التقديس على شيخها بوضع صورته داخل المتجر تقول: «هل وضع الابن صورة أبيه المتوفى ما يضفى قداسة على والده؟ إنه الوفاء لرجل ساعدنى بشكل شخصى على الهداية، وولاء من مريديه الذين تحلقوا حوله سنوات فى مجالس العلم وما زالوا متصلين بأوراده وأذكاره وعلمه».
لدى السيدة نادية وعى كامل بما يسدد إلى الصوفية من انتقادات وتحديدا فى علاقة الشيخ بالمريد وما قد يصل إلى البعض من أن صور شيوخ الصوفية امتداد لعلاقة الخضوع بين الطرفين، لكنها تقدم جانبا آخر لم تخف فيه اعتزازها بشيخها الجعفرى «الشيخ صالح تحديدا كان رجل علم، يلقى دروسه فى الحضرة، له دور عظيم فى حياة الكثيرين، فبعد أخذ العهد من مريديه ينال التابع التكليفات الروحية بحيث تتناسب مع حياته وظروفها، وتوفر لمريديه القدرة على النجاح فى حياتهم، وليس لى صلة بمن قد يتطرف من المتصوفة، لكن الاعتدال هو ما يضبط هذه العلاقة، والاحتفاظ بهذه الصور ليس إلا فى نطاق هذه العلاقة الصحية بيننا وبين الشيخ رحمه الله».
قد تختلف سياسة الرئيس الراحل السادات مع سياسة الرئيس جمال عبدالناصر، وقد تختلف ديانة الشيخ صالح الجعفرى عن الأنبا شنودة، إلا أن الخيط الوحيد الذى يجمع هذه الصور هو اقترابها من درجة الأيقونات حين تعلق فوق جدران متاجر المحبين والمريدين وأن لكل منها رسالة أراد صاحب المتجر أن يوصلها إلى نفسه فيطمئن، وإلى الآخرين فيتذكروا.

Sunday, October 4, 2009

نبش فى ذاكرة محارب قديم

الاحد 4 اكتوبر 2009

عبد الرحمن مصطفى
..........روح أكتوبر تسكن القلوب، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين خاضوا هذه الحرب و يخشون أن تتلاشى هذه الروح من الذاكرة. شهادات.

لا يجد الدكتور أحمد نوار الفنان التشكيلى والأستاذ بكلية الفنون الجميلة (جامعة حلوان)، أى عناء فى استعادة أجواء نصر أكتوبر أثناء عمله الحالى على مشروعه الفنى الأخير «العبور». تكفى نظرات متأملة داخل مرسمه الخاص للكشف عن لمسات محارب قديم بدت واضحة على أغلب أعماله الفنية هناك، ورغم أنه لم يكن فى مصر وقت نصر أكتوبر 1973 فإنه ما زال محتفظا بقناعته فى أن «الطريق إلى النصر بدأ فى حرب الاستنزاف».

كان المجند والفنان الشاب أحمد نوار ضمن صفوف القوات المسلحة فى حرب الاستنزاف بين عامى 1968 و1970، قناصا محترفا نجح فى اقتناص خمسة عشر إسرائيليا بينهم قناصون محترفون، ونفذ عمليات خلف خطوط العدو.
هناك رأى ساحة الحرب مثل لوحة يدرس ظلالها وألوانها، ولم يجد للسؤال الذى دار برأسه «كيف يقتل الإنسان إنسانا آخر؟» سوى إجابة واحدة تحققت فى عام 1973 وهى دفع الظلم عن المظلوم. تلك الخبرة التى سجلها فى كتابه «نوار.. عين الصقر»، ونقلها إلى أعماله الفنية، يصفها قائلا: «مازالت مشاهد الطلقات الحارقة والصواريخ التى تخترق ظلام الليل بأنوارها وألوانها حاضرة فى الخطوط الدقيقة فى أعمالى الفنية».

بعيدا عن التأثيرات الفنية يدين الفنان أحمد نوار إلى تجربة الحرب التى زرعت داخل من مروا بها روح المقاتل الباحث عن النصر. حتى إن لم تكن هى السائدة الآن.. يصف هذا قائلا: «لم أعد أتعجب حين أرى فنانا يسخر من الحديث عن الحرب.
فهو لم يجد المنظومة الكاملة التى تنقل له أهمية التجربة، اليوم نرى أطفالا صغارا يحفظون الإعلانات المكررة دون أن نتساءل كم قيمة فنية أو حدثا وطنيا أدركه هؤلاء الأطفال؟ لا أدعو إلى تحويل الوطنية إلى قيد على الناس بل إلى جعلها إطارا لحركتهم، وتكفى نظرة إلى الأفلام السينمائية الأمريكية وكيف يحتفى صناع السينما بالعلم الأمريكى حتى فى مشاهد الخراب، ونتساءل: أين نحن من هذا!؟».

حرب الاستنزاف أضفت خبرة خاصة فى أذهان من عاشوها ويقول الدكتور نوار: «تعلمت من تجربة الحرب أنه لا يوجد مستحيل، رأيت بطولات وعبقريات من الجنود المصريين، وتعلمت كيف يمكن للمصريين أن يجتمعوا حول هدف ومشروع إذا تم التخطيط المناسب له، وهو ما حاولت تطبيقه فى حياتى العملية من خلال المناصب التى توليتها».
وبكل اعتزاز يتحدث عن تجربة المقاتل الناجح فى الحرب، وهو ما حاول نقله أيضا من خلال عمله الأكاديمى ، ويقول: «لا أتلو قصصا مسلية عن الحرب بل للتحفيز على الابتكار وتحقيق الذات، وأثناء إلقائى المحاضرات على آلاف الشباب أجد رد فعل طيبا، خاصة حين أبرز لهم بطولات شباب كانوا فى مثل سنهم استردوا أراضينا المحتلة، لكن تبقى مهمة استثمار هذه الروح هى المهمة الأكبر».

العبور أحمد
الدكتور أحمد عبد العال- أستاذ الجغرافيا البشرية فى كلية الآداب بجامعة الفيوم- هو أحد هؤلاء الذين مروا بتلك المرحلة أيضا وما زالوا فى شوق إليها و يردد بفخر: «يكفينى اليوم أن السلام الذى عاشته مصر كان بسببنا وخاصة على أيدى الشهداء العظام».

مازال يتذكر يوم الاثنين 22 أكتوبر عام 1973حين لم تلتزم إسرائيل بقرار وقف إطلاق النار وشنت هجمات كانت إحداها على المجموعة التى كان ضمها المجند أحمد عبد العال قرب معسكر الجلاء فاستشهد من حوله وأصيب هو بإصابات خطيرة فى الظهر والذراع والركبة، وانتقل بين المستشفيات العسكرية يتابع علاجه حتى شهر مايو من عام 1975، احتفظ بعدها بآثار المعركة على جسده وفى ذاكرة لا تنسى روح الحرب والانتصار.
يقول : «لا يعرف حلاوة انتصار أكتوبر إلا من عاش مرارة هزيمة يونيو، وكنت بعد الحرب آمل أن تنطلق مصر إلى فضاء واسع فى مجالات أكبر، لكن لم تتحقق التوقعات». لا يخفى الدكتور أحمد عبد العال مرارة حين يجد روح أكتوبر قد تلاشت من ذاكرة البعض وابتعدت عن شباب اليوم، وهو ما حاول بجهد فردى أن ينقله إلى طلبته ويوضح : «استثمر كل مناسبة فى الندوات والتجمعات بالطلبة كى أشير إلى نصر أكتوبر حتى إن جاءت الاستجابة ضعيفة أو حين لا تتجاوز حد التعاطف».

يروى أحد المواقف الدالة أثناء رحلة علمية إلى سيناء، حيث واجه طلبته صورة المحارب القديم مستترة وراء الملمح الأكاديمى ويقول: «لم أتمالك نفسى من البكاء وانهرت حين وصلنا طابا، وتذكرت تاريخ العمليات التى جرت فى الحرب والشهداء الذين فقدتهم ودفنتهم بنفسى، وقتها تفهم الطلاب علاقتنا الخاصة بالوطن وكيف يجب الحفاظ عليه، بعد أن كانوا قد أبدوا قبلها بقليل اعتراضهم على استماعى لأغانى الذكريات الوطنية أثناء الرحلة».
يرى الدكتور أحمد عبد العال أن للعابرين ــ وهو الوصف الذى أطلقه على أبطال الحرب ــ سمات نفسية واحدة، لاحتفاظهم حتى اليوم بجزء من إصرار وعزيمة حققت هذا الانجاز وعمقت الولاء للوطن، هذه الروح المتميزة لم يكن التعبير عنها فقط محصورا لديه فى علاقته مع طلبته، بل عبر عنه فى إنتاج إبداعى عبر عشرات القصص القصيرة والقصائد التى حمل كثير منها ذكريات الحرب، ورواية كتبها تحت عنوان «العبور أحمد» التى مزج فيها سيرته الذاتية وتجربة الحرب مع الخيال إلى جانب قصص أخرى سمعها من محاربين آخرين..

إحدى هذه القصص الحقيقية خصص لها مساحة فى روايته.. بطلها الحقيقى هو سيد إبراهيم أحد جنود حرب أكتوبر، نشرت قصته منذ سنوات فى جريدة الأهرام ونال تكريما عسكريا، ورغم أنهما لم يلتقيا فى ساحة الحرب فإنهما يشتركان فى نفس الذاكرة.

سيد إبراهيم هو الآخر نال إصابة أثناء اشتباك مباشر مع الجنود الإسرائيليين فى يوم السابع من أكتوبر أثناء عملية للقوات الخاصة، بدأ التحضير لها مبكرا فى ليل الخامس من أكتوبر، ويصف الروح السائدة بين الجنود آنذاك: «حماسنا للعملية لم يشعرنا بجوع أو عطش الصيام، كنا خلف خطوط العدو لتعطيل عمليات الاحتياطى الاستراتيجى الإسرائيلى. وخرجنا فى مجموعة تضم 25 جنديا، استشهد منهم 14 شهيدا فى اشتباك أثناء تغيير موقعنا، وفى فجر السابع من أكتوبر تعرض لنا كمين إسرائيلى واستشهد من معى عدا ثلاثة جنود كنت واحدا منهم مع إصابات بالغة».
قضى المقاتل سيد إبراهيم وقتها قرابة العام بين غرف العمليات الجراحية وسرير المستشفى محتفظا بآثار الحرب على جسده، وحاملا روح أكتوبر داخله، ما زال يتذكر كلمات القائد الشهيد إبراهيم الرفاعى «أسطورة العمليات الخاصة» فى محاضراته أن «الوطن يعيش بداخلنا». لا يصيبه الأسى كمحارب قديم سوى حين يقرأ أو يسمع كلمات تشكك فى الحرب وجدواها، أو حوادث طائفية لم يرها بين حاملى روح أكتوبر، حيث اجتمع الجميع فى هدف واحد هو تحقيق النصر، ولا يقلل من حزنه النبيل سوى اطمئنانه لحال العسكرية المصرية اليوم.

روح أكتوبر يرى البعض أنها فى خطر مع رحيل من خاضوا الحرب وعدم وجود قناة توصلها إلى الواقع، وهو ما عبر عنه الدكتور أحمد نوار فى تجديد دعوته القديمة لمشروع سلسلة وثائقية تسجل تاريخ الإنسان المصرى فى حرب أكتوبر 1973، وتكشف عن أبطال لم تصل إليهم الشهرة لتسجيل شهاداتهم قبل رحيلهم.

Sunday, September 27, 2009

دنيا الألعاب

فى أحياء القاهرة الشعبية، كانت تنتشر أساليب ترفيه تقليدية، أصبحت فى طريقها إلى الزوال مثل السيجا والبلى، فهذه الألعاب ذات الأصول الفرعونية تجاور أخرى أكثر حداثة مثل البلياردو، وتشكل جميعا طرقا مثلى للهروب من الواقع، أو على الأقل تساعد على مواجهته وأحيانا احتماله.

على رصيف لا يخلو من التراب جلس الحاج محمد أبومرزوق ــ القادم من أشمون فى محافظة المنوفية ــ أمام زميله الحاج رزق ذى الأصل الصعيدى، حيث اتخذ كل منهما موقعه على أرض مغطاة بالرمال، وما أن استقر الحال حتى بدأ الحاج رزق فى رسم 25 مربعا فى التراب، رص فوقها نوعين من الأحجار باللونين الأبيض والأحمر، وبدآ سويا فى إحياء أمجاد لعبة السيجا المصرية دون صخب. وعلى بعد خطوات من مجلسهما فى شارع أحمد حلمى ناحية مساكن فيكتوريا الشعبية يستقبل المكان الكثير من الزوار المسنين الذين جاءوا فقط للجلوس والحديث سويا، ولا يخلو الأمر من نظرات تعال إلى أولئك الجالسين على الأرض للعب السيجا والتندر على ملابسهم المتواضعة وفرحتهم الساذجة.
من ناحيتهم لا يهتم لاعبو السيجا بهذه النظرات المتعالية، بل يصرون على استعادة أمجاد هذه البقعة من الشارع حين كانت تستضيف أعدادا أكبر من الهواة، يقول الحاج محمد أبومرزوق: «كنا نلتقى هنا منذ سنوات بأعداد أكبر ويجتمع يوميا ما بين 10 و15 شخصا».

الحديث والتواصل مع اللاعبين المسنين ليس بهذه البساطة، فما أن تبدأ المباراة يصبح على الجميع أن يلتزم الصمت والإنصات فقط إلى عبارات المنافسة بين اللاعبين، يصف الحاج محمد أبومرزوق ذلك: «نأتى هنا لقضاء وقت مسل فى لعبة لا تضر، نضيع فيها وقتنا هروبا من همومنا اليومية، ولا نفكر سوى فى السيجا، كما أنها أرخص بكثير من الجلوس على المقهى أو لعب القمار..!». بعد فوزه على منافسه سدد الحاج محمد أبومرزوق عبارات تهكمية إلى خصمه المهزوم وطالبه بتعويض 10 آلاف جنيه بسبب تضييع وقته فى مباراة مع خصم ضعيف مثله.. هذه العبارات التهكمية المريرة تخفى وراءها أحوالا اقتصادية متردية وحياة تعيسة للرجلين.. فالحاج رزق المهزوم انتقل قبل خمسين عاما إلى القاهرة من مركز صدفة فى محافظة أسيوط، وعمل لفترة جاوزت النصف قرن فى بيع الأسماك داخل سوق فيكتوريا المجاور لمقر هوايته المفضلة، لكنه يعيش الآن عامه الخامس والسبعين دون معاش حقيقى أو عمل يقضى فيه وقته، ويزيد من انكساره أنه مضطر إلى أداء واجبه تجاه أسرته فى أسيوط، وهو ما لم يعد يستطيعه الآن. أما الحاج محمد أبومرزوق الذى جاوز السابعة والستين فهو فلاح قديم من أشمون، يترك بلدته بصورة يومية كى يأتى إلى القاهرة التى عمل فيها فترة من حياته على أمل أن يحصل على فرصة عمل جديدة.

فى هذه الأجواء يجلس الاثنان فى شارع أحمد حلمى بصحبة المتعطلين على أمل أن يطل عليهم «مقاول أنفار» يلتقطهم من الشارع. هذه الفرصة لم تعد متوافرة كما كان الحال سابقا.. ففى نفس هذه البقعة منذ أكثر من عشرين عاما كانت تقام بطولات السيجا بين فرق مكونة من هواة اللعبة، وفى فترات أقدم حين كان حى الشرابية المجاور أقرب إلى الطابع الزراعى الريفى وشارع أحمد حلمى أكثر بساطة، انتقلت لعبة السيجا إلى هذه المنطقة بالذات. أما اليوم فيكفى ما يلاحظه الجالس إلى جوار محمد أبومرزوق وزميله رزق حين يمر بهما الناس ويلقون عليهما عبارات التهكم أثناء لعبهما السيجا. أحد الأطفال الذين يطيرون الطائرات الورقية من حولهما وقف قليلا يشاهد لعب المسنين وذكر أن هذه اللعبة موجودة على جهاز الكمبيوتر الخاص به، فى حين ألقت فتاتان عبارة ساخرة على الشيخين «انتو لسه قاعدين هنا؟؟» وهو ما تفاعل معه جيدا الحاج محمد أبومرزوق بعبارة غزل تهكمية ألقاها فى وجه فتاة فى عمر أحفاده.

هذه الجلسة المريرة تحت أشعة الشمس العنيفة والأحوال الاقتصادية السيئة لا يتجاوز المعاش الشهرى فيها مائة جنيه أوجدت وظيفة جديدة للسيجا، حين تحولت إلى مهرب من الحياة وضغوطها وإسقاط الغضب على المنافسين. لكن هذه الوظيفة الجديدة لم تقلل من مكانتها لدى أى منهما، فالحاج رزق الأسيوطى يعى أنه يمارس لعبة قديمة قدم الحياة العربية، وأسهب فى وصف القدرات الذهنية الفذة لذوى الأصول العربية وأدائهم القوى فى السيجا السباعية التى تتكون من 49 مربعا. لكن واقع الأمر أن لعبة السيجا المصرية تعود إلى أصول أقدم.. حيث ما زالت جدران معبد سيتى الأول فى منطقة القرنة الأثرية دليلا على وجود هذه اللعبة العتيقة وانتشارها آنذاك. ويدرك هواة السيجا الباقون أنها تلعب بعدة طرق إما فى شكلها المبسط الثلاثى أو أن تتسع إلى الخماسية بعد أن تتحول إلى خمسة صفوف وخمسة أعمدة مكونة من 25 مربعا، أو سبعة صفوف وسبعة أعمدة بمجموع 49 مربعا، فيطلق عليها السباعية، أما الأكثر انتشارا فهى الخماسية التى تحتفظ الأرض أحيانا بتخطيطاتها فى نفس الموقع بشارع أحمد حلمى بشبرا.

الطريقة التقليدية فى لعب كل هذه الأنواع هى وضع جميع القطع من النوعين فى المربعات مع ترك مربع وحيد فى الوسط، هو الذى يبدأ منه اللعب، وكلما حاصرت قطعتان قطعة أخرى للمنافس يتم إزالتها، أما الفائز فهو من يزيل قطع منافسه من اللعبة. وقد أوجد قدم اللعبة مفارقة طريفة، حيث كانت قطع اللعب على عهد المصريين القدماء تتخذ شكل الكلاب والذئاب، واليوم يستخدم هواة السيجا كلمة «الكلبة» فى وصف قطعة اللعب. وحتى وقتنا هذا كانت المحاولة التى جرت فى عام 1962 هى الأجرأ فى التشجيع على هذه اللعبة حين أقرت لجنة التربية الاجتماعية فى المجلس الأعلى لرعاية الشباب تنظيم البطولات فى السيجا على مستوى الأندية والمراكز.

أما عن ثنائى السيجا القادمين من الصعيد والدلتا القابعين فى منطقة فيكتوريا بشبرا فيكادا أن يكونا ضمن فئة قليلة ما زالت متمسكة بلعبة موروثة عن الأجداد وعن نمط الحياة الريفية. ويكاد أيضا أن ينطبق عليهم بشكل واضح قول الشاعر والمسرحى الألمانى شيللر «الإنسان يصبح إنسانا حين يلعب»، ففى تفاصيل أدائهم وفى مكان وجودهم تعبير صادق عن تفاصيل حياتهم التى حولت لعبة مصرية تقليدية من رياضة ذهنية إلى مهرب من الواقع.

يتعمد مصطفى سعيد (12 سنة) أن يبرز مهاراته بصورة شبه يومية بين أقرانه حول طاولة البلياردو المستقرة فى إحدى حارات حى شبرا القاهرى، ليس مضطرا إلى الوجود فى صالة بلياردو فخمة أو الاشتراك فى ناد راق لممارسة لعبته المفضلة.. يكفيه الاستقرار وسط أصدقائه أمام إحدى طاولات البلياردو المنتشرة حول شارع شيبان بشبرا لتحقيق رغبته فى التنافس. «منذ أن كنت فى الصف الأول الابتدائى وأنا أمارس نفس اللعبة على نفس الطاولات». قال عبارته بفخر متناسيا طول عصا البلياردو الذى أبرز قصر قامته وصغر سنه. وفى الوقت الذى استعرض فيه مصطفى مهاراته أمام أقرانه كانت إحدى السيدات تراقبه من شباك الدور الأول وتستلم النصف جنيه قيمة المباراة أو «الجيم» كلما بدأ. وبكل إصرار امتنعت عن الحديث عن طاولة البلياردو التى تملكها مفصحة عن مخاوفها من لفت أنظار البلدية تجاه طاولتها الوحيدة. «رغم قلة الربح من هذا المشروع إلا أننى أحرص بكل الطرق على استمراره، فامتنع عن استضافة نوعية الشباب الذين قد يثيرون مشكلات مع الجيران أو إزعاجهم». ورغم هذه المشقة اليومية، فإنها تؤمن بعبارة أوضحت هدفها من استمرار هذه الطاولة: «القرش اللى ييجى أحسن من مفيش». أما مصطفى فلديه بدائل أخرى غير هذه الطاولة.. فعلى الجانب الآخر من الشارع، يمكنه أن يلعب مباراة أو «جيم» بنفس القيمة الزهيدة وفى نفس محيط سكنه.

خالد بسيونى (35سنة) الذى يعمل فى محل الجزارة المجاور هو مالك هذه الطاولة، وكان أكثر جرأة فى الحديث عن مشروعه الذى بدأه منذ أكثر من 12 سنة. بدأ بطاولة بينج بونج ثم اشترى قبل ثمانية أعوام طاولة بلياردو ثمنها 1600 جنيه، ليضفى على نشاطه فى الشارع مزيدا من الأناقة ويواكب هوس البلياردو الذى ضرب مصر فى النصف الثانى من التسعينيات واستمر سنوات بعدها حين بدأ خالد نشاطه مع البلياردو. يقول: «فى تلك الفترة كان سعر الجيم الواحد جنيه، ومع انتشار الطاولات فى المنطقة انخفضت القيمة إلى نصف جنيه». ويضيف: «ليس لدى مواسم عمل بشكل واضح، لكن أثناء فترة المدارس يكون الحال أكثر رواجا».
يمتد عمل طاولة خالد بسيونى حتى منتصف الليل تقريبا، ويضىء المكان عن طريق وصلة كهرباء إلى كشاف إنارة كبير فوق الطاولة يمكنه أن يحافظ على زوار الليل، عدا هذا فعليه واجب نظافة الطاولة بصورة شبه يومية. ويقول: «بعد كل هذه الفترة توصلت إلى أسلوب تعامل ابتعد به عن المشكلات المتوقعة بزرع الثقة لدى السكان، والتعامل الحاسم مع الشباب حول الطاولة». حول خالد بسيونى العديد من الطاولات فى الشوارع والحوارى الجانبية، كلهم اجتمعوا على تكرار تجارب نجاح سابقة حين ظهرت أولى الطاولات فى نفس المنطقة قبل 15 سنة فى منطقة فيكتوريا بشبرا. فى تلك الفترة نزلت لعبة البلياردو إلى الشارع بعد أن كانت لعبة يمارسها ذوو الدخل المرتفع مستمدة رقيها من أصلها النبيل، إذ تبناها الملك لويس السادس عشر فى منتصف القرن السابع عشر.

اللعب بفلوس

وبعيدا عن طاولات البلياردو المكشوفة وانتقال اللعبة إلى الشوارع والحوارى فهناك عالم آخر فى دنيا البلياردو داخل المحال المتخصصة.. وعلى بعد عشرات الأمتار من منطقة الطاولات المكشوفة والانتقال إلى شارع المتنزه ناحية شارع شبرا، هناك نمط آخر من طاولات البلياردو داخل المحال المغلقة. فى أحد هذه المحال يقف فادى ــ طالب الصف الأول الثانوى ــ فى محل مستقل عمره 8 أشهر فقط. هناك حيث البعد تماما عن الطاولات المكشوفة يبدأ فادى فى تكوين صداقاته مع زبائنه الشباب. لكن فى حقيقة الأمر فإن والدته السيدة إيمان هى المدير الحقيقى للمكان بما لها من خبرة سابقة فى إدارة كافتيريا سابقة فى شبرا. وتكشف إيمان عن وجه آخر لعالم محال البلياردو الذى أوضحت أنها تقف خارجه تماما، موضحة: «بعض الشباب يلعب الجيم المباراة بمنطق القمار، بمعنى أن يضع كل شاب من المتنافسين مبلغا ما والفائز تذهب إليه النقود مع نسبة إلى صاحب المحل، وهو ما لا أستطيع التنافس فيه». ليس هذا فقط، فبعض المحال تسمح بالتدخين واستخدام الألفاظ الحادة فى أجواء الموسيقى الصاخبة، ويستمر العمل حتى الصباح الباكر دون توقف.

تواجه إيمان مشكلات من نوعية أخرى مع السكان، فرغم حرصها على خلو المكان من السب والتدخين فإن أحد الآباء تقدم ضدها بشكوى بعد أن رأى ابنه وهو يدخن بجوار المحل، ولم تفلح محاولاتها فى نفى التهمة عن المكان حتى اضطرت إلى وضع لافتة ورقية مطبوعة بالكمبيوتر تحمل عنوان «ممنوع التدخين».
وتضيف: «مشكلاتى أحيانا تتجاوز ما يحدث حول (البولة) طاولة اللعب فمن زوارى أيضا المصنفات الفنية التى احتجت فى مرة على وجود أجهزة البلايستيشن جوار طاولة البلياردو، وهو ما قلل جزءا من نشاطى، خاصة حين تتعامل السلطات مع المحل على أنه مكان ترفيهى».

تصف إيمان الأشهر الماضية من عمل المحل بأنها أشبه بسنوات طويلة. ولا تخفى ابتسامتها الساخرة وهى تشرح الحل الأخير الذى توصلت إليه للبعد عن المشكلات : «فى بعض الأحيان يبدو المحل كأنه دار حضانة، حين تمر إحدى الأمهات لترك ابنها لدينا إلى جوار زبائننا الأطفال الأقل إثارة للمشكلات».
يكاد يجمع هواة اللعبة القدامى وأصحاب أندية البلياردو على أن اللعبة شهدت صعودا كبيرا فى فترة التسعينيات حتى أصبحت فى وقت من الأوقات الهواية الأشهر بين الشباب وتحولت أندية البلياردو إلى ملتقيات تجمعهم، لكن هذه الصحوة لم تستمر طويلا رغم انتشار اللعبة حتى الآن داخل الشوارع والحوارى.
يقول محمد القماح، رئيس الاتحاد المصرى لألعاب البلياردو: «بعد ازدهار اللعبة حدث هبوط مفاجىء فى شعبيتها نتيجة عدم تفهم الجهات الرسمية وقتها للانتشار المخيف لأندية البلياردو، وكان عدم وجود شكل شرعى للكثير من الأنشطة سببا فى انهيار هذه الموجة».
ورغم هذا الانسحاب فإنه يؤكد أن اللعبة متاحة من خلال الأندية ومراكز الشباب المجتمعة تحت لواء الاتحاد، ويقدر عدد المشاركين فى هذه التجمعات بعشرين مليون مصرى. أما عن عضوية الاتحاد فلا تتجاوز 1500 عضو فى ألعاب البلياردو المختلفة مثل السنوكر والبول والكاروم.
.

الوقوف فى وضع الاستعداد مع ميل خفيف إلى الأمام ثم إطلاق قذيفة قوية نحو الهدف مباشرة، ليست بوادر حرب أو معركة حقيقية، بل محاولة من أحد أطفال الحى تسديد «بلية» صغيرة نحو زميلتها على أمل إسقاطها فى حفرة غير عميقة. تلك اللعبة التى ما زال يلعبها بعض أطفال الأحياء الشعبية والقرى الريفية فى مصر لا يعرف أغلبهم أنها ذات أصول مصرية ملوكية ترجع إلى آلاف السنين، حين كانت لعبة فى يد أطفال مصر القديمة وأداة تسلية محببة لدى الفرعون الصغير توت عنخ آمون. ورغم هذا التاريخ فإنها آخذة فى الانسحاب من الشوارع المصرية على عكس ما كانت عليه منذ عقود قليلة.
«لم يعد هناك اهتمام بشراء البلى من أجل بيعه للصغار، فالأطفال أصبحوا أكثر انشغالا بألعاب الكمبيوتر»، هذه الجملة كانت محاولة من الحاج عصام التاجر بحارة اليهود فى منطقة الموسكى لتوضيح مدى الإقبال على شراء البلى الزجاجى من متجره المتواضع حيث يفد عليه الزوار للاستفسار عن أشياء مثل ثمن حصان بلاستيكى أو جودة مجموعة من الولاعات، لكن أسفل هذه المنتجات يتوارى كيس شبكى مملوء بالبلى الزجاجى ما زال ينتظر زبونه النادر.
الحاج عصام ما زال هو الآخر متمسكا ببيع البلى من منطلق التخصص الذى فرضه عليه وجوده فى حارة اليهود حيث محال بيع الألعاب والأدوات المنزلية، ويوضح قائلا: «قديما كانت نفس اللعبة تلعب بأغطية المياه الغازية ونواة البلح، بعض الزبائن يشترون البلى الزجاجى لأغراض أخرى مثل زينة أحواض السمك وغيرها».

الكيس الشبكى الذى يحتوى على 100 بلية زجاجية كان يباع لدى تجار حارة اليهود قبل عشرين سنة مقابل 60 قرشا، بينما سعره الحالى هو جنيهان فقط، أما لدى باعة الخردوات خارج الموسكى فتباع البلية الواحدة بخمسة وعشرين قرشا، أى ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف سعرها الأصلى.

قد لا يهتم الأطفال بقصة حياة البلية التى تدور بين أيديهم وتصطدم بأسفلت الشارع وترابه، خاصة أن بعض طرق لعب «البلى» يحصل فيها الفائز على ما لدى الخاسر من بلى، حيث يرص البلى فى شكل مثلث أو دائرة على أرضية محددة الأطراف بشكل واضح، ثم يضربها أحدهم ببلية كبيرة، وكل بلية تخرج خارج الإطار المرسوم هى من نصيب صاحب الضربة الموفقة، وهى طريقة تقترب فى فكرتها من لعبة البولينج. وأغلب «البلى» الذى يباع فى السوق المصرية من صنع الصين حسبما ذكر تجار حارة اليهود، فيستورده التجار الكبار ثم يتم توزيعه فى كميات بسيطة على أصحاب المتاجر من نوعية الحاج عصام. وبجولة على مواقع شركات صناعة «البلى الزجاجى» الصينية الكبرى على الإنترنت نفاجأ بأنها صناعة ضخمة ذات تجارة مزدهرة حول العالم. أحد أكبر مصانع الزجاج والرخام فى الصين أعلن على موقعه أن البلى الزجاجى من أهم منتجاته، بينما تختلف شروط المصدرين فى البيع كأن تكون طلبية فى حدود 2 طن أو أن يكون الحد الأدنى للطلبية هو 45 ألف كيس يتسلمها المستورد خلال ثلاثين يوما.

وهناك نظرة متدنية لهذه اللعبة نظرا لاعتمادها على المراهنات واقتصارها على الشارع وارتباطها بالأطفال دون البالغين، إلى جانب مشاركة الحرفيين الصغار فى ممارستها، وهو ما أوجد التسمية الأشهر «بلية» على مساعدى أصحاب الورش من الصغار. حيث يتوافر «البلى النيكل» فى ورش الميكانيكا التى تتعامل مع «رولمان البلى» فى صيانة السيارات، وهو نوع البلى الذى طالما طمح فى حيازته الأطفال لتميز شكله.

قد لا تكون لعبة البلى أو «الترونجيلة» حسبما كانت تعرف قديما فى مصر ضمن أولويات الكثيرين على عكس ما حدث فى مواقع أخرى من العالم، «فالبلى» الذى كان يصنع من الطين والحجارة والزجاج دخل مجال الصناعة الحديثة فى بدايات القرن العشرين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتحديدا فى ولاية أوهايو الأمريكية. ومنذ العام 2005 أصبح هناك ما يعرف ببطولة العالم فى «ألعاب البلى» تقام فى دولة التشيك برعاية اتحاد البلى العالمى World Marbles Federation الذى تأسس من المتحمسين لهذا النوع من الألعاب، وعلى موقع glassmarbles.com يعرض تاريخ ألعاب البلى وأنواعها. ومن أغرب ما يقدمه الموقع هو عرض دعاية عن الكتب المتخصصة فى لعب البلى وعلى رأسها كتاب تحت عنوان 101 طريقة للعب البلى..!
.

يصنف عدد من الباحثين الألعاب الشعبية المصرية إلى عدد من التصنيفات أشهرها تصنيف اللعبة على أساس وظيفتها فى المجتمع حين تتحول إلى ما هو أقرب إلى التدريبات أو محاكاة الواقع، ومن ضمن المحاولات التى جرت لرصد الألعاب الشعبية فى مصر محاولة للباحث ماهر صالح فى دراسته «ألعاب الأطفال وأغانيهم» المنشورة عام 1967 فى مجلة الفنون الشعبية، حين رصد 76 لعبة شعبية تنوعت أساليبها وطرق أدائها، وكان على رأس هذه الألعاب لعبة السيجا.

ويرى الدكتور صلاح الراوى ــ أستاذ الأدب الشعبى بأكاديمية الفنون ــ أن ما يجب التحفظ عليه فعلا فى تناول هذا الموضوع هو الإفراط فى استخدام كلمة «شعبية» على كل ظاهرة ترتبط بمستوى اقتصادى معين أو بكثرة عددية فى المجتمع. ويوضح بشكل أكثر تفصيلا: «حين نتحدث على سبيل المثال عن لعبة السيجا فيجب أن نفهم نشأتها ووظيفتها والمواد التى تستخدم فيها وعلاقتها بالبيئة المحيطة وكأنها لعبة تعبر عن موقف شعبى، ومستمدة من نمط حياتهم، على عكس ما يظنه البعض من أن الشعبية ترتبط بكثرة الجمهور المؤيد للعبة».
وينتقل الدكتور الراوى إلى التطبيق على ألعاب أخرى يطلق عليها لفظ «شعبية»: «الأكثر دقة هو استخدام كلمة جماهيرية على لعبة مثل كرة القدم، فهى فى النهاية لعبة لم ينتجها الشعب، وكذلك الحال مع الألعاب التى تبزغ فى فترات معينة وتنتشر فى الشوارع مثل البلياردو أو البينج بونج وغيرهما، فهى ألعاب جماهيرية وليست شعبية».
ويوضح الدكتور الراوى أن الأصل المصرى القديم لبعض الألعاب أو وجودها فى مقابر ملوك قدماء المصريين ليس شرطا فى اعتبارها ألعابا شعبية، فلعبة مثل الشطرنج ارتبطت ببلاط الملوك، لكن وصف اللعبة الشعبية الأجدر به أن يطلق على ما أنتجته بيئة وأسلوب حياة الشعب.

PDF

Thursday, September 17, 2009

صلاة بروح الاعتكاف

في جامع عمرو بن العاص
الخميس 17 سبتمبر 2009 2:36 م

عبد الرحمن مصطفى

براءة الأطفال ولهوهم داخل صحن جامع عمرو بن العاص لم يخفيا الأجواء الرجالية التى برزت داخل المسجد منذ بداية العشر الأواخر من شهر رمضان حيث تحولت جدران المسجد إلى «شماعات» تحمل جلابيب وملابس من أتوا للاعتكاف، وحيث تعلو صيحات الآباء على أبنائهم، لكن يظل البطل الرئيسى هو صلاة التراويح التى جذبت الجميع بلا تمييز. تظهر بوادر التراويح فى فترة مبكرة قبل صلاة المغرب بقليل حين تتزايد أعداد من قرروا المجئ والبقاء فى المسجد حتى بدء الصلاة، وهو الوقت الذى تبدأ فيه «وجبات الخير» فى الظهور علنا والانتشار بين صفوف الجالسين.
فى تلك الأثناء يسند أحمد رأفت المهندس الشاب ظهره إلى أحد أعمدة المسجد، حيث وضع حقائبه وبطانية وإفطار بسيط هو زاد يوم واحد فقط، يعمل أحمد فى شركة لتطوير البرمجيات منحته فرصة الحصول على إجازة حتى نهاية العيد، يقول: «حاولت العام الماضى أن أخوض تجربة الاعتكاف والمبيت فى المسجد هنا ولم أنجح بسبب ظروف العمل، فكنت آتى إلى المسجد بعد انتهاء العمل مباشرة واعتكف حتى وقت صلاة التراويح فقط». يرى أحمد الذى جرب الاعتكاف الكامل منذ سنوات فى مسجد مجاور لمنزله فى حى المعادى أن جامع عمرو بن العاص له طابع خاص يساعد على الاعتكاف بسبب اتساعه. ولم يكن هو وحده من شد رحاله إلى جامع عمرو بن العاص، فهناك من أتى من محافظات مجاورة مثل الجيزة والقليوبية لنفس الهدف، وكأنه «موسم» لابد من اللحاق به خاصة مع سمعة جامع عمرو، التى نالها منذ سنوات مع انتظام حضور الآلاف إلى صلاة التراويح للاستماع إلى تلاوة الشيخ محمد جبريل. وكان التقاء أصحاب اللهجة الريفية والحضور المكثف من سكان حى مصر القديمة المجاور للمسجد إلى جانب من أتوا من أحياء قاهرية سببا فى إيجاد حالة خاصة كانت صلاة التراويح هى السبب فى إيجادها.
بعد صلاة المغرب تمتزج رائحة الأكلات المشوية وأطباق الأرز مع رائحة الطعام البسيط من الطعمية والخضار، الغالبية فى وضع استعداد جيد لتناول إفطار مناسب يؤازرهم أثناء صلاة التراويح، التى تدوم أحيانا لأكثر من ساعتين، أما الفترة بين صلاة المغرب والعشاء فمن السهل على الزائر أن يلاحظ تمدد أجساد المتأملين والباحثين عن الراحة إلى جوار من بدأوا تناول المشروبات بعد الإفطار، بينما انتهز البعض الفرصة لتغيير ملابسه وسط جيرانه الرجال دون حرج، فالحواجز بين مصلى الرجال والنساء منيعة بحيث لا تنفذ نظرات طرف إلى آخر.
تبدأ صلاة التراويح بعد صلاة العشاء بقليل ويسأل البعض أصدقاءهم عن الذين سيكملون الإحدى عشرة ركعة حتى النهاية، ومع بدء التلاوة يجلس بعض المصلين على الأرض أثناء الصلاة من التعب على أمل المواصلة حتى النهاية.
روح الاعتكاف التى غطت على ساحات جامع عمرو بن العاص كانت السمة المميزة لصلاة التراويح هناك، إلا أن تلك الروح قد غابت عن مساجد أخرى، ففى مسجد مصطفى محمود المطل على شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين الذى طالما استضافت ساحته الفسيحة صلوات العيد واستقبال جنائز المشاهير لا تتوافر فرصة الاعتكاف والمبيت بالمسجد وإن كان هذا لم يمنع تزايد أعداد المصلين، يقول الأستاذ الدكتور محمد قاسم المنسى أستاذ الشريعة والفقه بجامعة القاهرة ومدير لجنة الدعوة بمسجد مصطفى محمود: «المسجد لا يسمح بمبيت المعتكفين نظرا لضيق مساحته الداخلية وخشية أن يعيق ذلك أداء الصلاة، وأرى أنه لا ضرورة فى التكلف والتوسع فى الاعتكاف ومراعاة ظروف العصر وتعقيداته خاصة مع انتشار الأوبئة والأمراض واختلاف الظروف الاجتماعية عن الماضى». وحسب الدكتور محمد المنسى فقرار إدارة المسجد لم يكن نتيجة ضغوط أو أسباب أمنية، وأوضح أنه على المساجد أن تنصاع لقرار «ولى الأمر» فى حالة إذا ما حدد مساجد بعينها لممارسة الاعتكاف والمبيت بها. ومثلما أثر غياب الاعتكاف على أجواء المسجد الداخلية كذلك أثر اختلاف نوعية زوار المسجد من سكان حى المهندسين على المشهد العام للمصلين، حيث وقف بينهم من ارتدى الكمامات الواقية خوفا من انتشار عدوى الإنفلونزا أثناء صلاة التراويح على عكس المشهد فى جامع عمرو، الذى لم يجد فيه رجال الإسعاف الموجودون جوار بوابات المسجد من يتواصل معهم للحصول على كمامات الوقاية أو الكشف الطبى.
اختلاف المساجد وثقافة المصلين امتد تأثيرهما إلى تفاصيل صلاة التراويح نفسها، فبينما اختار مسجد محمود أداء 23 ركعة، كان جامع عمرو أكثر حرصا على أدائها فى 11ركعة فقط كأغلب المساجد. إلا أن زيارة إلى مسجد آخر ذى ملمح سلفى مثل مسجد العزيز بالله فى حى الزيتون بالقاهرة تكشف عن تفاصيل جديدة، فبعيدا عن التزام أغلب رواد المسجد بالملمح السلفى من الجلباب القصير واللحية الطويلة، افتقدت صلاة التراويح الدرس الذى يفصل بين كل أربع ركعات من الصلاة، وكذلك الدعاء فى آخر ركعة من صلاة الوتر، وهو ما تعذر معرفة رأى إدارة المسجد حوله لامتناعها عن التواصل الإعلامى. لكن هذه الممارسة تتفق مع آراء دينية ترفض الالتزام «الدائم» بأداء الموعظة بين الصلوات وأداء الدعاء فى الركعة الأخيرة. وكغيره من المساجد الشهيرة اضطر المصلون نتيجة الزحام إلى إكمال صفوفهم خارج المسجد على الرصيف
.

Sunday, September 13, 2009

مدرسة التلاوة المصرية في عصر الهبوط

لا وقت للتجويد
الذوق يتجه للخليجى السريع ومدرسة التلاوة المصرية تتراجع

أمام جامع النور بالعباسية تلاوة قرآنية تنطلق من جهاز كاسيت قديم لا يتوقف عن تكرار تلاوة للقارئ السعودى عبدالرحمن السديس، يتلوها من مقام موسيقى واحد لا يتغير، وحوله مجموعة من شرائط القرآن والأدعية من نفس النمط، عدا مجموعة قليلة من شرائط التجويد ذات الإيقاع الأبطأ والتنوع فى المقامات الموسيقية لشيوخ مثل محمد الطبلاوى وأحمد نعينع وغيرهما.

وعلى الرغم من أن سعر بيع الشريط الواحد من هذه الفئة الأخيرة لا يتجاوز الجنيهات الثلاثة ونصف الجنيه إلا أن الإقبال الأكبر يظل على شرائط الترتيل خصوصا من مقرئى الخليج. وهى الحالة التى لم يجد لها سيد صاحب الفرشة تفسيرا سوى فى عبارة حاسمة «لا يشترى شرائط المصحف المجود إلا السميعة». ويكاد يكون الحال أوضح بجوار مساجد أخرى ذات طابع سلفى، ليكشف هذا التنافس عن صراع بين طريقتين فى التلاوة: الأولى هى تلاوة التجويد التى يفضلها «السميعة» وتلاوة الترتيل الشبيهة بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة.

ازدادت سخونة هذه المعركة الهادئة مع بزوغ نجم الشيخين عبدالرحمن السديس وسعود الشريم فى الحرم المكى، والشيخ على الحذيفى فى المسجد النبوى، حين اندفعت شرائطهم بقوة فى عقد التسعينيات إلى السوق المصرى فى الوقت الذى انكمشت فيه جلسات «سميعة» القرآن فى مجالسهم الطبيعية فى مصر، حيث الليالى الدينية والمناسبات الخاصة. وبدأ الترتيل الشبيه بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة يأخذ مساحة أكبر فى كاسيتات محبى القرآن، وظهرت إصدارات خاصة للرقية الشرعية تركز على تكرار آيات بعينها، كما ظهرت استخدامات جديدة لتلاوة القرآن فى حفلات افتتاح المحال حيث يبدأ «الدى جيه» ذو السماعات الصاخبة بالقرآن وأسماء الله الحسنى ثم ينتقل إلى الأغانى الراقصة. كل تلك العوامل صبت فى مصلحة التلاوة ذات الإيقاع السريع وصنعت رواجا لشرائط قراء الخليج إلى جانب القراء المصريين الذين ركزوا على إصدار المصحف المرتل.

أما التنافس بين شرائط المصحف المرتل التى تم تسجيل أغلبها فى أثناء صلاة التراويح فى رمضان وتلاوة المصحف المجود الأبطأ إيقاعا، فهو فى واقع الأمر ليس تنافسا جديدا، فمنذ القرون الأولى للإسلام، هناك صراع بين من يدعو إلى قراءة رصينة جافة ضد التطريب بالقرآن خوفا من أن يقع تحريف أو مد زائد على ضوء حديث نبوى وضع غناء القرآن ضمن علامات الساعة. وعلى الجانب الآخر هناك فريق يدافع عن نفسه مستندا إلى الحديث النبوى «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وتأتى لحظة التوفيق بينهما فى رأى يفضل التغنى بالقرآن فى حلاوة الصوت مع الالتزام بأحكام التلاوة.

ومنذ قرون طويلة تعرض القراء المصريون للنقد لنفس السبب وكان أشهر من سدد كلمات النقد الإمام القرطبى فى تفسيره الشهير «الجامع لأحكام القرآن» حين انتقد بعض القراء المصريين فى عصره الذين مالوا إلى اللحن على حساب النطق السليم ووصفهم قائلا: الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز؛ ضل سعيهم وخاب وهو ما يوضح أن مجالس المستمعين فى رحاب موسيقى التلاوة كانت مستهدفة من الغيورين أمثال القرطبى الذى هاجر من الأندلس إلى مصر وتوفى بأسيوط فى القرن الثالث عشر الميلادى. وبعد القرطبى بقرون لاتزال جلسات التلاوة المصرية عرضة للهجوم على الرغم من احترافية المقرئين المصريين على مستوى العالم. ففى فتوى صدرت عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فى السعودية وُصفت بعض الحركات التى يمارسها الشيوخ من وضع اليدين على الآذان والتمايل عند القراءة بأنها من البدع وهى الحركات التى تكون مرتبطة بجلسات تجويد القرآن بين القراء المصريين. فقد ارتبط بعضها مثل وضع اليد على الأذن فى أثناء التلاوة بعادات قديمة لدى المصرين سجلتها الآثار المصرية القديمة لمغنين مصريين قبل آلاف السنين. وفى العام 2002 توجه أحدهم بسؤال إلى مركز الفتوى لموقع إسلام ويب السعودى «ما حكم التغنى بالقرآن.. وإتباعه بكلمة (الله) كما هو الشأن فى بعض أشرطة عبدالباسط عبدالصمد». وجاء الرد من لجنة الفتوى منكرا لذكر كلمة «الله» الدالة على الاستحسان فى أثناء الاستماع إلى التلاوة وقالت الفتوى:«أما بالنسبة لقول الناس بعد المقرئ (الله) فإنه ليس من هدى السلف، بل فيه عدم تعظيم للقرآن».

تلك الصورة بين تيارين يتعاملان بشكل متعارض مع تلاوة القرآن لا تنفى علاقات واضحة بين المقرئين فى الخليج، فمازالت جملة منسوبة إلى الملك السعودى الراحل خالد بن عبدالعزيز تتردد كل فترة حاملة معها الثناء على المقرئين المصريين نقلها عنه الشيخ القارئ محمد الطبلاوى تقول: «القرآن الكريم نزل فى الجزيرة‏،‏ وطبع فى إسطنبول‏،‏ وقرئ فى مصر»‏. وتحمل سير بعض القراء فى الخليج إشارات إلى أن بعض مشاهيرهم قد أجيزوا فى القراءة على يد شيوخ مصريين منهم الشيخ على الحذيفى إمام الحرم النبوى السابق، وكذلك القارئ الكويتى مشارى راشد العفاسى الذى سجل فى مناسبات عديدة حبه للمدرسة المصرية فى التلاوة. ورغم اعتماده فى تلاوته ومحطته الفضائية على التنوع فى المقامات الموسيقية أثناء الترتيل فإنه تجنب طريقة التجويد التى أصبحت أكثر ارتباطا بالمقرئين المصريين.
--
الشيخ أبو العينين شعيشع.. نقيب المقرئين وآخر رموز عصر التلاوة
قرأت القرآن فى قصر فخرى عبد النور .. ومجالس التلاوة أفرزت عشرات المواهب

مجلس الذكر والنغم
هكذا استفادت المدرسة المصرية فى التلاوة من المقامات الموسيقية

Thursday, September 10, 2009

طريقة مبتكرة للتبرع : مزاد الرحمن

الخميس 10 سبتمبر 2009 2:02 م
عبدالرحمن مصطفى

خطوات بسيطة يعرفها الداعية الدكتور أمير صالح تمكنه من جمع آلاف الجنيهات فى جلسة تبرع واحدة، فبمجرد أن يقف وبيده الميكروفون معلنا على رواد المسجد هدف التبرع حتى تتوالى التبرعات بكل بساطة، أطلق على هذه الطريقة اسم «مزاد الرحمن» وتم اختبارها فى عدد من المساجد تلقى خلالها تبرعات لتزويج الفقراء والتبرع من أجل تجهيز المساجد.
يقول: «لابد من أن أؤمن بالهدف الذى أسعى إليه أولا وأن أنقل هذا الإيمان إلى المتبرعين.. والأهم أن يقتصر دورى على تحفيز الناس على التبرع دون مشاركتى فى مجلس إدارة المسجد أو جمع تبرعات». يبدأ الداعية بعرض الحالة وقيمة المبلغ المطلوب عارضا ميراث الصحابة فى عمل الخير مع توجيه العبارات المشجعة على التبرع إلى الجالسين أمامه. ويدير الجلسة كأنه مدير صالة مزادات محترف. فيستخدم عبارة «من يدخل مزادا مع الله؟؟!»، ويكرر عددا من الآيات فى فضل أهل الخير حتى يبدأ الجالسون فى التبرع، ويذكر كل متبرع اسمه وقيمة تبرعه، فيتلقى عبارات الاستحسان من الداعية القابض على الميكروفون. وتتنوع التبرعات بدءا من خمسمائة جنيه حتى 20 ألف جنيه فى المرة الواحدة للمتبرع، كل حسب طاقته. ولا يتوقف الداعية إلا بعد أن يستنفد جميع محاولاته لإثارة حماس رواد المسجد على أمل أن يوفى كل متبرع قيمة تبرعه فيما بعد إلى لجنة الزكاة بالمسجد.

يؤكد الدكتور أمير صالح أنه يحاول قدر الإمكان البعد عن إحراج رواد المسجد، ويقول «نرفع الحرج عن الحضور إذا ما أراد أحدهم أن يخفى مبلغ تبرعه، وعن نفسى لا أتعمد النظر فى عيون الجالسين أو الإلحاح عليهم، يكفى أن أحدد لهم الهدف العام وتوضيح أن المساهمات البسيطة وكثرة عدد المتبرعين ستحقق هذا الهدف، وليس الهدف جمع الأموال أو تخزينها». وإلى جانب عمله فى مجال العلاج الطبيعى يرأس الدكتور أمير صالح الجمعية الأمريكية للعلوم التقليدية، كذلك هو أحد الوجوه المألوفة فى البرامج ذات الطابع الإسلامى، وجاءت فكرة مزاد الرحمن كأحد الأنشطة الخيرية التى يتصدرها. ورغم اعترافه بأن الفكرة موجودة بالفعل فى المجتمعات الغربية وتتم على الهواء مباشرة على الفضائيات مع وجود عداد للتبرع يحكم التبرعات بشفافية، وأنها انتقلت إلى الفضائيات العربية إلا أنه يؤكد أن الفكرة لم تنتشر بعد فى المساجد.

الشيخ رمضان فضل ــ إمام مسجد قباء بحى حدائق القبة ــ كان أحد من استقبلوا هذه «المزادات» حيث نجح من خلال مزاد واحد فى جمع 70 ألف جنيه مساهمة فى قيمة سيارة نقل الموتى التابعة للمسجد، إلا أنه انضم إلى قائمة المتحفظين بعد تكرار «المزاد» وظهور عيوب هذه الطريقة فى التبرع وهو يوضح: «يقع الناس فى حرج حين يجدون أنفسهم فى مواجهة طلب التبرع على الملأ ومراقبة الآخرين لقيمة تبرعاتهم والتزامهم السداد أمام رواد المسجد».
أحد المزادات التى أدارها الدكتور أمير صالح استخدم فيها مقارنات بين رواد المسجد الذى بدأ فيه مزاده ومسجد آخر فى حى ذى مستوى اقتصادى منخفض على أمل تشجيعهم على دخول «المزاد»، وهو ما أثار كبرياء بعض الحضور. يعلق الشيخ رمضان: «أغلب رواد المسجد استحسنوا الفكرة، لكن رأيى الشخصى أنه من الأفضل ألا تتكرر فى نفس المسجد منعا للحرج، وأن تدور بين المساجد الأخرى». ولا يرى الشيخ رمضان فى هذه الممارسة نوعا من التباهى بسبب التبرع العلنى. ويشرح: «لا حرج من التبرع العلنى، وقد كان فى سيرة الرسول والصحابة ما يؤيد ذلك ومن أشهر هذه الحوادث استجابة الخليفة عثمان بن عفان لدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أجل تجهيز جيش العسرة الذى واجه متاعب كبيرة فى إعداده، والإسلام لا يمنع التبرع العلنى حيث يقول الله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

أما الدكتور أمير صالح فإلى جانب اعتزازه بكونه على إحاطة بعلوم التنمية البشرية والقدرة على التأثير فى الآخرين فقد أرجع فكرة المزاد أيضا إلى أصل إسلامى قديم فى واقعة محددة حين شجع الرسول محمد، (صلى الله عليه وسلم)، الأنصار من أهل المدينة فى المسجد على دعم فقراء المهاجرين حين قال: «من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر ــ أى ركوبة ــ فليعد به على من لا ظهر له». بهذا النص اعتمد الداعية أمير صالح طريقته المبتكرة فى الدخول إلى المساجد وبدأ مزاده الذى يجريه على فترات حسب طلب مجالس إدارات المساجد التى يزورها على أمل أن يتحمس الناس لدعوته على اعتباره طرفا محايدا يزور المسجد لهذا الغرض.

Thursday, August 13, 2009

الاسكندرانية غاضبون من زوار الصيف

الخميس 13 اغسطس 2009

عبدالرحمن مصطفى
هل الإسكندرية مدينة للسكندريين فقط؟
قد يبدو سؤالا ساذجا لا يتواءم مع ضخامة مدينة مليونية مثل مدينة الإسكندرية، تضم أكثر من 4.5 مليون نسمة ويدخلها يوميا فى فترة الصيف حوالى مليون مواطن أغلبهم من أصحاب زيارة اليوم الواحد.

لكن هذا السؤال ما هو إلا نافذة نطل منها على إحساس شريحة من السكندريين بالغربة داخل مدينتهم فى أشهر الصيف مع ازدياد أعداد زوار المدينة بشكل واضح.
خالد الجويدى كان هو من طرح نص السؤال السابق بين زملائه الشباب من خلال مجموعة إلكترونية تحمل اسم «للشباب والبنات المقيمين فى إسكندرية فقط» على شبكة فيس بوك الاجتماعية، حيث اجتمع أكثر من 1000 شاب تتراوح أعمارهم حسب شروط المجموعة بين 16 و22 سنة.

جاءت ردود الأفعال على سؤاله محملة بمظاهر الغيرة على الإسكندرية، فبعضهم عاب على السلوكيات الفجة لبعض المصطافين وزوار المدينة، والبعض الآخر انحصر فى سرد آلام سكان الإسكندرية فى فترة الصيف. وهو ما تتفق معه أحلام عبدالباقى مدرسة فى إحدى المدارس الخاصة ــ إذ تصور ازدحام المدينة صيفا كألم يومى يعيشه كثير من السكندريين.
تقول: ازدحام المدينة بشكل جنونى ليلا وامتلاء الشواطئ طوال فترة الصيف بمصطافين لديهم ثقافة مختلفة وليس لديهم الاهتمام أو الحرص على نظافة المكان، يمثل عبئا على المواطن السكندرى العادى الذى لا يستمتع بمدينته إلا بعد مرور أشهر الصيف.
تذكر أحلام أنها اتجهت هذا الصيف على عكس المتوقع إلى القاهرة لزيارة الأماكن الترفيهية بها، إلى جانب رحلة أخرى سريعة إلى مرسى مطروح بعيدا عن شواطئ الإسكندرية.

اختلاف ثقافة زوار المدينة عن أهل الإسكندرية قد يصنع أحيانا مواقف طريفة أو مفارقات كالتى يرويها أيمن سائق تاكسى عن راكب استقل التاكسى من منطقة الرمل حتى محطة القطار فى سيدى جابر، ثم أعطاه مقابل هذا المشوار جنيها واحدا، ويقول أيمن «لا أعرف إن كان بالفعل لا يستطيع تقدير أجرة التاكسى أم أنه كان كما قال دفع المبلغ تلقائيا مثلما اعتاد فى مدينته الصغيرة بمحافظة البحيرة، حيث لا يدفع فى التوك توك أكثر من جنيه واحد».

ولا ينكر أيمن أن بعض سائقى التاكسى يستغلون فترة الصيف وكثرة الزوار بالمدينة لرفع قيمة أجرة التاكسى بشكل فج. وما يتحدث عنه أيمن من تغيير طابع الإسكندرية فى الصيف من ناحية الأسعار والأجواء العامة أدى إلى وجود حالة من الضجر لدى السكندريين يشعلها صخب الزوار وزحامهم.
وهو ما دفع بعضهم إلى استخدام كلمات مسيئة فى بعض الأحيان تجاه زوار المدينة. فعودة سريعة إلى شبكة الفيس بوك وتحديدا لصفحة مدينة الإسكندرية بالموقع التى تضم أكثر من 16 ألف مشترك حول العالم، نرى لهجة أكثر حدة فى وصف زوار المدينة فى الصيف، وهو ما أوجد محاولات لإيجاد تعليقات متوازنة طالب فيها أحدهم بوضع حد أقصى لأعداد الداخلين إلى المدينة بالتنسيق مع المحافظات الأخرى.

ورغم وجود مثل هذه الروح الغيورة على المدينة والساخطة على السادة الزوار، على الجانب الآخر، فإن العاملين بصورة مباشرة مع المصطافين والزوار ناحية شواطئ الإسكندرية لديهم رؤية مختلفة تماما.
إسلام خليل ــ شاب سكندرى يعمل فى كافتيريا بمنطقة سيدى بشر مقابل أجرة يومية لا تتجاوز 10 جنيهات إلى جوار زميله مجدى الصعيدى القادم من الأقصر للعمل فى فترة الصيف، ومن ناحيته لا يجد حرجا فى إعلان ترحيبه بزوار المدينة سواء من جاءوا بهدف السياحة أو بغرض العمل، بل يعتبر وجودهم «رزقا وفائدة لأهل المدينة»، وبنفس هذه الروح يقف بائع الفريسكا عماد السيد 25 سنة على شاطئ ميامى المجاور دون أى ضغينة لزميله سيد 21 سنة القادم من طهطا بسوهاج للعمل فترة الصيف بالإسكندرية فى بيع لعب الأطفال على الشاطئ.

الفارق بين كل منهما أن عماد يعمل بتراخيص من المحافظة بصفته من أبناء المدينة والأكثر قربا لفهم تفاصيل العمل بها، بينما يمارس سيد عمله بصورة غير شرعية ويواجه البلدية يوميا سواء داخل الشاطئ أو خارجه، ويقول عماد السكندرى بلهجة واثقة «ليس لدى مشكلات تجاه أى شخص قادم من محافظة أخرى للعمل هنا إلى جوارى، المسألة أنه سيتعرض لمشكلات مع المحافظة بسبب عدم وجود ترخيص» أما سيد القادم من طهطا فى سوهاج فيبرر حالة السلام هذه بتفسير آخر.
ويقول «أنشطتنا متنوعة هنا على الشاطئ، فأنا أبيع لعب الأطفال بينما عماد يبيع الفريسكا، والفارق الجوهرى بيننا هو أننى أعمل هنا دون ترخيص ومعرض للخطر طوال الوقت». وإلى جانب ما ذكره كل منهما فهناك سبب آخر يرسخ حالة السلام بين الوافدين والعمالة المحلية فى الإسكندرية وهى النقطة التى أوضحها عماد بائع الفريسكا بقوله «كلانا يعمل فقط فى فترة الصيف.. عملنا هنا مؤقت»، ويعمل عماد بقية العام فى مقهى بلدى فى مدينة الإسكندرية، فى الوقت الذى أكد فيه زميله سيد السوهاجى بفخر أنه طالب بكلية الزراعة بجامعة المنيا ولا يعمل فى وقت الدراسة.

هذه الصورة السلمية لدى العاملين فى الشارع تبدو متناقضة مع غيرة السكندريين الأكثر استقرارا الذين اختار بعضهم تدشين مجموعات على شبكة فيس بوك للتعبير عن منطق الغيرة الشديدة على المدينة.
إحدى هذه المجموعات كانت تحت عنوان «لكل الراغبين فى الاستقلال بالإسكندرية لتصبح جمهورية الإسكندرية العربية» وينضم تحت لوائها أكثر من ألفى عضو أغلبهم من مدينة الإسكندرية، هدفهم الحقيقى هو إظهار الانتماء السكندرى وبعض السخط تجاه سلوكيات زوار الصيف. وهو ما يرسخ الاعتقاد بأن غيرة السكندريين أحيانا ما تتلاشى لدى الفئات الأكثر احتكاكا مع زوار الصيف حين تتحول زياراتهم إلى قوت يومى.

Wednesday, August 12, 2009

زنقة الستات.. سوق لا يشغله زحام الصيف

الاربعاء 12 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
تصوير ــ أحمد عبداللطيف
فى ممرات تفتقد زحام الزبائن، وقف الشباب العاملون فى سوق زنقة الستات على أبواب متاجرهم فى انتظار زبائنهم، بينما جلس الشيوخ على كراسيهم يتذكرون وقت كانت السوق أكثر نشاطا عن ذى قبل. فى سوق الخيط الملاصق «للزنقة» حيث تباع الأقمشة ولوازم الحياكة والتطريز اعتبر الحاج أحمد البيلى ذو اللحية البيضاء والخبرة الطويلة أن اتساع المدينة وظهور المولات الحديثة وتغير ملامح العصر سحبت الكثير من الزبائن التقليديين لمنطقة زنقة الستات، إحدى أهم المناطق التجارية فى مدينة الإسكندرية ويوضح: «قديما كان الناس أكثر ارتباطا بالأسواق الشهيرة فى المدينة، أما الآن فربما تجد من لا يعرف أين يقع سوق الخيط أو موقعه فى منطقة المنشية!».

فى المتجر نفسه يتدخل أحد العاملين فى الحديث مضيفا على كلام الحاج البيلى: «منطقة زنقة الستات وتحديدا سوق الخيط أصبح اسمها أكثر ارتباطا فى الإعلام والتليفزيون بشخصيتى ريا وسكينة وجرائمهما القديمة، وذلك قبل اهتمام الناس بها باعتبارها منطقة تجارية». على الجانب الآخر يعترف بعض التجار بفضل تلك السمعة التاريخية فى استمرار وفود الزبائن إليهم، غير أن سمعة سوق «زنقة الستات» تظل هى الأشهر حيث يتفرع منها سوق الخيط. وفى داخل «الزنقة» لم تختلف الأجواء كثيرا عن خارجها، الجميع ينتظر مرور النهار وزوال الحر وعودة المصيفين من الشواطئ كى تبدأ حركة التجارة. الحاج على إبراهيم ــ أحد أقدم تجار الزنقة ــ يرى أن حركة الزبائن لا تختلف كثيرا بين الصيف والشتاء، لكنه استعاد من ذاكرته أيام «عز» السوق وقت أن كانت هناك ملامح أكثر تنوعا بين التجار والبضائع على السواء، ويقول: «قديما كانت الغلبة فى أسواق هذه المنطقة للتجار اليهود والمغاربة، وتركز نشاطهم قديما فى استيراد المنتجات المختلفة التى يحتاجها السوق، أما الآن اختلف الحال وأصبحت البضائع المصرية هى الأساس كباقى الأسواق، إلى جانب غزو البضائع الصينية».
يعمل الحاج على إبراهيم فى تجارة الأقمشة تماما مثل أحمد البيلى التاجر السابق فى سوق الخيط الأكثر تخصصا، والذى اعتبر أن اختلاف العصر عن الماضى ساهم فى سحب البساط من أسواق حى المنشية عموما، مؤكدا «المدينة اتسعت جدا عن الماضى، وأصبح هناك من سكان الإسكندرية أنفسهم من لم يزر سوق الخيط ولا يهتم بمعرفة مكانه».

هذه الصورة التى برر بها البيلى قلة الزبائن لم تقلل من جودة سمعة منطقة سوق «زنقة الستات» وما حولها، وهو ما جعلها ضيفة على بعض الأعمال الدرامية والأدبية الشهيرة. أما الحاج محمد عوض أحد كبار تجار الزنقة فقد تخصص متجره منذ عقود طويلة فى بيع الصبغة، ولديه تفسير آخر للمفارقة بين حالة السوق بسمعته القديمة وحالته الآن، يقول «كان أغلب تجار السوق من المغاربة واليهود، تعتمد حياتهم على المغامرة، لكن بعد الثورة هجر هؤلاء متاجرهم، وباعوها أو تركوها لمساعديهم المصريين، الذين لم يكن أغلبهم على نفس الوعى التجارى العالى، لذا لم تزدهر الزنقة أو تتطور».

يطرح الحاج محمد عوض نظرية ورثها عمن قبله حاولوا بها التأريخ لنشأة السوق، وتقول نظريته إن أصل المكان نشأ نتيجة بيع جزء من أملاك الخديوى إسماعيل إلى التجار اليهود والمغاربة، ويعتقد الحاج محمد عوض حتى الآن أن متجره هو جزء من اصطبلات خيل كانت ضمن أملاك الخديوى إسماعيل. لكن هذه القصة لا تجد ما يؤكدها فى المصادر التاريخية، إلا أن كتاب الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك الذى تم إعداده فى القرن قبل الماضى يرصد عددا من أسواق المنشية بجوار مسجد الشيخ ابراهيم باشا وميدان محمد على فى تلك الفترة. كما تعود أقدميه بعض أسواق المنطقة إلى العصر العثمانى حين كانت هناك سوق موسمية فى منطقة المنشية قبل أن تتخذ اسمها الحالى، يرتادها العرب لبيع منتجاتهم البسيطة والغنم، وازدهرت المدينة على عهد الخديوى إسماعيل وأصبحت هذه المنطقة تعج بالأجانب الذين تم تخصيص أراض لهم من اليونانيين والفرنسيين وغيرهم. إلا أن أعدادهم انخفضت بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان الأجانب فى الإسكندرية يمثلون 7% من سكان مصر، لكن الهجرة الحقيقية برزت بعد قيام الثورة وبزوغ سياساتها تجاه الأجانب فى مصر.

تلك الفترة عاشها الحاج على إبراهيم الذى جاوز الثمانين عاما ورأى بعينه مرحلة تمصير السوق بعد الثورة، وأشار بيده إلى متجرين جواره موضحا «هنا كان يقطن تاجران تونسيان ، وقديما كان يمر من هنا التجار القادمون من المغرب العربى قبل ذهابهم إلى الحج، ويبيعون ما لديهم من منتجات، لكن أغلب التجار المغاربة عادوا إلى بلدانهم بعد الاستقلال عن فرنسا».
وبعد الثورة بسنوات اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارا بتطوير المكان وتغيير معالمه حسبما ذكر الحاج على الذى عاش عودة الماضى مرة أخرى فى عودة بعض التجار اليهود لزيارة الزنقة بعد توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل، ويضيف «بعد الثورة أنهى التجار اليهود أعمالهم، وادعى بعضهم أنهم متجهون إلى فرنسا، لكنهم فى واقع الأمر كانوا متجهين إلى إسرائيل، وعاد بعضهم لزيارة المكان فيما بعد اتفاقية السلام، ولم تكن تلك هى الحالة الوحيدة التى أرى فيها أحد تجار الزنقة القدامى، فقد تسببت مصادفة أخرى منذ سنوات فى أن ألتقى فى أثناء زيارة عمل إلى ليبيا أحد تجار الزنقة القدامى من أصل تونسى».

ما يحمله كبار تجار سوق زنقة الستات من ذكريات عن المكان يعبر فى حقيقة الأمر عن تميز حقيقى هو ما يراهنون عليه لجذب الزبائن، التى تأتى إلى المكان بسب السمعة قبل البحث عن البضاعة.

Friday, August 7, 2009

تربية أسماك الزينة.. هواية فى طريقها للانقراض

الجمعة 7 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
الملامح الجادة والبنية القريبة من هيئة أبطال الألعاب القتالية كانتا خير خادم لياسر عبدالقوى أثناء شرحه المقنع لأسباب إطلاق مبادرة إنشاء جمعية مربى أسماك الزينة فى مصر. فطوال سنوات من الخبرة فى التعامل مع الأسماك أصبح لديه الوعى الكافى لفهم أهمية هذه الهواية على المستوى الإنسانى والبيئى، ولم يعد حوضى أسماك الزينة فى منزله بحى محرم بك بالإسكندرية مجرد جسمين زجاجيين فى غرفة المكتب، بل أصبحا ــ على حد تعبيره ــ فرصة لمشاهدة «جزء من حياة النهر» ومراقبة بيئة جديدة بعيدة عن حياة الكتل الخرسانية فى المدن الكبرى. أسماك الزينة فى منزله هى أفراد من سكان المنزل، ينحنى أمامها بصورة شبه يومية انحناءة مهذبة أقرب إلى التحية كى يراقب أحوال سكانه الصغار، ومؤخرا حاول مع أصدقائه المنتمين إلى نفس الهواية الخروج من سجن الفردية الشديدة إلى العمل الجماعى، بمبادرة أطلقها عبر المواقع والمنتديات المهتمة بتربية الحيوانات فى تجربة جديدة ما زالت قيد التنفيذ.

«حالة تربية أسماك الزينة فى مصر كما هى منذ أكثر من خمسين عاما، فغالبا ما تشترى الأسرة حوضا زجاجيا وتأتى بالأسماك دون تخطيط ، وبعد فترة قصيرة تقع الأخطاء المتكررة إما بوضع أسماك غير متجانسة معا أو عدم التعامل الجيد مع نظافة الحوض، وينتهى الأمر بموت الأسماك وتخزين الحوض أو بيعه، وتخسر الهواية آلاف الهواة بهذه الطريقة نتيجة عدم وجود كيان يقدم الخبرات والمعلومات اللازمة».

نقص المعلومات عن الهواية كان الدافع الرئيسى الذى حرك ياسر عبدالقوى نحو الانترنت بحثا عن المعلومات، وهناك طرح مبادرته داخل المنتديات المهتمة بأسماك الزينة، لكن عوامل الإحباط كانت بارزة بدءا من اكتفاء بعض المنتديات بموضوعات علمية بحتة قد لا تفيد القارئ العادى أو استقبال بعض المشرفين لمبادرته استقبالا سيئا. يقول بمرارة «هناك مشكلة فى العمل الجماعى فى مصر، البعض ينتظر الفائدة المباشرة الملموسة، ولا يفضل التعامل مع كيان مدنى غير هادف للربح مثل جمعية أهلية تقدم خبراتها إلى الهواة وتمثلهم». عند هذه النقطة استعاد ياسر عبدالقوى ـ الفنان التشكيلى والشاعر ـ تجارب قديمة مر بها فى العمل العام داخل حركات سياسية ومجموعات أدبية كونت لديه بعض القناعات من أهمها أن هناك نسبة غير هينة من الناس لا تقبل الأفكار الجديدة والمبادرات إلا التى تتبناها «رموز» أو شخصيات مشهورة، وتصبح الشخصية أهم من الموضوع، وهو ما أوجد داخله تحدٍ، خاصة أنه يؤمن بأن هدفه أعمق من مجرد تجميع الهواة. يضيف: «فى اجتماعنا التأسيسى كنا حوالى 20 هاويا تعرفنا على بعضنا من خلال الانترنت، وجئنا من محافظات مختلفة، فى الوقت الذى اعتذر البعض عن المشاركة واكتفى بشخصيته الافتراضية على المنتدى.

قبل إطلاق مبادرة ياسر وأصدقائه كانت هناك تجربة مشابهة انطلقت منذ أسابيع لإنشاء الجمعية المصرية لطيور الزينة تحت التأسيس التى نشر أعضاؤها بكل فخر صور لقاءاتهم برفقة حيواناتهم، وصور الأوراق المطلوبة لإشهار جمعية وكيف تحول العمل الافتراضى داخل المنتديات إلى عمل واقعى مفيد. وهو ما حفز ياسر لاتخاذ هذه الخطوة على أمل أن تكون الخطوات بنفس السهولة، لكن قلة عدد من تجاوبوا مع مبادرة أسماك الزينة واقتصارها على من تحمس من رواد المنتديات التى ارتادها ياسر أصابته ومن معه ببعض الإحباط، لكنها لم تقتل داخله كم الطموحات التى يحملها لهذه الهواية، خاصة بعد ما رآه طوال الفترة الماضية من عمل جاد فى المواقع والمنتديات والجمعيات الغربية المشابهة يقول «لا يمكن مقارنة حال تربية أسماك الزينة فى مصر بدولة مثل الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال شاهدت بعينى فى أحد المنتديات الأمريكية موضوعا لأحد المشرفين عرض فيه أحواضه وأسماكه بشفافية دون قلق على عكس ما يحدث من تحفظ فى المنتديات العربية، التى يتخفى بعضها وراء الشخصيات الافتراضية، ورأيت هواة فى المنتديات الأمريكية أحواضهم أقرب إلى متحف مائى، وأعترف أننى أدين بأغلب معلوماتى الحالية عن الأسماك وأنواعها إلى الانترنت والمواقع الأجنبية».

يشرح ياسر عبدالقوى أنه من خلال الانترنت أيضا اكتشف معلومات أثارت حنقه على الواقع، حين وجد أسماكا تحمل أسماء مصرية مثل البشير المصرى، وEgyptian Mouthbrooder تكون بيئتها الأصلية فى مصر، لكن يتم استيرادها من هونج كونج وغيرها، واكتشف أنه رغم توافر بيئات مائية متنوعة فى مصر فإن السوق لا يتواجد بقوة وسط الأسواق العالمية. وتساءل «أين اهتمام الهواة المصريين بالأنواع الموجودة فى بيئتهم التى لاحظها بنفسه فى أماكن تقليدية مثل أسفل كوبرى قصر النيل فى القاهرة، أو فى بحيرة مريوط بالإسكندرية» وكانت إجابته عن نفس السؤال هو ما ذكره أن «مجتمع مربى أسماك الزينة إلى حد ما مفكك».

يتذكر فى فترة الثمانينيات والتسعينيات حين كانت منطقة محرم بك تضم أكثر من خمسة محال لأسماك الزينة انخفض عددها الآن إلى اثنين، حين كانت تربية الحيوانات والأسماك أمرا مألوفا، وهو ما جربه بنفسه بدءا من تربية القطط حتى تربية الصقور، وكأى صاحب هواية رأى فى هوايته قدرة على تعديل نمط حياة الإنسان. فى أثناء حديثه توقف قليلا للتأكد من أن دخان السجائر فى الغرفة لن يصل إلى الأحواض، واستغل هذا الموقف كمدخل للحديث عن قدرة هذه الهواية على تنمية الإحساس بالمسئولية، يقول «أمنيتى أن يكون ضمن مشروعات الجمعية القادمة مشروع تقديم محاضرات فى المدارس وإهداء أحواض أسماك إلى المدارس كى يدخل ضمن أنشطة المدرسة من أجل تعويد الشباب والأطفال على الإحساس بالمسئولية والالتزام، سواء فى تنظيف الأحواض، أو متابعة حالة الأسماك بصورة شبه يومية. وبشكل عام أرى أن تربية الحيوانات والأسماك بشكل خاص تعلم الإنسان القدرة على الالتزام، كما أنه من خلال التعامل مع هذه المخلوقات تنمو بداخل الهاوى القدرة على اكتساب المعرفة والملاحظة، وتنمو أكثر حين يجد الفرصة فى نقاش مع هواة آخرين، وهى أمور قلّت كثيرا فى وقتنا الحالى بعد أن انسحب أغلب الأطفال والشباب إلى شاشات الكمبيوتر بعيدا عن الطبيعة من حولهم».

الهواية حسبما يصفها ياسر عبدالقوى تعتبر متوسطة التكلفة، فحوض السمك إذا ما تم تصنيعه لدى محل منتجات زجاجية يمكن أن يكلف صاحبه 140 جنيها، ولا تتجاوز أغلى سمكة لديه 35 جنيها رغم أن ثمنها الآن بـ100جنيه، وتبدأ الأسماك صغيرة بطول 4 سنتيمترات وتصل إلى 25 سنتيمترا ولا تتجاوز قيمتها 15 جنيها.

يطمح ياسر عبدالقوى أن يحقق مشروع جمعية هواة تربية أسماك الزينة القدرة على اجتذاب الهواة وإيجاد فرص لتبادل الأسماك والبيع، وعمل أحواض أقرب إلى متحف طبيعى داخل الجمعية، وإعادة اكتشاف ما لدينا من أنواع داخل مصر، وأن يكون الأعضاء بالآلاف مثلما رأيت فى جمعيات شبيهة بأمريكا. لكن حتى الآن ما زالت محاولات إنشاء الجمعية مقتصرة على ياسر وأصدقائه الذين تباينت أعمارهم، لكنه أكد فى النهاية «ليس هدفى حيازة أى منصب فى هذه الجمعية، لدينا العدد الكافى الآن لإنشاء جمعية، لكن همى أن أرى أهدافها متحققة، فليس همنا مجرد إنشاء جمعية بعدد محدود من الأفراد، بل أن ينشأ مجتمع حقيقى بين هواة تربية الأسماك وأن ينمو وعينا بالطبيعة من حولنا، وحتى إن لم تنشأ هذه الجمعية الآن سأظل أنادى بها فى كل مكان حتى يتحقق هذا المشروع».

Thursday, August 6, 2009

الحياة موعدها صيفاً

الخميس 6 اغسطس 2009

عبدالرحمن مصطفى
فى الوقت الذى يستمتع فيه المصطافون بشواطئ الإسكندرية على طول ساحل المدينة، يجلس السيد محمد رزيقة (57 سنة) وسط زملائه الصيادين على رصيف متواضع فى منطقة بحرى، حيث مدخل قلعة قايتباى ورصيف الصيادين وأحد مراكز الصيد بمدينة الإسكندرية. تدور أغلب الحوارات حول تفاصيل العمل وحالة الرزق، كان الريس أحمد إبراهيم يشكو لزملائه من إجراءات تراخيص اللنشات والمراكب وكم الإجراءات، التى يراها غير مبررة فى منطقة الميناء البعيدة عنه.
وهى المناقشات التى تمثل أعراض عودة الصيادين إلى مراكبهم، التى بدأت منذ أسابيع بعد فترة التوقف، التى تبدأ منذ أول شهر مايو حتى منتصف يونيو حسب قرار حظر الصيد، الذى صدر منذ أربع سنوات، وفى الشهرين التاليين لهذا القرار يحاول الصيادون تعويض ما فقدوه خلال فترة التعطل، خاصة أن بعض أنواع الأسماك مثل السردين المهاجر والمياس لا تظهر إلا فى هذا التوقيت.

الريس رزيقة، الذى قضى أكثر من نصف قرن فى البحر منذ أن كان طفلا حين بدأ بحارا ثم سكوند (مساعد الريس) ثم ريس، يوضح أن حالة الصيادين تدهورت مؤخرا خاصة بعد قرار الحظر: «طوال فترة عملى لم نتعرض لفترة تعطل مثل هذه الفترة، وليس أمامنا إلا بقية أشهر الصيف لتعويض ما فاتنا من الصيد، خاصة أن الشتاء ونواته وعواصفه لن تساعد كثيرا على العمل».

فى خلال سنوات عملهم لاحظ الريس السيد رزيقة وزملاؤه أن الأسماك بدأت تقل فى البحر بسبب وجود دخلاء يستهدفون «الزريعة» من الأسماك الصغيرة، التى تنتج بعد فترات التزاوج وتمثل ثروة البحر من الأسماك فيما بعد، وذلك لبيعها إلى أصحاب المزارع السمكية الخاصة، وهو ما يدفع بالصيادين أحيانا إلى التهور والمغامرة بمراكبهم إلى خارج المياه الإقليمية الفقيرة، وتنشأ مآسى الصيادين المصريين المتكررة خارج الحدود المصرية.

فى تلك الأجواء المشحونة تزداد قوة الروابط بين الصيادين، هكذا بدت نبرة الحديث واضحة فى توادهم وتراحمهم أثناء جلوسهم على رصيف الصيادين، فالريس رزيقة يخرج على مركب صيد يضم غالبا ما بين 12 و14 رجلا، وتتراوح رحلاته ما بين 8 أيام و15 يوما أو أكثر، قد تكون إلى السلوم غربا أو إلى بورسعيد شرقا، والهدف واضح أمامهم جميعا، وهو ألا يعودوا بمركب خاوية من الأسماك، وإن كان هذا يحدث أحيانا.

عصام المغربى الأصغر سنا والجالس إلى جوار زميله المسن قدم نفسه على أنه يؤدى نوعا آخر من فنون مراكب الصيد وهو «شانشلة»، حيث كشف ملمحا آخر عن العمل الموسمى للصياد. فهو يعمل حسب الشهور القمرية، وتحديدا فى الفترة من يوم 20 فى الشهر العربى إلى يوم 10 من الشهر التالى، وذلك لتجنب فترة اكتمال القمر، ويوضح ذلك قائلا: «أضئ أماكن الصيد بالكلوبات الكبيرة حتى يجتمع السمك، ثم أبدأ فى الصيد، لأن العمل تحت إضاءة القمر وقت اكتماله يصبح تقريبا غير مجدٍ».

لا يستطيع أى من الجالسين على الرصيف أن يعطى رقما يعبر به عن متوسط دخل الصياد، حاول أحدهم أن يقيمه بــ 500 إلى 700 جنيه، لكن الباقين رفضوا تماما هذه الفكرة واستخدموا مرادفات من نوعية «السرحة» والرزق وغيرها فى وصف أعمالهم.
مصاريف المركب التى تحدث عنها الريس أحمد إبراهيم فى بداية الحديث كلفة شرائها 15ألف جنيه لمركب طوله 7 أمتار، إلى جانب ثمن المحرك الذى يتجاوز الستة آلاف جنيه. وفى الوقت الذى تؤكد أرقام جمعية الصيادين أن أعدادهم فى تناقص بسبب تلوث بعض أماكن الصيد مثل بحيرة مريوط، فإن الريس السيد رزيقة له رأى آخر «أرى أن الأعداد لم تقل بهذه الصورة، بل دفعت البطالة بكثير من الشباب من أصحاب المؤهلات الجامعية إلى تجريب حظهم فى الصيد البحرى».

أثناء حديث الريس رزيقة قاطعه الريس أحمد إبراهيم، مشيرا إلى زميلهم «مجاهد عبده».. وهو رجل مسن على عكازين، يعد أحد ضحايا المهنة، ولا يعمل الآن لكنه يصر أن يأت إلى نفس الرصيف للجلوس مع زملائه القدامى ويستنشق رائحة البحر متذكرا أمجاده السابقة. وكان مروره من أمام زملائه سببا فى إحساس بالمرارة عبر عنه الريس رزيقة بعين دامعة تأثرا لحال زميله «حين يسقط الصياد لا يوجد من يعينه إلا الله، لا نقابة ولا معاش لائق إلا بعد الخامسة والستين». لكن مهنة الصيد حسب وصفه هى ما صرف أيضا على أولاده الخمسة وخرجت ابنه المهندس البحرى، الذى أخرج الكارت الشخصى الخاص به ليبرهن على نجاحه فى تربية أبنائه. وبعين دامعة على مصير زميله «مجاهد»، الذى استدعى آلام الجالسين وابتسامة نصر لنجاحه فى تخريج أبنائه من الجامعات اختتم السيد محمد رزيقة «نحن ثروة فى هذه البلد لكن لا أحد يهتم بنا، لذا لم أدع أبنائى يعملون فى نفس المجال».

Wednesday, August 5, 2009

بير مسعود

الاربعاء 5 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
على حافة بئر مسعود فى شاطئ سيدى بشر (بالإسكندرية) دار حوار لطيف بين طفلة فى العاشرة وشاب يكبرها بسنوات قليلة حول قدرتها على القفز من أعلى البئر إلى أسفله فى قفزة واحدة. يتكرر هذا المشهد يوميا بين الأطفال والشباب من زوار «بير مسعود» حين يدخلون فى مراهنات يستخدمون فيها عبارات التحدى والاستفزاز التى تنتهى غالبا بقفز أحدهم إلى البئر. فى الجهة المقابلة جلس صالح العقاد (52 سنة ــ فنى تبريد) بابتسامة واثقة يتحدث عن ابنه محمود (9 سنوات) الذى يسبح فى مياه بئر مسعود. فعلى حد تعبيره فإن القفز إلى داخل البئر «يقوى قلب الطفل الصغير ويعلمه الثبات». وهكذا يقدم العم صالح استخداما آخر لـ«بير مسعود» إضافة إلى استخدامه القديم، حيث يمثل المكان شكلا تقليديا لفكرة «بئر الأمنيات»، حين يلقى الطامحون من السيدات على وجه الخصوص بعملة معدنية طالبين من الله بركة صاحب البئر فى أن يحقق أمنيتهم.

عم صالح الذى يجلس فى هذا المكان بصورة شبه يومية روى فى دهشة ما رآه منذ عدة أسابيع عن امرأة ألقت بقطعة ذهب مع أمنيتها إلى البئر، لكنه لم يتحدث عن الخطوة التالية المتوقعة حين يهبط الأطفال والمراهقون لجمع ما يستطيعونه على أمل أن يجدوا شيئا قيما أسفل البئر، وكل حسب حظه، يضيف: «فى الماضى كنت آتى إلى المكان هنا مع أصدقائى وأجمع العملات الصغيرة فى علبة صفيح، وفى مرة جمعت مبلغا كبيرا دخلنا به إلى السينما».

فى الأماكن المشابهة غالبا ما يمنع نزول الزوار إلى البئر، خاصة أن الفكرة منتشرة فى أنحاء العالم ومنذ أزمان بعيدة. ففى الفولكلور الأوروبى يمثل بئر الأمانى موروثا قديما يعبر عن صلة الإنسان بالآلهة، خاصة أن الأساطير القديمة أضفت الكثير من القداسة على منابع المياه وربطتها بالآلهة الطيبة. وفى الموروث المصرى لا تبتعد الفكرة كثيرا عن فكرة النذور التى يقدمها أصحاب المطالب إلى مقامات الصالحين وأضرحتهم، أما على أرض الواقع فإن بير مسعود فى حقيقة الأمر ليس بئرا حقيقيا، بل مجرد تجويف صخرى فى الساحل طوله حوالى 5 أمتار يمتد أسفله نفق أقرب إلى الكهف يسمح للسابح بأن يتنفس إلى أن يصل إلى فتحة أخرى شبه مهجورة الآن، كما يتصل بير مسعود بالبحر عبر نفس هذا النفق.

أثناء الوقوف وإلقاء عبارات الاستفزاز والمراهنات، ألقى أيضا عدد من الزوار عملات معدنية إلى محمود الذى أسعد والده بقدرته على جمع ما يلقيه الآخرون وعرض ما يلتقطه بفمه.

ولا يعرف أحد على وجه التحديد من هو مسعود صاحب البئر المزعوم، يقول عم صالح: «كان مسعود هذا حسبما سمعنا رجلا صالحا أتى من الصعيد إلى جوار سيدى بشر وارتبط اسمه بالمكان لما كان له من بركات». لكن القصة التى حكاها عم صالح الذى أدمن المجىء إلى هنا يقابلها قصص أخرى غريبة جعلت من مسعود فى مرة من المرات تاجرا للمخدرات قتلته السلطات فى إحدى المطاردات فى أوائل القرن الماضى وتم تخليده هنا فى مقر اختبائه، وتحكى قصة أخرى أن مسعود كان طفلا صغيرا ضاع من أهله ومات فى هذا المكان، وأصبح المكان ملتقى الباحثين عما فقدوه. أما الأغرب فى حديث عم صالح عن البئر أنه روى عن حادثة شاهدها بنفسه منذ عام لواحد ممن ألقوا بأنفسهم فى منافسات القفز داخل البئر واصطدمت رأسه بإحدى الصخور فى جدران البئر، لكن عم صالح يستمر رغم ذلك فى تشجيع ولده محمود على القفز. وبعد أن ذكر هذه القصة فى حضور الزوار علق أحدهم من أهل المدينة بأنه «لا أحد يستطيع القفز فى هذا المكان إلا أهل الإسكندرية». ولعلها إحدى العبارات الاستفزازية التى تقوم عليها المراهنات بين الشباب الواقفين على أداء قفزة الثقة.

وفى خلفية المشهد أعمال ردم ناحية الشاطئ لتطوير المكان سياحيا أمام كافتيريا بير مسعود، وأفصح البعض هناك عن خشيتهم من أن تؤثر هذه التطويرات على استمتاعهم بالجلوس حول حافة البئر كما اعتادوا دائما. يوضح عم محمد ذو الأصول النوبية «منذ أن بدأت هذه التطويرات والمكان تغير عن السابق، فى الماضى كان موج البحر يخترق النفق أسفل الصخور وتشعر بحركته فى مياه بير مسعود، أما الآن فالمياه هادئة إلى درجة الركود».

عم صالح العقاد لم يحاول إلقاء عملة واحدة داخل البئر واكتفى بتشجيع الآخرين على ذلك أثناء مراقبة ابنه محمود، ربما ليس لديه الكثير من الأمنيات أو ربما اكتفى بقدرة محمود على جمع ما يلقيه أصحاب الأمانى فى قلب البئر.