Thursday, June 17, 2010

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

مصر هي أمي.. لكن تركيا جدتي

قد يجمعهما الأصل التركي الواحد والإحساس بالوفاء تجاه الجارة تركيا، إلا أن فارق السن والتجربة قد صنع رؤيتين مختلفتين تماما تجاه البلد نفسه.

كتب – عبد الرحمن مصطفى
لا يخفي أحمد لطفي – الصحفي بجريدة الأهرام الفرنسي – أنه ورث عن عائلته ذات الأصل التركي صورة دفعته إلى الاهتمام بالتجربة التركية في سن مبكرة. الجد الذي وفد إلى مصر في العام 1914 حاملا معه انكسارات الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وجد في القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك الذي أسقط نظام الخلافة عام 1923 نموذجا جديدا للتغيير، وتعمد تسمية نجله "مصطفى كمال" تيمنا بذكرى القائد على غرار بعض المصريين في تلك الفترة. يقول أحمد لطفي الذي يجاوز اليوم السادسة والستين من عمره : "ورثت عن أسرتي هذا الإعجاب بتجربة تركيا نحو التحديث الأوروبي، وتطور الأمر معي شخصيا بعد قيام الثورة المصرية عام 1952 حين كنت أرى مصر تتجه نحو إنشاء دولة حديثة تسعي نحو نهضة حديثة". هذه الرؤية تختلف معها نهلة البدري- المعيدة بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة- التي ترى تركيا بعيون أبناء جيلها، لا يشغلها الحديث عن جدها ذو الأصل التركي لتتحدث كشابة في الثانية والثلاثين عن إعجابها بالتطور الأخير للتجربة التركية، و تقول : "أنا من جيل تأثر بكلام الداعية عمرو خالد عن المشروع الحضاري والتنمية، وأعتقد أن الأتراك قادمون بقوة فهم أمة ناهضة من مصلحتنا أن نساعدهم".
يختلف مفهوم النهضة الذي استخدمه كل منهما بين نهضة أتاتورك والنهضة الإسلامية التي يراهن عليها الجيل الجديد، و لا يخفى البعد السياسي وراء صورة التركي في كل رؤية. يرى الدكتور عاصم الدسوقي - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب في جامعة حلوان – أن السياسة كانت أحد العوامل الهامة في رسم صورة الشخصية التركية في مصر بدء من صورة الحاكم المتغطرس انتهاء بصورة الصديق الجار المسلم، و يوضح ذلك : "تطورت الصورة بعد أن اندمجت كثير من الأسر التركية في مصر بعد إعلان الحماية البريطانية عام 1914 والقطيعة مع الدولة العثمانية ثم سقوطها، فاختفت صورة الحاكم الأعجمي البعيد عن الحياة اليومية المصرية، خاصة مع وجود زعامات وطنية ذات أصول تركية مثل الزعيم محمد فريد، لكن على جانب آخر فلنتخيل صورة تركيا حين كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يخطب ضد تركيا احتجاجا على تعاونها مع القوى الاستعمارية آنذاك. تلك الصور اختلفت مؤخرا مع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا ومواقفه المؤيدة لفلسطين وإظهار حسه الإسلامي". هذا التطور الأخير الذي يشير إليه الدكتور عاصم الدسوقي اجتذب شريحة من الشباب أعلنت دعمها لتركيا الجديدة، يتجلى هذا في عشرات العناوين من مجموعات الفيس بوك، إحداها تحت عنوان "Arabs and Turks meeting place" ( مكان تلاقي العرب و الأتراك) التي تشارك في إدارتها نهلة البدري مع أصدقاء مصريين وأتراك، وتم تدشينها بواسطة مجموعة متحمسة درست اللغة التركية في المركز الثقافي التركي وشباب تركي مهتم بالعالم العربي. لم تتولد هذه المحاولات من فراغ بل نتيجة حماس شبابي بدأ يزداد وتبرز مظاهره نتيجة مواقف تركية رسمية.
في بداية العام الماضي تناقل الشباب عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطة الفيديو التي انسحب فيها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى جلسات مؤتمر دافوس بعد توجيه اللوم للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وقتها تكونت مجموعات داعمة لأردوغان، أما لقطة الفيديو نفسها فزارها مئات الآلاف مثلما يشير عدد زوار إحدى نسخها الموجودة على موقع Youtube.com لتحميل لقطات الفيديو. الموقف نفسه تكرر مؤخرا حين تبدلت الصور الشخصية لحسابات بعض الشباب وحلت محلها صورة رجب أردوغان مرة أخرى مع الاعتداء على أسطول الحرية المتجه لدعم الفلسطينيين عبر البحر، وعاد الحماس لتركيا ورموز حزب العدالة والتنمية الحاكم هناك. قد يبدو أحمد لطفي بعيدا عن هذه الأجواء تماما في حديثه لكنه يعلم جيدا كيف تتحكم السياسة في صورة البلدان وهو ما عاشه بعد ثورة 1952، إذ يوضح : "كان التوجه العام في مصر معادي للأرستقراطية وأحيانا ما كان هذا يضايق العائلات ذات الأصول التركية رغم أننا في النهاية مصريون". ما يذكره أحمد لطفي عن التهكم على صورة التركي المرتبطة بعائلات الثروة والسلطة لم يكن مرتبطا فقط بالثورة المصرية، بل كان له بدايات سجلتها السينما المصرية قبلها بأعوام قليلة بين تقديم صورة الباشا المتكبر، وبعضها ظهر في شكل كوميدي مثل ما قدمه إسماعيل ياسين بشكل مباشر في فيلم "المليونير – إنتاج 1950". و أثناء تلك الحقبة التاريخية كان الصاخبون أحيانا ما يستعينون في هتافاتهم المعادية للملك فاروق بتعبيرات تربط بين تركيا وتدهور الحكم الملكي في مصر مثل نداء "إلى أنقرة يا ابن الـمرة"، رغم انفصال تركيا تماما وقتها عن المملكة المصرية، وهو ما كان استدعاء للصورة القديمة للحاكم التركي الأعجمي من الموروث الشعبي. يعلق الدكتور عاصم الدسوقي قائلا: "الوعي الشعبي لا يكذب، بل يستند إلى أصل حقيقي لا يمكن إنكاره، لكن هذه الصورة تظهر وتختفي حسب تطور العلاقات السياسية حتى بدأنا نلاحظ مؤخرا مع انتشار المد الديني ظهور اتجاهات في الكتابة التاريخية تحاول تجميل صورة الدولة العثمانية و تلقى قبولا لدى البعض من منطلق ديني دون التحقق من أخطاء العثمانيين وسقطاتهم". الاختلاف بين وجهتي نظر جيلين و رؤيتين مثل رؤية احمد لطفي المعجب بالتجربة التركية العلمانية ورؤية نهلة البدري الشابة التي تدعم الملمح الإسلامي الجديد لم يقتصر على من هم يراقبون من بعيد في مصر، بل هو صراع كبير تعيشه تركيا نفسها التي تتأرجح بين الاستيعاب والاستبعاد في علاقتها مع أوروبا. وفي دراسة نشرت على موقع قناة الجزيرة الإلكتروني يؤكد الدكتور إبراهيم البيومي غانم- خبير الشؤون التركية- أن هناك فريق من الأتراك يرفض الاندماج الحضاري في الغرب ويرى أن مستقبل تركيا يكمن في توجهها ناحية الشرق بدلا من الغرب، بينما هناك رغبة علمانية/أتاتوركية أقدم وأقوى تسعى إلى الذوبان في أوروبا والاندماج في حضارتها. هذه الحسابات لا يهتم بها الكثيرون في مصر، خاصة مع الاقتراب من تفاصيل الحياة التركية عبر وسائط أخرى مثل الدراما التركية وتأسيس قناة تركية ناطقة باللغة العربية. هذه الطرق الحديثة للاتصال مع تركيا لفتت انتباه أحمد لطفي إلى شيء مختلف كان يفتقده : " لقد قدمت هذه المسلسلات صورة النظام الاجتماعي للأسرة التركية التي كنا نراها في بيوتنا في الماضي، وقدمت صورة جديدة لحنين قديم"، أما بالنسبة لنهلة البدري فتذكر : "كنت مهووسة بالثقافة الأمريكية التي يقدمها لنا التليفزيون المصري.. أنا حاليا لا أستطيع أن أشاهد مثلا حلقة كوميدية من Friendsبدون أن أسمع تلميح خارج أو إباحي... هويتنا كمسلمين مهددة، على الأقل الثقافة التركية – رغم تأثرها بالغزو الأمريكي – هي ثقافة قريبة من ثقافتنا، وعلينا أن نركز فيها على ما ينفعنا". تختم جملتها وتقرر أن ترفع صورة جدها ذو الأصل التركي على حسابها في الفيس بوك، وهو ما لن يفعله أحمد لطفي الذي احتفظ بذكرى جده في قناعات خاصة به، إلا أن كلاهما يكاد يكون متفقا على أن هناك اهتمام متصاعد بالنموذج التركي سببه السياسة والدين.

**
لغتي الثانية.. تركي

قبل عام واحد فقط لم تكن هناك أي صلة تجمع كل من سارة أحمد وأنس باسم وحقي إسماعيل، اليوم تجمعهم زمالة دراسة الدبلومة الأمريكية في مدرسة صلاح الدين الدولية. في العام الماضي اجتذبهم خبر تأسيس أول مدرسة تركية في مصر واتخذ البعض تغيير مساره الدراسي تماما، سارة التي كانت طالبة في الصف الثاني الإعدادي العام الماضي بمدرسة سانت فاتيما للغات جذبتها التجربة الجديدة، وتعلق على ذلك قائلة : "انتقلت من دراسة الشهادة البريطانية ( IGCSE ) إلى دراسة الدبلومة الأمريكية هنا بعد مناقشة مع أسرتي، وكان دافعنا الأساسي هو ما تقدمه المدرسة من رعاية إسلامية إلى جانب الطابع الحديث للمدرسة".
في طرقات المدرسة لافتات لأسماء الله الحسنى، وعبارات إسلامية أعدها الطلبة تعبر عن الطابع المتدين الذي يحيط بالمكان رغم أن المظهر العام قد لا يختلف في مظهره كثيرا عن بعض المدارس الدولية الأخرى. الاختلافات الجوهرية تكمن في إمكانية اختيار اللغة التركية كلغة ثانية بديلة عن الفرنسية أو الألمانية، إلى جانب ما يتلقاه الطلبة من دروس في الدين والقيم. تعرفت سارة على زميلها الجديد حقي (الألباني الأصل) في فترة الصيف حين أقيم موسم " Summer school المدرسة الصيفية" الذي تعرف فيه الطلبة على أساتذتهم والمواد الدراسية الجديدة، أما أنس الذي تعرف على زميليه الجديدين من خلال دراستهما للغة التركية كلغة ثانية فكانت له وجهة نظر أخرى: "أحيانا ما يزور والدي تركيا بحكم عمله، أطمح أن أجيد التركية حتى أساعده في عمله بعد سنوات.. من يعلم؟"
تعمل أخته ياسمين معلمة بالمدرسة نفسها، وهي تنقل وجهة نظر الأسرة في تعلم ابنها التركية في هذه المرحلة المبكرة قائلة : "هناك مجالات قادمة للتعاون مع تركيا، وقد بدأ السوق المصري في استقبال شركات تركية بالفعل منذ سنوات، وأعتقد أنه في ظل التقدم التركي واهتمامنا بهذه التجربة ستكون اللغة التركية ميزة لمن يجيدها".
حسب إدارة المدرسة فإن الطلبة الأتراك لا يمثلون سوى نسبة 15% من أعداد الطلبة الملتحقين بها في عامها الأول والبقية من المصريين، وتشجع الإدارة أولياء الأمور على التعرف على اللغة التركية للمهتمين في فصول خاصة لهم. أما الأصدقاء الثلاثة فما زالوا في سن صغيرة وتجربة مبكرة حتى يقرروا إذا ما كان أحدهم سيتخصص في اللغة التركية. سارة أحمد ترى في تعلمها التركية كلغة ثانية ميزة جديدة إلى جانب اللغة الفرنسية التي تعلمتها في مدرستها القديمة، أما حقي إسماعيل فقد نقل دفة الحديث إلى تجربته في المسابقة التي أقيمت بين المدارس الدولية التركية في تركيا حين حصل على الميدالية الفضية في مسابقات تعتمد على إجادة مبادئ اللغة.
يرى الدكتور عبد المنصف مجدي بكر- أستاذ اللغة التركية بقسم اللغات الشرقية في كلية السن بجامعة عين شمس- أن النشاط الإعلامي التركي المزدهر في السنوات الأخيرة عبر المسلسلات والفضائيات وإنشاء فضائية تركية باللغة العربية كلها أمور بدأت تؤتي ثمارها في الاهتمام بدراسة اللغة، خاصة في أماكن مثل المركز الثقافي التركي، وهو ما قد يتيح فرص عمل بواسطة رجال أعمال أتراك أو في فرص عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل مثل خدمة العملاء في شركات الاتصالات، يقول : "في العام الماضي تقدم إلى شعبة اللغة التركية عشرة طلاب فقط، ثم ارتفع العدد إلى ستين في هذا العام وهو ما يعطي مؤشرا على الاهتمام باللغة وما قد تتيحه من فرص". يأتي هذا التحول بعد أن بدأت شعبة اللغة التركية بعد تأسيسها في العام الجامعي (1990/1989م) بانضمام طالبة واحدة تعمل الآن ضمن طاقم التدريس الجامعي بالقسم، وعلى مدار العامين الأخيرين فقط شهد الدكتور عبد المنصف مجدي بكر تطور هذه "النزعة التركية" التي زادت من الإقبال على دراسة التركية بشكل عام في مصر.

تركيا قادمة عبر الفضائيات

"كنا منذ أعوام طويلة نتلقى رسائل كثيرة من مستمعينا الأفاضل يعبرون فيها عن رغبتهم في فتح قناة ناطقة باللغة العربية . فها قد تحقق حلمهم مع إطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية ". هذه العبارة الإعلانية سجلها موقع محطة "تي ار تي" التركية قبل ثلاثة أشهر ليعلن الخبر الذي انتظره الكثيرين "محطة تركية باللغة العربية". يرى مدير القسم العربي من القناة الذي يتابع تفاصيل العمل من اسطنبول أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على مدى نجاح التجربة، لكن "المؤشرات طيبة" حسب تعبيره. سفر توران الذي يجيد اللغة العربية بطلاقة قال للشروق إن الرهان كان قائما على أمرين : الأول هو الأجواء السياسية التي قربت تركيا أكثر من العالم العربي نتيجة مواقف بعينها، وهو ما زاد الرغبة لدى العرب في التعرف على تركيا وإحياء الشوق للعلاقات المشتركة القديمة بين الطرفين، الأمر الثاني الذي يذكره توران هو أن التواجد التركي داخل الإعلام العربي عبر الدراما التقليدية قد زاد من تكثيف هذه المشاعر المتبادلة، خاصة أن تلك المسلسلات نقلت تفاصيل الحياة في البيت التركي، وأعادت الثقافة التركية إلى الأضواء.
لا يستطيع السيد سفر توران تقييم تجربة المحطة الناطقة بالعربية اعتمادا على مدة عمل تقارب الثلاثة أشهر فقط، و يعلق باقتضاب : "بعض البرامج حققت التقارب المطلوب والبعض لم ينجح وجاري تطوير مزيد من الأفكار". ما يطمئن مسؤولو القناة هو كم الإيميلات التي يتلقونها من الشباب عبر الموقع التي تحمل مشاعر طيبة لتركيا والمحطة، أما الصورة التي تراهن المحطة على تقديمها فهي صورة تركيا المنتمية إلى العالم العربي والاسلامي من خلال قناة ذات طابع عائلي تجمع بين الترفيه والثقافة والأخبار.. بعض البرامج اتخذت بالفعل طابعا مباشرا مثل "تعلم اللغة التركية"، و "وجهتنا تركيا" الذي يقوم بالتعريف بالأقاليم والمدن التركية المختلفة، إلى جانب فقرات تجمع بين المطربين العرب والأتراك في جلسات طرب، يقول سفر توران : "اعترف أننا تأخرنا في اتخاذ خطوة تدشين قناة ناطقة بالعربية طوال السنوات الماضية، خاصة حين نرى دولا لا يجمعها بالعرب أشياء مشتركة مثل الدين والتاريخ والثقافة وقد أسست أقساما عربية في فضائياتها، لكن في النهاية نحن لدينا هذه الميزة".

سلطنة عثمانلي

ما زالت صورة المطرب الجالس وسط أفراد "التخت الشرقي" مرتديا طربوشه الأنيق هي آخر ما تبقى من زمن "الطرب العثمانلي" القديم. يرى أحمد مصطفى- الأستاذ بمعهد الموسيقى العربية- أن هناك إسهامات أخرى للأتراك قد لا يشعر بها سوى المتخصص، وهو ما يوضحه قائلا : "هناك قوالب موسيقية تدرس في معاهد و كليات الموسيقى نادرا ما يعرفها المستمع العادي مثل : البشرف واللونجا وغيرها ألفها موسيقيون أتراك وما زال الطلبة يدرسونها حتى يومنا هذا!" . الصورة القديمة لمطرب التخت الشرقي صاحب الطربوش من أمثال عبده الحمولي وكامل الخلعي كانت تمثل اتجاها تركيا قديما يعتمد على التطريب بشكل كبير. ويوضح أحمد مصطفى رأيه بغناء كلمات وطنية على الطريقة التطريبية القديمة كي يعبر كيف قد لا يعبر الأداء عن المعنى، ثم يضيف موضحا: "النقلة الحقيقية التي كسرت الصلة مع الموسيقى التركية القديمة كانت على يد سيد درويش الذي اهتم بالتعبير عن المعنى من خلال الإيقاع والسرعة واللحن، وهكذا اتخذت الموسيقى المصرية المعاصرة طابعا جديدا تأثر بالموسيقى الغربية والموسيقى المصرية الخالصة". حسبما يؤكد أيضا فإن الصلات لم تنقطع تماما مع الموسيقى التركية، بدءا من الاقتباسات المتبادلة بين الفنانين في الجهتين انتهاء بملحوظة رصدها بحكم عمله كمعلم وعازف لآلة العود، حيث يذكر موضحا بمثال : "أصبحت هناك مدرسة تركية حديثة في العزف على العود تأثرت بالموسيقى الأوروبية، وتبناها عازفون شباب هناك، وقد لاحظت أن هناك عازفون مصريون بدؤوا في التأثر بهذه المدرسة ليعود النغم التركي مرة أخرى إلى الساحة وان كان لم يبلغ مدى اتساعه مثلما كان في زمن السلطنة التركية القديمة".

• أكلات مشتركة ومذاق مختلف

يظن البعض أن وجود بعض الأكلات المتشابهة بين المطبخين المصري والتركي مثل : الكشك، و المسقعة، و الشاورما، والشركسية، قد يعني بالضرورة تطابق المذاق، إلا أن مدحت المغربي مدير المطعم التركي بالقاهرة يختلف تماما مع هذه الفكرة قائلا : "أحيانا ما يأتيني زبون جديد ويطلب شركسية على أساس أنها الاسم الأقرب إلى أذهان المصريين عن الأكل التركي، فأسأله : هل أكلتها من قبل؟ فإن لم يكن قد أكلها في بيته – تبعا لأصوله التركية على سبيل المثال – فأرشح له طلبا آخر، أما إذا كان قد ذاقها فأقدمها له موضحا أنه سيتذوق طعاما تركيا مختلفا عما ذاقه من قبل هنا في مصر". في قائمة المأكولات أسماء قد يتعرف عليها الزبون المصري بسهولة مثل : الكبيبة، بابا غنوج، ورق عنب بالكوارع، شاورما باللحمة، لكن هناك أسماء اخرى قد تبدو مختلفة مثل : رول فيليه عثمانلي، دونر كباب، اسكندر شاورمة لحم. حيث يعتمد المطبخ التركي على "تتبيلته" الخاصة للتميز على بقية المطابخ.
في عام 1997 أسس مدحت المغربي المطعم التركي محددا رؤيته منذ البداية التي يوضحا قائلا : "كان الأسهل أن أؤسس كافيه أو مطعما تقليديا حيث أقدم الشيشة أو حتى المشروبات الروحية، لكن كان في رأسي صورة المطعم التركي المثالي الذي لا يفد إليه الزائر سوى للاستمتاع، مثلما كنت أرى ذلك أثناء فترة عملي في مطاعم تركية بالخليج أو أثناء زياراتي لتركيا". حول المطعم في حي المهندسين شبكة من مطاعم الوجبات السريعة التي تكاد تحاصره، وهي نفس المطاعم التي يعتبرها مدحت المغربي قد قتلت حس الاستمتاع بتناول الطعام لدى المصريين. يشغله هذا الأمر ليس فقط خوفا من المنافسة بل أيضا بحكم عمله كمحاضر في أحد المعاهد الفندقية. يعلق على ذلك بقوله : "أعترف أن هناك اتجاه أكبر للتعامل مع المطعم عبر خدمة توصيل الطلبات، لكن في النهاية ما أحققه في الحد الأدنى هو حرصي على تقديم المذاق التركي الأصلي". يذكر مدحت المغربي أن هناك "تتبيلة" خاصة هي التي تميز الأكل التركي تعلمها فريق العمل المصري في المطعم على يد طباخين أتراك عملوا في بداية تأسيس المطعم.. ثم بدأ الاعتماد على المصريين الحاليين لغلاء أجور الأتراك. لا يخفي مدحت المغربي أن اسم المطعم "أتاتورك" الذي يعني "أبو الأتراك" أحيانا ما جلب له تعليقات تتهمه بالعلمانية لسمعة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، بينما كان أساس اختياره هو معنى الاسم، تلك التعليقات لم تزعجه لرضائه عن وفاء زبائنه المحبين للمزاج التركي في الأكل وفي أجواء المطعم المصممة بزخارف وطريقة تركية تقليدية. يقول مدحت المغربي : "الاهتمام الأخير بالمسلسلات التركية أثر بشكل ما على اهتمام الزبائن، لكن ما يلفت نظري أنا في هذه المسلسلات وأدعو الناس إلى ملاحظته هو ذلك الاهتمام الواضح بجلسات الطعام داخل المجتمع التركي، وهي قيمة فقدناها إلى حد ما في مصر، وأرجو أن تعود مرة أخرى، وهذا ما أتمسك بتقديمه".