فى رحلته اليومية يودع غمرة متجها إلى المترو، يعلق قائلا: «فى أول رمضان حين جربت توزيع التمر على الركاب كنت أخشى ردود الأفعال العكسية، وشعرت بخجل شديد أثناء التوزيع، لكن كنت أقول لنفسى إننى وقفت فى يوم من الأيام فى الشارع كبائع حر، هل أخجل اليوم من عمل الخير؟».
أثناء عبوره ناحية المترو يظهر فى شارع رمسيس من اختار توزيع علب العصير على السيارات المارة أسفل كوبرى غمرة، أما داخل محطة المترو يتلقى سمير نفسه كيسا يحوى عصيرا وخبزا للإفطار من أحد المتطوعين داخل المحطة، بمجرد أن يظهر المترو المزدحم يتوقع سمير السيناريو اليومى: «قد أفرغ ما معى من تمر فى عربة مترو واحدة، ومن المهم جدا أن أنهى ما لدى قبل الأذان، وكذلك قبل محطة المطرية، حيث يظهر شباب آخرون فى المحطات التالية يوزعون بدورهم التمر ووجبات أخرى، وهؤلاء لن أدخل معهم فى منافسة، بل على العكس أحيانا ما أتعمد أن أفطر على ما يقدمونه كى أجرب إحساس من أوزع عليهم التمر». داخل عربة المترو تختلف الأجواء قليلا، ففى أوقات الزحام التى يزيد فيها التوتر والعصبية تتلاشى المشاعر السلبية ويخترق سمير صفوف الركاب بسهولة، وما إن ينهى عمله حتى يستقر فى مكانه كأى راكب آخر، وفى طريقه إلى المرج لا يتوقف الشباب عن عطائهم داخل المترو، بعض الشباب يلقون أكياس من خارج العربة خوفا من الدخول وإغلاق أبواب المترو عليهم، وآخرون تركوا بعض التمر فوق ماكينات التذاكر جوار أبواب المحطات. يعلق سمير بعد أن ينهى مهمته قائلا: «العبارة التى توجه إلى دائما بشكل متكرر هى جزاك الله خيرا، أوزع على الجميع.. حتى المسيحيين لا يرفضون التمر ويشاركون الصائمين فرحة الإفطار». أحد الركاب المسنين المداومين على استخدام عربات المترو يذكر أن مشهد توزيع التمر والعصائر على الصائمين لم يكن منتشرا بهذا الكم قبل سنوات، وحتى فى فترات صباه فى الخمسينيات والستينيات لم تكن هذه الفكرة منتشرة ما يجعله يشعر بالأمل قائلا: «الشباب دلوقتى أكثر التزاما من زمان، ومجتهدين أكتر». هذا الاتجاه نحو إفطار الصائمين سبقه فى السنوات السابقة تشجيع من عدد من الدعاة فى محطات التليفزيون الدينية وعلى الإنترنت. فى موقع (الطريق إلى الله) خرجت إحدى المطبوعات تحت عنوان: يوم فى حياة صائم و دعا ناشروها على الإنترنت إلى طبعها ونشرها فى الطرقات، إحدى أهم توصيات هذا الملصق تقول: فى موعد صلاة المغرب لا تنسى توزيع التمر فى الطريق إلى المسجد. أما سمير عنتر فقد اقتصر توزيعه للتمر داخل عربات المترو، وغالبا ما تنتهى الكمية، التى يحملها معه يوميا فى محطة منشية الصدر أو كوبرى القبة.
ينزل الراكب من محطة مترو كوبرى القبة ليفاجأ بمعتز حسن وهو يستقبله حاملا صينية عليها أكواب مشروب التمر هندى، يشاركه فى هذه المهمة أخته، التى تقف بعيدا جوار زوجها رضا سالم يعدان أكواب الشراب، وما إن ينهى العابرون أكوابهم حتى يكتشفوا وجود حبات تمر مقطعة داخل الكوب يفطرون عليها فى طريقهم، كل هذا احتاج إعداده ساعتين قبل الإفطار حسب حديث رضا سالم الذى قال: «الحقيقة أننا لا نأتى إلى هنا يوميا لتوزيع الشراب والتمر، أكثر الأيام المضمونة لنا هى يوم الجمعة أو فى أى يوم آخر نجده مناسبا لهذه المهمة». أثناء عملية التوزيع يدور العمل بين ثلاثتهم بشكل آلى دون حديث إلا من عبارات تحذيرية توجهها الزوجة لزوجها وأخيها من ألا يسقط منهما شىء، وتعلق بدورها قائلة: «جربنا توزيع الإفطار فى الشارع على المارة فى العام قبل الماضى، ثم توقفنا العام الماضى وتركنا المهمة للمسجد المجاور، لكن الحقيقة، التى اكتشفناها أن أمتع لحظة هى أن أقدم الخير بنفسى».
يحتفظ ثلاثتهم بابتسامة ترحيب أثناء حديثهم، وتستغرق المهمة نحو ثلث الساعة بعد أذان المغرب. يشير معتز إلى أن نفس هذه المهمة التى يقوم بها جوار محطة المترو مجموعة أخرى من الشباب والأصدقاء.
ما يقوم به هؤلاء المتطوعون على الطريق أصبح مثار اهتمام البعض، أحدهم وجه سؤالا إلى دار الإفتاء المصرية حول إمكانية تخصيص جزء من زكاة المال لهذا العمل، لكن رد دار الإفتاء كان واضحا، حيث اعتبرت هذا العمل «نوعا من وجوه الخير والتكافل كالصدقات والتبرعات، لا من الزكاة». حيث إن للزكاة المال مصارف محددة أوضحتها الفتوى المحفوظة على الموقع الالكترونى لدار الإفتاء على الانترنت.. ومؤخرا دخلت إلى فكرة توزيع التمور وقت الإفطار تأثيرات أخرى سياسية مثلما حدث مؤخرا فى مدينة الإسكندرية حين تطوعت إحدى الفتيات بتوزيع التمور على الصائمين مع ورقة صغيرة تطلب فيها الدعاء بالرحمة والمغفرة لروح الشاب خالد سعيد، الذى لقى مصرعه قبل عدة أشهر فى حادث أثار الجدل حول دور وزارة الداخلية فى وفاته، كما استغل البعض الفكرة فى الدعاية الانتخابية، أما سمير عنتر ورضا سالم وأسرته فهم بعيدون تماما عن مثل هذه الأهداف. بل إن محاولة الحديث مع هذه المجموعة كادت تفشل بسبب ما أفصح عنه رضا وأسرته قائلين: «من يعمل الخير لا يحب أن يتحدث عنه كثيرا».
.jpg)



لم يعد هناك مجال الآن لأن يمر أحدهم من أمام البارات الموجودة فى وسط البلد ويلقى عبارة من نوعية «حسبى الله ونعم الوكيل»، تلك العبارات يتلقاها أحيانا بعض العاملين فى مجال تقديم الخمور على مدى العام من الرافضين لفكرة تقديم الخمور فى كافتيريات أو بارات مخصصة، في شهر رمضان يتوقف تقديم الخمور وتغلق فيه أغلب البارات أبوابها تماما. بالنسبة لموريس مكارى مدير كافتيريا عرابى السياحى فالأمر بمثابة إجازة سنوية يبتعد فيها عن الضغوط اليومية التى كان يتعرض لها فى غير شهر رمضان، يقول موريس: «لا يوجد قرار رسمى بإيقاف خدمة تقديم الخمور، لكنه أصبح عرفا أن أغلق فى الأعياد الدينية مثل المولد النبوى ورأس السنة الهجرية وفى شهر رمضان». يستطيع موريس أن يتقبل فكرة إغلاق الكافتيريا التى تعتمد على تقديم الخمور منعا لأى حساسية قد تصيب البعض فى هذه الفترة، فقد شهد المحل الذى افتتح فى عام 60 تطورات عديدة حتى ظل باقيا إلى الآن، لكن ما لا يقتنع به موريس هو مشكلة أخرى يذكرها قائلا: «الضرائب تحاسبنى على أساس أنى أعمل طوال أيام السنة بما فيها شهر رمضان الذى أتوقف فيه عن العمل، وأدفع أجور العاملين، وهذه المشكلة ليست إلا جزءا بسيطا مما نتعرض له على مدى العام من زيارات لرجال شرطة الآداب بحثا عن ضبطية إلى جانب غيرها من زيارات موظفى الحى واعتراضاتهم على رفع أى إعلان عن الخمور.. كلها مشاكل نعيشها طوال العام، ونرتاح منها فى شهر رمضان». يعتقد موريس أن جميع مقدمى الخمور يمتنعون تماما فى رمضان سواء فى البارات أو الكافتيريات أو المطاعم، لكن على أرض الواقع فالوضع يبدو مختلفا، حيث يعرض موقع على الانترنت تحت عنوان (baladibar.com البار البلدى) حصرا وخريطة لجميع البارات والأماكن التى تقدم الخمور على مدى العام، لكن لم يفت مؤسسو الموقع أن يضعوا علامة مميزة على الأماكن، التى تقدم الخمور فى رمضان دون مشاكل، وحددت أربعة أماكن، اثنان منها أندية لجاليات أجنبية والمكانان الآخران يقعان داخل مطاعم ملحقة بفنادق، وتعتمد إمكانية تقديم الخمور للزائر المصرى أثناء رمضان على مدى علاقته بالمكان فى الأساس، خاصة الأماكن التى يرتادها الأجانب، بالعودة إلى موريس وغيره من البارات فلديهم مشكلة، وهى انحصار نشاطهم فى فكرة «البار» وتقديم الخمور، على عكس أماكن أخرى مثل مقهى الحرية ذى الطابع التاريخى فى منطقة وسط البلد، حيث يقدم المقهى الخمور بتصريح رسمى، لكنه يتوقف تماما عن تقديمها فى رمضان، وحتى فى ساعات النهار يحرص على نفس الإجراء التى تحرص عليه بعض المقاهى فى مداراة زبائنها من أعين الصائمين، يقول محب نيقولا مدير مقهى الحرية: «أحاول فى بداية رمضان أن أغلق أبوابى على سبيل الراحة وتقليل النشاط، والعمل كمقهى تقليدى بقية الشهر». يذكر عدد من العاملين فى البارات أن نسبة الخسارة ليست بالحجم الضخم، لكن الجميع يتعامل معها على أنها إجازة سنوية، يقول وجدى الكردانى رئيس غرفة المنشآت السياحية إنه لا توجد توصيات أو قرارات مصاحبة لعمل البارات تفرض حجب نشاطها فى رمضان، ويضيف: «هذا الإجراء تتخذه المحال من نفسها تماشيا مع الروح العامة لرمضان، فحتى الملاهى الليلية تغلق أبوابها، وبعض المطاعم السياحية تغير فقراتها كى تقدم رقصات فلكلورية، لكن على جانب آخر، فالأمر غير محظور لمراعاة احتمالية وجود مجموعات سياحية فى هذه المطاعم أو الفنادق». أحد العاملين فى بار وسط البلد الشهيرة ذكر قبل بدء شهر رمضان بأيام أنها فرصة سنوية للهدوء والتأمل بعيدا عن الصخب، خاصة أن زبائن بارات وسط البلد لا يتغيرون كثيرا، هم نفس الزبائن يتنقلون بين عدد من البارات، لكن فى شهر رمضان ينقطعون غالبا. 