Friday, July 12, 2013

خانة الديانة: مسلم

دين واحد.. وأزمات متنوعة
**
مستقبل اللحية والجلباب

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى

يتعرض عبدالرحمن كامل ــ بائع الأثواب الإسلامية ــ لمضايقات من بعض «الشباب صغير السن» على حد وصفه، حين يتعمدون الإساءة إلى الملتحين وإلى الرئيس السابق محمد مرسى لمجرد استفزازه. «فكرة تطبيق الشريعة هى التى تخيف البعض، وتجعل رد فعلهم عنيفا بهذا الشكل ضد الإسلاميين، لأن الملتحين يذكرونهم بأن هذا المجتمع سوف ينضبط». يجلس عبدالرحمن كامل ــ البائع الأربعينى ــ فى متجر خشبى أمام مسجد العزيز بالله فى حى الزيتون، لحية متوسطة الطول، وجلباب أبيض قصير، فى منطقة ذات حضور سلفى يعود إلى سنوات.

ما يتعرض له بعض الملتحين من مضايقات فى الطريق تجاوز هذا الحد، فكلما برز الإسلاميون داخل الاشتباكات المتتالية، يزداد الاستهداف تجاه الملتحين فى الحياة العامة، والأمر تعود جذوره إلى فترات أبعد من اللحظة الحالية، هذا ما حدث فى عدة حوادث من أشهرها فض اعتصام وزارة الدفاع بحى العباسية فى مايو 2012، حين استهدف الأهالى مجموعات المعتصمين وهم يفرون من أمام قوات الأمن، واستجمعوا تركيزهم بدرجة أكبر تجاه الملتحين، لأن اللحية كانت دليل على المشاركة فى الاعتصام الذى عرف وقتها باعتصام «ولاد أبوإسماعيل».
وتكرر الموقف نفسه فى العديد من الاشتباكات الأخرى مثل جمعة كشف الحساب أكتوبر 2012، وأحداث الاتحادية ديسمبر 2012، وأخيرا تلك الاشتباكات بين مؤيدى ومعارضين الرئيس السابق محمد مرسى، حيث تكون اللحية دليلا كافيا على أنك من المعسكر الإسلامى.
«جالى وقت فكرت أبعد عن السياسة أو المشاركة فى المظاهرات والمليونيات الإسلامية، عشان أعتزل الفتن اللى بنعيشها اليومين دول، بس رغم ده كله أنا لسه مقتنع بتأييدى لمحمد مرسى، وأنه لم يأخذ فرصته الكافية لإصلاح البلاد ثم تطبيق الشريعة»، يؤكد عبدالرحمن كامل وجهة نظره بحكم مشاركته فى عدد من الفعاليات الإسلامية السابقة، ولا يجد ما يدعو إلى القلق على تجارته البسيطة، رغم تزايد حدة الاشتباكات والاستقطاب بين معسكر المؤيدين والمعارضين للرئيس السابق محمد مرسى.

فى أوقات أخرى، تحدث مفاجآت ومواقف مربكة، منها أن تصطدم مع من جاء يتضامن معك لمجرد أنه ملتحٍ، هذا ما حدث فى اعتصام وزارة الثقافة الذى استمر لأسابيع فى شهر يونيو الماضى، حين تعرض أحد فنانى الكاريكاتير للتضييق بسبب كونه ملتحيا.

وازدادت تلك الهواجس بعد محاولة اقتحام الاعتصام على يد نشطاء إسلاميين بقيادة الناشط الإخوانى أحمد المغير، وشهد نفس هذا الاعتصام حادثة شبيهة حين اجتمع الشباب وقتها حول المهندس حمدى عبدالجليل، وكيل مؤسسى حزب الوطنيين الديمقراطيين الأحرار، وعضو الهيئة العليا لحزب الجبهة الديمقراطية ــ سابقا ــ واستهدفوه بالطرد ظنا منهم أنه ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، ودليلهم على ذلك أنه كان ملتحيا. بعد أسابيع على مرور هذا الموقف، يعلق المهندس حمدى عبدالجليل قائلا: «لى زملاء يتعرضون لهذا الموقف بشكل متكرر».
المفارقة أنه يستخدم فى حديثه النقد الحاد تجاه بعض رموز الإسلام السياسى من الإخوان المسلمين والسلفيين، رافضا حتى استخدام تعبير «التيار الإسلامى»، واصفا بعضهم بالبلطجية، حريصا على استخدام الآيات القرآنية والأحاديث الشريف فى كلامه.
«شخصية الفرد وتعامله الطيب هو ما يفرض احترامه على الآخرين، والمصداقية لا تصنعها اللحية أو الجلباب، لقد وعى الناس الدرس، وليس لمن يعمل فى السياسة سوى عمله»، هكذا يعلق على الأحداث المهندس حمدى عبدالجليل، مؤكدا أن هناك صورة نمطية بدأت تتشكل عن السياسى الملتحى، وأنها قد بدأت تترسخ لدى الجماهير فى العامين الأخيرين.
لكن هل يؤثر ذلك على المستقبل السياسى لكثير من السياسيين المتمسكين بالمظهر الإسلامى بعد أن أصبح بعضهم عرضة للاستهداف أثناء الاشتباكات بين الموالين والمعارضة؟ يقول مصعب الشريف، عضو حزب النور: «الأمر ليس بجديد.. فقد كنا نشكو طوال العام الماضى من إهانات دائمة لأهل السنة، وكان الإعلام يستهدفنا بحملات السخرية، كان بعضها تحريضيا وممنهجا».
لم يجد مصعب سوى أن يستأنس برأى الشيخ السلفى وحيد عبدالسلام بالى وسأله: ما موقع الشباب الملتزم والملتحى فى تلك الأزمة؟ وقد كان رأى الشيخ أن الحل فى الرجوع إلى العلم الشرعى، حين يكون الملتحى الملتزم مقصد طالبى العلم، وليس موضع سخرية من الإعلام.
يتبنى مصعب موقفا وسطا بعيدا عن تأييد الرئيس السابق، كما أنه لم ينضم إلى لواء المعارضين له، ورغم ذلك يتعرض مع أصدقائه لمضايقات فى حياتهم اليومية، وتدور أسئلة من نوعية: «إنت من مؤيدى مرسى؟»، «هل أنت إخوانى؟».
أما فى جانب مؤيدى الرئيس السابق فهناك من يرون تفسيرات أخرى تحمل طابع المؤامرة هدفها النيل من صورة الملتحى، وذلك حتى قبل سنوات طويلة.. أحد من يؤمنون بهذا التفسير هو المهندس أحمد مولانا ــ عضو المكتب السياسى للجبهة السلفية ــ الذى وصف تداعيات الفترة الماضية، قائلا: «كل ما حدث فى الفترة الماضية كان بسبب عودة سياسات جهاز أمن الدولة القديمة، التى اعتمدت على تشويه صورة الشخص الملتحى والطعن فى الإسلاميين».
يؤيد المهندس أحمد مولانا الرئيس السابق محمد مرسى، وكذلك أعلنت الجبهة السلفية موقفها مبكرا قبل 30 يونيو الماضى، وهنا يصمت قليلا ثم يعود معلقا: «الانقلاب على شرعية الرئيس محمد مرسى سيدخلنا جميعا فى نفق مظلم، وسينتج كراهية لا حدود لها، وإن كنت لا أتوقع أن تؤثر الأحداث على من يعرفون الاسلاميين جيدا». هنا يتفق أحمد مولانا مع عدد آخر من قيادات العمل الإسلامى الذين ما زالوا متمسكين بروح التفاؤل، إذ يرون أنه ما زالت هناك فرصة للإسلاميين، فى السياسة والدعوة، رغم كل تلك الضغوط.
**
شيعة تحت التهديد

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى

«اخترت المذهب الشيعى وأنا فى سن 16 سنة فى عام 2005، وظللت لسنوات أقرأ وأستزيد دون أن التقى أى شيعى مصرى أو أجنبى، حتى جاءت الثورة، وظننت أنها بداية للتحرر من حالة الغربة التى نعيشها»، يتحدث عمرو إبراهيم، منسق حركة شباب مصر الفاطمية، التى تضم شبابا مصريين انتقلوا إلى المذهب الشيعى الاثنى عشرى قبل سنوات.
فى داخل إحدى عمارات وسط البلد القاهرية، خلت الغرفة من الأثاث التقليدى، لتتيح جلسة عربية على الأرض، ومساحة فسيحة لممارسة الشعائر، لذا على الزائر أن يخلع نعليه قبل الدخول إلى تلك الحجرة والجلوس على الأرض. الجميع مشغول بمتابعة الأخبار عبر الإنترنت، وغالبية الشباب هنا قد اختاروا التحول إلى المذهب الشيعى قبل سنوات، عدا الشاب حيدر الذى نشأ فى أسرة شيعية منذ ميلاده.

جميعهم يعتبرون القيادى الشيعى الراحل حسن شحاتة أبا روحيا لهم، ومنهم من شهد حادث قتله فى قرية «زاوية أبو مسلم» بمركز أبو النمرس بالجيزة قبل أسابيع، وهو ما زال منعكسا على حالتهم النفسية حتى الآن.

يروى أحمد عبدالودود ــ الناشط السياسى الذى شارك فى العديد من الفعاليات الثورية على كرسيه المتحرك ــ كيف جذبه المذهب الشيعى بسبب غموض شخصية الإمام الحسين، ما دفعه إلى مزيد من القراءة. وتعايش على مدى سنوات مع تجارب صعود كيانات شيعية مثل المجلس الأعلى لآل البيت، حيث لم يجد هناك ما يجذبه.

فلماذا لم يتجهوا إلى التيار السلفى أو الصوفى؟ ينتقل الحديث إلى ضياء محرم الشاب العشرينى، قائلا: «السلفيون منغمسون فى العلم، والمتصوفة غارقون فى الروحانيات، وتلمست طريقى إلى التشيع عن طريق القنوات الفضائية الشيعية». فى ذلك الطريق دفعوا ضريبة اختيارهم، خاصة أن عالم الإنترنت يموج بفيديوهات الإساءة والكراهية المتبادلة بين السنة والشيعة، ما يزيد من حرج الموقف، فمن المستحيل أن تعتنق المذهب الشيعى وأنت تحمل تقديرا لبعض الصحابة أو للسيدة عائشة، وهو ما يستعدى الكثيرين ضدهم.
هنا يعود ضياء محرم الذى تعود أصوله إلى محافظة المنيا كى يوضح قائلا: «وضعك الاجتماعى وظروفك الاسرية قد تحميك من التضييق والاضطهاد، لكنها لن تمنع عنك العزلة، على سبيل المثال فإن أهل قرية أبو مسلم التى جرت فيها حادثة قتل 4 من الشيعة، قد سبقتها إجراءات أخرى مثل الحصار الاقتصادى على الشيعة ورفض البيع أو الشراء معهم». هم أيضا لم يكونوا بعيدين عن هذا الواقع، إذ إن بعضهم تعرض للإقصاء من عمله عدة مرات بسبب انتمائه إلى المذهب الشيعى، وهنا يدور سؤال حول مستقبل الشيعة بعد عزل الرئيس محمد مرسى عن منصبه، هل سيظلون تحت تهديد المجتمع، أم أن التغيير السياسى المأمول سيكون له دور فى المستقبل؟ يعلق عمرو إبراهيم ــ مؤسس حركة شباب مصر الفاطمية التى تضم هذه المجموعة من الشباب: «نحن نحصد ما فعله مبارك والسادات فى فتح الباب على مصراعيه لتيارات دينية متشددة، لكننا بعد الثورة بحثنا عن الحرية المذهبية، ولا سبيل إلى المستقبل سوى ضمان هذه الحرية عن طريق القانون، وهذا ما نطمح إليه». حسبما يؤكد هؤلاء الشباب المجتمعون فى مركز مصر الفاطمية للحقوق والدراسات، فهناك توجس من الشيعة المصريين تجاه الإعلام بسبب ما وصفوه بالمواد التحريضية التى تنشر عنهم، مثل أن يتم الربط بين الشيعة المصريين والجمهورية الإيرانية، وأن تتكرر تعبيرات مثل «الزحف الشيعى»، «المد الشيعى»، فى حين لا توجد أرقام حقيقية عن أعداد الشيعة فى مصر. يعلق عمرو إبراهيم ــ مؤسس حركة شباب مصر الفاطمية: «أمريكا بها شيعة، لماذا لا يُقال إن هناك اختراقا إيرانيا للدولة الأمريكية؟ أو أن الشيعة هناك ولاؤهم لإيران؟ يكفى أن أقول إن إسرائيل الصهيونية تقام بها الشعائر الشيعية والحسينيات، أما هنا فمازلنا نقوم بها فى تكتم شديد». تكونت هذه العلاقات بين هؤلاء الشباب بعد الثورة، أو حسبما يصف عمرو أنه كان يتعرف على شيعى مصرى عبر الإنترنت، ثم يصل إلى آخر حتى اتسعت الدائرة، ويصفون أنفسهم بأنهم مجموعة من الشباب يعملون على الوصول إلى أكبر شريحة من الشيعة المصريين لمساندتهم فى أوقات الشدة. أما فى شهر رمضان، فلا تختلف الأحوال كثيرا عدا فى مناسبات احتفالية خاصة بالشيعة، وتلاوة الأدعية المأثورة، فى حين يصلى الشيعى النوافل ومنها صلاة القيام بشكل فردى، وليس فى جماعة، ما قد يقلل من متاعبهم فى الأيام المقبلة.
**
صوفيون في حضرة التمرد

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى

فى أبريل الماضى تنبأ الصوفى مصطفى زايد برحيل الرئيس محمد مرسى فى مدة لن تزيد على شهرين إلى ثلاثة أشهر، وذكر فى ذلك الوقت أنها بشرى من سادات آل البيت.
وحين جاء الموعد فى الأيام السابقة على تاريخ 30 يونيو، انطلق مع زملائه إلى التحرير، فى انتظار تحقيق النبوءة، ولم يكن وحده هناك إذ شاركت بعض الطرق الصوفية التقليدية فى الاعتصام بميدان التحرير، أما هو فيختلف عنهم فى أنه يرأس الائتلاف العام للطرق الصوفية الذى تأسس قبل عامين مع مجموعة من المتصوفة، كما يصف نفسه بالناشط الصوفى.
«داخل الطريقة يعانى الصوفى البسيط من التهميش وسطوة شيخ الطريقة الذى يرث ابنه منصبه من بعده، وهذا الأسلوب لابد من تغييره». تلك النزعة دفعت بعض المنتمين إلى الطرق الصوفية لتكوين ائتلافات واتحادات تجمع شباب الطرق الصوفية، على أمل صنع مناخ جديد فى عالم التصوف، لكن الأمر على أرض الواقع لا يتجاوز أن تكون بعض تلك الكيانات مجرد صفحات على شبكة فيس بوك الاجتماعية، كما أنها تتناثر بين المحافظات المختلفة، وأغلبها يعتمد فى نشاطه على تسجيل المواقف وإصدار البيانات الرسمية. يذكر مصطفى زايد أن هناك حالة من الغربلة ستجرى لكل الكيانات الصوفية التى أنشئت بعد الثورة وليس لها وجود حقيقى، وفى جانب آخر يردد عدد من مشايخ الطريق الصوفية التقليدية عن أصحاب تلك الائتلافات أنهم طامحون إلى مناصب ويسعون إلى الشهرة. وتبرز هنا أسماء كيانات منها: رابطة الصحوة الأزهرية، والاتحاد العام لشباب الصوفية، والاتحاد العام لشباب الطرق الصوفية، لكن لم تسفر هذه الكيانات عن تأثير جذرى فى التصوف المصرى، بقدر ما أعطت صوتا للصوفية فى بعض الفعاليات الثورية، كما أنها ليست كيانات ذات طابع واحد، فغالبا ما يكون مؤسسها هو محور ذلك الكيان الصوفى، وأحيانا ما يكون المؤسس فى محافظة ومعاونوه فى محافظة أخرى. هذه الأجواء لا تصنع قطيعة بين هؤلاء الشباب ومشايخهم، إذ لا يجد الشيخ مصطفى زايد غضاضة من أن يقبل يد مشايخ الطريقة الرفاعية التى يتبعها، ويرى أن الخلاف بينه وبين مشايخ الطرق الصوفية هو اختلاف حول أسلوب الادارة، خاصة أنه كان قد طالب مع زملاء من نفس التيار الشبابى الصوفى، الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثينات والأربعينات، أن يكون لهم موضع قدم فى إدارة الشأن الصوفى. «حاولنا أن نوجد لنا مكانا فى المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وحاولنا أن نقدم مقترحات لتعديل القوانين واللوائح المنظمة للطرق الصوفية، لكن لم يستجب أحد». رغم ما ترسمه عبارات الشيخ مصطفى زايد من صورة ضبابية عن مستقبل تلك الكيانات، غير أن الأمر ما زال فى يد الطرق الصوفية التقليدية أن تفتح باب التجديد والنقاش من داخلها.

No comments:

Post a Comment