Thursday, July 29, 2010

يوميات المخالفة والكارتة

ما لا يتحدث عنه سائقو الميكروباص
كتب – عبدالرحمن مصطفى
في منتصف المسافة بين ميدان روكسي ومحطة المظلات بشبرا يطل من جانب الطريق أحد جامعي الكارتة حيث يتلقى في يده جنيها معدنيا، بعدها يحيي السائق الشاب تحية عنيفة معاتبا إياه على تجاهله في "الدورة السابقة"، يتنصل السائق سريعا من الموقف، ويبدأ في تبرير صبره بسرد قصص عن نفوذ جامع الكارتة داخل قسم الشرطة ولدى رجال المرور. "لأ.. الحاجات دي مش بتحصل عندنا" يعلق محمد أحد سائقي موقف المظلات بأنه ليس في سلطة جامع الكارتة على الطريق أن يمارس العنف تجاه السائق بأي حال، يتحدث محمد مع ابتسامة واثقة مخفيا الكثير من المشاكل التي يواجهها يوميا، يوضح : "من المفترض عدم وجود كارتة على الطريق، لأننا ندفع كل ثلاثة أشهر كارتة مجمعة ضمن مشروع السرفيس إلى جانب المصاريف الأخرى وتختلف حسب طول الخط بين 450 أو 600 جنيه أو أكثر !".واقع الأمر أن السائق على هذا الخط في فترة النهار قد لا يمر فقط بشخص واحد يطلب منه جنيها كلما مر، بل أحيانا ما يواجه شخصا آخر قرب نهاية الخط، وعلى عكس الرجل الأول ذو الملامح القاسية، يبدو الثاني أكثر بؤسا وهو يطلب جنيها من سائق الميكروباص، يقول محمد السائق الذي جاوز الأربعين: "في النهاية ندفع عن طيب خاطر، بعض هؤلاء سائق قديم أصيب في حادث أو شخص له ظروف خاصة".. يكشف عن ساقه ويقول أنه هو أيضا يسير بساق بها شريحة معدنية لكنه اختار العمل اليومي بدلا من جمع أموال السائقين بهذه الطريقة.. الصورة التي يرسمها محمد ليست بهذه البساطة، رغم استخدامه لغة حذرة في حديثه عن "جامعي الكارتة" لكنه يعترف أيضا بدورهم وأنهم أحيانا ما يساندون السائقين لدى رجال المرور. يبدو متصالحا مع الحال في هذا الخط، إلا أن مشكلته الحقيقة تكمن مع رجال المرور، يشير إلى طابور السيارات أمامه، "من المفترض أن يكون الموقف أسفل كوبري المظلات، لكننا نأتي هنا لتحميل الركاب لأن هذا الموقع أيسر إلى الناس"، يعلم كل سائق أن هناك من سينافسه دائما بدء من زملائه حتى وسائل النقل الأخرى، لذا فالإجماع على المخالفة يكون أهون، لكن مثل تلك التصرفات تعرض السائقين لمخالفات، خاصة ناحية ميدان روكسي في بداية الخط حيث يكون المشهد أكثر توترا، فالسائقين لا يمرون أبدا بالموقف المخصص لهم، يقفون في الإشارة للتحميل وأحيانا ما يتلقون عبارات قاسية من رجال المرور يكون بديلها هو سحب الرخصة والمخالفة، أما المفاجأة فأن من التزموا الموقف الرسمي يدفعون هم أيضا كارتة غير مبررة لعمال آخرين تحت دعوى "المحبة والترضية"، يضيف محمد : "في مرة فكرنا في الإضراب بعد أن وصل الحال بأحد زملائنا أن حرر له الضابط مخالفات بألف وخمسمائة جنيه إلى جانب سحب الرخصة، هذه هي المشكلة الحقيقية وهي أهون مشكلة جامعي الكارتة". يشير محمد إلى الجانب الآخر من المظلات حيث أميال توصل إلى شبرا الخيمة، هناك عمال الكارتة أكثر ضراوة، السيارة الغريبة قد تدفع خمسة جنيهات، الحياة المزدحمة في الموقف لا تحتمل ضيف جديد، وعمال الكارتة ليسوا في بساطة العاملين على الخطوط الأخرى فهم يجمعون أموالا لحساب المحافظة، الموقف العشوائي في محطة عرابي بشبرا الخيمة أقرب إلى سيرك، علامات مشروع السرفيس غائبة من على زجاج السيارات، الشجار لايتوقف بين السائقين على التحميل، ومفاوضات مع رجال المرور الجالسين جوار الموقف، اختار أحد السائقين أن يكون الحديث في سيارته خشية الصدام مع أحد، يقول : " في أي وقت يمكن لأمين الشرطة أن يأخذ مفتاح السيارة وينطلق بها إلى القسم أمامي و أن يحرر الضابط مخالفة قد تصل إلى خمسمائة جنيه"، في هذه المنطقة أزمة يعيشها السائقون، أعرب عنها هذا السائق في استعداده أن يدفع خمسين جنيها - لمخالفة خط السير ضمن مشروع السرفيس - على أن يقع في قبضة رجال المرور كل فترة، هؤلاء السائقين بين القاهرة والقليوبية أقاموا إضرابا قبل أكثر من عام نتيجة تعرضهم المتكرر للمخالفة، أما هذا السائق و زملائه تحديدا فيعملون بين المسافة في محطة عرابي في شبرا الخيمة إلى شارع شبرا في القاهرة، وهو خط ابتكروه بأنفسهم، ولم يتحول إلى خط رسمي ضمن مشروع السرفيس. في هذه الأجواء تظهر سلطة جامعي الكارتة، إما بمثابة وسطاء، أو عمال لدى المحافظة في جمع الأموال رغم عدم مشروعية عملهم.
هذا المشهد يكون أوضح بعد الساعة الثانية عشر صباحا ناحية ميدان رمسيس، حين يظهر "عم أحمد" بشكله التقليدي، وملامحه التي تجمع الغضب والجدية، مرتديا بدلته القديمة، مزهوا بجسمه النحيل المتعارض مع ما له من سطوة على سائقي الميكروباص المتجهين ناحية عين شمس.. يظهر رجل المرور مطالبا السائقين بالرحيل، حسب الملصق المكتوب على زجاج سياراتهم عليهم أن يبدؤوا رحلة تحميل الزبائن من موقف أحمد حلمي، لكن هذا لا يحدث، يظهر "عم أحمد" يدفع له السائق جنيهان معدنيان، ويعود "عم أحمد" للتفاوض مع عساكر المرور كي يسمحوا للسائقين بالوقوف دقائق معدودات، يعلق سيد السائق الميكروباص الذي دفع لعم أحمد جنيهان في إجراء يومي قائلا : "محدش عارف الصح من الغلط.. احنا بنعك"، يعترف انه يجب أن يبدأ من موقف أحمد حلمي لكنه على أرض الواقع يعلم أن المكان الأنسب لتحميل الركاب هو من شارع رمسيس، وإذا لم يأتي إليه سيأتي غيره، وفي هذه الأزمة اليومية ظهر "عم أحمد" الذي يعمل فقط حتى الثالثة إلى الرابعة صباحا، يقول سيد : "الكارتة المجمعة الرسمية تصل عند التجديد إلى أكثر من 900 جنيه، ما أدفعه لعم أحمد لا أعلم جدواه، يقول لنا أنه يدفع لرجال المرور، لكننا كل يوم نتعرض للتضييق أو المخالفة، أو نختبئ في شوارع مجاورة، أحيانا ما ينجح في أن نظهر لدقائق سريعة في ميدان رمسيس وأحيانا يخفق مثلما حدث اليوم". يعلم سيد انه في موقف عبثي، لكنه سيستمر على هذه الخطة كل يوم، دون ملل أو تعب.

No comments:

Post a Comment